jeudi 3 janvier 2008

كلود ليفي ستروس، شكراً

ملحق النهار الثقافي، كانون الأول 2007
:تحية إلى كلود ليفي ـ ستروس في عيده التاسع والتسعين
المحافظة على العقل البشري



قبل أيام معدودات، أتم كلود ليفي ـ ستروس عامه التاسع والتسعين، في صمت إعلامي تام. أليس أن الإعلام يهوى الأصفار؟ فالرجل من مواليد 28 ت2 1908. أي أنه يدنو من اتمام قرن كامل على هذه البسيطة، كان له فيه فضل التأثير على بعض أفضل عقول زمنه. ليست هذه المقالة، التي لن يقرأها، أكثر من تحية للشخص نفسه، لا تلخيصاً لنظرياته. كلود ليفي ـ ستروس على عتبة القرن الجديد. إنها أيضاً فسحة لنقيس أين أصبحنا من طموحات الحداثة.

بعد وفاة سارتر، الذي خاض خلافاً حاداً مع ليفي ـ ستروس حول موقع التاريخ والفلسفة والإناسة، اعتبر أحد استطلاعات الرأي أن المثقف الأوسع تأثيراً في فرنسا هو الإناسي الذي طلق السياسة مبكراً، بعد حملة انتخابية اشتراكية انتهت يوم بدأت اثر سقوط قائدها الأغر وسيارته في المياه. كان ذاك في عصر تزهو فيه الساحة الفكرية الفرنسية بألمع أسمائها، وجلهم مثقف على الطريقة الفرنسية منغمس بشكل أو بآخر في هم الناس والسياسة. إلا أن تقديم ليفي ـ ستروس عليهم، دون أن يستاؤوا، كان تقديماً منهجياً لأن عالم الإناسة والباحث في أساطير أميركا ما قبل كولومبوس كان أحد معلمي المنهج والتطلب في العلوم غير الطبيعية. غير أن ليفي ـ ستروس لا يرى في ما يدعى "البنيوية" سوى أقدم طرائق التفكير: المقارنة بين مختلفين، لكشف الثوابت وراء الفروقات التي ينبغي تمحيصها بأقصى الدقة، بدل استنفاد حياة كاملة في وصف ظاهرة واحدة بالكاد. لكن أليس الحديث دائماً هو عودة ما قبل التاريخ على ما يقول والتر بنجامين؟

ليفي ـ ستروس، مثله مثل جورج دوميزيل، صاحب نظرية الوظائف الثلاث في الحضارة الهندو ـ أوروبية، يعدان بدورهما استكمالاً لبرنامج بدأ في أواسط القرن التاسع عشر، ويرده البعض إلى كتاب فوستيل دوكولانج عن "المدينة الغابرة". أي للرغبة في تحويل العلوم الإنسانية إلى علوم متطلبة ودقيقة بقدر العلوم الطبيعية، لكن مع فصل موضوعها (أي المجتمع وليس الإنسان) فصلاً تاماً وناجزاً عن الطبيعة كشرط أساسي لإنجاح هذا البرنامج. تطلب ذلك أيضاً المرور بالألسنية والقواعد المقارنة وعلم الاجتماع والإناسة والفيلولوجيا والتأريخ والصينيات. وكان كل مجال يمد الآخر بأدوات تجاوز نفسه وتجاوز وفرة معلوماته المربكة. كان هذا الطموح، الذي انتهى خصومه إلى اتهامه بنفي الإنسان من اعتباراته، ايماناً في العمق بقدرة العقل الإنساني على فهم ما يبدو له متنافراً. كان هذا الدرس الأبرز الذي استخلصه ليفي ـ ستروس، وكان لما يزل طالباً بعد، من قراءة ترجمات كتب فرويد أول صدورها في فرنسا. أو، بعبارته هو، لم يكن من المعقول أن يكون البشر قضوا ألوف السنين في مجافاة المنطق. لذا لا بد من أن ثمة قواعد قابلة للفهم وراء تنافر مؤسساتهم ومعتقداتهم وتدافع أساطيرهم.

القاعدة الأولى التي استنبطها كانت عالمية منع زواج المحارم، وما يستتبعه ذلك مما يترتب على هذه القاعدة لجهة التبادل الاجتماعي للنساء والثروات. إلا ان ليفي ـ ستروس يصوغ هذه القاعدة بشكل ينطبق عليه وصفه لقاعدة الوظائف الثلاث لدى دوميزيل. فهذه "الايديولوجيا" تطّرد شكلياً فحسب، أما ما يصبّ داخلها فمتغير ومتفاوت. أي أن القاعدة شائعة في عموم المجتمعات البشرية، إلا أن تحديد المحارم، وبالتالي تحديد الخيار الأمثل للزواج، أمر مختلف كلياً في ما بينها.

أما في تحليله للأساطير الأميركية، فإن ليفي ـ ستروس يقوم بتقريب مدهش بين بنية تركيبها وبين ... التأليف الموسيقي الأوروبي، مقترحاً أن تكون الموسيقى الوريثة لبنى التفكير الأسطوري المنسحبة من التفكير الغربي في ظل صعود العقلانية. في هذا المعنى، يشكل ليفي ـ ستروس أحد أشد المدافعين عن قراءة عقلانية للأمور، تصر على ادراج كامل مظاهر الحياة، مهما بدت غرابتها في إطار منطقي العمق، وتصر على منهج علمي يستبدل تكرار التجارب عينها معملياً بامتداد التجارب المجتمعية والبشرية على قرون وقارات عدة، مع معرفة أنها لن تبلغ نفس درجة الدقة كما العلوم الطبيعية. مشروع الأنوار وما بعدها، كما نعلم، يتعرض لصدمات متتالية، إلى حد أن أحداً كريجيس دوبريه يعلن بكل جرأة أن حصة اللاعقلانية في المجتمعات جميعها محفوظة لا يمكن تخفيضها وإن تنوعت أشكالها. يمكن قياس هذا التراجع في الطموح "الإنساني" (نسبة إلى المذهب الأوروبي النشأة) حتى في خطاب ليفي ـ ستروس ما بين الستينات حين كان يردد رغبته في فهم عمل العقل البشري، وبين الثمانينات حين بات يردد إنه لا يفعل سوى القول كيف يفكر هو شخصياً.

بل إن ليفي ـ ستروس يدرج الإناسة كلها في إطار طموح المذهب "الإنساني" إلى فهم هذا الإنسان، انطلاقاً من الحضارة الغربية، ثم بمعرفة الشرق العربي والهند والصين، وأخيراً بالأميركيتين وافريقيا واوستراليا. وهو في هذا يضع أطروحات "الاستشراف" المتداولة أمام اختبار عسير، بمجرد الممارسة التي يقوم بها الإناسيون. إذ ما الذي يرجوه الغرب من دراسة الشعوب "البدائية"، التي انقرضت أو أوشكت، والتي أخضعت أو أبيدت من قبل أن تدرس، سوى فهم آلاف الحضارات البشرية قدر الإمكان ومنع أن يطوي الزمن هذه التجارب الإنسانية دون أثر عليها؟ وضع الدراسات الشرقية في هذا الإطار الأوسع يحرمها الوظيفة التبريرية الإخضاعية التي ألصقت بها، دون أن ينفي ذلك عن هذا الالصاق قليلاً من الصواب في بعض الحالات القليلة. لذا يعتبر ليفي ـ ستروس دراسة الإناسة آخر المغامرات الكبرى، ذلك أن ما تبقى لنا لنكتشفه (القمر؟ الكواكب؟) أصمّ حجري بارد لا تجربة إنسانية فيه.

بحكم موضوع دراسته إذن، يميل ليفي ـ ستروس إلى المحافظة على الحضارات البشرية ومنجزاتها، بما تتمثل به أساساً، أي الطقوس والمؤسسات واللغة. وهو في هذا يستعمل لغة فرنسية شديدة الدقة والتهذيب، لمّاحة المرح المحترس. منذ زمن بعيد، طلق الرجل الحماسة السياسية، معتبراً أن من أخطأ مثله بالدعوة إلى السلام، قبل الحرب العالمية الثانية، لا يجوز له أن يستمر في التدخل في مثل هذا المجال (آه لو أن من أخطوؤا في السياسة والحرب يستلهمون هذا الدرس!). لكن ذلك لا يجعله من "المحافظين" القدامى ولا الجدد. ذلك أن للحفاظ على أسس الحضارة، بالنسبة إلى ليفي ـ ستروس، قواعد لا تنطبق تماماً مع "العمى" اليميني الطاغي، وإن توافقت معه في ضرورة احترام المؤسسات والحفاظ عليها (ليفي ـ ستروس برر، إناسياً، لتلاميذه قبوله بمنصبه كأستاذ في الكوليج دو فرانس بضرورة الحفاظ على المؤسسات). بالمقابل، يدعو ليفي ـ ستروس إلى احترام طقوس الدخول في الحياة الراشدة، وعدم الانسياق وراء هيمنة الطفولة على مخيال البشر (لا بد أولاً من السيطرة على "مادة" ما، كاللون أو اللغة أو الآلة، قبل أن يعبر المرء عن قدرته الابداعية). وعلى الرغم من الفصل النظري بين الحضارة والطبيعة، والذي يشكل "الطبخ" أحد معالمه الرئيسة، فإن ليفي ـ ستروس يحذر من تعريف الإنسان ككائن مفكّر بدل كونه "كائناً حياً"، لأن هذا الفصل بين الإنسان والبيئة يرفعه إلى مصاف السيد والمسيطر على الطبيعة ويؤدي إلى تدمير بيئته وجغرافيته. رغم أن ليفي ـ ستروس يعلم ما يعلن، بنبرة تشاؤمية ودون أوهام في ما خص وعي البشر، إلا أنه أيضاً يمتنع عموماً عن اطلاق نبؤات حول المستقبل، ويحتفظ بعشق رائع للحياة ولتوازن أنواع الحياة المختلفة على هذه الكرة الأرضية.

يتوجس الإناسي أيضاً من ثقل الكتلة البشرية المتنامية على العالم وموارده، وعلى تجربة الحرية والعقل البشريين، معتبراً أن الانفجار السكاني يجعلنا أيضاً في مرحلة تسميم ذاتي، مستعمرين من ذواتنا. كما يتوقف ليفي ـ ستروس أيضاً في مقابلات وكتابات عديدة عند أثر سرعة التنقل والتبادل بين المجموعات البشرية المختلفة، على اعتباره أثراً ضاراً يقضي على مجتمعاتها وأنماط حياتها. لا شك أن مواضيع دراسته، في الأميركيتين، تؤكد مثل هذا التوجه. إلا أن ليفي ـ ستروس يمضي أبعد من ذلك، معتبراً أن من شروط السلام بين المجتمعات توازن المسافة. ألا يكون البعد بالغاً، ولا القرب لصيقاً. أي أنه، في العمق، لا يدعو إلى "تجميد" المجتمعات في ثلاجات الهوية، بل إلى تركها تنضِج باختيارها وبإيقاعها آثار مبادلاتها مع الخارج عنها. والحق أن درساً رئيسياً ينبغي الخروج به من كتابات ليفي ـ ستروس هو ضرورة اختيار وضبط المسافة، بين المجتمعات بعضها بعضا، كما بين الدارس وموضوع درسه، وإلى حسن اختيار أداة النظر إذ لا ينفع المجهر في رصد النجوم ولا المرقاب (التلسكوب) لفحص الجراثيم. وليس مثل هذا الدرس غريباً عمن حملت كتبه، خاصة الحميمة منها، عناوين مثل "من قريب ومن بعيد" (De près et de loin)

(Regard éloigné) و "النظر على مبعدة

"عالم الإناسة،

الذي أسفت أكاديمية غونكور لأنه حجب عنها منحه الجائزة حين لم يكتب على غلاف "مدارات حزينة

(Tristes tropiques)
أنه رواية، المشترك مع ياكوبسون في "قراءة" قصيدة القطط لريمبو،

تلميذ الألسنية، والمحمول في مركب واحد مع بارت ولاكان وفوكو (رغم اعتراضه واعتراض كل منهم) في مركب البنيوية، هو أيضاً نموذج على ما كانت الحياة الفرنسية تتيحه من لقاءات غريبة وفريدة، على ظهر باخرة أو في رواق إحدى معاهدها غير النمطية وغير الجامعية. هل أبلغ من استقبال عالم الصينيات غرانيه لعالم الرومانيات والاغريقيات دوميزيل: "ادخل، فانني انتظرك منذ عشر سنوات"! حتى في أزمة الحرب العالمية الثانية، التي غادر فيها ليفي ـ ستروس، بسبب اسمه اليهودي، فرنسا إلى الولايات المتحدة حيث اضطر إلى كتابة اسمه على النحو التالي: "كلود ل. ـ ستروس" كيلا يتعرض لتعليقات الطلبة حول الجينز، صادق الإناسي الإنساني عميد السورياليين أندريه بروتون وعلّما، مع سائر العصبة، الأميركيين كيفية النظر إلى نتاجات الجضارات الأميركية بوصفها نتاجات فنية بديعة وجمالية.


إلا أن اللقاء الأغرب والأكثر دلالة، على ما أحسب، كان لقاء ليفي ـ ستروس بالعالم، حيث إن
بطريرك العقلانية هذا، وصاحب مئات الآلاف من القسائم التي تختصر وتبوب وترتب آلاف الكتب، جعل من العالم خريطة على جدران مكتبته، وجلس طويلاً ينظم كتبه حتى أتى كل كتاب في الموضع الذي يحتله موضوعه من قارات العالم المصورة. بالطبع، لم يطل الحال قبل أن غزت الفوضى والوفرة هذا الاجراء البديع. عمل العقل لا ينتهي. كلود ليفي ـ ستروس، شكراً.

Aucun commentaire: