عهر البلاغة
نشرت في ملحق النهار، 18 أيار 2008
ـ حين تنتشر شظايا القنابل وشرر الرصاص، يغدو تماسك الخطاب وقحاً إن لم يكن كذابا. ما يبقى من القول إلا كتل يفتتها أدنى لمس امرأة ثكلى، أو طفل خائف.
ـ من يسائل الآن عن منطق قرارات حكومية هوجاء، عن التوقيت وجدول عفن الشرق الأوسط، أو عن تمهل المنتصر، حين تطفح بسمته بثمل النشوة المظفرة، بسكرة السلاح؟ أليس السلاح ما يحرك نفوس حامليه، بحسب بورخيس؟ خفة الدم، في هذا المقام، أو أناقة الاقناع، ليستا غير فرع من شجرة النفاق. عهر فاضح تصير البلاغة حين لا تجهر بأن "الموت يدافع عن الموت" ؟
ـ في صيف 2006، حارب مقاتلو حزب الله مثل أشباح، في أرضهم. هاهم اليوم يطلقون النار على الأشباح. هل اعتراهم الرعب من نقاء صورتهم، أم هو وسواس الدم الخفي المنسي على الأيدي يستدعي دماً أوضح؟
ـ قتلى الحروب الأهلية ليسوا شهداء، بل شهود على الحمق والكبر. دمهم لا يصعد إلى السماء العكرة، بل يظل على الأرض، لا يغسله شيء، ينبت دوماً على جلود الناجين، وفي أعين القتلة كجفن معترض.
ـ حزب الله لم يعد حزباً، بل شعاراً، كالقاعدة، يحمله حتى أعداؤه، شارة في جبينهم. كل مقاتل لبناني في شارع لبناني أصبح مدموغاً به. كل مقاتل اليوم أصبح مقاتلَ الحرب الأهلية المتمادية منذ عقود، أو أكثر، القاتل على الهوية وعلى الثقافة وعلى الاسم، والمقتات من الغنائم والغصب. هل يدرك ذلك من يفرح باحتضان السلاح؟
ـ هناك من يشدد أن النزاع سياسي، وليس حرباً دينية. كي لا تكون الحرب دينية حقاً كان الأولى ألا يتحدث المشايخ والمفتون ونواب الغائبين والمغيبين، وكان يفترض أن يكون المنخرطون فيها سياسيين أو طالبي حق (محتكمين إلى القانون). أي أن يكون ولاء حزب الله لإيران ولاء سياسياً، لا فقهياً، وأن يكون موت الناس قتلاً لا شهادة، وأن يكون المقدس واللاعقلانية والفطرة (أي الغريزة) خارج أسباب الصراع ووسائله وذرائعه.
ـ مثل بثرات مزمنة، تتكرر مشاهد القتل في شوارع لبنان. هل هو غياب العدل الذي يعيد في كل مرة نسف السلم، الذي نقدمه على القصاص؟ من يأتي بالعدل إن لم يكن من غالب، عادل أم لا؟ هل هو غياب الرواية تُسكَب في روح اليافعين كي تكسر حماساتهم إلى الظفر الحربي وتُشكّكهم في وعود الملهمين والنجوم؟ أم أنها فقط ذاكرة مديدة، تسترجع، من حين لآخر، بعض الذكريات، دون أن تحفر في جلود الناس أي وجع؟
ـ قال أحد مشايخ الحزب إن بيروت الغربية لم تعد ذات أكثرية سنية. كم نرجو لو يتحقق هذا القول. كم نرجو أيضاً لو ينطبق نظيره على الضاحية البيروتية الجنوبية، ونرجو لو يسحب الجيش السلاح، بدل طلبه سحب المسلحين إلى يملكون السلطة الفعلية، أي قادة الزعران ومقدميهم، ولو ينتشر في كل المناطق بشكل متوازن، في انتظار انتشار الانماء. عسى أن تكرهوا شيئاً....
ـ الحرب خدعة، لا ريب. المقاتل ليس شجاعاً بل مخادعاً. أطهر الناس من يتمسك بشجاعة العيش الصعبة، لا من يتلمظ باقباله على الموت.
ـ بات الفصل المثلث ضرورياً بين الحزب (الذي بات مستغنياً في التعريف عن المضاف إليه، على جلاله) ومقاتليه وطائفته. لكنه أيضاً بات ناجزاً. الحزب المتطهر لا يلغ في الدم، عكس المقاتلين الذين يموتون ويعيشون في متخثره، أما الطائفة، المزهوة (بدليل الصمت العارم) بحلم القهر الموجه إلى خارجها، فستكون أول من يتنبه إلى كونه مجرد مقدمة لعودة النصل إلى روحها. كسابقاتها، سوف تستدعي، متأخرة، الآخر لينقذها من نفسها، من السرطان المتنامي في نسيجها. حكم الطبابة أن تكون يد حامل المبضع يد الغريب.
ـ طرابلس أيضاً تستأنف ذاكرتها، لأنها حاضرة فخور وليست ضاحية شمالية. مستقبلها لا ينفصم عن أزقتها، والرابط مع العاصمة الحديثة النعمة ليس بأوثق من الرابط مع ما وراء البحار، ما قبل العولمة. رهان وحيد لوقف "عرقنة" البلد؟
ـ بين مايو الفرنسي وأيار الانتصارات، بحسب إعلام الحزب المنتصر سرمداً، أن "المخيلة تنزل إلى الشارع" في باريس، في حين يصعد الشارع إلى المخيلة في بيروت. ربما لم يكن حصاراً، إلا أن شمس الحمراء تلح على مخيلتي كأميرات القصص. بينهما أيضاً أن أيام باريس عيد الأفراد المتحررين، أما أحداث بيروت فطوفان الرغبة في الانحلال في وحدة الجماعة، لذا كان التحرر سابقاً على مايو، في حين أن السلاح مصوب على رأس أيار يستعجله الانقضاء، نحو حزيران الشهير.
ـ لا يصنع من الفسيفساء اللبنانية زرد. المطارق تكسر، ولا تصيغ، والنار تحرق ولا تصهر. رغم ذلك، لا يجد الحزب خياراً سوى اتخاذ اللبنانيين درعاً! ولا يجدر بهم اسقاط مربعاته عنوة أو كرهاً، فاللوحة تتداعى إن لم تكن عناصرها "محشورة" ضلعاً إلى ضلع.
ـ حزب الله لاعب اقليمي، وطموح كوني، أو هكذا يظن. غير أنه لا يحلم بدولة له، تلقى مصير غزة، ولا بحكومة له خارج اقليمه اللبناني. ما قام به ليس غزوة، ولا غارة، بل طلب حار للحماية. يحيا الحزب من كون الطوائف عصية على الاقتلاع، ويموت لأنها ليست، على ساحة الدول، سوى كتل من أذى منتن لا يمس سوى بأعواد الموت القابض. كأنما النصر المحلوم على إسرائيل لن يكون إلا بثمن تحويل المشرق كله خلاء. أليس هذا أيضاً معنى القنبلة النووية الاسرائيلية؟
ـ حولت اسرائيل، رغماً عنها، الأرض اللبنانية موحدة. ها إن الحزب المعادي لسياساتها يحيل، رغماً عن مقارناته المتهافتة، بيروت مفصولة عن بنت جبيل بهوة مقدسة. كم حياة تلزم لردم المقدس؟!
ـ كيف تجيب رصاصة، أو تتحدث مع فوهة رشاش؟ كيف تعود إلى بلد تسأل فيه عن هويتك واسمك ومسقط رأسك (قبل أن يعاود السقوط) من عيون غريرة الشر؟ الخائفون لا يحارون جواباً، لأنهم يركضون، ويخفضون وجوههم. في مواجهة المقنعة وجوههم (للمناسبة، لم يتقنعون إن لم يكن حرصاً على علاقات الغد الذي يغتالون؟)، لا يسع المرء أن يرد إلا بسفور الوجه الهادئ على الرصيف. أن يكرر: لستُ أنت، لستُ أنت.
mercredi 21 mai 2008
أناقة اللغة الوقحة
الجسد في الزمن، وفي المدن
نشاط لبناني في التارماك:
أسئلة الزمن والمدينة إذ يعبرهما الجسد
نشرت في ملحق النهار، في تشرين الثاني 2005
شهد مسرح التارماك الباريسي المخصص للفن الفرنكوفوني نشاطاً لبنانياً متميزاً في ختام موسمه الأول بعد إعادة فتحه. ففي معرض استقباله لمسرحية "بيوخرافيا" للينا الصانع و ربيع مروة، والتي سبق عرضها في بيروت، عرض التارماك أيضاً لثلاثة فنانين : "كوارث" لعمر فاخوري، و "طائرات ورقية ـ بيوت" لفلافيا قدسي، و "كتب" لهانيبال سروجي. كما خصص، في 30 تشرين الأول الفائت، يوماً لعدد من أفلام الفيديو اللبنانية، فقدم أفلام "دائرة حول الشمس" لعلي شري، "السقوط الأخير" لنسرين خضر، "لا شيء يهم" لعلي قيس، "حديث نسوان" لدانييل عربيد، "وا" لزياد عنتر و "جيبرالطار" لغسان حلواني.
ثمة تصادٍ خافت بين ثلاثة على الأقل من هذه الأعمال يحيل المرء على أسئلة شائكة إذ تتقاطع فيها خطوط الزمن و المدينة والأطلال، على التباس جميعها بموضوع الجسد الذي يحيا ويعبر وينتهي إلى الخيبة أو اللامبالاة ما لك يتدخل سحر القص ليجعله حجراً فيهنأ، على ما كان تمنى الشاعر الجاهلي.
يفتتح شري فيلمه بصورٍ تبدو كما لو أنها تحمل في طياتها أطرها، فنجد البيوت عارية الأعمدة مثل أضلاعٍ، تتوسطها بقعات نور متسللة من فرجات لا ندري أهي وليدة الاهتراء والإهمال أم وليدة البطء في إتمام البناء. مبانٍ بين عمرين، لكننا نجهل إن كانت تمضي نحو الفتوة أم نحو الاندثار. أما نصه المستوحى من كتاب ميشيما "الشمس و الفولاذ" فيتأرجح بين حدين، حد الجسد الخائب إزاء الأفكار والعاجز عن مجاراتها والتشكل بحسبها والعاجز حتى أن يكون لائقاً بميتة درامية، وحد الأسى لدى إعلان نهاية الحرب لأن المدينة التي يحيا فيها لن تظل تأكل نفسها (أو هو يحسب ذلك)، لكن المصالحة مع الشمس تتم حين ينتبه إلى كونها تعجل بتحويل كل شيء إلى طلل.
في "جيبرالطار"، أو "جبل طارق"، فيلم فيديو و تحريك، لغسان حلواني والذي يعرض قريباً في بيروت، ليست المدينة (باريس) التي تتحول أطلالاً. باريس سلفاً طَلَلٌ مثلها منذ فجر التصوير. لكن ما يغيب ثم يتصخّر هو الوجه، وكذلك حال صور الفيلم التي تتحلل وتتقشر كالإعلانات عن الحيطان أو كجلدٍ محترق من أثر الشمس، و ذلك قبل أن يصير طارق نفسه هو الجبل الذي يظلل المدينة. في هذا الفيلم المستوحى من مسرحية "زنبق والجبل" أثر هائل للغياب، غياب رؤية المسرحية التي لم تكن، إبان الحرب، معروضة للأطفال بل توافرت فقط على الكاسيت. ليست الحرب أو عنفها ما يترك الأثر هنا، بل الصوت وغياب الرؤية، هكذا تتفتح الصور وتتناسل من بعضها كتتالي الدرجات الموسيقية فنجد عالماً معلقاً في دهاليز كيس تشبه نفق أليس التي تلاحق الأرنب الأبيض إلى عالم العجائب.
الغياب يترك بصمته الحارقة على جلد الصورة نفسها. في هذا ربما يقترب "جبل طارق" من فيلم على شري، إذ لا بعود التحول إلى طلل نوعاً من التصخر (الفردي في الأول و المديني في الثاني) بل عملية متواصلة (المدينة تأكل نفسها، الصور تقشر نفسها). لكن أحداً منهما لا يأخذ الطرح إلى مداه الأبعد متسائلا عن أحشاء هذه المعدة التي تقشر وتأكل. تحديداً يقف شري عند شمس ميشيما و لا يتناول الفولاذ الذي هو ربما، مصهوراً متدافعاً كحمم البراكين في فيديو وليد رعد عن السيارات المفخخة، أحشاء المدينة الفعلية، و محرك الصور (موتورها) في عنف شراهتها و نهمها.
طارق العابر في المدينة ـ الطلل يصير الجبل، أما عمر فاخوري فلا يعبر في الأمكنة بل في الأزمنة، أزمنة العنف الدافق. فاخوري سائح يبعث لنا بطاقاته البريدية و ألبوم صوره، "من بيروت مع الحب"، "من رواندا مع الحب"، "من كوسوفو مع الحب"... الخ. وكما يأخذ السياح للسياح الصور واللقطات أمام الأطلال و الأنصاب، تؤخذ صور فاخوري أمام الكوارث. الكوارث أحداث هي أنصاب الزمن و علاماته في رأي فاخوري، لكنها ربما كانت أطلال الأزمنة.
يلعب عمر فاخوري مع الصورة والجسد السينمائي الجيمس بوندي : "من روسيا مع الحب" للعميل 007 ، "من بيروت مع الحب" يرد فاخوري بثيابه السوداء مديراً ظهره مبتعداً عن انفجار السان جورج واضعاً يديه على خصره كأنما لا رادّ لعزم وتصميم رجل الوكالة البريطانية. "زيليغ" لوودي آلن يتلوّن كالحرباء حتى يصير، رغماً عن نفسه، عضواً في الميليشيا النازية، أما فاخوري فهو "من برلين مع الحب" يرسل لنا تمرد جسده يدخن بتلذذ و طرافة سيجارته أمام هتلر الخطيب في جنوده المتراصين لا يهتز لهم جفن... والأمثلة كثيرة، إلا أن كثرتها تبعث على التساؤل عن تساوي الأحداث و الكوارث في عين فاخوري، و عن غياب التفاوت، وهي متفاوتة، في القدرة على إنشاء أزمنتها الخاصة. إلى أن الكثرة والبحث عن الطرافة والدهشة يجعلان علاقة جسد فاخوري بأزمنة الكوارث علاقة متفاوتة أيضاً. فهو حيناً مشارك أو عامل في الكارثة نفسها، وحيناً مجرد إسقاط عليها من الخارج. على النقيض من عمل لينا الصانع و ربيع مروة الساعي في إخراج الجسد من حلبة العرض و في تقويض سلطة الصورة باللغة الناقدة و الساخرة والمفعمة ثقةً و هزءاً، يبدو أن فاخوري يسعى إلى وضع الجسد، جسده الخاص في قلب صورة الكارثة ولحظتها ربما ليمسح بمرهم الفكاهة ذنوبنا جميعاً فيها. بيد أنه ينسى أن لحظة الكارثة هي زمن ميت، بحسب دولوز على الأقل، و أن الجسد في مثل هذه اللحظة جسد معدٌّ للسحق، رغم كل خدع التصوير.
في حين يهرب البعض إلى الطفولة ("وا" لزياد عنتر) أو إلى الباروديا السياسية ("لا شيء يهم" لعلي قيس) أو إلى الحنين (و "طائرات ورقية ـ بيوت" لفلافيا قدسي) أو فقط يراكم البنايات المتكدسة كأكوام النفايات بحيث لا تترك مجالاً للسكان ولا متنفساً (أفلام "دائرة حول الشمس" لعلي شري) وحدهما "جبل طارق" لغسان حلواني و "السقوط الأخير" لنسرين خضر يقدمان جسداً في ماديته الهائلة، في ارتباكه ووهن مفاصله وخجله كما تُظهر خضر في فيلمها القصير جداً الذي يلوح كنثر الجسد في وجه جان فيغو و "سباحته" التي يحيلها قصيدة ملحمية في إعلاء الجسد و الإرادة و الماء المتلألئ.
سينما بيروت
بيروت في ثلاثة أفلام لبنانية من مهرجان باريس السينمائي
نشرت في محلق النهار في تموز 2007
كان لبنان ضيف شرف مهرجان باريس السينمائي الذي اختتم الأسبوع الماضي. لا تسعى هذه المقالة إلى "تغطية" شؤون المهرجان، ولا حتى البرنامج اللبناني فيه، الذي كان وافراً وإن لم يخلُ من نقصٍ كغياب محمد سويد وغيره. قصارى هدفنا هنا، مع الاعتذار الحار من الآخرين، هو مقاربة ثلاثة أفلام لبنانية جديدة يجمعها، إلى جانب الطابع الروائي الطويل، كونها تعرض للمرة الأولى في باريس، وكونها تحاول تشكيل صورة سينمائية لمدينة بيروت، على تفاوت في الأدوات والأساليب والأصوات.
لكن، لا بد أولاً من إزاحة التباسٍ ترددت أصداؤه على صفحات الجرائد اللبنانية وفي الكواليس، ويزيده بلةً، دفاع بعض النقاد عن تمثيل السينمائي لذاته وحدها، وكأنما هي من صنع يديه، على ما كانت أرندت تقول ساخرة من المتفاخرين بلغتهم الجرمانية.
كان خليل جريج وجوانا حاجي توما، بين المكرمين إلى جانب دانييل عربيد والمخرج الشاب وائل نور الدين عن فئة الأفلام القصيرة (ليس خطأ تكريم شبان في أول نتاجهم إلا متى فهمنا التكريم إعلان نهاية، لا دفعاً وتشجيعاً!). لقد أثار هذا الخيار بعض الضجة، مثل كل اختيار في كل مهرجان، حيث تساءل البعض عن سبب اختيار هذا الاسم لا ذاك، وإبراز ذا والتعمية على آخر. والحق أن كل اختيار إشكالي وظرفي، لكننا نحسب أن اختيار الثنائي جريج ـ حاجي توما هو أيضاً تكريم لجيل كامل من الفنانين والسينمائيين والمفكرين، إذ يبدو جلياً في أعمالهما ملامح نقاشاتهما وتفاعلهما مع أعمال غسان سلهب وجلال توفيق ووليد رعد وبلال خبيز ووليد صادق وربيع مروة وغيرهم كثيرون. مثل كل عمل جدي، تحاور أعمال جريج وحاجي توما أعمال مجايليهم وشغفهم بمدينتهم وتتقاطع مع اهتمامات هذا الجيل الذي فتح أمام الفنانين اللبنانيين أبواب مهرجانات العالم ولقاءاته وجمهوره الغفير الذي أمّ صالات باريس في هذا المهرجان الأخير، واعداً بمزيد من الترحيب بالفن اللبناني.
سنتناول إذاً، من بين أعمال هذا الجيل، فيلم السينمائي البارز غسان سلهب "أطلال"، ومن بين الوافدين الجدد فيلمي نادين لبكي "سكر بنات" وميشال كمون "فلافل".
غسان سلهب والغطس في عمق طلل
فيلم "أطلال" ليس الفيلم الأول لسلهب، وليس فيه من تردد أو تلعثم. يعرف سلهب ما يريد، ويملك أن يقدمه في جمال بصري أخاذ واقتراحات بصرية لافتة، مثل المشهد لدى طبيب العيون. وهو بعد أن استنفد أصوات بيروت وتصويرها من زوايا مختلفة (من الأسطح، والسيارات، في الليل والنهار، في سوليدير وفي الآثار المتبقية) في "أرض مجهولة"، يتوجه الآن ليصور بحر بيروت. البحر موقعاً، ومشهداً واستعارة. يمكن للغوص في البحر أن يكون استعارة للبحث في أعماق المرء، الذي يصوره كارلوس شاهين نيابة عن كل منا، مثلما يمكن لصور الأشعة الطبية أن تكون أيضاً استعارة عن الأعماق، وكما يمكن للفلامنكو أن يكون استعارة للكبر والتحدي ورائحة الدم الماثلة في مخيلة الشمس الاسبانية وعين الثيران.الزرقة والشمس والكوريدا المستدعاة، ليس باتاي بالطبع بعيداً. لكن الفيلم ليس مجرد استعارات، بل ربما ليست الاستعارة سوى ما يضيفه المشاهد نفسه على الفيلم، مثلما قد يضفي عليه قراءة سياسية.
نجرؤ على القول إن سلهب أيضاً يصور مادة رؤيته، وليس استعارتها النظرية. فهو لا يتردد فيمنحنا ما يشاهده مصاص الدماء، مثلما يشاهده، زائغاً مشوشاً، وبعد انطلاقة رائعة يتباطأ الفيلم بشكل غريب، لكن أليس التباطؤ أيضاً إدخالا لنا في زمن مصاصي الدماء، الخلود البطيء والممل.
يمكن الزعم أن الفيلم بعيد عن القراءة السياسية، وإن تزامنت جولات مصاص دمائه الخفي عن الكاميرا (لكن إن كان لا يصور، كيف تلتقطه عدسة سلهب؟) مع موجة قتل واغتيالات بيروتية وتنبأ بتحول الأطباء إلى قتلة، كما في بريطانيا. في الواقع، ينجم ابتعاد الفيلم عن الإسقاط السياسي من كون إنتاج مصاص دماء يهدف، برأينا، إلى قتل ندٍ آخر له الطبيعة عينها. هو إذاً عمل انتحاري. صناعة قاتل لقتل الذات.
لماذا مصاص الدماء؟ لماذا الأشباح والدم والقتلى؟ إنه، مرة جديدة، قبول ارث الموت متغلغلاً في نسيج الجماعة، عائداً من الغيب ليقيم لها لحمة وسدى. لا تغيب الجثث في الفيلم غيابها في أعمال جريج وحاجي توما، لكن الحداد أيضاً لا يحضر كما لدى وليد صادق. ما يحضر لدى سلهب هو موت حديث، ليس مرتبطاً بالحرب التي يمكن النظر إليها من هذا الجانب على أنها حرب ريفية، أو حرب ترييف المدينة. إنه موت سائر، سادر في عمله. موت يتطلب موته، يبحث عنه، ويشحذ على مهل السكين التي يأمل أن تأتي لتجز عنقه ككبش أخير.
إنها ظواهر مدينية تلك التي تروي عن مصاصي الدماء، والجرائم الجنسية، والعلاقات المتعددة الطبائع دون أي عقد، و توري عن شخوص دون عائلات، دون إخوة أو آباء ودون أبناء أو زيجات. يصور سلهب إذاً ما يمكن افتراض طابعه المديني بامتياز: فرد في شارع، انحرافات وجرائم، مدينة حبلى بأساطير حديثة.
يمكن بالطبع الطعن في تصوير سلهب لواقع المدينة، بدءاً من حقيقة مصاصي الدماء وجدوى أسطورتهم، وصولاً إلى افتراض أن "مدننا" ليست مدنناً بل كونفيدرالية قرى. لكن ذلك أيضاً مردود،فبيروت لا تني تبتلع مدافنها مثل أي مدينة حديثة، وتفكك النازحين إليها، ببطءٍ ربما ولكن بفعالية أكيدة تثبنها، للمفارقة، الجرائم والفضائح والقدرة على الاهتباء والسعي في هوامشها. لكن السؤال لاذي قد يكون سلهب يطرحه علينا هو عمن يعض، مثل الطبيب خليل ونسائه الفاتنات، ثدي المدينة إن لم تصور نفسها عذراء كوالدة الإله في الأيقونات؟ إنه سؤال كشف الغطاء عن حياء المدينة كي تتقبل العنف والموت الوارف في ثناياها، دون مزاعم عن إلهية هذا العنف أو "برانيته". إنه، في معنى ما، عنف البحر المتأبد كالأمواج في مفتتح الفيلم، لا ينفصل عن المدينة التي تنطوي على مدنٍ كثيرة في طبقات طياتها.
في بيروت فيديو كليب لبكي ودماها الجميلة، وبيروت ليل الشباب والمغامرة والمقامرة في فيلم كمون، هنالك متسع بعد للنضج، للأمل والرغبة. لكن سلهب يزعم أن لا مجال لإغفال عنف المدينة وقسوتها، على أفرادها وفيهم، أو لنسيان ذكر الموت والرغبة في دفع الحيوات والشوارع إلى أعماق سحيقة، لا تعود منها سوى أطلالاً نبني فوقها أحلاماً أخرى ونسياناً كثيراً. ربما ينبع انزعاجنا مع عمل غسان سلهب أننا فعلاً نشعر بطعم الدم تحت نواجذنا وأسناننا. ولسنا نبكي! أليست هذه معجزتنا المؤسفة؟
"سكر بنات": الإشفاق على المشاهد من دموع الدمى المتحركة
لقي فيلم نادين لبكي الذي لم يعرض بعد في لبنان ترحيباً حاراً من قبل بعض النقاد حين عرض في مهرجان كان الفرنسي، لكنه أيضاً قد يلقى اعتراضاً مثيراً للسخرية من قبل رافضي "الاستشراق الذاتي"، الذين قد يرون فيه "شداً" للمشاهدين من خلال استعراض جمال اللبنانيات واختراق تابو المثلية النسائية، على خفر مزعج، وإرضاء للغرب بإظهار مشاكل العذرية والعلاقات "غير الشرعية" فضلاً عن الفرنسي العجوز ومغامرته البيروتية. الاعتراض طبعاً سخيف لأنه لا يرى أن هذه العناصر موجودة في بيروت وليست متوهمة، ولا يكفي أن تكون أجساد النساء أرض الصراع اليوم بين دعاة حقوق الإنسان والأصولية السلفية حتى يكون في تصويرهن استشراق.
لكن الفيلم الذي يقدم تصويراً ناعماً وأنيقاً يعاني دون شك من الفتنا الشديدة بلغته البصرية التي لا تختلف عن فيديو كليبات نادين لبكي السابقة، فيبدو أشبه بفيديو كليب طويل منه بفيلم سينمائي يفترض بأدواته أن تكون أكثر كثافة وأغنى تنوعاً وملاءمة لما يطرحه.
كما أن لبكي، على ما يبدو، تشفق على مشاهديها، فلا تكاد ترد مورد حزن إلا وأشفعته بطرفة أو نكتة، مازجة مطلع الأسى بتواصل السرور. قد تقول لبكي لنا أن هذه هي طبيعتها، ولا شك أن الحياة مزيج منهما معاً، إلا أن منهجية هذا الخلط، فضلاً عن كونها تمنع من تعميق الحالات والمضي إلى أغوارها، تصبح بسبب طابعها التكراري نوعاً من "البرهنة" المسيئة للأعمال الفنية، لا سيما حين تفيض عن الحاجة وعن الواقع، كما في مشهد المحجبة التي لا تنزع حجابها حتى في وسط بناتها!
إلا أن أعمق مشاكل الفيلم، في رأينا، هو كون دماه (والدمى في العربية الغواني الجميلات) تتحرك في فقاعة معزولة عن بيروت التي تهدي لبكي إليها الفيلم! بيروت لبكي صور مسطحة لشوارع قليلة، وحارات مقفلة، تبدو غاطسة في مناخ موسيقي يداني النشاز والتنافر. تمتنع لبكي عن دخول المدينة من باب أصواتها، وتحرك دماها في مناخ معقم، وعقيم، من الكليشيهات الصوتية. إلا أننا نعرف أن المدن لا تؤتى أزمنتها سوى من أصواتها، كما سبق لسلهب أن فعل في "أرض مجهولة" أو رايغاداس في "معركة في السماء". على عكس الفيديو كليب، لا يمكن لفيلم "بيروتي" أن يكون حكاية على غرار حكايا لافونتين أو والت ديزني، أو أرضاً معلومة ومفارقة لبيروت.
سبق للبكي أن خلقت عالمها الفيديو كليبي، إلا أنه بطبيعته ليس سينمائياً لأنه يقوم اساساً على موسيقى لم تصنعها المدينة، بل أنتجت مسطحةً في حواضن اصطناعية معقمة بعيدة عن أصوات المدن (والصوت اللحن) ومشاهد أيامها ووقائع زمنها.
على لبكي أن تخرج من اللوحة التي نسجتها لنانسي وهيفا إذا شاءت أن تدخل إلى عالم ليل وريما ونسرين و"طانط" روز، اللواتي لن تظل حينها دمى متحركة تشفق علينا لبكي من دموعها دون داعٍ حقيقي.
"فلافل" ميشال كمون: بيروت واسعة الليل
لا يهدي كمون فيلمه الروائي الأول إلى بيروت، بل إلى شقيقه الشاب المتوفى روي. رغم ذلك، لا يكتفي كمون بتقديم صورة عن عالم بيروت وشبابها الليلي، بل يثبت أيضاً أن مدينة بيروت ليست تتطابق مع حدودها الإدارية. تصل كاميرا كمون إلى كسروان، لكنها لا تغادر بيروت. بيروت هنا هي زمن عيش، وليل، ومنطق المقامرة والمغامرة، وليست مباني وتقسيمات جغرافية أو دوائر إدارية، وبالتأكيد ليست شعاراً انتخابياً أو سياسياً.
خلافا للبكي أيضاً، يستعمل كمون الصمت وأصوات المدينة الليلية والسيارات، دون أن يتعفف عن استخدام الأغاني الراقصة متى انبعثت من علب الليل أو من مسجلات السيارات والمحال والبيوت. إلى جانب ذلك، لا يمكن إلا التنويه بالشريط الصوتي الذي يستخدمه من موسيقى Soap Kills الالكترونية وغناء ياسمين حمدان المفعم بالمتعة وعيائها وتجارب توفيق فروخ وفرقته في عزف النغمات الشرقية على الآلات النحاسية. المشكلة ربما تظل في حاجة كمون إلى المزيد من التفكر في أحوال القطع والوصل بين هذه المواد الموسيقية.
غير أن الأهم في فيلم كمون، في نظرنا، يتجاوز طرفة الفلافل وبائعها، وإمطار السماء سقف المباني بحباتها الضخمة الشهية، وهي طرفة ظريفة، غير أنها غير مقنعة في تقصيها وتطويرها من ثمّ. ربما كان الجانب الأهم يتبدى في الرغبة في التصوير الليلي، واستعراض مغامراته، العاطفية والجنسية والأمنية والذكورية معاً، وفي مد حدود بيروت إلى كامل مساحة الرغبة الليلية.
يتبدى أيضاً جانب مهم في محورية موقع كازينو لبنان من الفيلم. ليس ذلك أن لبنان كازينو، على ما يحسب بعض مدعي الفضيلة والتعفف والمال الطاهر، بل لأن الكازينو في الفيلم دليل على نمط حياة لبناني يتوسل المقامرة بكل شيء، بالحاضر والمستقبل والمال، في سبيل دواعٍ ليست دائماً مفهومة. بالحظ، تقفز حبة فلافل هاربة من قعر الزيت، وبالحظ أيضاً نجد المال ونشتري به سلاحاً، وحين يخوننا الحظ نقع في الحصر والغيظ. ليس هنالك من تراكم عقلاني مخطط لدينا، هنالك فقط الوعد بالحلم، صادقاً أم كاذباً.
بالحظ ربما تنضج حبة الفلافل الهاربة التي يدعو فادي أبي سمرا إلى أن يكونها ذلك الشاب المفعم بالحيوية والتماع الأعين. إلا أن نضج ما يبدو أقرب إلى جيل من المراهقين، في فيلم كمون، يمر عبر الاعتراف إذاً بأننا "نشخ تحتنا"، بأننا "نشيخ تحتنا" أيضاً دون أن ندري من سيتحملنا في شيخوختنا. الاعتراف بهذه الهشاشة هو إذاً أول شروط النضج الذي يتجلى في التخلي عن مبدأ الثأر والشرف الذي لا يسلم من الأذى ... والحنو على إخوة لنا.
يصور كمون، تحت ستار كوميدي بأبطال كرسوم الكرتون في مراهقة مطولة، مساراً للنضج يدعونا إليه ماداً يد الحنان إلى خد الأخ الغائب. مرة جديدة، يبدو قبول الغياب والموت شرطاً أول للعيش معاً.
lundi 10 mars 2008
أخذ المكان على محمل الجد
القانون والمكان والمجتمع في إسرائيل المعاصرة
أخذ المكان على محمل الجد
لأسباب كثيرة يفترض بنا دراسة الفكر القانوني وعلاقته بالتنظيم الاجتماعي في اسرائيل، خاصة ونحن على مشارف مفاوضات جديدة قد تفضي، إذا ما أفضت، إلى تقاسم سيادي في بعض المناطق أو تبادل لأخرى، الأمر الذي يطرح قضايا عويصة على الصعيد القانوني والتنظيمي والإداري. إلا أن هذا السؤال ضروري ايضاً وملح، حين نعلم أن لطلب اسرائيل ان يصير الفلسطينيون فنلنديين ديمقراطيين قبل الالتفات إلى التفاوض معهم سوابق في تعاملها مع البدو العرب، ومع اليهود العرب من اهلها. وهذه القيود ستنسحب ايضاً على أي محاولة لاحقة للتفكير في وضع "عرب إسرائيل" في نظر سائر العرب ودولهم التي تبدو مجتمعاتها وكأنها تطالب وتغذ السير للوصول إلى وضع الغيتوات التي فر منها يهود أوروبا ليفرضوها على مجموعات بعينها في داخل دولتهم العتيدة. من بين الأسئلة التي قد يطرحها المرء هذه التالية: لماذا يستمر الفشل الدراسي عالي النسبة في أوساط اليهود من أصول عربية، ولماذا يستمر الفصل في المدارس بينهم وبين اليهود من أصول أوروبية، رغم جهود الحكومة الإسرائيلية؟ ماذا تعني تجمعات بدو النقب وتجاور بؤسهم مع ترف المستوطنات اليهودية القريبة؟ ولماذا تنقسم المحكمة العليا الإسرائيلية حول مطالب اليهود المتطرفين في القدس بإغلاق طريق سريع يمر بين ظهرانيهم احتراماً للسبت؟ وما الجامع بين هذه الأسئلة وبين الايديولوجية الصهيونية المؤسسة لدولة إٍسرائيل؟
يطرح إساشار روزن ـ زفي هذه التساؤلات في كتابه " أخذ المكان على محمل الجد: القانون والمكان والمجتمع في إسرائيل المعاصرة" (دار اش غايت، 2004، بالانكليزية، تجدر الإشارة إلى أننا سنترجم Space بـ "مكان" باستثناء الإشارة إلى "الفضاء السياسي"). ويقول روزن ـ زفي بأن الإجابة عليها تتطلب "صرف الأهمية من المعطى المكاني إلى التنظيم والمعنى المكانيين" بحسب ما ينقل عن ادوارد سوجا، أي العناية بالطريقة التي بها يُبنى المكان ويُتخيل ويُقوّى ويُعارض. فكما يقول ريتشارد فورد فإن "المكان، كما نختبره هو، بطرق عدة، ليس الإطار الثابت، بل النتيجة للتفاعلات الاجتماعية، والمفاهيم الايديولوجية، وبالطبع للعقيدة القانونية وللسياسة العمومية".
يحاول المؤلف إذن لرد على التساؤلات المطروحة بدراسة العلاقة ما بين القانون والمكان في إسرائيل، متابعاً الفصل الذي يجريه فورد حول النظرة القانونية إلى المكان، المتأرجحة بين فهمين خاطئين له: "المكان الشفاف" و"المكان غير الشفاف".
المكان الشفاف: اليهود العرب
بحسب الأرقام التي يوردها المؤلف فإن 16.7% من اليهود ذوي الأصول العربية يتابعون دراسة جامعية مقابل 51% من اليهود ذوي الأصول الأوروبية، و42% يتركون الدراسة قبل نهاية المرحلة لاثانوية مقابل 22% فقط من الأشكيناز. كما يورد أيضاً أن معظم المزراحيم (اليهود ذوي الأصول العربية) يتلقون تعليمهم في مدارس مهيئة "لذوي الاحتياجات الخاصة"، أي أن التعليم فيها يتم على اساس مقررات أبسط وأفقر، مما يؤدي عملياً إلى فصل واضح ما بين المزراحيم (أو السفارديم) والأشكيناز. وبالرغم من أن ردم الهوة ما بين أبناء إسرائيل ـ بحسب رئيس لجنة التربية في الكنيست ـ هدف وطني شديد الأهمية، ورغم أن سياسة الدمج هي السياسة الرسمية المعلنة، إلا أن الفشل المتواصل رغم كل الجهود، قد دفع بالجميع إلى اليأس عملياً، كما يقول روزن ـ زفي.
أسباب الفشل متعددة بالطبع، لكن أهمها، بحسب المؤلف، هو القانون الذي ينظم الدوائر التعليمية ويربطها واقعاً بالسلطات المحلية، وكذلك دور المحكمة العليا الحريصة على تطبيق القانون دون اعتبار للواقع المكاني الذي سيطبق فيه أو عليه.
فالدوائر التعليمية في إسرائيل مرتبطة، إلا استثناءات قليلة، بقاعدة قانونية تقول بإرسال الطالب إلى مدرسة لا تبعد عن منزله أكثر من كيلومترين، وترتفع المسافة المسموح بها إلى ثلاث كيلومترات لطلاب الثانويات.
وإذا ما بدت المحكمة العليا الإسرائيلية طرفاً مناضلاً من أجل إزالة الفصل الدراسي بين المزراحيم والاشكيناز، لا سيما من خلال رفضها طلبات الأشكيناز بالسماح لهم بالدراسة في مدرسة مختلفة عن تلك، المدمجة، التي عينتها لهم الدائرة التعليمية التي يقطنون في إطارها، فذلك، في الواقع، لأن طلباتهم كانت تعارض قاعدة الكيلومترين هذه. فالدور الحقيقي للمحكمة العليا يتبدى في رفضها طلبات أبناء المزراحيم بالانتقال إلى مدرسة جيدة المستوى، مدمجة أو غير مخصصة لذوي الحاجة إلى معاملة خاصة، بالدرجة نفسها. أي رفض أي خرق لقاعدة الكيلومترين.
فالمحكمة تتعامل مع تقسيمات الدوائر التعليمية مكانياً كتعاملها مع تقسيمات إداري بحتة تجري، لأسباب متعلقة بالفعالية ليس إلا، على أرض غير ذات صفة. تقسيمات تحدث في مكان شفاف ومتناسق في كل نقطة منه، مما يجعل الأمكنة المقسمة متساوية تماماً، بالضرورة، ويفقدها أي مبرر لإعادة النظر فيها.
إلا أن الواقع مختلف، فمنذ الهجرة الكثيفة لليهود العرب في الخمسينيات من القرن الماضي، توافقت هذه الهجرة مع حاجة إسرائيل إلى تملك المكان من خلال التواجد السكاني في الشمال (الجليل) والجنوب (النقب)، وحول المدن الاسرائيلية وفي البيوت العربية التي هجّر سكانها. أي أن ثمة فصلاً تاريخياً في الإقامة ما بين المزراحيم، سكان ما سمي بالمدن الجديدة في الشمال والجنوب والضواحي، وبين الاشكيناز، سكان المدن في الأساس ومن ثم سكان الضواحي الجديدة.
وبالتالي، فإن المفاعيل الحقيقة لقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية جاءت بعكس سياستها المعلنة، وكانت سيفاً ذا حدين، أدى إلى اغلاق الدوائر التعليمية وفصلها عن بعضها، وأغفلت المحكمة رؤية الرابطة ما بين الفصل في الإقامة والفصل في المدارس. أي أن نظرة المحكمة إلى التقسيمات، في وصفها محض إدارية، تعمل في مكان شفاف، كانت في الواقع تعيد إنتاج الفصل المشكو منه وتعمقه. إلا أن هذه النظرة ليست بديهية، أو متلازمة بالضرورة مع فكرة القانون.
المكان غير الشفاف: البدو العرب
في قضية ساعدة، المتعلقة بقرار وزير الداخلية الإسرائيلية بضم قرية بدوية إلى دائرة قرية أخرى، يقرأ روزن ـ زفي انتقال المحكمة العليا الإسرائيلية من رؤية إلى المكان في وصفه شفافا (وهو ما يستتبع حق وزير الداخلية في تغيير التقسيمات الإدارية حقاً مطلقاً، كما لو أن لا معنى سياسياً واجتماعياً لهذه التقسيمات) إلى المكان في وصفه غير شفاف. فالمحكمة تشرح وتبرر قرارها بذرائع أن القريتين بدويتان، تتشاركان في الخلفية الاجتماعية والثقافية والديموغرافية، مما يسمح في المستقبل بدمج القريتين في واحدة. أي أن المحكمة تبرر قرارها من خلال العودة إلى ما هو دون السياسة والقانون، أو قبلهما، أي ما هو خارج في جميع الأحوال عن نطاق سلطتهما.
يعود المؤلف إلى تاريخ السياسة الإسرائيلية تجاه البدو العرب في النقب. ضمن ألعاب بهلوانية قانونية ما بين القانون العثماني (الذي يعتبر الأرض الموات ملكاً للسلطنة، إلا أنها لمن يحييها) والقانون البريطاني (الذي فرض تسجيل الأراضي في فترة محددة)، استملكت إسرائيل معظم أراضي البدو العرب ونقلتهم منها إلى شرق بئر سبع، داخل منطقة مغلقة عليهم، عادت فاستملكت نصفها. وفرضت عليهم السكن والبناء في بلدات محصورة الأراضي. والحال اليوم، فإن البدو العرب يشكلون 25% من سكان النقب، في حين تبسط سلطاتهم المحلية سيطرتها الإدارية على1.5% فقط من أرض النقب.
تم تفضيل مشروع البلدات هذه على مشروعي القرى الزراعية أو المدينة الكبيرة، لئلا يتمكن البدو من الانفصال عن دورة الاقتصاد الإسرائيلي. وليست سياسة إعادة إسكان البدو سياسة خيرية، تهدف إلى تحسين أوضاعهم، بل هي في الواقع وسيلة لإنشاء طبقة عاملة رخيصة، وهي أيضاً وسيلة، بحسب روزن ـ زفي، لتكوين الذات الإسرائيلية من خلال وضع الذات الأخرى، البدوية الفقيرة المتخلفة، مستقلة بإزائها. فالتقسيمات الإدارية وسيلة لتغطية الفصل العنصري الواضح، ولقسمة البشر مجموعات مغلقة. فالدائرة الإدارية هي، بحسب فورد، وسيلة لفهم العالم الاجتماعي وموقع المرء منه. والتقسيم الإداري يهدف إلى اظهار التعامل غير العادل مع فئة اجتماعية على انه ليس عداءً شخصياً يستهدفها، بما انها تعامل على قدم المساواة مع غيرها، متجاهلاً اختلاف الإمكانات وتفاوتها بين الدوائر. ونجاح هذه السياسة الأقصى يتجلى أساساً في مطالبة كل من الفريقين بالإستقلالية في دائرة خاصة به.
عملياً، نجحت إسرائيل عبر قانون البناء في نقل الصراع من صراع حول الأرض إلى صراع حول شرعية لابناء، ومن نزاع جماعي إلى جماعة من النزاعات الفردية. فالمحكمة تنظر إلى القضية دائماً في اللحظة الراهنة، لا في سياقها التاريخي، ومن نقطة القبول بشرعي القانون نفسه.
كما نجحت الدولة الإسرائيلية في تذرير العشائر البدوية غبر رفع عددها باعتبار كل عائلة موسعة عشيرةً، ما زاد خصوماتها، وعبر فرض إعلان كل فرد عن انتمائه إلى احداها.
كما أن المحكمة أفلحت في تجاهل القانون نفسه عبر التركيز على تفاصيل المهن وأذونات البناء... الخ، وكثيراً ما كانت المحكمة العليا ترى التقدم والحداثة في هذا التمدين القسري وتعاقب البدو على رفضه. صحيح أنها كانت، في حالات نادرة، تعاقب الدولة الإسرائيلية على عدم وفائها بالحد الأدنى من وعودها به، إلا أن ذلك، في الواقع، يهدف إلى اضفاء الشرعية على القوانين والقرارات الأخرى. فعلى ما يقول رونن شامير، فإن مصدر شرعية السلطة، في دولة بيروقراطية حديثة إنما هو وجود نظام قانوني شكلاني يبرر ويعقلن علاقات السيطرة ويخلق ارتضاءً إرادياً بها لدى المحكوم. والمحكمة بإداناتها، القليلة، للحكومة تشرعن قوانين الدولة، وقبلها قراراتها الخاصة التي غالباً ما أتت ترفض طلبات البدو وتدينهم.
تتجلى في هذا الإطار نظرة المحكمة العليا، والقانون في شكل عام، إلى الفضاء السياسي للبدو، (أي المكان بالإضافة إلى السلطة المحلية عليه) في وصفه تعبيراً، لا عن دائرة إدارية موّلدة أو توافقية تنشأ لأسباب منفعية فقط، بل تعبيراً عن دائرة عضوية أصلية، لا تنشئها الدولة بل تكتفي بالاعتراف بها. وتملك هذه الدائرة، بحسب هذه النظرة، القدرة والحق في الدفاع عن نفسها باسم الاستقلالية وحق تقرير المصير والحق في الاختلاف وفي حماية الثقافة الخاصة.
يتبدى عبر ذلك أيضاً خطأ شائع ومنتشر، لا سيما في أوساط اليسار التقدمي، هو المبالغة في إعلاء شأن الاختلاف. فيلاحظ المؤلف أن النظام العشائري البدوي الحالي هو نتيجة لضغط السلطات الإسرائيلية المتواصل عليه، وليس معطى طبيعياً ناجماً عن تطور الثقافة البدوية من تلقاء نفسها. وهو ينقل عن فرانز فانون قوله بأن الاستعمار يغلق تفتّح الثقافة التي كانت حية ومعاشة قبله، ويجمدها في قالب أنظمته بحجة احترام التقليد. وهذه هي المفارقة نفسها التي وقعت فيها المحكمة الإسرائيلية العليا حين كانت ترفض السماح لليهود بشراء الأراضي داخل منطقة البدو المغلقة بحجة المحافظة على ثقافتهم، في الوثت عينه الذي كانت فيه تبرر اجراءات وقوانين الدولة حيالهم بالرغبة في تمدينهم ونفلهم إلى الحداثة، معتبرة هذه الإجراءات مؤقتة إلى حيت اكتمال عملية تحديث البدو.
على ما يلاحظ فورد، إن سياسة إعلان شأن الاختلاف هي استغلال لسمات الاختلاف من أجل "صناعة" الآخر، إذ أن الواقع هو بالطبع شديد الاختلاف عن الصورة المرسومة له.
المكان الملتبس: اليهود المتطرفون
اليهود المتطرفون المتجمعون في القدس وضواحيها، وفي بعض المدن الإسرائيلية الكبرى هم، على ما يلاحظ روزن ـ زفي، منقسمون في ما بينهم في محاولاتهم لإنشاء مجتمع خاص بهم، وحول مسائل الاستفادة من الدولة الإسرائيلية التي يرفضونها، من حيث المبدأ، وحول ضرورة الانقطاع عن الفضاء السياسي والاجتماعي الإسرائيلية. إلا أنهم جماعة في مواجهة غيرهم، وهم غالباً ما يتوسلون العنف سبيلاً لفرض حدود مجتمعهم الخاص، ومن وسائل ذلك إغلاق الطرقات التي تخترق مناطقهم في يوم السبات.
حول قضية اغلاق الطريق يوم السبت، دارت قضية بار إيلان، وهو أوتوستراد عام حيوي طالبوا باقفاله. وقد انقسمت المحكمة العليا الإسرائيلية حول هذه القضية، فكان صوت واحد هو المرجح من أصل سبعة أعضاء. رأي الغالبية، بإيجاز شديد، يقول بأن الاعتبارات الدينية يؤخذ بها كأضرار قانونية وأن على اسرائيل الديمقراطية أن تحمي روح ومشاعر مواطنيها كما تحمي ممتلكاتهم، وأن اسرائيل اليهودية معنية متى تعلق الامر بيوم السبت، كما ان على الدولة أن تضمن حق المواطنين بالتنقل. لذا ينبغي الموازنة بين الحقين: حق التنقل، وحق احترام المشاعر الدينية، وذلك على ثلاث فئات: المتطرفين، والسائقين العابرين، والساكنين بين ظهراني المتطرفين دون ان ينتموا إليهم.
في الموازمة ما بين المتطرفين القاطنين وبين السائقين العابرين، ينبغي مراعاة شعور المتطرفين، لأن أمام السائقين طرقاً بديلة يعبرون منها، ولأن وقت اقفال الطريق قصير نسبياً. لكن حق القاطنين غير المتطرفين ينتفي بالكامل من جراء اقفال هذه الطريق، وله في هذه الحال الأولية. لذا تقبل المحكمة قرار وزير الداخلية باقفال بارايلان يوم السبت بشرط أن يحل مسبقاً مشكلة تنقل القاطنين من غير المتطرفين.
أما رأي الأقلية فكان يقول بأن لا مجال لأخذ ما لا يوجد نص عليه في القانون، كالدين، بعين الاعتبار. ولا نص على الدين في شان الطرقات. ذلك على الأقل في ما يتعلق بالطرق الكبرىـ أما الدروب الثانوية فيمكن للسلطات المحلية أن تأخذ في تنظيمها وضع الجماعة فيها.
يقدم روزن ـ زفي تحليلاً ايديولوجياً لهذه الآراء، فيرى أن رأي الغالبية ينطلق من فكر ليبرالي يقيم فصلاً قاطعاً بين الدولة المحايدة تماماً وبين المجتمع المدني، وينظر إلى المواطن بصفته فرداً دون أن تتوسط المجموعات الاجتماعية بينه وبين الدولة. هكذا كان المتطرفون أفراداً لهم حقوق في مواجهة أفراد سائقين لهم حقوق أخرى. وبحسب دي سوزا سانتوس، فن الزمكان المحلي (شأنه شأن ذاك العابر للأمم) يعتبر غير موجود البتة من جانب النظرية الليبرالية المهيمنة، وهذا ما سمح بأن تصبح الدولة الأمة هي الزمكان الأكثر مركزية بالنسبة للقانون في القرنين الماضيين.
أما الرأي المخالف فينطلق من نوع من الفكر التعددي يقول بأن المر يتحدد، جزئياً على الأقل، بانتمائة إلى مجموعة ما. والمجتمع يتكون من تعدد مجموعات حرة في إطارها، وعلى الدولة التزام الحياد في ما بينها. أي أن هذه النظرية تحل المجموعة محل الفرد في النظرية الليبرالية. وهي (أي النظرية) إذ تقول بالفصل ما بين الحيز العام والحيز الخاص، فإنها تقبل بتوسيع حدود الحيز الخاص أبعد من حدود الفرد. وفي قضية بارإيلان يقول القاضي هيشين في رأيه المخالف إن ثمة حيزاً خاصاً للمتطرفين يشمل الطرقات الصغيرة بين منازلهم إلا أنه لا يشمل أوتوستراداً عاماً يظل ينتمي إلى الحيز العام.
في مفارقة جديدة، تقرر غالبية القضاة الموافقة، المشروطة، على مطالب المتطرفين، رافضةً الاعتراف بهم كجماعة، في حين أن القضاة المخالفين يقرون بوجود المتطرفين كجماعة لها الحق في حيز خاص بها، إلا انهم يرفضون الموافقة على مطالبها. ويخلص الكاتب إلى القول بأن الفكر اللبرالي ينظر إلى المكان شفافاً، في حين يراه الفكر التعددي غير شفاف.
النظرة القانونية إلى المكان والعلاقة مع الفكر الصهيوني
يرى المؤلف أن الصهيونية هي تقاطع خطابين، الأول عملاني ينشد حلاً لمشكلة اليهود عبر البحث عن أرض خالية من السطان، والثاني ثقافي ينشد من اوروبا الشرقية العودة إلى أرض الميعاد. وقد خدم الأول الثاني عبر افراغه ارض فلسطين من سكانها نظرياً قبل أن يصبح ذلك فعلاً. هكذا ينبغي رفض الآخر، المقيم في مكان منقطع عن مكان الذات، قبل أن يتم اقصاؤه وملء الفراغ بالانا المؤسسة جديداً.
هكذا يقع المؤلف، ببساطة مستغربة، على تفسير لتفاوت النظرة القانونية إلى المكان في المسائل التي عرضها، في جدلية بسيطة: الأنا/الآخر، الانوار/الشرق. هكذا ينبغي اقصاء البدو وإنشاء مدن لهم في آن واحد، لعزل الآخر عن الأنا ولنصبه بإزائئها، وهكذا يتم اقصاء العرب من المكان اليهودي حيث لا يمكن القبول بهم إلا بشرط تجريدهم من كل تاريخ واختلاف.
هكذا ايضاً يقع اليهود الاوروبيون القادمون من عصر الأنوار على يهود عرب شرقيين فيرونهم متخلفين، جاهلين ومتوحشين. إلا أن كونهم يهوداً يظل يدفع باتجاه ساتيعابهم وتمثلهم وتحويلهم إلى أوروبيين.
في الوقت الذي كان فيه "الغريب" الفلسطيني يطرد ويطارد ويشجع على تعميق اختلافه، كان السعي إلى تنقية اليهود العرب من عروبتهم وشرقيتهم من اجل استيعابهم داخل الأنا.
إلا أن الحقيقة تظل، بحسب ما يعبر ساندر غيلمان، أنك "كلما شابهتني أكثر، عرفت القيمة الحقيقية لقدرتي، التي تريد نشاركتي بها، وتنبهت أكثر إلى كونك لست سوى مقلّد، مزيّف، دخيل". أو ما يسميه غيلمان، اللعنة المحافظة المهيمنة على المشروع الليبرالي الساعي إلى تمثّل الآخر. في حين يقيم الآخر ـ العدو في مكان منقطع عن مكان الذات، فإن على مكان الذات أن يكون موحداً ومتناسقاً. وهكذا ينظر إلى أي تقسيم له على انه تقسيم بيروقراطي نفعي ليس إلا. وإذ يرفض القانون النظر إلى تاريخ وواقع الفصل في توزيع السكان، فإنه في الواقع يعمق ما يصفه الكاتب بـ"الفصل الاثني"، ويخلقه في آن ماً بالتعاون مع الفصل السابق في الإقامة.
أما التباس الرؤية إلى المكان في قضية اليهود المتطرفين فذلك عائد إلى التباس النظرة إليهم. فهم بالنسبة إلى الصهيونية "غريب" لا يقبل التصنيف النهائي إلى عدو أو صديق. فهم معادون للصهيونية على اعتبار أن الخلاص يكون بتدخل الهي لا بعمل بشري، لكنهم في الوقت عينه "الأنا" اليهودية الأكثر تمسكاً بعنصرها هذا.
يشير المؤلف إلى ان اختلاف الحلول القانونية أدى عملياً في كل الحالات إلى عيش هذه الفئات (العرب المنبوذون ـ اليهود العرب المرغوب في ضمهم ـ اليهود المتطرفون زارعو الحيرة) في مناطق عزل وانقطاع عن سواها. ويقول إن استبدال الأسس الصلبة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بالأسس الرخوة للرمزي والثقافي في الخطاب التعددي، الذي يدافع في واقع الأمر عن هذا الانفصال السكاني ويبرره بالخصوصيات واحترامها، يؤدي إلى غياب القدرة على تحديد الفئات الخاضعة والفئات المهيمنة في المجتمع.
فالفئات المهيمنة تستفيد من استقلالية دائرتها التي تمنحها نفوذاً وتأثيراً لا تملك وسائلهما الفئات الخاضعة التي يحول الاستقلال دائرتها إلى معتقل. فالمعاملة بالتساوي قد تنتج مفاعيل مختلفة. ويضيف إن النظام الديمقراطي هو في مفاوضة دائمة ما بين وحدة الشعب المدمج وبين احترام وحماية الفئات الاجتماعية والمجموعات ومناطقها. فهل يمكن تجاوز هذه الثنائية؟
إعادة النظر في مفهوم السلطات المحلية
يقول روزن ـ زفي بضرورة تغيير وظيفة الفضاء السياسي ومعناه، عبر اصلاح قانوني، وتغيير المفهوم الاجتماعي للمكان، دون أن يكون في ذلك مس بالضرورة بإقامة أي فرد. وهو يرى ان نزع العزل في الفضاء السياسي سيؤدي على المدى الطويل إلى عملية دمج مكانية، لانتفاء الفائدة من العزل أولاً، ولأن الفضاء السياسي، ثانياً، لا يكتفي بعكس الوقائع كالمرآة بل ينتجها. هكذا فإن أي تغيير في المعنى السياسي للفضاء، بحسب فورد، يؤدي إلى تغيير هوية الجماعة الثقافية نفسها.
بعد دراسة للتقسيم الأداري للسلطات المحلية في إسرائيل وعلاقته بالمكان، شفافاً أو غير شفاف، يخلص المؤلف إلى القول بأن قانون السلطات المحلية يقود، في النهاية، عبر حرمان هذه السلطات من المعنى السياسي باعتبارها محض إدارية، وعبر الإصرار على وجودها المستقل، بل والسابق، معاً وفي آن، يقود كل ذلك إلى إعادة إنتاج تراتبية السلطة والفصل السابقين.
لذا يقترح إعادة نظر في موضوع السلطات المحلية، مستوحياً أعمال فورد (جعل الحدود أقل عزلاً) وفروغ (زيادة القدرة التشريعية للمشرّع المحلي بهدف زيادة المشاركة الديمقراطية) وبخاصة هارفي وبريفو (نظرية الحكم الإقليمي حيث يكون الإقليم نوعاً من سلطة محلية لمنطقة المتروبول وضواحيها، لما في ذلك من اخذ بعين الاعتبار لحقائق النقل اليومي والمساواة في توزيع العناية والخدمات العامة)، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة الإبقاء على فكرة الحكم المحلي إذ أن المؤسسات المحلية، كما يقول توكفيل، "هي للحرية كما المدارس الابتدائية للعلوم. إنها تضعها بمتناول الجمهور وتعلمه كيف يستخدمها ويسعد بها".
هكذا، يقترح روزن ـ زفي انشاء حكومات اقليمية قوية حول المناطق المدينية الكبرى، تتمتع بسلطات واسعة، وسلطات محلية يحق لأي مجموعة إنشاؤها دون إذن مسبق من الحكومة التي عليها أن تعترف بها. وهو بذلك يوافق على نظرية فورد بان الحدود التي تصنعها الممارسة هي التي تصنع "المحلي"، لكن روزن ـ زفي يربطها بنظرة أكثر جدلية بماء على حالة المجتمع اليهودي المتطرف السابق على الممارسة الحدودية. فالمهم في نظره هو إعطاء سلطة كافية لحماية المجموعة، لكن ليس السماح لها باقصاء الآخرين ورفضهم.
القانون ومنطقه
إما أن نقول بأن الحدود هي حصيلة مجموعة من الخيارات الفردية، تأتي الدولة بقانونها ومحاكمها لتقبل بها، أو تعدلها، وإما القول بأنها مجرد تقسيم ضروري إدارياً تجريه سلطة حكومية مركزية، لكن لا معنى سياسياً له. أو ان الحدود حصيلة قوى طبيعية (السوق، الطوبوغرافيا، الجماعة)، سابقة على السياسة والقانون العاجزين عن التأثير عليها تالياً.
يشدد روزن ـ زفي على خطأ هذه النظرات إلى المكان والدوائر أولاً، لأنها، بطرق مختلفة، تحمل على الظن بأن الدوائر كلها متساوية (إذ تقوم كلها على مبدأ واحد مما ذكرنا) علماً بأنها لا تملك الوسائل والإمكانات عينها. وثانياً، لأن هذه النظرات تغفل التأثير السياسي والإجتماعي للقرارات القانونية نفسها.
والحق، إن الكاتب يقع في الخطأ الذي ينبه إليه. فإذ يكتب في المقدمة إن هدف دراسته هو تفحص العلاقة بين القانون وبين انتاج المكان وتمثيله في الإطار القانوني، فإنه يعود لينظر إلى القانون وكأنه مجرد انعكاس لنظرة خارجة عنه (الفكرة الصهيونية) يعتبرها الوحيدة المؤثرة، ويؤدي ذلك عملياً إلى حصر الدراسة بكيفية تمثل القانون للمعطيات المكانية والاجتماعية، وهي كيفية مشروطة بالنظرة الصهيونية، في إغفال لدور القانون في انتاج هذه المعطيات منذ البدء، وليس فقط في تعميقها وتأمين استمراريتها. فكأنها القانون مرآة تعكس الفكر الايديولوجي المهيمن فحسب، دون أن يكون له منطقه الخاص. وذلك رغم تذكيره برفض رونن شامير تفسير القانون (حول استملاك اراضي البدو) بجشع الصهيونية إلى الأرض، فقط، أو أي سبب سياسي خارج عنه، وضرورة ربطه بمنطق القانون الداخلي، أي، في حالة إٍسرائيل التي ورثت القانون البريطاني "الحديث"، هوس القانون بالثبات والقدرة على احتساب الأمور والأشياء، بما يفرض "شبكة مفاهيم على المكان ـ مكان سوف يقسّم ويجزّأ، ويسجّل ويقيّد".
هكذا يغفل روزن ـ زفي الإشارة إلى منطق القانون "الحديث"، المختلف عن القانون العثماني اختلافه عن القواعد القانونية لدى القبائل الافريقية أو الجنوب ـ أميركية مثلاً، وصعوبة تطبيقه على مجتمعات ذات رؤية مختلفة إل قضايا الملكية العقارية والإرث والنسب على سبيل المثال.
وغفل أن من منطق القانون "الحديث" الأوروبي، تذرير النزاعات الجماعية إلى نزاعات فردية، وإغراق الحق بمجموعة من القواعد الإجرائية غالباً ما تقود إلى إنكاره. ويغفل طبيعة كتابة القرارات القانونية الصادرة عن المحاكم. فالتبريرات التي تقدمها المحكمة الإسرائيلية العلي (ضرورة الحفاظ على ثقافة البدو ـ ضرورة تمدين البدو ـ النظرات إلى مجال الحيز العام ـ ضرورة ردم الهوة التعليمية في إسرائيل... الخ) ما كانت لتبدو ممكنة في نظام قانوني أوروبي قارّي (كما في فرنسا أو ألمانيا)، حيث أن النظام الأنغلو ـ ساكسوني يسمح للقضاة بتبرير قراراتهم بأسباب متنوعة، بما أن هذه القرارات ستشكل سوابق قانونية، في حين أن النظام القاري يفرض على القضاة تطبيق القانون كما هو، أو تفسيره، واستثناءً استكمال قواعده الناقصة عبر اعلان قواعد قانونية، دون اللجوء إلى استدخال أسباب اجتماعية أو تاريخية أو سوى ذلك (ولا يعني هذا أنها لا تغيب عن نفس القاضي، إلا أنها تدخل أكثر في إطار النقاش العام والأسباب الموجبة للقوانين المكتوبة). في الواقع، القانون ليس مجرد سلاح بيد السلطة، أو مرآة للأيديولوجية، بل هو أيضاً ثقافة في حد ذاتها تملك منطقها المتطور باستمرار.
المواطن العربي ومعاني المكان
ثمة أهمية استثنائية لدراسة العلاقة في إسرائيل تحديداً ما بين القانون والمكان. ليس فقط لأهمية "فكرة" القانون التوراتية في الفكر الأوروبي الذي يشكلنا من جوانب كثيرة. بل أيضاً لأن النزاع على ارض فلسطين، ومسألة القدس تحديدا، فضلاً عن قابلية الدولة الفلسطينية للعيش، مسائل تظرح بشدة ضرورة إعادة النظر في مفاهيم السيادة والأرض والحدود، وتفكيكها.
كما تطرح مفارقة إسرائيل، "قلب أوروبا" بحسب أحد الكتاب الشهيرين، مسألة الحد الذي يمكن ان يبلغه تطور القانون "الأوروبي"، بخاصة في ظل المفارقة التي تربط المواطنة بفكرة المكان والإقامة من جعة، وبالخصوصية الدينية المنتشرة في العالم من جهة أخرى (وهو الموازي الإسرائيلي للتقسيم الفرنسي لانتقال الجنسية بالدم أو بالمكان ولادةً وعيشاً). وكذلك مفارقة إٍسرائيل في الإصرار على يهوديتها وديمقراطيتها معاً وفي آن، وهي المشكلة عينها في العديد من البلدان العربية، وحتى في أوروبا إذا ما وسعنا مفهوم المواطن ليشمل المقيم (وهو مسار جار في داخل الاتحاد الاوروبي).
في شكل ما إذاً، تشكل دولة إسرائيل مختبراً يسمح بطرح واستجواب عدد من المسائل الهامة، التي لا مجال لبحثها هنا. نكتفي إذاً ختاماً بالإشارة إلى نقطتين، الأولى في ما خص "المواطن غير المقيم"، والثانية في ما خص مطالبات الفئات الإجتماعية في بلادنا بالتقسيمات الإدارية ومعانيها السياسية المضمرة.
في شأن النقطة الأولى، يلاحظ إدوارد سعيد إن إسراائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي هي ليست دولة مواطنيها بل دولة اليهود في كل العالم. ذلك بالطبع مفارق مع ما هو معروف من ارتباط اسرائيل الوثيق بمفهوم الأرض. ولكن أليس ذلك أيضاً حال بلد مثل لبنان، حيث لا يهدأ التغني به، أرضاً وجبلاً وبحراً، في حين أن قسماً كبيراً من "المقيمين" فيه محرومون من أبسط الحقوق (راجع أيضاً ما اشارت إليه الصحف من طرد إمارة دبي لأربعة آلاف عامل في قطاع البناء لانهم جرؤوا على الإضراب مطالبين بتحسين ظروف عملها وأجورهم). أيضاً يحلم "بعض" اللبنانيين بأن تكون دولتهم دولة "ملايين اللبنانيين" المنتشرين في العالم، وهم بهم فخورون! وتطرح قضية اقتراع المهاجر في المواسم الانتخابية والمقصود بها فعلياً، إذا ما شئنا حقاً احداث تغيير في الموازين، اقتراع أحفاد المهاجرين ممن لم يعودوا يحملون الجنسية اللبنانية. والسؤال عندئذ يتعلق بمن هو "المواطن"؟ (الهجرة العراقية الكثيفة المستمرة منذ ثلاثين عاماً تطرح الأسئلة عينها وبضخامة أكبر). هل يمكن في واقع الأمر قلب العلاقة ما بين الدولة ذات لاسيادة وبين المواطن، تحديداً عبر التفكير في "ندرة المواطنين" (بخاصة بالمقارنة مع المقيمين من غير حملة الجنسية المحلية) والتساؤل عن مفاعيل هذه الندرة على دولة المواطنين؟
النقطة الثانية على مستويين: الأول إداري هو ضرورة التساؤل عن الخطوط التي ينبغي أن تقود المطالبات باللامركزية الإدارية، بهدف التخفيف من عيوب تمركز السلطات في أنظمة بعيدة عن الشفافية والنزاهة، وذلك في ظل تضاعف حركات النقل اليومية، واستمرار النزوح إلى المدن وتوسع الضواحي و"العشوائيات". والثاني انتخابي يدور حول تقسيم الدوائر الانتخابية وما يطالب به البعض من "أقاليم" وحكم ذاتي. فقد رأينا أن مثل هذه المطالبة تجازف بتحويل أهل "الاقليم" إلى معتقلين، واعاقة تطور ثقافتهم "المفترضة مشتركة" وحرمانهم من الانفتاح والمشاركة وإعادة انتاج التراتبيات والسلطات عينها. يمكن ايضاً ضرب المثل بلبنان، وهو محل ضرب كثير غالباً، حيث تتمسك الطوائف بفكرة القضاء للتمثيل الانتخابي، في حين أنه وسيلة للمطالبة باستقلالية الطائفة والدفاع عنها، بل والمطالبة باستمرار الفصل بينها وبين الأخريات، ويمكن السؤال عن جدوى ذلك حيث أن القضاء ليس معطى طبيعياً بل هو حصيلة تداخلات أبرزها تطابق القانونان الإداري والانتخابي بشكل يمنح "النائب" سلطة إدارية ليست من وظيفته التشريعية في شيء. ثم إن الهدف من كل ذلك إنما هو الاحتماء من الآخر وصيانة الذات منه، إلا ان الآخر هو ايضاً مصنوع بيد هذه الذات وليس معطى طبيعياً بدوره.
ببساطة إذاً يمكن القول بأن المطالبة بهذه التقسيمات الاقليمية أو القضائية، دون مسائلة أو حدود واصحة لتقاسم السلطات بين هذا المستوى من الإدارة وسائر المستويات الأعلى أو الأدنى، إنما هي الدليل الساطع على نجاح سياسات الفصل (التي نشكو منها وننسبها دوماً إلى "الاستعمار" قديماً وجديداً) وعلى رغبة هذه المجتمعات في تجذير سباتها وجمودها وانقساماتها.
بدلاً من ذلك، الا يسعنا أن نحلم بأن يكون تعريف الجماعة هو "تعايش الغرباء"، أي القدرة على العيش في عالم من مختلفين، دون محاولة صياغة اختلافهم أو محوه، بدل ان يكون تعريفها هو تكرار الأنا؟
الشارقة ـ باريس، أسطح المدينة
نشرت في موقع الأوان
الشارقة ـ باريس: أسطح المدينة
• الشارقة
ـ ليس السطح بالضرورة منبسطاً أفقياً.
زجاج المباني المغسول، اللمّاع دوماً، سطح يلتف على نفسه: ليس مرآة للناظرين، بل لنرجس لمعته الزرقاء.
ـ لم يكن ميسوراً لغلاف الكتاب أن يصير شاشة.
كان محو الكلمات ثمناً باهظاً للبياض.
لكن قد أمكن، باليد المنهكة، تثبيت صورة لا تبادل الأخريات انزلاقاً، سطحاً لسطح، وظهراً لظهر.
كان البياض الغالي قفلاً نتلصص من ثقبه، فيجلو لنا بؤرة البصر وعمقه.
ـ كانت المدينة ـ الإمارة تشبه سور نادي الزمالك.
لكن عشباً لم يكن وراء السور، ولا القاهرة أمامه.
كان السوق القديم يكرر حتى الإعياء واجهة الشواهق الزجاجية المتكاثرة.
ـ متحف 1: تلك الغرف المعتمة، تقف على النقيض من أخرى باهرة البياض. لئن كانت الأولى تشهد بثاً لا ينقطع من المشاهد فوق حيطان لا تُرى، فإن الغرف البيضاء لا تعدو الحلم بأفلام لا يمحوها الضوء، فتلونها بالخشب والملصقات من صور العائلة والصحف. في موازاة الشكل الثابت للأولى، والذي يبتلع كل ما يقدم إليه، تقف الاستعادة في الغرف البيضاء ثقباً أسود بدوره.
ـ كانت جنيفر تنوي استعراض "صراع العناصر" في تنافر الماء والزيت.
ما كانت ترى من كناية في ذاك. لم يكن الزيت أسوداً ولا الماء عذب المنبع المشرقي.
فتنتها كانت أسر الضوء داخل هذا الصراع: كانت تحسب أن للسطح عمقاً، يميّزه عن الشاشة وعن المرآة.
آه كم كان الانتقام رهيباً.
لقد هرست عجلات عربات التلفزة أداء جنيفر، ساحقة احتمال "صورة" تتشبث بمادتها ولا تعدوها، إذ لا تلتقطها كاميرا.
ما ليس يغرق في دفق الصور الموهومة وسيلها غير المنقطع يوأد حلماً.
ـ لم يقدنا اسفلت الطرقات الطويلة إلى أي صحراء. فقط أوصلنا إلى أرحامٍ مغبرّة تنتظر نطف البنائين.
في الانتظار، ليس من لحنٍ عابرٍ أهتزّ من باطني غلافاً لصداه.
ـ متحف 2: ليس كافياً أن يضم مكتبة أو يأوي حلقة نقاش للمشهود لهم، كي يخرج عن وصفه مستودع معاهدات الثقة والأمان، ومثوى الأعمال المعقّمة. كان لا بد إذاً من تقديم ما يفرّ منه... ما يحمله العابرون في حافظاتهم أو أيديهم... ما يقفز منه كالآملين بالنجاة من سفينة تغرق...
ـ كثيراً ما ردد صديقي دهشته لضآلة ما أنتجته جهود مثلثة أنفقت فيها أشهر طوال. لكنها تبدو إستراتيجية المجموعة، وإن غير صريحة: وحده ما لا يكلف حمله عبءً يستطيع حمله من ليس لهم إلا شبه وطنٍ لبناني يذرعونه بإلحاح، وهم في مكانهم، ككرات تكرج على سطح زلق.
ـ حين يتخفف الوطن من كل المشترك، ينبجس سؤال لم يكن ليخطر من قبل: هل يظل من الوطن سوى قطعة البسيطة هذه؟ هل هي سره الدفين؟
لا تسأل المدينة ـ الإمارة نفسها مثل هذا السؤال، فهي في حلٍّ منه ما دامت أرضها لا تنفصم لحظة عن مكنوزها. أما لبنان فيسأل، لأنه بات يبحث عن ملجأ أخير لكينونته، عن مبرر أخير للوجود.
في لبنان المحتلّ جواً وجوفاً، نتحصن بالثرى ونأوي إلى وجه البسيطة عله يعصمنا.
• باريس
ـ سبق لباريس أن طردت زجاج معابرها التجارية القديمة إلى ضاحية رجال الأعمال، أو رصفته هرماً يحاصره اللوفر. لكنها الآن تستعد لتستقبله في قلبها، في محور أسواقها، بساطاً يقي الأشجار والراقدين تحتها ماء السماء الدافق. باريس القرن الحادي والعشرين تعدنا بما يجاوز مرايانا، وتحلم بسماء خضراء.
ـ نادراً ما يفتح الباريسيون نوافذهم، أو يعرضون دواخلهم. لا عيون في جدران هذه المدينة، التي ترد إليك كرة أسرارك باستمرار.
ـ باستمرار، تتوسع مساحة باريس المحاصرة داخل جدار طريقها الدائري المقفل. لكنها لا تتمدد كبقعة زيت، بل كأخطبوط يمد أذرعه، شبكات المترو والقطار السريع، ليقطف قرى ومدناً راسخة عريقة. كل مقصد جديد فتح لا غزوة، وكل قطار يحمل الغنيمة: عشاق وآمال وعمال ورفاق.
ـ هي مدينة السينما. لا فقط لأنها اخترعتها، أو لأن ثلاثمائة فيلم تعبر شاشاتها كل أسبوع، ولا فقط لأن آلاف الأفلام تغلغلت في ثناياها وطواياها. هي مدينة السينما لأنها أصلاً أول من أثبت بالصورة القاطعة طابعها الشبحي. مدينة المعابر البانورامية، التي تصل ولا تصل... تماماً كالعين.
ـ تساعدنا باريس على تحديد تعريفٍ مثلث للمدينة:
إنها المتعددة الأسطح والطبقات، مركز شبكةٍ تجمع مواطن كثيرة في درع واحدة، وهي التي لا تنفك تبتلع مدافنها.
ـ يشتكي الكثيرون هنا من سقف السماء الواطئ الرمادي. يحتفلون حين تخترقه الشمس بنصالها، لتتلألأ على أمواج السين. لا أحد، على حد علمي، يأسى لغياب الأفق والشفق.
توهمنا المدينة، بشوارعها الطويلة، أننا لا نحيا في فقاعة، بل في المغامرة.
ـ ليست نجمة بعيدة ما يلوح بين الابتسامة والورق الصقيل للمجلة. إنها فقط رعشة المرآة الأليفة.
ـ يزعم ميرلو ـ بونتي أن كون الجسد مرئياً يمنعني من النظر أمامي كالنظر إلى مشهد سينمائي. أنا الرائي المرئي في حسبانه. لا عجب أنه كتب هذا الكتاب في الريف. ها هنا، لست مرئياً، ولا أكاد أرى لكثيرة ما تتقاذفني العمارات المرصوفة متواليات.
ـ يروي الصديق عن مدن مفتونة بشاشات البلازما، فتنة قبائل قديمة بأنواع من السمك أو من الفراشات، تجمع بين الرقة والعرض، مثل موسيقى شرقية قديمة نلجأ إليها بحراً نغرق في حنانه.
mardi 26 février 2008
باريس أيضاً حبل الكلام
قصيدتان نشرتا (على سبيل الهدية؟) في ملحق النهار،
في الرابع والعشرين من شباط 2008، وهنا الصيغة الصحيحة والكاملة.
باريس أو الجزع
لا أحد يدري أين الخطى
تقودنا،
أو المُفْتَتَح،
أو كيف يهدينا الجزعُ
الذي يمازج، كالغبار الأسود، قمصاننا
…………………………………..
مرّ زمن بعيد منذ أتيت هذه المدينة
مرّ زمن بعيد منذ أنجزت ملاحمها
ورتّبت هيئتها لتتفرغ
للحلم والسخط
للتذمر والهوى
ـ 1 ـ
في القصر الملكي
ليست أعمدة "بورين" سوى ملل الأطفال
وحده العنبر شاهق كذكرى مليونية
ينبت بين محال الدمى الموسيقية
وأزياء باد ارتداؤها
ـ 2 ـ
يبست جياد النصر وتحجّر
قلبها الظامئ
لا تبنجس البورصة المتلاعبة نوافير
ولا تتلألأ رقةٌ هاهنا
سوى الحرير يابانياً على الراحة
ـ 3 ـ
لا يكفيك باب ولا حائط
ولا اجتياز شارع
لقطع الحد ما بين الفنون والصنائع
فتقيم في اللعب
على رباط عالم ثالث
ـ 4 ـ
ثمة مدن تُفْرَغ، من قلبها،
وأخرى تُفْعَم، إلى الشغاف،
لكن الدائرة تفاقم انكماشها، كشط راكد،
حتى صارت نقطة على أعلى كنفٍ
في صالة المكتبة الحميمة
ـ 5 ـ
فراراً من القيظ إلى العتمة
من الوحدة إلى الوحدة
ترميك السينما بشمسها وكثبانها ونجلاواتها
لكن شيئاً لا يُسْري في صلبك ماء الرهبة الجليدي
غير مسيح من خشبٍ متشقق
ـ 6 ـ
تتجاور باقات من الأسماء الشهيرة
تحتل كراسي المقهى وأحرف الحيطان
لكن ذلك ينسرب من الذاكرة بخفةٍ
وراء البولفار شمس متخيلة
مقيمة السطوع
ـ 7 ـ
تمنح المدينة نفسها فجوات
فراغات من الصخب
كي لا تثير سوى الملل في نفوس العابرين.
هناك الأهل الأصليون
في البرد يلقون حيواتهم
ـ 8 ـ
خانقة تلك الأبهة
التي تتمرّى فيها الكونكورد والشانزيليزيه
لكن التجاعيد تخفي طيّها
صالات سينما وعجائز مطلية
وتعباً من القلب المفتوح
ـ 9 ـ
لا تزال معابرك، يا فالتر،
تتزّين كألف حرباء بأحطّ السلع
رائحة غبار قديم تهبّ من الأوبرا
لتبلغ انوف بنات الهوى الملوّنات
لا أزال أحلم بمعبر يجلله البياض الخالص
ـ 10 ـ
في آخر التيه يحدوك الأمل
او الذكرى المحلومة مقلوبةً
الجسد صنيع آخرين، والنبيذ،
ما تراك صانع
غير الصدى الطويل كطنين الهنود؟
ـ 11 ـ
كرسيّ المدينة، ذاك، عليه استوت
فوضعت في صلبه زرقةَ البيت الأول
ونصبَ سوادِ الزمن لا يشوبه سوى
عناد شاهدة، مثلث اللغة:
كازابلانكا ـ القدس ـ باريس (1925 ـ 1991)
ـ 12 ـ
ثمة في السواد ما يفيض عن حدوده
لا تقوَ على الحزن سدود ولا على الخضرة
يظل للنزق عطر خاص
هو عينه في وجه
أو في تظاهرة
ـ 13 ـ
ببطء وعناد وتصخاب
تستقبل المدينة موجات تلو موجات
من المباني والأعراق والألوان
أين خطوط طاقتها على بسط الفراغ؟
في أي نقطة تغدو الخيانة تعريفها؟
ـ 14 ـ
فيها ايضاً حدائق وقرى مزهرة
وكتل من أزمنة مسمّرة كالعرائش
على الأحجار الفخورة
لا وقع لحذاءيك المطاطيين على البلاط المرصوف
هذا كافْ ليعيذك من الغواية
ـ 15 ـ
ما ترى فائدة ذكرى محددة؟
موسيقى النحاس في حديقة مثلاً
أو تانغو العجائز أمام البلدية؟
أم هي محض ذريعة كي تستعيد
دنو ماء بشرتها الأنوف؟
ـ 16 ـ
تعلم أن لا قرار للرغبة
في ضيق الشوارع،
مهما حفرت، ليست تغيض!
هي أيضاً، كالاواني الخزفية،
رقيقة الزخرفة والحواشي
جوادة كعينين صريحتين أو كالكتب القديمة
ـ 17 ـ
يحدث أن تهديك الخطة
أو أن تضلّك
إلى بيت ذا الفيلسوف أو تلك البارونة
تدرك أنك تكرر درب الانحطاط
لكنك تجهل متى كانت الذروة!
ـ 18 ـ
ربما كان ذلك حين جرؤت
على ترك مساحة لقرينك
واللوذ بالقلب الأقدس!
أتنكر أنك لم تخلص النية
وأن عبوة مفخخة تركتها على السرير؟
ـ 19 ـ
هل كان ذلك حين تركتَ العشبَ
طرياً تحت الأقدام
وخمرةَ النغم
نسغاً يغمر روحيكما
وزعمت أن الطريق محجّة العاشق ورقصته الوحيدة؟
ـ 20 ـ
في أول الدرب ربما تلقى نفسك
لكنك لا ترى لك بها أربا.
هذا الهدوء يثبط تحفزك.
حينما يكون المترو بعيداً
تنطفئ العين فيما الصلع والأظافر يسيران وئيدا
…………………………………..
لا يسع القطارات أن تلتف على نفسها
ولا للقلب أن يُخْرس حروباً لا تكلّ في الأطراف
على الهواء، أو البخار، أو المشهد، على أذرع النجمات
أو سلال النفايات والزجاج
ولا يسعك أن تملك احاطة السكّير المدقع
…………………………………..
هنالك طبعاً مسارح ومطاعم
ودور عجزة ونوادٍ ومسابح
وصالات ومبانٍ ونصب وساحات
ضخمة ووديعة
لكنك منشغل باختبار العيش في طريق مسدود أبدا!
13/01/2008
حبل الكلام
ذلك الخداع، في أصل طبعنا،
ليس إلا وسيلتنا
لنسيان الموت
تلك الحروب، نرتمي في حضنها،
أداتنا
لنسيان الموت
تلك القضايا نعليها
والصروح، والأفكار نتقاذفها
لنسيان الموت
ليست الحياة دافعاً للحياة،
فقد نسينا أنّا من لحم ودم
ليس النور ما يحركنا كالحشرات
ليس خلف روابطنا المتناسلة
سوى غلالة عساها تحجب
وجه الموت
أرقّ لكل من يدب ويسير ويتوكأ
لمن لا يهاب الموت، فينتحر،
ومن يهابه فينتحر،
لمن يتعلق بآخر ذكرى هواء
أو آخر ذكرى حب
ولمن أُحبّ ومن أكره
لكنني اتعفف عن الشفقة على نفسي
فقد نسجت من الكلام حبلاً يعصمني
إذا قدم الموت
من أن أنساهم
13/01/2008
samedi 5 janvier 2008
أسطورة في حارة: نجيب محفوظ
الجمالية...
سير حثيث بحثاً عن أسماء، هي تلك التي خلّدها الراحل العظيم في كتاباته: بين القصرين، زقاق المدق، الخرنفش، السكرية...
منها ما تعثر عليه ومنها ما لا يظل سوى صوتاً هاتفاً، لكن ما تراه على أي حال لا يداني حلمك. الجمالية، حيث ولد محفوظ، حارات لا تشبه حارات السينما المصرية ولا حارات الروايات، مجرد تتابع غير مفهوم لطرقات ومبانٍ حديثة (نسبياً) في شبكة متاهة مقفلة. أما خان الخليلي فتكدس طويل وممل لمحلات بيع التذكارات والمجوهرات.
لكن القاهرة المعزّيّة، كما يسميها محفوظ للدلالة على الحدود الفاطمية القديمة للمدينة وأبوابها التي لا يزال بعضها شاهد عظمتها، تنفتح أمامك على حين غرة وحين لا تتوقع، يكفي أن تنعطف دون انتباه خارج مسير السياح، أن تدلف من عطفة تحت قنطرة واطئة لتتفتح لك عوالم أخرى، وترى ذلك العجوز القاعد في "محله"، الذي يوازي مساحة نصيب الفرد من زنزانة في سجن عربي، وتفكر إن لك يكن الرجل الذي يصنع أكياس الخيش منذ عشرات السنين، وربما مئاتها، أحد شخوص قاهرة محفوظ، وإن كان محله الضيق قد شهد سهرات الأنس والتحشيش كالتي تصفها الروايات...
يكفي أن تنعطف من شارع الأزهر إلى سوق الغورية وما يليها في الخيامية أو الدرب الأحمر، أو تختار الدخول من السوق إلى خوش قدم أو حوش آدم، حارة الشيخ إمام، لتنتبه أن الشيخ ونجيّه الفاجومي هما أيضاً من شخوص روايات محفوظ حين يدخلان في أسطورة الحارات التي تعيش حياةً شبه مقفلةٍ على ذاتها في ظلال الباطنية القريبة وإشارات الزمن البطيء وأحجار الجوزة "المخصوصة" وأصداء المآذن المملوكية والفاطمية التي تلف أسحار الحارات المتجاورة...
يكفي أن تزور بيت زينب خاتون في ما وراء الجامع الأزهر، أو أن تسيل في دفق أصحاب الجلابيب البيض في مولد الحسين، حول مسجده، وتسمع "ردح" النسوة لشبانٍ مرتبكين خجلاً حين تتماسّ جماعة من النساء الساعيات حول المسجد بزرافات الرجال الباحثين بين السرادقات عن مجلس طريقتهم وتواشيحها، أو أن تستبشر تهاليلك بالزوايا الصغيرة بأعلامها الخضراء اللون على حدود حارة الدرب الأصفر، قبل أن تأوي إلى هدوء بيت السحيمي حيث تتخيل فيه أحداث روايات محفوظ وتفهم على ضوء هندسته غير المفهومة هندسة بيت سي السيد، لتدرك أنك أنت أيضاً دخلت في أسطورة القاهرة المعزية وسحرها، ودخلت في عالم روايات نادراً ما أتممتها، وأن أمثالك هم التتمة التي كتبها محفوظ، دون تكلف، وهو بين عالمي النوم واليقظة الأبديين، ولتنتبه فجأةً أن محفوظ خلق أسطورتين، أسطورة القاهرة المعزية التي أدرجك فيها، وأسطورته هو، بقهواته وقعداته وقفشاته، التي تشكل فضاء قاهرة القرن العشرين، وأنه آخر الأساطير في مدينة باتت "مصرَ"، وبات كل حي فيها مدينة مستقلة بفضائها وناسها وحكاياتها.
السينما مدخلاً
لكن المرء يتساءل إن كانت الكتابة هي من صنع فضاء الأسطورة. لغة محفوظ اليوم تبدو بعيدة، كلغة لبنانيي القرن التاسع عشر، تكفي مقارنتها بلغة توفيق الحكيم أو مارون عبود ليتبدى أنها أكثر كلاسيكية من مجايليها. لغة جافة إلى حدّ ما ومستهلكة اليوم (أنظر في مطلع ميرامار: نفثة السحاب البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع).
حتى أن نجيب محفوظ، الروائي، لا يتورع في كتابة حواراته، عن إجراء جملة من قبيل "لن يلم الله شعثك على رجل" (في زقاق المدق) على لسان امرأة أمية تتسابّ مع ابنتها بالتبني، وهو أحياناً حين يريد التخلي عن القديم الممجوج يجاور في الجملة الواحدة بين "الكونصول" و"البلابيع" قبل أن يعود إلى "الخوان" (بين القصرين)، في قلق بيّن الدلالة على قلق العربية نفسها حيال أسماء العالم، على ما أوضح أحمد بيضون. غير أن محفوظ هو أيضاً مسيرة تطور بديع (ومؤسف الخاتمة!) للغة ولبناء الرواية ولإيحاءاتها الفنية، من بداياته التي لا تكاد تتخفى فيها اهتماماته الدعوية أو الوطنية (على طريقة ثورة 1919) إلى نصوص أكثر جرأة على الصعيد الفني، وآخرها أحلامه.
والحق أن الدخول في الأسطورة التي صاغها محفوظ يبدو مرتبطاً أكثر بوسيط آخر هو السينما، التي ساهم محفوظ أيضاً في صياغة فضاءها المصري، بكتابة السيناريو أو بمناصبه الرسمية كما بالاقتباسات التي أجريت عن رواياته، وهو نفسه يبدو أحياناً حين يكتب، وفي بعض أفضل نصوصه، وكأنه يكتب للصورة وليس للغة، التي تظل وسيطاً جامداً لديه، ومن غيره يجرؤ أن يقول لقارئه : "فأحمد عاكف ـ كما ترى ـ كان يوماً ما جذاباً" (خان الخليلي). كما ترى؟! لا يكتب محفوظ كتاباً (وسنعود إلى هذا) بل "روايات"، وعلينا ألا ننسى أن الرواية في مصر، بخاصة مطلع القرن العشرين، تعني... "المسرحية"! وهو لا يخاطب مخيلة القارئ، بل يخاطب عينه مباشرة، كما لو أنه يتمنى أن تمحى الكلمات، كي لا تبقى بين العين واللوحة مسافة لوسيط، لا يبدو أن محفوظ تجاوز انتصابه كتلة بينه وبين القارئ إلى اعتباره أفق للمرء، بحسب بارت.
تكاد الروايات تكون متعبة لو لم تسبقها مشاهدة المسلسلات والأفلام، وهي المشاهدة التي نكتشفها طويلاً قبل أن تتملك أغلبنا لذة القراءة، وهي أيضاً التي تقود أشواقنا في الطواف في القاهرة العظيمة. كما أن هذه المشاهدة المسبقة تسمح لنا بالدخول مباشرة إلى فضاء محفوظ الخاص، وإلى عالمه الروائي، بدل التيه أحياناً أو الملل مما يبدو "مواعظ" الحكيم ("موضع الحب من نفوسنا هو مهبط الخلق والإبداع والتجديد. ولذلك خلق الله الإنسان محباً وترك مهمة تعمير الوجود أمانة في رعاية الحب" من زقاق المدق)، وهذه القراءة تنجي من قراءة سائدة في النقد العربي عموماً، والمصري خصوصاً، لأعمال محفوظ، ولم ينج منها الأديب الكبير نفسه أحياناً، تفترض أن الرواية عمل فلسفي، وليس عملاً مرتبطاً بالمجتمع ووجوده وفرادة شخوصه، وتقرؤها على أنها كناية دوماً عن نظرية شبه فلسفية أو سياسية مقنعة. ولئن كان محفوظ نفسه كتب بعض الروايات على هذا النهج (رحلات ابن فطومة مثلاً) إلا أن قراءة "أولاد حارتنا" بها تنفي عن الرواية كل قيمة أدبية، ناهيك عن أنها قادت إلى محاولة اغتياله.
بين "الرواية" و"الكتاب"
من المؤسف أن يغيب عنا نجيب محفوظ، ومن المؤسف أكثر أن يأتي ذلك في اليوم عينه الذي نقرأ فيه عن قضية "المفكر الإسلامي" حسن حنفي، وعودة أشباح التكفير إلى مصر. ومما يزيد بعد في الأسى أن نتذكر أن محفوظ قبل طويلاً بسلطة الأزهر على روايته "أولاد حارتنا" (لا ننسين أنه نفسه كان رقيباً على المصنفات الفنية في فترة من حياته)، وهو حين قبل بنشرها بعد طول امتناع اشترط تقديمها بمقالة للـ"مفكر الإسلامي" د. كمال أبو المجد، لك يخرج فيها هذا الأخير عن ذكر حوار دار بينه وبين محفوظ، مؤداه، من جهة، أن محفوظ يشدد على "الإسلام والعلم" كدعامتين لأي مشروع عربي جديد، وجديد الحديث هو التمييز الخطير الذي يجريه محفوظ، بحسب د. أبو المجد، بين "الرواية" و"الكتاب". فالرواية، على ما جاء في هذه المقالة ـ الحوار، "تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال"، ونموذجها هو... "كليلة ودمنة". أما الكتاب فيفترض أن فيه الحقيقة وعلى أساسها يحاسب الكاتب. على أن المتحاورين يغفلون أن محاولة اغتيال محفوظ كانت تماماً بسبب القراءة الرمزية للكتاب، وليس محاسبة له على تزييف حقائق التاريخ!
الأخطر في الموضوع هو تلخيص المحاورين معاً للكتاب ـ القضية إلى موقف يريد الكاتب إيصاله للقراء، (وهذه نظرة صحافية وليست أدبية للنص)، حيث يصير "الجبلاوي" رمزاً للدين، و"عرفة" رمزاً للعلم، ويكتشف الناس حاجتهم إلى الأول رغم إغراءات الثاني، لأن العلم بغير الدين تحول إلى أداة شر. فتغيب فضاءات الرواية وشخوصها وبنائها لعوالمها الخاصة لمصلحة رواية رأي، فحواها أن فلان = علم وعلتان = دين، وتجري المعادلة ذهنية بحتة باردة. والحق أيضاً أن كتابة محفوظ اتبعت هذه النظرة إلى الرواية، بوصفها إعلاناً موارباً لموقف، في عدد قليل من الروايات، لكن أغلب إنتاجه كان أثرى بما لا يقاس من هذا الإفقار، الذي ربما لجأ إليه مضطراً بين إلزامات السياسة وإكراه الموجات الدينية التي لم تعفّ عن الاعتداء على الرجل الكبير في جسده.
زمن مصر
كان في نتاج محفوظ دوماً نوع من الكلاسيكية المتأنية، التي تشابه في تؤدتها طبيعة الزمن المصري الحريص على ألا يختلّ بغتة أو تسبقه الأحداث، فهو دوماً يمتصها ويلجمها ويعيدها إلى مسارٍ بطيء ريثما تختمر ظروفها بحسب تقديرات هذا الزمن نفسه. ولهذا مثلاً نفهم أن يكون محفوظ هو أديب مصر الأكبر في القرن العشرين، وليس توفيق الحكيم مثلاً، الباريسي النكهة، والقلق المزاج رغم ما يحكى عن تنسكه ونظراته شبه الفلسفية. فالحكيم أصرح في التعبير عن مراده، سياسة واجتماعا وهو في هذه الأحول يقصر "الفن" على قالب يفرغ فيه مراده، دون كناية أو رمز تقريباً (كالحوارات مع العصا أو مع الحمار)، لكن حسه المسرحي العميق جعله لا يخطئ في كتابة الحوارات ومناسبة اللغة والمفردات لمن تجري على لسانه، كما أنه العربي الوحيد الذي كان معاصراً لزمنه، فجبران حين أتى باريس شاهد القرن السابق، في حين أن الحكيم عاصر الدادائية والسريالية ونظريات الفن الحديث وموجاته ما بين الحربين، فكتب وفي ذهنه بعض ما أفاد منها، وفي نفسه خصوصاً توق إلى زرع هذه الغرسات في الفن والأدب العربيين، وإن كانت بعض كتاباته وليدة هذه الرغبة دون عميق اقتناع بالمضمون. وإذا كات الحكيم حاول أن يهز الزمن العربي الراكد وأن يجدد في صيغه وقوالبه ونظراته، فإن محفوظ كان أشد خفراً وتكتماً، وربما كان هذا سبيله ليكون أعمق أثراً في مصر، وربما في العالم العربي.
إذا كان في قدرة الزمن المصري سابقاً أن يجمع الريادة إلى التأني والتجديد إلى الكلاسيكية، فإن المرء ليتساءل، خاصة مع عودة أشباح التكفير والمد الإسلامي السياسي والأصولي، عن قدرة مصر اليوم، لا على ولادة الموهوبين شأن كل الأوطان، على المحافظة على قامة مثل محفوظ، وعلى السمح لها بالوصول إلى التفوق وضمان الحياة والفرادة وتمهيد السبيل أمامها لنشر نتاجها.
ينبغي ربما التذكير أن ريادة مصر أتت أساساً من وضوح "صحنها" الإقليمي، بالمقارنة مع بلاد الشام، وتنوعها الثقافي الداخلي، وصدمة الإجتياح النابليوني الذي هزها وجعل بورجوازيتها تباشر بدايات المراكمة الرأسمالية، ثم كان الطموح الخديوي إلى مجاراة الآستانة وتحويل مصر إلى بلد أوروبي... الخ. أي أن الريادة المصرية كانت على الدوام النقيض من "الحلم" اللبناني، الصناعة لا الخدمات، وضوح الحدود لا ثقوبها الفاغرة، صدمة اجتياح نابليون بدل تعاون تجاري أسبق ووثيق مع إيطاليا أواخر عصر النهضة، تنوع داخلي ثقافي بدل انفتاح دائم ثقافياً على الخارج، السينما والمسلسل لا الفيديو كليب والأغنية القصيرة والخفيفة، الرواية الضخمة والملحمية لا الثورة الشعرية... الخ.
وإذا كان البعض يرى أن الثورة المصرية في 1952 بطموحها العربي والاشتراكي هي التي أوقفت مسيرة مصرية "صميمة" نحو التقدم، (وهو أمر مشكوك به على أي حال بالنظر إلى ما سبق 1952 بعشر سنوات و ما تلا انفتاح السادات)، فإن الأرجح القول أن ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية هو أن انقلاباً عالمياً في معايير الميزات والتفاضلات هو الذي حدث، وأن "الثورة" هي التي حفظت لمصر وهجاً كان استمرارها على "صميميتها" (ومعادلة صفر + صفر الشهيرة) ليفقدها إياه. وإذا كانت هذه هي معايير ما قبل الحرب العالمية الثانية التي سمحت لمصر بالريادة وإحداث ثورات كبيرة في عدد من المجالات الفكرية العربية (كل ثورة الموسيقى على المدرسة الخديوية جرت بين 1925 و 1935، الانطلاقة المصرفية والصناعية في الفترة عينها، بدايات الرواية المعاصرة، المسرح الغنائي ...الخ) فإننا لا نكاد نلمح إنجازاً ضخماً في هذا المجال بعد هذه الحرب، والاستثناء الوحيد والكبير هو بالطبع نجيب محفوظ الذي بلغ أوج عطائه بدءً من انتصاف الخمسينات، معتبراً أن الرواية هي شعر الأزمنة الحديثة، وبهذا كان سباقاً بعيد النظر.
لكن التساؤل ملح اليوم، حين يكون عم عبده داغر يعزف منذ عشرين عاماً للحيطان ذاتها في غرفته الصغيرة، بحسب ما يقول، إلى أن يكتشفه الأوروبيون، وحين يظل عازف شاب رائع وهائل القدرة على التجديد مثل حازم شاهين أسير الانتظار إلى أن تتكرم وسائل الإعلام والإنتاج بالخروج من تكرار الإيقاعات المصمّة، وحين يكون عشرات الموهوبين في الغناء والتمثيل والكتابة والفكر مسحوقين في ظل آلة إنتاج ضخمة وسوق استهلاكية ضخمة ترفض أي مذاق جديد لم يسبق للجماهير التي تقصفها هذه الآلات أن علكته واجترته وأدمنت مذاقه، هل تستطيع مصر أن تقدم هي بنفسها اكتشافاتها بدل انتظار الغرب، وأن تقيمهم علاماتٍ على زمنها المتجدد في عصر العولمة، كما سبق أن فعلت مع سلامة حجازي وعبد الوهاب ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وصلاح أبو سيف وغيرهم، وهل يكفي هروب العديد من هؤلاء الموهوبين والمعترضين إلى فضاء الإنترنت دليلاً على إدخالهم مصر في زمن جديد، أم أن ذلك لن يكون إلا مقدمةً لخروجهم المؤسف هم منها؟
وداع نجيب محفوظ هو وداع لحقبة دخلت في الأسطورة، ووداع لقدرة على التطور والاجتهاد في النظر والرأي وبناء النفس، وإن كان محفوظ يقدم نفسه على أنه وليد زواج الحضارة الفرعونية بالحضارة العربية، فإننا، مصريين ولبنانيين وعرباً، في أحوج ما يكون إلى من يعلنون أنهم أبناء زواج جديد لحضارات معاصرة ولأزمنة متداخلة النسيج، بحيث أن فك تداخلها، كما يحلم التائقون إلى صفاء ونقاء بلا حدود، لا يقود إلا إلى الموت أو الجنون وشقاق النفس.
يوميات الحرب
بضعة أشهر قبل 12 تموز
حلم: السيد حسن نصر الله وأنا في سيارة رينو صغيرة، نسرع باتجاه نفق شكا، على الأوتوستراد، لسبب مجهول نحن مقتنعان بأن عبور النفق سيحمينا من طائرة هليكوبتر اسرائيلية، نرى رأي العين صاروخها. السيد نصر الله فائق اللطف، وأنا على ثقة أن والدي سيرحب به لدينا، وأعرف أن أمي قلقة لشدة حرصها على متوجبات الضيافة. هنالك قوة حنان هائلة في صوت السيد وحديثه الهادئ إلي، ونحن نفر من قنص الهليكوبتر.
ثلاثة أشهر تقريباً قبل 12 تموز
حلم أيضاً: السيد حسن نصر الله وأنا في ما يشبه قبو بيت جدتي القديم في الضيعة. نحاول معاً ضبط جسم غريب، شيء يشبه رجلاً سليخ الجلد، طاقة حمراء متوهجة وحارقة، نحاول إعادته إلى قفصه، وتخبئته عن بقية سكان البيت. العجلة واجبة خصوصاً وأن هذه الطاقة المتوحشة تجأر كالبعير ساعة ذبحه.
الأربعاء 12 تموز
الأنباء الأولى عن قصف يتجدد على مزارع شبعا واشتباكات في هذا القطاع. منذ خطف الجندي شاليط والمرء يصلي أن يلهم الله حزبه ألا يفتعلوا اشتباكات مجدداً، من الواضح أن الجنون الاسرائيلي لا يجد موازياً له سوى في تنصل المجتمع الدولي من دوره كضامن للقواعد التي ترعى وقوع النزاعات وتدرأ مخاطرها وشططها.
حسناً، إن كان الاشتباك في شبعا فقط، فسيكون مجرد رسالة أننا موجودون، وربما لن يفتح الاسرائيليون جبهةَ همجيةٍ جديدة.
الأنباء الآن تفيد بوقوع سبعة قتلى من الجنود الاسرائيليين وبـ"أسر" اثنين (لمَ يستعمل الإعلام كلمة "خطف"؟ هل لأنها من موروثات الجماعات الثورية في الأعوام 1970؟ ولكن أيضاً هل يجوز لغير الدولة أن "تأسر" جندياً من دولة معادية تنطبق عليه المعاهدات الدولية التي تلتزم بها الدول؟). الطامة إذاً وقعت، وزاد الطين بلة أن ذلك لم يجرِ في مزارع شبعا، بل ما وراء الخط الأزرق. لا شك في أن التوقيت يلقي شبهات كثيرة حول ولاء حزب الله للبنان. بالأمس، كان السيد نصر الله يؤكد، بحسب الصحافة اللبنانية، لسعد الحريري أن حزب الله سيهدئ الوضع، حرصاً على موسم الاصطياف. لكن المرء متنازع بين شعورين، كما كان في 11 سبتمبر، يغتبط للأذى اللاحق بالعدو المتغطرس، أم يأسف للقتلى وللدمار الذين يعلم أنهما الرد الأكيد على هذا التجرؤ. بالتأكيد، الوضع اليوم أقل سوءً، لأن قتلى العدو جنود، وليسوا مدنيين. كما لو أن قتل الجنود لا يمر بألم!! إنها ضريبة المهنة ربما، والتواطؤ المشترك على تقديم كبش واحد للفداء (لفداء السياسيين وشركات الأسلحة؟). لكن ليس في عادات اسرائيل احترام هذا التواطؤ العام.
السؤال الوحيد المهم الآن: نتفاءل أم نتشاءم؟
يومان على 12 تموز
بدأت ملامح الرد الاسرائيلي تتبلور. كان خطاب السيد نصر الله في البداية ضيق الأفق: مبادلة الأسرى، ومزاعم عن الوقوف إلى جانب الفلسطينيين. هل من الضروري أن نصعد إلى الجنة بخدين متورمين؟ ألا يكفي خد واحد؟
من يزعم الدفاع عن فلسطين ويهمل أوضاع الفلسطينيين، كيف يطيق خطابه؟ تمجيد المقدس، الأرض أو الشرف، واغفال البشر، الأناس، الضعفاء والمستضعفين، لحم المدافع ووقود البربرية! كان ليفيناس يقول إن الأرض، كائناً ما بلغت قداستها، تعود حجارة وغباراً حين تكون حياة إنسان واحد في خطر. لكن الفيلسوف اليهودي كان يقول ذلك نقداً لاسرائيل، فهل من يقول لنا ذلك باسم الإسلام ونقداً للجماعات الإسلامية.
من حق الحريري أن يشعر أنه طعن في الظهر وأن يوجه نقداً قاسياً إلى حزب الله، ولكن هل سيتحمل البلد؟ ربما! ما زلت أعتقد أن الأمور قد تحل قبل يوم الإثنين المقبل، وإلا فإنها ستطول جداً. فلا يمكن للأميركيين التضحية بحكومة السنيورة، نصرهم الوحيد في المنطقة، ولا يمكن اقتلاع حزب الله من دون تفجير الحكومة، والوضع اللبناني كله. هذه الحرب محكومة بسقف واطئ من الأهداف، رغم جعجعة الاسرائيليين. بالمقابل إذا طالت الحرب هل يكون من مفر من "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ومن إلزامية التضامن مع حزب الله. نبيل يعتقد أن الأمر مرتبط أيضاً بكيف سيتعامل جنبلاط والحريري مع النازحين الشيعة. استقبالهم كما في 96؟ أم أنهم سيرفضون تسهيل نزوحهم؟ برأيي، الأمر يجري كما لو أننا نكتشف للمرة الأولى، كلبنانيين، أن لبنان أرض واحدة. لقد حاولنا طويلاً بناء بيروت كما لو كان الجنوب في قارة أخرى، وها نحن نتعلم، من جديد، كما في 96 حين ضربت اسرائيل معمل الكهرباء، أننا بلد واحد، أي أولاً وأخيراً أرض واحدة، وصغيرة!
الأرض؟! لست مزارعاً ولا ملاكاً، ولا أجد مبرراً عاقلاً لدفاع الناس الأعمى عنها، سوى ذلك الشعور، الذي يمد عروقه عميقاً في القلب، بوجوب الدفن هناك في الأرض الجرداء والحميراء قليلاً، وإلا فنَثْرُ رمادي في المتوسط.
بضعة أيام على 12 تموز
زيارة دوفيلبان استعراضية جميلة، الصحف الفرنسية تفيض في تأثير شَعْره المتراقص في الهواء البحري، على متن بارجة حربية في خضم أزمة دولية، على استطلاعات الرأي. التحرك في الأزمات ينفخ في أشرعة الشاعر، لكن وزير الخارجية السابق لم يجد هذه المرة الكلمات المناسبة. حتى مع تحسن صورته في استطلاعات الرأي، يظل رئيس وزراء فرنسا ضعيفاً لأنه يخطئ مواقيت الحزم. لا أدري كيف يكتب شعره، لكنه بالتأكيد سيكون كالبياتي لا يدرك أن على القفلة أن تصاغ في اللغة وفي السياسة كما في غناء ثومة.
هل تنتهي هذه المعارك في اليومين القادمين؟ هل ستعرقل إيران وسوريا الصفقة، كما حصل في فلسطين؟ إذا ضاعت الفرصة الآن، فستطول الحرب أكثر مما يحتمل البلد.
ما قدرة البلد على الاحتمال؟ كيف تقاس، وبأي وحدة؟
عشرة أيام على 12 تموز
للمرة الأولى، حياة تبدي إعجاباً بمقال لي، وترى سلاسة وخلواً من التعقيد في الجمل ووضوحاً في الأفكار. قلت لها، ينبغي إذاً أن أمتنع عن الكتابة السياسية، كي أحافظ على الغموض، الذي هو تكثيف الخلود في لحظة. طبعاً، كان ذلك مجرد سخرية، ولكن كيف الخلاص بعد ذلك من انتقادها لمركّب العظمة لدي!
الحديث مع بلال ذكي دائماً، لكنني لا أحب مقاله. كل هذا التشاؤم! أعرف جيداً كيف وصل إلى ذلك، في ظل كل هذا الدمار الذي أسمع عنه، ولا أراه. المقال في النهاية استكمال منطقي وتطبيقي للأفكار السابقة التي اقتنعت بها معه (المدن ووظائفها، شبكات الإتصال المتعددة ودورها في لحمة المجتمع... الخ). ولكن كيف إذن أرفض الخلاصات؟ كيف يمكن أن أوافق على المقدمات وأرفض المترتبات عليها؟ بقوة تفاؤل غريبة، أم بقوة الجهل وعناده؟
ربما على أن أشكر الحظ الذي حرمني في هذا الشهر تحديداً من التلفزيون. في فيلم من قصص قصيرة عن 11 سبتمبر كان أكثر ما لفتني هو تلك القصة الافريقية عن مجتمع لا تلفزيون فيه. 11 سبتمبر خبر إذاعي هناك، وسقوط البرجين بلا صورة، حتى بن لادن لا صورة له، لذا يسهل على أهل القرية الظن بكل ملتحٍ أقل سمرةً منهم.
أهلي في طرابلس، بعيدون عن الخوف اليومي، ولكنهم يختنقون، مثل كل اللبنانيين من هذا الإحساس بالحصار. ربما لا يسمعون صوت القنابل لكنهم بالتأكيد في خضم القصف الإعلامي. أرفض أن أشاهد صور الفظائع الاسرائيلية. لا لأنني أرفض الحقد والكراهية الذي سيشعله ذلك في قلبي، فهو بذلك ملتهب من الآن، ولكن لأنني أشعر أن سيل صور القهر والدم والدموع وسيلة أيضاً لشلّ القدرة على التفكير.
طوني يقول إننا نعيش في زمن الكارثة، في الزمن الذي ينفي سيل الزمن ويجعلنا نقيم في لحظة الحاضر، فقط، حانين على قتلانا، دون قدرة حتى على البكاء أو العويل. وحده الصمت يساوي العيش ـ في ـ الحاضر، لأن كل كلام حيّ يتطلب الاندراج في زمن ينقضي. بالطبع هنالك أيضاً الزمن السوري، أي الزمن الذي يساوي فيه الكلام الصمت لأن الكلام فيه لا يهدف سوى إلى افراغ الكلمة من المعنى، كي يتسنى للنظام أن يعيش إلى الأبد في زمن "التصدي والصمود" (أو الصمود دون التصدي بحسب قراءة مقلوبة لتصريح الحص الشهير). لكن، أليس هذا أيضاً ما تقترحه علينا "المقاومة"؟ الإقامة في زمن لا يمر عليه الزمن، في فعل المقاومة، لا في سعي هذا الفعل إلى الإنقضاء.
نيف وعشرة أيام على 12 تموز
حلم: الجنس مع خنثى! غريب من أين أتى هذا الفانتازم؟ كان هنالك أيضاً كل ثقل الرعب والخجل والخوف من الإنكشاف أمام الآخرين.
غرفتي القديمة في بيتنا السابق! أحلم أن أكون مخرج سينما كي أعيد إحياء هذا العالم الشاسع الذي كنت أراه في بيتنا الضيق، في الممر الدقيق بين المكتبة وغرفتي حيث الخزانة التي تضم مجلات العربي وسوبرمان وجرائد قديمة وأعداد "الملحق" التي تتراكم. وحدها الكاميرا تستطيع، مارّةً على مهل وعلى مستوى منخفض، أن تصوّر الذاكرة. دروس من برغمان بالطبع، ومن مخيلة الطفل الذي لأول مرة يلوح على هذا القدر من البعد. كأنما لم أخسر طفولتي إلا حينما غادر والداي بيتنا القديم.
منذ بدأت هذه الحرب، أصبحت أستخدم دون انتباه الـ "نا"، والـ "نحن"، كما لم أفعل قط من قبل.هذه الحرب تقضي على فرديتي، وأنا البعيد عن ساحتها! لكنني لا أحتمل هذا الإندراج بالرغم مني في خانة "إما... وإما..."، نحن أو هم... أنا الآخَر الآخِر!
أسميت ذهابي إلى الاعتصام في ساحة السوربون "نضالاً"، فأنا آخذ المترو لأذهب كي أناضل وأعود به من ساحة الوغى! لو كان للنضال في العالم الثالث كل هذه المواصلات العامة لتحققت إنجازات "تاريخية" J
كل هذا "النضال" بالكلام وبالشعارات، أليس أيضاً ما ننتقده؟ في النقاش مع خليل وجوانا كان الأمر يزداد وضوحاً، نحن في نهاية الأمر نريد الدفاع عن موقع شخصي فردي، وعن حرية فردية، (هل ذلك ممكن في وقت تتساقط فيه الضحايا؟ أليس أنانية؟ يقولان)، في مواجهة سيل المواقف الثقافية التي تصنف الآخرين إلى عميل/ متقاعس أو إلى مقاوم. كيف تكون المقاومة في الثقافة؟ بل أساساً كيف تكون المقاومة؟ ما هي؟
ما أريده هو مقاومة هذه الثنائية البلهاء التي يسعى الجميع إلى جرنا إليها فنحن إما مع أميركا وإما إرهابيون بحسب الخطاب البوشي، وإما مع حزب الله أو عملاء لاميركا بحسب "المقاومين"، وكل ذلك بذريعة أن "لا صوت يعلو...". كيف أقاوم المنطق الأميركي الهائج كناقة عشواء إن كان أخي لا يدعوني سوى إلى المنطق نفسه؟
أحسب أن مقاومة هذا التسطيح الهائل لا يمكن أن تكون سوى ببناء موقع متميز، لكن كيف يمكن ذلك إن كان الكلام نفسه مصادراً؟ بمناهضة مصادرة الكلام نفسها! برفض مانوية الخطاب البوشي والخطاب الإيراني ـ الحزب اللهي، برفض انتهازية 14 آذار الرخيصة! الرفض وحده لا يكفي: ينبغي تفكيك هذه الخطابات، وإظهار كمية اللا سياسة، والغيبية، والزيف، والعمى الذي تفترضه تعابير وأدوات غير مفهومية وغير سياسية، كالفخر والكرامة والشرف والإباء والإرهاب غير المعرّف وآلام المخاض والنوازع الأصلية لدى شعبٍ ما وطباعه أو مشاريعه اللاتاريخية، وذلك في مجال سياسي يفترض أن تكون المطالب فيه واضحة والأهداف محددة وقابلة للتعيين وللتحقيق، لأن في فشلها أو تحقيقها حياة الناس وأرواحهم وسقف بيتهم ولقمة خبزهم.
الدفاع إذاً عن وجود الدولة، مجدداً وتكراراً، مع التحسب منذ الآن لشططها المحتمل.
في هذا السياق يصير واجباً حماية هذه الدولة ممن يتذرعون بالدفاع عن سيادتها، سواء كانوا دولاً أجنبية أو "شقيقة" (كألم الرأس!) تسعى إلى فرض قرارها على الدولة اللبنانية، أو الجماعات الطائفية التي لا يقوم اجتماعها وكيانها سوى على خرق سلطة الدولة وانتهاك سيادتها وصلاحياتها ما أمكنها ذلك!
المقاومة اللبنانية الباسلة؟ لقد تجلت بدايةً في كل نشاطات المجتمع المدني ومنظماته ومؤسساته كالصليب الأحمر وهيئات الإغاثة، قبل أن تتجلى ثانياً في استبسال المقاتلين اللبنانيين المنتمين إلى حزب الله في التصدي لتوغلات العدو الاسرائيلي في الأراضي والمياه الاقليمية اللبنانية. كل عامل في مجاله مقاوم لأنه يؤسس لمشروع ثالث وحيوي ولمقاومة لمشروعي الموت، الموت قتلاً بأحدث التقنيات أو الموت بالاختناق تخلفاً، وهما المطروحان علينا كقرني حَرَج، (بل كخازوقي حرج) لا يمكن القبول بأن يعلّق أحد، فكم بالحري شعب، على أحدهما.
بعد "النضال"، العشاء. غريب كيف نكتشف فجأة أن الأجوبة التي نقدمها، أكثر بكثير من الأسئلة، يمكن أن تنتهك خصوصية الآخر وأن تعتدي على خفره. الأنباء من لبنان تغدو مكرورة، قصف، دمار، موتى، مقاومة، إنه الروتين يا غبي!
نيف وعشرة أيام على 12 تموز (ب)
الإنقسام اللبناني في باريس منهك ومقزز! كل المظاهرات أزواج تنزل وكل اعتصام سرعان ما يرى قرينه في مكان ثانٍ. بحسب ما رشح عن اجتماع في السفارة لممثلي الأحزاب، لا خلاف جوهري بين الجميع على الحد الأدنى من المطالب. لكن لا أحد يرضى بالظهور إلى جانب الأخر علناً. كلما ناقشنا أحداً يقول، فليتنازلوا هم! كل هذا الدمار العاصف بالبلد لا يهز شعرة في رؤوس من يمشون وفي مؤخرات رؤوسهم مراصد للكاميرات التي يحسبون أنها تلتقط صورهم للخلود!!؟
المناقشات مستمرة مع خليل وجوانا. أجواء الشباب في لبنان تشي بحرب فعلية بين المثقفين هناك: معنا أو ضدنا، دائماً ومجدداً، وكل يراقب الأخر! الكثيرون يرون أن بيان "مثقفي المقاومة" فخ لا ينبغي الوقوع في الرد عليه. لست أرى ذلك. أرى أن الوقت سيكون متأخراً جداً حين تنتهي الأمور، ستكون مصادرة الكلام قد أنجزت. البعض يتخوف أيضاً من عودة الإغتيالات، في حين أن الغثيان يستمر لدى طوني. أحسب أن التحرك ملح وضروري في هذا الإتجاه، فقط لتأكيد الحق في الرأي المخالف، وفي الاستمرار في النقد، وبخاصة نقد القوى التي يفترض أنها تشكل قوى المقاومة الأساسية وعصب مناعة البلد، وذلك تحديداً حرصاً على هذا البلد عينه وعلى تصويب مساره نحو ما يراه كل امرئ أنه الأمثل.
لا بد في هذا من نقاش معنى المقاومة نفسه. اللغة دليلي الأثير، كما دائماً. المقاومة كما توضح اللغة نفسها دفاعية أولاً، دفاع دائماً وبدايةً وأصلاً عن حياة كل فرد، من أيما انتماء، (حتى وإن انتمى للعدو لأن في ذلك مغزى أخلاقية معركتنا)، وعن عيشه وحرياته المنصوص عليها في الدساتير والشرعات الدولية، وعن حقه في المساهمة في إعمار بلده وإغنائه بجهوده في مجاله وبتصويبه بالنقد لكل ما يراه خطأ في مجتمعه. أي أن المقاومة لا يجوز أن تختزل إلى ممانعة مشروع متعسف أو همجي ومتوحش تجري محاولة فرضه، وإن تضمن معناها ذلك تضمن الكل للجزء.
فكرة جوانا الرائعة، عدم الإكتفاء برفض الخطابات المطروحة علينا، وعدم الاكتفاء بالدعوة إلى تحديد معايير الربح والخسارة أو مفهوم المقاومة العامة، بل الإعتراض على زعم البعض حقهم في التصنيف (ولكن ألا يفترض هذا أيضاً إنكار قدرتهم على تصنيف أنفسهم؟ بلى ولكن ذلك طبيعي لأن التصنيف المعتمد ليس محايداً، إنه كتصنيف شعب ما نفسه أنه أرقى الشعوب أو أنه شعب الله سواء أجاء الإختيار منه أم من ربه). أكثر من ذلك: إظهار خطل أسس فكرة الفئة أو التصنيف كلها.
معها حق بالتأكيد. التصنيف إن جاز في القانون لتطبيق قواعد معينة أو جاز في الأنواع الأدبية لتسهيل النقد، فإنه إن طبق على البشر محاولة دائمة لاخراجهم عن حدود المساواة وتمهيد لحرمانهم من الحقوق المترتبة عليها، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى في كل تواريخ الأقليات المضطهدة.
أتساءل دائماً لماذا أجواء اليسار أظرف في نظري من أجواء أصحاب الإيديولوجيات المتحمسين؟ (بالطبع أجواء اليسار لا تعني الحزب الشيوعي إذ لا أجواء له!). ربما فقط لأنني أشاطرهم الإحساس بانهيار الأحلام، وبضرورة أن يظل العمل ممكناً وواجباً بعد هذا الإنهيار، وربما أيضاً لأن في نبراتهم تلك السخرية التي أهوى، التي تبدأ بالسخرية من النفس، بالخيبة، وبالشجن الناعم المصقول بالحنين إلى ما لم يشهده أحد منا. ربما هذا ما يشكل أساس نفاؤلي الدائم، مثلما كان، برأيي، ما منع شوران (كما يلفظ بالرومانية) من الانتحار. في السهرة ضحكنا كثيراً على عقد باسل لزواج متعة مع فتاة روسية، متساءلين من أين أتى بالتمرات مهراً. تذكرت أنني استغربت تقاربهما، مع علمي بحيائه وتقواه. أوكي، هنيئاً له، إن كان ذلك يحل عقدةً!
العودة على بولفار سان جيرمان، مساءً: ذكريات 1968 لا تزال تعبق في المكان، أم أنه فقط رأسي المثقل بصورة تلك الإنتفاضة؟ كانت هدى أجابت إحدى الفرنسيات عن مدى الإستمرار في الإعتصام: إلى أن يقرر الباريسيون أن يستفيقوا! لكن الباريسيين كما نعلم ينزحون أيضاً موسمياً عن مدينتهم! يظل أن أيار 68، في شكل ما يضفي مشروعية على ادعاء فرنسا تمثيل القيم التي كان صاغها عصر الأنوار الأوروبي وأعلنتها الثورة. باريس وصية على هذا الإعلان، لأنني فيها ولأن في وسعي أن أعلن منها موقفي، ولأن شوارعها المرصوفة تتسع للكثيرين من كل الاتجاهات، حتى المعادية لنا، ولأن السياسة الخارجية لرئيسها أمر يحتسب في تقرير شعبيته!
نيف وعشرة أيام على 12 تموز (ج)
قانا! قانا 06! عرس الدم! من جديد، بعد عشرة أعوام، المأساة عينها. لم أر صوراً، لم أكن لأقوى على ذلك، صوت المذيع في الراديو يلفظ هذين المقطعين كان كافياً، لأشعر. لأحس بدمٍ قانٍ يهطل من العيون، بدمع يتغرغر في الحنجرة!
أريد القيام بأي شيء. ينبغي ضرب المصداقية الأخلاقية لاسرائيل في العالم الغربي. اللجوء إلى الضربات تحت الحزام: المقارنة بالنازية. باريس دشنت منذ أيام حائط "العادلين" الذين أنقذوا أطفال اليهود في فرنسا من أنياب النازية. حسناً فلنطلب نحن أيضاً أن نعثر على عادلين! الفرنسيون خبئوا مؤخراً عن أعين ساركوزي المئات من أبناء المهاجرين غير الشرعيين المهددين بالطرد إلى بلادهم الفقيرة، فليخبئوا أطفالنا عن عيون الطائرات الاسرائيلية التي تتقصدهم وعينها على مقبل الأيام وأجنة الأرحام!
خليل قلق من مخاطر مثل هذه المقاربة. لن يترك الشعبويون من هذا التقريب بين النازية والممارسات الاسرائيلية سوى مماهاة بين جوهرين، وسيغفلون كل ما نود قوله عن ارتباط هذه الوحشية، غير المسبوقة تحديداً، بعلاقة الإنسان بالتقنية، وبالحداثة.
في المظاهرة، في مساء اليوم نفسه، رسم مرفوع عالياً: نجمة داود = صليباً معقوفاً.
التأثير قد يكون تماماً عكس ما نريد، رفضاً مطلقاً لتقريب يلغي المسافة ويشطب منطق العلاقة بين نقطتين. وقد يكون كارثياً على مستوى الرأي العام العالمي.
الرأي العام العالمي؟! أليس علينا أن نيأس من هذا الرهان؟
عشرون يوماً على 12 تموز
هذه الصبية، كل صباح في المترو، كيف أقول لها أنها تشعّ باللا دعة، وأن ذلك يجعلها فاتنةً.
لم يشهد العالم قبل اختراع القطارات امكانية بقاء البشر لمسافات طويلة وجهاً لوجه دون كلام! الآن سماعات الهاتف والـ Ipod تزيد من صعوبة التواصل بين المتواجهين، إلى حد أن الاتصال بلبنان وهو تحت القصف أهون بكثير من مخاطبة الجار في المترو. ألا يصيب هذا العارض أيضاً السياسيين؟
إيه بودلير، هذه الفتاة وانا في الحشد نفسه، لكن التقاء العينين حتى مستحيل. لا الحشد يحملها بعيداً ولا قربها نافع ولا أنا أصبر!
الأغاني في المظاهرة واضحة الانتماء. لكن هنالك بعضها مما لم أسمعه من قبل، لا شك أنه أغاني العونيين. من أول مازورتين، يكشف فقر التوزيع و"الكيتش" اللبناني فيه عن ذلك، وعن افتقار كبير للبحث الفني الذي كان أساس ثراء التجربة اليسارية موسيقياً. ربما لأن اليسار كان يحلم بتغيير عالم، في حين أن العونيين لم يحلموا يوماً ولا يحلمون الآن سوى بالعودة إلى الماضي.
راديو الشرق يستمر في بث المقتطفات عينها من تصريحات الشهيد رفيق الحريري، "الحقيقة ما حدا في يخبيها"! إلى جانب ذلك هنالك العديد من أغاني المناسبات التي أطلقت بمناسبة هذه الحرب. لكن الأبرز هو الإصرار الكبير على أغاني بيروت، بما فيها تلك التي غناها راغب علامة قبل عشرين عاماً (هل هذه هي الإعادة التي وعدت بها الحكومة الاسرائيلية؟). لماذا بيروت؟ في حين أن القصف على الضاحية وفي بعلبك والجنوب. هل قبل البيارتة أخيراً أن الضاحية جزء لا يتجزأ من بيروت، أم أن بيروت تحاول التمدد على مساحة الوطن؟ ها هنالك إشارات جغرافية في أناشيد حزب الله؟
النقاش مع أصحاب الإيديولوجيات يصل دائماً إلى النقطة عينها: في الدين، السؤال عن وجود الله، وفي الصراع اليوم السؤال عن التسيير والتخيير! هل هنالك خيارات سوى السلاح؟ ووراء ذلك السؤال الأعمق، لمن الأولوية لرؤية الواقع والعمل على تغييره، أم للتوق إلى رؤية الإيديولوجية واقعاً؟ لا أستطيع أن أجيب على من يؤكدون انعدام الخيارات، سوى أن ذلك نفي للسياسة. الرد أن العزة والشرف أسمى من السياسة! ينسى هؤلاء أن السياسة هي أساس الاجتماع البشري منذ اختراع اللغة، وهي القدرة تحديداً على رفض القول بالجبر والتسيير!
في النقاش معهم، حتى مع العلمانيين منهم، يظهر العدو الاسرائيلي والأميركي كأنه شيطان لا شيء يثنيه ولا عقل يسيره، ولا تسوية ممكنة للصراع معه. إنه صراع وجود لا حدود، بالطبع بيريز أيضاً قال ذلك. لا أستطيع أن أجيب على ذلك سوى بأن الشيطان أيضاً نفي للسياسة. حتى صراع الوجود يحتاج إلى خطوات عملية، لا يشكل الانتحار الجماعي فاتحة ممكنة نظرياً لها! و"القضية" في الواقع أعقد من أن يحلها التواقون إلى شهوة الالتحام النهائي بالأبد في لحظة.
تذكير: خلق السبت من أجل الإنسان، ولم يخلق الإنسان من أجل السبت!
تذكير ثانٍ: بأي حقٍ أصنفهم أصحاب إيديولوجيات وأغدو أنا "مفكراً حراً"؟ ألا يسع الحرية أيضاً أن تكون ايديولوجية مثلها مثل عبادة الطبقة الوسطى السائدة هذه الأيام والافتراض غير المثبت من أن مصلحة الدولة في أن تمثل هذه الطبقة؟
تذكير ثالث: لبنان يخاف من المحكمة الجزائية الدولية حرصاً على حزب الله. ما ينبغي هو ملاحقة إسرائيل ومجرميها وإن على حساب محاكمة صعبة لبعض عناصر حزب الله، لأن إثبات نيتهم الجرمية سيكون بالغ الصعوبة، ونستطيع أن نكسب لأنهم لا يرتكبون جرائم حرب، بل فقطط يستعملون المتاح لهم، أي أسلحة ضئيلة الدقة، بعكس الإجرام الاسرائيلي بأسلحته الأميركية اللماعة.
نيف وعشرون يوماً على 12 تموز
غريب كيف أن قانا ـ 2 لم تتحول إلى 11 سبتمبر لبناني! هنالك قدرة لبنانية هائلة على الاستمرار في تفتيت الزمن الجامع إلى أزمنة جماعية خاصة ومغلقة. 17 أيار لا يزال أهم من مجزرتي قانا، واختفاء الإمام الصدر أو اغتيال بشير الجميل أشد وقعاً من 22 ت2 أو من 6 أيار! ربما يشكل اغتيال الحريري استثناء في ذلك، ولكن هل كان الأمر بسبب الاجتياح الدولي للزمن اللبناني بعد طول انقطاع، أم بسبب من كون اغتياله كان محاولة اغتيال لاحتمال الدولة اللبنانية، مما جعله أيضاً إعادة تأسيس لها؟ الإثنان دون شك. ولكن ما دمنا لا نذكر التأسيس الأول، فلا شيء يؤكد أننا لن ننسى أيضاً 14 شباط وما تلاه.
تحليل بلال بارع: قوى 14 آذار و 8 آذار لا تملك حتى القدرة على الوعد بشعار، لذا ينحصر وعدها بموعد زمني يفترض أن يقيم تأسيساً، خاوي المعنى، لجماعتها.
المقارنة هنا مع القوانين مفيدة أيضاً. بدأت القوانين بحمل التواريخ فقط، ثم أخذت تحمل إلى التواريخ أسماء وعناوين. كان هذا يعني أن القانون لا يكتفي بتفتيت الزمن الجامع، بل أيضاً يجعل من كل قانون استئنافاً لـ"مجال" محدد، وليس لزمن. هكذا بات لكل موضوع أو مجال أو حرفة سلسلة أزمنتها الخاصة. ما تفعله القوى اللبنانية المعنونة بالتواريخ هو تغييب البحث عن المجال الذي يسع عدداً من اللبنانيين أن يلتقوا فيه، لأن التواطؤ على اللقاء مستحيل من دون اللغة! مجدداً، وحدها اللغة تجعل من أفعال الإنسان سياسة (أرندت)، أما الأرقام والحسابات فلا تؤكد إلا استقلال التقنية برأسها، وابتعاد الإنسان المتزايد عن إدارة شؤونه. هكذا يكتب الكتبة مثلاً أن السلاح يحتاج إلى أسباب لتبرير وجوده، وتصريف وظائفه. السلاح يحتاج، لا حملته! كل هذا الوضع يخرج مباشرة من مخيلة بورخيس المليئة بالمتاهات وباللامتناهيات، أليست هذه أيضاً حال هذه الحرب ـ المتاهة اللانهائية، المتطاولة الخاتمة كأفلام كوستوريتزا اليوغوسلافي !
حلم: آلان جوبيه يتذكر وجه صديقتي ويمتدحه بأناقة، في حين أن شيراك الهارب من امرأته يلتجئ إلى بيتي المتواضع، ليشرب كأساً تحت الدرج. شيراك أيضاً أبوي وحنون غير أنه يمتاز أيضاً بقدرته على محو هيبته ومد الألفة بيننا. يضع يده على كتفي ونمشي سوياً في غسق رمادي.
لاحظت صديقة أنني أكثر من الحديث عن أبي مؤخراً. ربما كان الشوق. وربما، الخوف من أن يشيخ وأنا بعيد. كما هو الخوف من أن يشيخ بلال وطوني ووليد وأنا بعيد وأن ينضم فضل وهادي والآخرون إلى قافلة الأباء النظاميين، في حين أظل أحيا في زمن الفتوة، فقط لأنني بعيد. هكذا أكتب زجلاً مصرياً لفضل في كل مرة حين يتذكرني وهو "يكزدر" على الكورنيش الذي قضينا عليه سهرات متطاولة مصحوبين بصوت الشيخين. فقط لأقول له خوفي من أن يكبر. كل هذا يدفعني لأقرر العودة إلى لبنان قريباً. إن لم أستمع بالطبع إلى صوت العقل، وصوت حياة، وصوت الدمار الذي يكاد ينهي البلد من جذوره!
نيف وعشرون يوماً على 12 تموز (ب)
مناقشات... تعب... قلق... مترو... الدموع مفاجآت على مسار التفاصيل اليومية أو متابعة أخبار الرياضة. الدمع يسفح فجأة، ولا صوت يغني.
اشتقت للعود، لكن الموسيقى العربية لا تعرف مثل حالتي، حالة الإنهاك الأقصى والحزن المتراكم. كلما أمسكت به لأعزف، ألاحظ أن كل هياكله مشيدة على اسم ديونيزيوس، حتى وإن كانت ترجمته العربية الله أو الليل.
الفلاسفة الكذبة مثل غلوكسمان وهنري ليفي ينشرون بذاءاتهم المتذاكية في الصحف الفرنسية، إن كان هؤلاء نجوم الفلسفة السياسية في فرنسا اليوم فلا غرو أن النقاش السياسي فارغ وأن كل التحركات الشعبية الكبرى، من الضواحي إلى الشباب إلى اليسار المنتصر في الانتخابات، عاجزة عن أي تثمير في السياسة! الأسوأ أن افتتاحيات الصحف الفرنسية لا تنتقد "الرد الاسرائيلي غير المتوازن" إلا حرصاً على مصلحة اسرائيل وصورتها! إنها نصيحة الصديق الخلص! لا رفض من حيث المبدأ أو لمصلحة لبنان، بل فقط محاولة لاقناع اسرائيل بأن ما تفعله ليس لمصلحتها. أما الطريف في الأمر فهو أن السيد نصر الله يتبنى في الواقع المنطق عينه الناصح لاسرائيل!
يا للعار! أصبحنا نحمد الله على أن قتلى اسرائيل الإثني عشر من الجنود، لا من المدنيين، لا لشيء بل فقط حرصاً على ألا تمحو مثل هذه المجزرة صورة قانا! يا لبؤس أمة تقيس "إنجازاتها" بدفق سيل المجازر وتحرص على ذلك!
سهرة: رجاء العائدة من لبنان على متن السفينة الفرنسية والتي وجدت في استقبالها في المطار أطباء نفسيين، عثرت أخيراً على هدف لحياتها: جواز سفر فرنسي!
يبدو أن الوضع مخز في تعاطي القنصليات اللبنانية في الخارج، وأن الوضع في داخل لبنان أسوأ مما نحسب، وأن تذمر الشيعة من حزب الله أكبر أيضاً مما نظن. ويبدو أيضاً أن التضامن اللبناني مفروض على الإعلام بقرار واعٍ ورقابة ذاتية صارمة. هل هذا ما نريده من لبنان؟على الدولة أن تبادر فوراً إلى رعاية النازحين بنفسها، إلى جانب عمل الأحزاب والمجتمع المدني، وأن تقوم لاحقاً بنفسها، جهد الإمكان بالطبع، بمد شبكات التعويض وإعادة الإعمار والرعاية الإجتماعية للمتضررين، لا أن تلزّم ذلك لرؤوساء الطوائف كالعادة، وإلا فإن لبنان سيخسر آخر فرصة ربما لأن يصير نواة دولة، لها جمهور يقدمها على زبائنية الطائفة.
مشروع سفر حول العالم: رغبة هائلة في السفر. في الوقت نفسه شعور بأن التكنولوجيا المعاصرة تمنع مرتين مغزى السفر. المرة الأولى حين لا ينظر أحد إلى مرور جثمان البابا يوحنا بولس الثاني أمام ناظريه لأن ناظريه منشغلان بشاشة الكاميرا أو الهاتف الرقميين، والمرة الثانية لأن هذه التكنولوجيا تمنع المرء من توديع أهله وصحبه والمضي وحيداً صوب الإكتشاف، لأنهم سيصاحبونه في كل خطوة وفي كل دقيقة إن شاؤوا.
في أفلام تاتي دائماً حنين منكسر يغدر بنا دون سابق انذار، في وسط الضحك. ربما كان ذلك تعريف لبنان، لو أنه الآن في وسط النيران. لكننا محكومون بالبقاء، وطناً صعباً (جداً)، أما الأمل فعلى الله...
نيف و...
jeudi 3 janvier 2008
لا مفر من الغواية والقتل
في موعده الدقيق، يطل وودي آلن مع كل خريف باريسي بفيلم جديد. ولئن كان يشعر بنقص في الحماسة مؤخراً إلا انه يستمر في إنتاج الأفلام لأن ذاك ما يعرف صنعه. بهذا يغدو آلن، الكئيب من وفاة برغمان، حِرَفياً مثلما كان هذا الأخير أيضاً يصف نفسه.
يملك أصحاب القامات من المخرجين بلا شك ما يقولونه لنا، أو ما يمررونه عبر مشاهد أفلامهم، لكنهم لا يقدمون أنفسهم رؤيويين ولا ملهمين. وهذا أيضاً من فضائل الفن بالمقارنة مع السياسة أو تخيل صنعها بوسائل شعرية ولغوية. لكن السينمائيين الكبار يظلون بطبيعة الحال في قلب السياسة لأنهم لا يتأملون في ذات الإنسان، بل في علاقاته السياسية الأساسية، أي علاقته بآخر ما. وهذا ما يؤكده وودي آلن في فيلمه الأخير "حلم كساندرا" الذي يختتم ثلاثية لندنية يتحول بها (وبفيلمه الاسباني في العام المقبل) المخرج النيويوركي إلى مخرج أوروبي على ما يردد، حين يراود مشكلة دوستويفسكية عن القتل والندم وروابط الدم، كان سبقه بأسابيع قليلة إلى تناولها المخرج الكبير الآخر سيدني لوميت في فيلم حمل في فرنسا عنوان "سبع ساعات وثمانية وخمسين دقيقة، هذا السبت" (العنوان الأميركي كان "قبل أن يعرف الشيطان أنك مت").
نحتاج الأخرين غير مغوين
كساندرا في الأساطير الاغريقية هي نبية طروادة التي لا يصدقها أحد، أي أنها الشاهدة الدائمة على كوارث لا راد لها، لكنها معروفة المآل سلفاً، إلى أن تنتهي كساندرا قتيلة مع ولديها، بعد دمار المدينة ومقتل أغاممنون الذي سباها ثم احبها. "حلم كساندرا" هو اسم المركب الذي يشتريه أخوان بريطانيان، ايان وتيري، لا يملكا قدرة مالية فعلية لتحقيق مثل هذا الحلم. إنها الخطوة الأولى، والخط الأول الذي يرسم به آلن صورتيهما. الحلم والرغبة بما لا ينال. تلي ذلك خطوط أخرى تعمق هذه الصورة، غرام ايان بممثلة ملتهبة جسداً وطموحاً وكذبه عليها كي يمالئ طموحها، وعجز تيري عن كبح جماح حلمه بأموال القمار وصولاً إلى ديون هائلة عليه. إنه دوماً ذلك الحلم وتلك الرغبة بما لا ينال، اللحظة التي نصم فيها آذاننا عن نتائج معروفة وعن نبؤات صارخة. في هذه اللحظة، يبزغ الخال المهاجر إلى أميركا، الثري الكريم مع عائلته، الذي يأتي ليطالب بما يراه حقاً، رغم استعداده لدفع أثمان جديدة، أي التضامن الأسري معه: إزاحة شاهد قد يودي به إلى السجن. ما يلي ذلك، القتل والندم والخاتمة الدموية العامة قد تعني أن الجريمة لا تحقق مراداً، لكن بالإمكان أيضاً قراءتها بأن من يفلت، آخر الأمر، من تبعات الجريمة إنما هو المخطط لها. الكبار الذين يأكلون الحصرم...

هنالك، في ثلاثية وودي آلن اللندنية، خيط ناظم ثابت: القتل. في سكوب، تناول الموضوع بخفة كوميدية، بعدما كان في "نقطة المباراة" قد انتقل من الكوميديا العاطفية إلى الدراما السوداء، التي عاد إليها هذا العام. في الثلاثية أيضاً هنالك حضور إما لتفاوت طبقي، أو لحلم بالوصول إلى مرتبة الطبقة العليا، والخوف أيضاً من للسقوط عنها، بأي ثمن. والثمن طبعاً هو حياة إنسانية. وها إن آلن يرينا أن الحلم له قوة الخوف وثمنه أيضاً. لذا يردد تيري أنه كان في حلم حين خسر تلك المبالغ كلها، أما الحب فهو كما يعرف البشر حلم أقصى.
لكن استراتيجية وودي آلن هذه المرة، حيال مشاهده، مختلفة تماماً. ففي حين كان للضحية وزن كبير في "نقطة المباراة" (حين جسدتها سكارلت جوهانسون)، أو للباحث عن الحقيقة خلف الجريمة (سكارلت أيضاً مع آلن شخصياً في "سكوب") فإن العدسة هذه المرة مصوبة حصراً تقريباً على القاتلين. رغم تفاوت أداء بطلي الفيلم (ايان ماك كروغر وكولين فاريل) بين مشهد وآخر، في مقابل حضور نسائي قصير ولكن لائق بالمدرسة البريطانية العريقة، فإن عدسة آلن شبه الجامدة، رغم اقترابها النادر من وجه فاريل، تضعنا في جلد الشخصيتين بقوة الحكاية التراجيدية وحدها تقريباً (في إطار قدر يقترب بخطى محبوكة لا ترد، أياً كانت "إرادة" المرء، فإن الإحالة المسرحية الاغريقية تصير بارزة و"قدرية" بدورها). لا ننفك نسأل أنفسنا في الفيلم عن متانة أخلاقنا في ما لو كنا في ظروفهما: تحت وطأة دين ضخم لمرابين قساة، أو في خضم حلم بحب امرأة شديدة الطموح تعلم جيداً أن جسدها هو رأسمالها... نهاية الخطأ واضحة، لكن أحداً لا يستطيع أن يضمن لنا بأننا لن نخطئ حين يكون الحلم هو الخطأ.
في "جنون ندم" تيري لاحقاً شيء من دوستيفسكي بالتأكيد، لكن في مضاعفة الموضوع بربطه بواجب انقاذ عائلي، بالوفاء بدين متراكم للخال العزيز، ما قد يبدو مشوشاً لرسالة الفيلم. يقول آلن في حوار حديث معه إن لا معنى للعالم، في مواجهة الموت، إلا أن غياب المعنى لا يعني بالضرورة نهاية الأخلاق، بل على العكس: حيث لا معنى، نحن في حاجة أكثر إلى الآخرين.
لكن الآخرين في الفيلم هم من يدفعوننا، بشتى الاغراءات، إلى الحلم وإلى الجريمة، وأقربهم، أي الخال، لا يتورع عن التحريض على قتل نسيبه. ربما كان الآخرون المقصودون إذاً في قول آلن هم من لا قدرة لهم على الغواية: الأغيار فعلاً وقولاً. أي، في الفيلم، القتيل الذي يوزع لطفاً ساخراً، ونصائح حول البوكر، وزيارات لأمه العجوز، وعلاقة فاترة ربما كانت ببائعة هوى أو "صديقة". ربما كان هؤلاء فعلاً من نحتاجهم كي لا يختل ميزان الكون، وتقع وطأة السماء على ضميرنا.
العودة إلى قسوة المدينة
ينطلق وودي آلن بالطبع من اعلان نيتشه عن "موت الاله"، ولست أدري إن كان هذا أيضاً موقف سيدني لوميت. إلا أن لوميت، بالتأكيد، أكثر توراتية بكثير من آلن. ففي فيلمه الأخير، تنزاح بؤرة الاهتمام تدريجياً من الشقيقين القاتلين، أيضاً، إلى الأب (وهي صورة شبه غائبة عن فيلم، بل عن افلام، وودي آلن). فالأب (ألبرت فيني)، الذي قتلت زوجته، في عملية سرقة متجرهما على يدي الابناء (ايثان هوك والبديع الأداء فيليب سايمور هوفمان)، ينتصب في فيلم لوميت قوة هائلة، إنه المنتقم الغيور الجبار، اله الصواعق والغضب. إنه قبضة العدالة ومطرقتها، وهو آخر الأمر من ينهي، بيده، سلالته.

انزياح بؤرة الفيلم نحو صورة الفيلم يوضح مجموعة اختلافات بين عمل لوميت وعمل آلن: تصوير معمق للعلاقات الأبوية والأسرية مع "تمييع" قضية الحاجة المالية الماسة لدى الأبناء، في مقابل سرعة وسطحية المسألة العائلية لدى آلن مع ترسيخ مسألة المال والحلم. أيضاً، تحتل حياة لندنية، بين الضواحي العمالية والمسارح والمطاعم الفخمة، الموقع الرئيسي لدى آلن، في حين يصور لوميت أباً كان قد فر من المدينة إلى ضاحية أميركية هادئة راقية. في معنى ما، يرسم لوميت في الفيلم، مسار ادراك الأب أن لا فرار من قسوة المدينة وشخصياتها المشبوهة، ومن ثم عودته إلى شوارعها منتقماً قاتلاً شاهداً على فوران الدم المتواصل فيها.
في هذا المعنى، ليست لندن عبثاً بالنسبة إلى آلن، وليست محض قرار فرضته ظروف الانتاج، رغم أهمية هذا العامل. لندن عادت مجدداً مركز الحياة المالية في العالم، قلب البورصة والترف، مع استمرار الطبقة الاريستوقراطية والبورجوازية الكبيرة في تمايزها المعيشي فيها. إنها مجدداً بابل الجشعة التي تولّد أحلام العظمة والبذخ، مثلما تولد الاقصاء والحصر. غير أن لوميت يدلنا أيضاً أن لا مفر، حتى بالانسحاب إلى الضواحي الهادئة، من قوة جاذبية المدينة ولمعان صورها. إنه نمط حياة بالغ القسوة أيضاً، حتى تجاه مدن عريقة مثل باريس، وربما بدرجة أقل نيويورك نفسها، حيث يبدو أن النظام وهناءة الحياة باتا أولى من عظمة الأحلام الفردية وشدة الطموح، وهو ما يزيحهما باطراد من الواجهة. إلا أن المدن، عينها، هي وحدها من يعدنا بملاقاة الأغيار الآخرين، الذين نحتاجهم للعيش والعمل ومشاهدة الأفلام واختبار خشب قسوتنا وطاقة الاشتراك في الألم.
أبواب للمدن
باب أول: ليس المقصود طزاجة سياسيينا، بل ذاك الباب الذي كان يلوح للقادمين من الصحارى شاهقاً بديعاً، باب زويلة بمآذنه الفاطمية، أو الأسوار الممتدة بين باب الفتوح وباب النصر. تلك القاهرة كانت، بلا ريب، حلماً يشهق له الآتي دهشة، ولا يسعه إلا التسليم بأن مدينة، ذاك بابها، هي حقاً "أم الدنيا" والمحروسة والقاهرة.
لا يزال باب زويلة، حين ننظر إليه من سوق "الخيامية" باهر الهندسة والروعة. لكن القاهرة التي كان يحرس قلبها امتدت كبقعة زيت في كل اتجاه. لا شك أنه بذل كل جهده لينتصب حارساً هناك، ينافس ربما أبا الهول المدفون في الرمال. لكن الصوت الذي كان ينطلق من المئذنة كان أيضاً يمضي في كل اتجاه، وكان يلاقيه صدى الحياة التي لا تكل في هذه الاتجاهات. الصوت الذي هو أيضاً زمن كان أوسع حيلةً من الحجارة الضخمة المشغولة. لئن بقيت شواهد، فإنه صار فعلاً. ربما أوصد باب زويلة طويلاً في وجه زوابع كثيرة، إبان زمن الفاطميين والمماليك البهي في القاهرة وطرابلس والشام، لكنه كان أعجز من أن يصد أصداء الزمن مثلما نعرف. على باب زويلة، بحسب إحدى الروايات، انتهى ايضاً زمن المماليك مشنوقاً.
للحياة مسالك غريبة ومتعرجة. في الجانب الآخر من الشارع المستقيم نفسه، شارع المعز لدين الله، شريان المدينة الفاطمية، يقف باب آخر، باب الفتوح، منكسراً. نرى أنياب الأسوار المثلومة. قبالة الباب محل يضع يافطته مجسماً صغيراً كرتونياً للباب العريق. الفارق بينهما كالفارق بين البابين. زويلة لا زال وسط أهله، تزحزح فقط من موقع الحارس إلى موقع الالفة. أما النصر والفتوح فباتا باهتين كالاسماء نفسها، أو كلون الحمير التي تعبر جارة وراءها عربات متعبة.
ابتلعت القاهرة أبوابها، ولم تخلعها، مثل باريس التي لا زالت تحتفظ بحفنة أسماء وبضعة أقواس حجرية، أو مثل طرابلس التي تحفظ الأسماء (باب التبانة، باب الرمل، باب الحديد) وتنسى أهلها. في هذه المدن لا زال هنالك خط، ولو اسمي، يقسم المدينة إلى قديمة ومحدثة، ولو أن القاهرة العريقة بها أكثر من مصر قديمة واحدة، ومدن جديدة متنابتة كثيرة. باب المدينة مدخل إلى العلم بها، إلى التيه بها والغرق، لكنه مقصد الغرباء دوماً.
باب ثانٍ: لست أدري إن بقي من أبواب دمشق (وبيروت؟) شيء، أم أن هستيريا التدمير الداخلي مستعرة الأوار. بيوت الشام الشهيرة تتوجه إلى الاقتصار على بيت أو بيتين، يجري تصوير مختلف المسلسلات السورية الرائجة فيها، دون أي تغيير، مثلما يجري تصوير الحارات في ما يسميه التلفزيون "القرية الدمشقية". أوّاه لهذه المدينة، الأقدم تاريخاً في رواية، والتي باتت "قرية".
حول "باب الحارة" أريق حبر كثير، تعرض للاستخدام السياسي للهجة الشامية وقبولها في العالم العربي، معتبراً في ذلك فك حصار للنظام السوري، أو تساءل عن مغزى إقبال الناس على المسلسل، مسقطاً بالطبع عليه أحوال العصر وغياب الزعيم (أو توقنا إليه) والحكيم (أو التشكيك به بعد فقد الأصل). وليس على هذا منعقد الاهتمام، إذا ما أخلّ المرء بالنظر إلى العمل أولاً بوصفه عملاً فنياً يحاكم بمعيار الفن على حسب الخطاب الذي يتبناه زاعماً تصوير ذلك العصر من زاوية الفن لا زاوية التاريخ. إلا أن الفن أيضاً لا يقوم على تزوير التاريخ أو تشويهه والتلاعب به، بطبيعة الحال. لذا قد يكون السؤال عن غياب أي دور عامل للمرأة، خلافاً لما كان عليه الواقع آنذاك، مبرراً تماماً.
يجب أن نضع جانباً الانتقادات اللازمة لرداءة الموسيقى التصويرية وفقر التنويعات (سواء بالعود أو الكمان الفائض البحة أو الأورغ) المقترحة على تيمات القدود الحلبية والشعبيات الشامية، وأن نطرح جانباً ايضاً فقر خيال المخرج في استعماله الرتيب لهندسة المكان، وقلة حيلته حتى عبأ ما لا يقل مجموعه عن بضع حلقات بأسماء المآكل والدعوات إلى تحضيرها. يظل هنالك سؤالان، متفاوتا المستوى، يستحقان ربما الطرح: غياب التوتر الاجتماعي الرئيسي أي السياسي عن الشاشة، وغياب صورة الشر وعلاقتها بنجاح الجزء الثاني من المسلسل.
إذ يبدو، أولاً، من غير المفهوم ألا يحضر المستعمر الفرنسي إلا في وصفه خيلاً، وليس في وصفه أيضا مساراً من المعارف وأنماط الإدارة والأحزاب والبرلمان والثورات المسلحة وغير المسلحة. حضور الآخر والمستوى السياسي في المسلسل هو حضور "براني" تماماً، حضور بارد لا يثير أي تفاعل في عمق المجتمع ولا يخترق حتى قشرته الهشة المبنية على فصل بين مراتب الرجال ومواقع النساء وعلى الداية رسولاً بين العالمين. في هذه الفقاعة المحيدة عن الزمن تبرز قضية فلسطين مسرباً، لكن خيطها واهٍ إلى حد أن فرداً واحداً فقط يمسك به (العقيد) دون أن تطرح القضية على هذا المجتمع مساءلة جدية لنفسه ومواقفه ومنظومة قيمه. وهذا طبعاً مخالف لما كان عليه الواقع، لكنه أيضاً مخالف لأي معطى درامي يفترض به أن يصور، كما في مسلسلات "حارات" القاهرة الأقدم عهداً والأوفر نضجاً (مثل "ليالي الحلمية") تطور المجتمع وتبدله، وتفاعله مع حوادث الزمن ووقائعه، خاصة متى امتد المسلسل على أجزاء متعددة.
لا شك، من جهة أخرى، أن براعة أداء بعض الممثلين وألفة أصوات آخرين كانت عاملاً مهماً في التغلب على مشاكل العمل التي أشرنا إليها، فضلاً عما يثيره المسلسل من حنين إلى تعابير وحركات (تجدر مقارنة حركاتهم في المسلسل بحركاتهم في "العراضة" التي نظمها تلفزيون المنار للتثبت من براعتهم) ومفردات وأسماء لأغراض العالم فقدنا القدرة على الإشارة إليها اليوم بألفاظنا نحن. لكن ذلك لا يفسر نجاح الجزء الثاني الشعبي الباهر في مقابل النجاح المتواضع للجزء الأول الذي هو أفضل منه فنياً بحسب برهان علوية محقاً. أزعم أن سبب هذا التفوق للجزء الثاني هو تحديداً غياب التوتر الدرامي واقفال باب الزمن على لحظة الحلم هذه وتغييب صورة الشر الداخلية المطلقة لصالح شر الخسة أو شر "الغريب". فالمسلسل مطمئن على هذا المستوى، ذلك أن الغريب (الأعمى المزعوم) هو القاتل، وهو ما نعرفه منذ العام الماضي، أما الشر المحلي المطلق الذي مثلته صورة الايدعشري فقد انتهى أيضاً في العام الماضي، ليحل بدلاً من الشرير المتعجرف القوي المحنك، وإن تاب لاحقاً، صورة النمام الخسيس صاحب الثأر القديم كعذر مخفف. هكذا يحل الخارج والغريب في صورة الشر الحقيقي والمكشوف مسبقاً، في حين تنفى عن الداخل قوة الشر لتستبقى خسته.
هذه الحارة لا تحب الغرباء، وهي حين تقابلهم لا تتفاعل معهم، بل تكتفي بالدوران في حلقة أعرافها الداخلية وفي زمنها الدائري التكراري وفي جغرافيتها الواضحة المعالم والحدود والمقسمة حيزاً فحيزاً وفق العرف (لا الدين) والسلطة. إنه، مجدداً، الحلم بأن يتركنا العالم وشأننا، مطمئنين إلى ركود الزمن، هانئين في هامشه. تفوح من المسلسل رائحة الحنين، كقهوة الأم نغمض أعيننا حنيناً إليها. لكن إذاعته على قناة فضائية ليست إلا مفارقة مضحكة.
باب ثالث أو، للدقة، "بين بابين": حين جلست، مع الرفيق ولا ثالث لنا، قبالة درج بيت الشيخ إمام المتهدم وبابه المتهالك، قال لنا صاحب القهوة، الرجل الذي نسمعه صبياً في بعض التسجيلات وبعضها في عيد ميلاده، إن الغرفة تهدمت، وأبو النجوم انتقل إلى تزعم جبهة المساكن الشعبية في المقطم. لكنه لم يتوقف طويلاً في الحديث عن "رجولة" الشاعر الذي كان يضرب امرأته، وفضّل أن يناقشنا طويلاً في عبقرية الشيخ إمام في العزف على العود.
في تلك العطفة من الغورية، قرب باب زويلة ومسجد السلطان الغوري وقبره، وعيت أن ما بقي من الثنائي إمام ـ نجم ليس "الشعر"، مهما نشر الفاجومي من كتب، بل سخرية كثيرة: سخرية الشيخ المغني بطبيعة غنائه، وسخرية نجم الذي ابتلعت شهرتها أسماء من كتبوا أيضاً للشيخ إمام ومنهم الرائع نجيب سرور وأحمد فؤاد قاعود وغيرهما، وسخرية القدر الذي جعل من شيخ ضرير يغني بغناء النصف الأول من القرن وكاتب شبه أمي منارة التقدميين في عصرهما، وسخرية القدر مرة جديدة التي جعلتنا مع صاحب القهوة نتحير في فهم طلبات الحشيش و"رص الحجارة حجراً فحجراً"، وفهم عبقرية ريشة الشيخ إمام، بعد أن فرقت توافه الأمور الصحبة التي وطدتها أيام الحبس والاضطهاد.
لكن يبقى أيضاً من هذا الثنائي أمر أشد أهمية ورسوخاً حتى من السخرية. إنها عدوى الحب. حب ذلك الزقاق في تلك العطفة من تلك الغورية، والتي ألف لها رفيقي أغنية... حب الحاتي وبائع الألبسة والقهوة... حب الباطنية القريبة وأبواب الأزهر المزخرفة... حب الزمالك دون كلابها، والأهلي دون "كباتنه"... حب الصوفية الأليفة والخرق الخضراء المعلقة على القبور، وحب الغرباء في موالد القاهرة يطوفون حول الحسين ومسجده دونما وعي باستحضار صورة الكعبة...
ربما هنا يكمن الفارق بين الثنائي إمام ـ نجم، وبين حجارة السياح أو مسلسلات الحارة السورية. مع صوت الشيخ إمام لا نشعر بالحنين الذي يبتزنا به مغنو الثورة اللبنانيون مطولاً، ولا برغبة في العودة إلى رحم الماضي الشامي البسيط التافه المشاكل، ولا نستحضر عيوناً غير التي لنا كي نرى، بمفعول رجعي، عظمة الأثر ونسجد لصانعيه.
مصر التي تنقل إلينا أغاني الشيخ إمام عدوى حبها لا تختلف البتة عما نراه ونلمسه ونشمه في حي الغورية أو الحسين. ولئن حسبنا أن الزمان قد فات على جزيرة الزمالك وتغيرت، فإن ديواناً ("شغل كايرو" لمحمود عزت) من ضاحية امبابة يعود فيرينا أن الجزيرة لا تزال عسيرة على غير أهلها وإن مدت جسور سريعة فوقها.
أغاني المرحوم إمام ونجم، مد الله في عمره ومنحه الصحة وحب المشاكسة على الدوام، لا تدعونا إلى اغماض العين لنتذوق حلماً متخيلاً عن الماضي، ولا إلى فتحها وراء عدسة الكاميرا التي تلعن وجود الناس في إطارها. إنها ببساطة وحب تصيبنا رغماً عنا بعدوى مقيتة: أن ترى الحال على ما هي عليه، وألا تندب أو تبكي أو تلعن. بل أن تضحك، زاعماً مع دولوز أنه لا محل للأمل أو للخشية، بل فقط لـ"شحذ أسلحة جديدة"، ومحل الاستشهاد هو بالطبع "جدة الأسلحة" أي خروجها عن مألوف ما هو متداول في ساحة الصراع التي لا تفتأ تحول الضحية إلى جلاد بالنصل ذاته، سواء أسميناه عزة ورجولة أو أسميناه ممانعة وصموداً أو حقاً "تاريخياً".
ثمة في تلك الموسيقى عبق "لا تاريخي"، رغم اندراجها في سياق محدد، بين زمنين (زمن النهضة وزمن الانحطاط الجديد)، يجعل منها في كل مرة دعوة إلى العيش في الحاضر وليس الهروب منه، إلى أمام أو إلى خلف وهما في الواقع الواحد نفسه. بين بابين مشرعين على هبوب تيار الزمن، لا موصدين على الحلم، تعبر هذه الموسيقى وتغزلها المودة.