عهر البلاغة
نشرت في ملحق النهار، 18 أيار 2008
ـ حين تنتشر شظايا القنابل وشرر الرصاص، يغدو تماسك الخطاب وقحاً إن لم يكن كذابا. ما يبقى من القول إلا كتل يفتتها أدنى لمس امرأة ثكلى، أو طفل خائف.
ـ من يسائل الآن عن منطق قرارات حكومية هوجاء، عن التوقيت وجدول عفن الشرق الأوسط، أو عن تمهل المنتصر، حين تطفح بسمته بثمل النشوة المظفرة، بسكرة السلاح؟ أليس السلاح ما يحرك نفوس حامليه، بحسب بورخيس؟ خفة الدم، في هذا المقام، أو أناقة الاقناع، ليستا غير فرع من شجرة النفاق. عهر فاضح تصير البلاغة حين لا تجهر بأن "الموت يدافع عن الموت" ؟
ـ في صيف 2006، حارب مقاتلو حزب الله مثل أشباح، في أرضهم. هاهم اليوم يطلقون النار على الأشباح. هل اعتراهم الرعب من نقاء صورتهم، أم هو وسواس الدم الخفي المنسي على الأيدي يستدعي دماً أوضح؟
ـ قتلى الحروب الأهلية ليسوا شهداء، بل شهود على الحمق والكبر. دمهم لا يصعد إلى السماء العكرة، بل يظل على الأرض، لا يغسله شيء، ينبت دوماً على جلود الناجين، وفي أعين القتلة كجفن معترض.
ـ حزب الله لم يعد حزباً، بل شعاراً، كالقاعدة، يحمله حتى أعداؤه، شارة في جبينهم. كل مقاتل لبناني في شارع لبناني أصبح مدموغاً به. كل مقاتل اليوم أصبح مقاتلَ الحرب الأهلية المتمادية منذ عقود، أو أكثر، القاتل على الهوية وعلى الثقافة وعلى الاسم، والمقتات من الغنائم والغصب. هل يدرك ذلك من يفرح باحتضان السلاح؟
ـ هناك من يشدد أن النزاع سياسي، وليس حرباً دينية. كي لا تكون الحرب دينية حقاً كان الأولى ألا يتحدث المشايخ والمفتون ونواب الغائبين والمغيبين، وكان يفترض أن يكون المنخرطون فيها سياسيين أو طالبي حق (محتكمين إلى القانون). أي أن يكون ولاء حزب الله لإيران ولاء سياسياً، لا فقهياً، وأن يكون موت الناس قتلاً لا شهادة، وأن يكون المقدس واللاعقلانية والفطرة (أي الغريزة) خارج أسباب الصراع ووسائله وذرائعه.
ـ مثل بثرات مزمنة، تتكرر مشاهد القتل في شوارع لبنان. هل هو غياب العدل الذي يعيد في كل مرة نسف السلم، الذي نقدمه على القصاص؟ من يأتي بالعدل إن لم يكن من غالب، عادل أم لا؟ هل هو غياب الرواية تُسكَب في روح اليافعين كي تكسر حماساتهم إلى الظفر الحربي وتُشكّكهم في وعود الملهمين والنجوم؟ أم أنها فقط ذاكرة مديدة، تسترجع، من حين لآخر، بعض الذكريات، دون أن تحفر في جلود الناس أي وجع؟
ـ قال أحد مشايخ الحزب إن بيروت الغربية لم تعد ذات أكثرية سنية. كم نرجو لو يتحقق هذا القول. كم نرجو أيضاً لو ينطبق نظيره على الضاحية البيروتية الجنوبية، ونرجو لو يسحب الجيش السلاح، بدل طلبه سحب المسلحين إلى يملكون السلطة الفعلية، أي قادة الزعران ومقدميهم، ولو ينتشر في كل المناطق بشكل متوازن، في انتظار انتشار الانماء. عسى أن تكرهوا شيئاً....
ـ الحرب خدعة، لا ريب. المقاتل ليس شجاعاً بل مخادعاً. أطهر الناس من يتمسك بشجاعة العيش الصعبة، لا من يتلمظ باقباله على الموت.
ـ بات الفصل المثلث ضرورياً بين الحزب (الذي بات مستغنياً في التعريف عن المضاف إليه، على جلاله) ومقاتليه وطائفته. لكنه أيضاً بات ناجزاً. الحزب المتطهر لا يلغ في الدم، عكس المقاتلين الذين يموتون ويعيشون في متخثره، أما الطائفة، المزهوة (بدليل الصمت العارم) بحلم القهر الموجه إلى خارجها، فستكون أول من يتنبه إلى كونه مجرد مقدمة لعودة النصل إلى روحها. كسابقاتها، سوف تستدعي، متأخرة، الآخر لينقذها من نفسها، من السرطان المتنامي في نسيجها. حكم الطبابة أن تكون يد حامل المبضع يد الغريب.
ـ طرابلس أيضاً تستأنف ذاكرتها، لأنها حاضرة فخور وليست ضاحية شمالية. مستقبلها لا ينفصم عن أزقتها، والرابط مع العاصمة الحديثة النعمة ليس بأوثق من الرابط مع ما وراء البحار، ما قبل العولمة. رهان وحيد لوقف "عرقنة" البلد؟
ـ بين مايو الفرنسي وأيار الانتصارات، بحسب إعلام الحزب المنتصر سرمداً، أن "المخيلة تنزل إلى الشارع" في باريس، في حين يصعد الشارع إلى المخيلة في بيروت. ربما لم يكن حصاراً، إلا أن شمس الحمراء تلح على مخيلتي كأميرات القصص. بينهما أيضاً أن أيام باريس عيد الأفراد المتحررين، أما أحداث بيروت فطوفان الرغبة في الانحلال في وحدة الجماعة، لذا كان التحرر سابقاً على مايو، في حين أن السلاح مصوب على رأس أيار يستعجله الانقضاء، نحو حزيران الشهير.
ـ لا يصنع من الفسيفساء اللبنانية زرد. المطارق تكسر، ولا تصيغ، والنار تحرق ولا تصهر. رغم ذلك، لا يجد الحزب خياراً سوى اتخاذ اللبنانيين درعاً! ولا يجدر بهم اسقاط مربعاته عنوة أو كرهاً، فاللوحة تتداعى إن لم تكن عناصرها "محشورة" ضلعاً إلى ضلع.
ـ حزب الله لاعب اقليمي، وطموح كوني، أو هكذا يظن. غير أنه لا يحلم بدولة له، تلقى مصير غزة، ولا بحكومة له خارج اقليمه اللبناني. ما قام به ليس غزوة، ولا غارة، بل طلب حار للحماية. يحيا الحزب من كون الطوائف عصية على الاقتلاع، ويموت لأنها ليست، على ساحة الدول، سوى كتل من أذى منتن لا يمس سوى بأعواد الموت القابض. كأنما النصر المحلوم على إسرائيل لن يكون إلا بثمن تحويل المشرق كله خلاء. أليس هذا أيضاً معنى القنبلة النووية الاسرائيلية؟
ـ حولت اسرائيل، رغماً عنها، الأرض اللبنانية موحدة. ها إن الحزب المعادي لسياساتها يحيل، رغماً عن مقارناته المتهافتة، بيروت مفصولة عن بنت جبيل بهوة مقدسة. كم حياة تلزم لردم المقدس؟!
ـ كيف تجيب رصاصة، أو تتحدث مع فوهة رشاش؟ كيف تعود إلى بلد تسأل فيه عن هويتك واسمك ومسقط رأسك (قبل أن يعاود السقوط) من عيون غريرة الشر؟ الخائفون لا يحارون جواباً، لأنهم يركضون، ويخفضون وجوههم. في مواجهة المقنعة وجوههم (للمناسبة، لم يتقنعون إن لم يكن حرصاً على علاقات الغد الذي يغتالون؟)، لا يسع المرء أن يرد إلا بسفور الوجه الهادئ على الرصيف. أن يكرر: لستُ أنت، لستُ أنت.
mercredi 21 mai 2008
أناقة اللغة الوقحة
الانحناء على جثة لبنان، حنو وليد صادق
الانحناء على جثة لبنان
نشرت في ملحق النهار في تموز 2007
في بينالي البندقية العالمي، وفي إطار المشاركة اللبنانية الأولى من نوعها، قدّم الفنان وليد صادق عملاً بعنوان "الحداد في حضور الجثة" طرح فيه ما يلوح لنا أسئلة بالغة الأهمية عن عجز اللبنانيين عن الحداد ـ معاً، وكيف تم إفراغ الدماء المؤسسة للوطن من وطأتها الرمزية وذلك من خلال الهرب إلى غنائية مظفرة عن الوطن الحلمي.
هذا العجز المزمن تبدى مراراً في التاريخ اللبناني القصير، وهو يهدد مرة جديدة لبنان المعاصر، بعد انتهاء معركة التحرير وفي خضم معركة الاستقلال، إلى حد أن الجثة التي قد يوجب علينا أن نبكيها قد لا تكون هذه المرة سوى جثة الوطن نفسه.
لم ينشر صادق بعد نصه بالعربية، لذا لا محيد عن تمهيد لا يخلو من بعض تلخيص، مخل وناقص ضرورةً، تمهيداً لمماشاته، وعجزاً عن مجاراته، إلى تخوم النقاش الذي نحسب أنه لازم للخروج من الزمن اللبناني الدائري والدموي.
الحداد زمن حضور الجثة
تبدأ الرحلة في قاعة عزاء حديثة البنيان، ناصع بياض جدرانها، خالية من شواهد آلام المسيح وقيامته. يغدو البياض إذاً أفقاً لا يسع الميت أن يتخطاه نحو خلاص نهائي. التابوت المفتوح يجعل حضور الجثة يخرس ألسن الحكواتيين اللذين، ما إن ينطوي على صاحبه، سيشرعون في الحكاية التي تجعل الميت ميتاً والفراغ الذي تركه بياضاً ما بين الكلمات.
في القاعة أيضاً، المترمّلة Not yet widow (تمييزاً لها عن وضع الأرملة الذي لم تبلغه بعد، ولن تبلغه قبل أن يغادر "زوجها" نحو الحكي). المترملة، في وصف صادق، هي التي أسقط في يدها اسمٌ لا تدري ما تفعل به. اسمٌ فائضٌ لا مسمى له، بعد الآن، هناك محرقاً في راحة اليد، وعلى رأس الأنامل.
يستعين صادق بحكاية هينريش زيمر ليثبت أن الصمت ضريبة الجثة. لا يسع الملك أن يأخذ الجثة لدفنها إلا متى غار في الصمت أمام سؤال شبحها. حين طرح عليه الشبح لغزاً أخيراً، بهت وتحيّر، وظلّ سادراً في صمته، عندها منحه الشبح الجثة. والحق أننا نرى في حالة البهت شلل الفكر، لا جداله مع نفسه، وعجز الأفكار عن تخطي تحدي التجربة ـ الحد، لا تناسلها من هواجسها.
أياً كان الأمر، لا شك أن المرء إذ يدخل زمن الحداد يتقدم مثقل الكتفين بحمل إضافيّ فائض، حمل الجثة التي لم تتبخر بعد في فضاء الحكايا.
منتقلاً من مستوى العائلة إلى الوطن، يتساءل صادق كيف يمكن للناس أن يساعدوا المرء على الاستعداد للموت والتهيؤ لقبوله (أي القيام بما يبدو وظيفة المجتمع الأساسية)، إن كان هنالك خلاف على قيمة الموت نفسه؟ لم يسمع أحد دعوات المثقفين الكثيرة إلى التوحد في ظل العذابات المشتركة. ذلك، في رأي صادق، أن للموت معاني كثيرة وقيمة متفاوتة بحسب الجماعات والطوائف. وفي ظنه، على ما يلوح، أن التوحد لا يتم سوى في حضور الجثة وزمنه. لكن الشهادة التي يرفع إليها المتحاربون المختلفون قتلاهم تحرجها الجثة.
وحده كان يسمح بمثل هذا الصمت الواعي، بحسب صادق، تمثال الشهداء القديم الذي نحته يوسف الحويك، مصوراً "مترملتين" لا تتلامس أصابعهما المحيطة بإناء الرفات المترمد. لكن سرعان ما تم استبداله، بما نحته الإيطالي مازاكوارتي الذي يصور، على العكس، الشهداء حشداً ومسيرةً (لا رفاتاً مترمداً) نحو النصر والحرية الظافرة. عنى هذا الاستبدال، في نظر صادق المستشهد بكتاب تويني وساسين عن ساحة البرج، انتقالاً من حالة الحداد إلى الاحتفاء بالنصر.
زمن الحداد الإيروسي
يبدو زمن الحداد في حضور الجثة إذاً زمناً "إيروسياً" بامتياز متى تذكرنا وصف سقراط في المأدبة لإيروس" ابن أبولون والشحاذة، ذاك المتقلب بين السعادة والأسى، بين الصحة والمرض، بين الوصال والجفاء، دون أن يبلغ حداً لأي حال.
فالمترملة هي الفقيرة التي لم تفارق زمن الزوجية ولم تفتح آفاق الآتي، والحاضرون بين التفكر في أثر المآل النهائي الذي ينهي بالإخفاق كل المشاريع وبين عافية يحسدون عليها. إنها، بخاصة، اللحظة التي تسمح بابتكار المعنى، وهي "قابلته" على ما يصف سقراط، نقلاً عن ديوتيم، "الشيطان ايروس". بيد أن المعنى هنا لا ينبع من لقاء وجه بوجه، على ما في عمل ليفيناس، بل من المثول حول الجثة، أي من الاجتماع في دائرة حول الحد النهائي لأي معنى. لا وجهاً لوجه، بل التحلق بأنظار مصوبة إلى مركز الدائرة. المعنى هنا يأتي من تلاز الأجساد التي يسمح لها حضورها معاً بالخروج من زمن الجثة إلى الحكاية، أي إلى زمن اللغة والتواصل، كأنما سؤال الموت يفتح أفق المعنى في الوقت عينه الذي يشكل فيه جداره الأخير.
إلى حدّ ما، يمكن القول أن وليد صادق يعمل، على مدى أعمال عدة وبصبر دؤوب، على نسج حكاية أخلاقية تبحث في بنى اللقاءات والمجتمع، عبر ردها إلى مفردات لا محل فيها للنفسانية: الأب والابن أو الابنة، الرجل والمرأة، الانسان والأرض، الجثة ومترملتها، الأجساد والجثث، الجسد والوجه... الخ.
لكن اللقاء الأصلي ليس لقاء وجه الآخر، بل لقاء أجساد حية في حضرة جثة في غرفة بيضاء ما بها من صورة خلاصية. في هذا اللقاء يجد صادق نواة الاجتماع، لكنه يجد أن ما يمنع اللبنانيين منه إنما هو اختلافهم في تقدير قيمة الموت. لذا يمكن الاستدراك عليه أنهم في حقيقة الأمر لا يختلفون على هذا الأمر. فصادق يعلم جيداً، وهو عالج ذلك في عمل سابق بعنوان "جاين لويز تيسيه"، أن المتحاربين جميعا يحيلون شهداءهم وجوهاً بارزة السفور الواضح، في حين يتلثمون هم بالأقنعة واللحى والكنى. أي أن شهداء المعارك، أياً كانت وأياً كانوا، هم دوماً وجوه حاضرة بل جثث. تختم أكفانهم وتوابيتهم على عجل، ليكون التحلق حولهم إعلاناً عن اعتزاز الجماعة بقدرتها على تقديم ضريبة الحرب، لا صمتاً في حضور الجثة على طريق المعنى.
الفارق بين اللبنانيين إذاً ليس في اختلاف قيمة الموت، بل في طبيعة الجماعة. فمنهم جماعة "محاربة" وأخريات ندعوها تجاوزاً "مسالمة"، أي أن الأخيرة لا تحل قتلاها الشهداء في إطار معركة تسوير الجماعة، بل تسوير الوطن، إذا صدقت بالطبع.
بالمقابل، حين كانت كل الجماعات اللبنانية متحاربة، لم تكن اجتماعاً موحداً. ينبغي إذاً البحث عن سبب آخر لهذا الافتراق المزمن.
زمن ما بعد الحرب، لا زمن السلم
يكفي ربما أن نتساءل عن مبرر هذه السهولة التي يميز بها صادق ما بين الوجه والجس، وبين الجثة والشهيد. يرجع ذلك حتماً إلى نقطة أصلية هي الخروج من زمن الحرب إلى ما بعدها، أي إلى ذاك الذي يسميه صادق تجاوزاً زمن السلم، وما هو بسلم. فبحسب قوله في "جاين لويز تيسيه"، فإن الوجوه في زمن الحرب تتوارى، ما عدا الشهداء السافرين، في التشبه بالجماعة وحياضها، أما في زمن "ما بعد الحرب" فهي تتلطى جاهدةً في سعيها نحو إزالة قلق الحرب ومعانيها وآثارها عن صفحة الوجه المليسة.
أي أن في الإمكان أن نحدد في هذا الخروج من ومن الحرب إلى ما بعدها نقطة الإنطلاق في فكرة صادق عن استحالة السفور اللبناني، إذا ما كان السفور يعني الاختلاط وفساد الترتيب وآثار العيش ومواطن الاختلاف وسوء الفهم. في زمن الحرب وفي ما بعدها، يغيب الوجه الخاص الفردي السافر ولا تحضر إلا الأجساد أو وجوه الشهداء المعلقة على أسوار الجماعة.
الأيقونة والخلاص، ابتلاع الأسئلة
هذه الأجساد لا تنحو صوب الاجتماع واللقاء رغم تحلقها حول أموات جماعاتها، ذلك أنها لا تصمت حداداً، بل تهزج، هاذية بخلاص جماعتها وانتصارها.
لا يمكن لزمن الجثة أن يكون قابلة المعنى واللحمة ما لم يؤدي سؤالها إلى بهت الفكر وتحيره. لكن في حضور الأيقونة والقرآن، وهزج الشهادة ما ردّ به الإنسان (أو توهم الرد) على سؤال الموت. لذا كانت إشارة صادق إلى غياب نموذج القيامة الخلاصي أساسية في رسم مشهده الأول في الغرفة البيضاء.
يصير التخلي عن أفكار الخلاص والمهدوية والمسيحانية والقيامة والبعث والنصر النهائي على آفات الحياة وشرورها شرطاً لازماً وأساسياً كي لا تبتلع شبكة الأوهام والتأويلات المسبقة سؤال العيش والموت وأسئلة الاجتماع والزمن (كما في خطاب سياسيينا)، محولة إياها إلى أقنعة وأدلة زائفة على ما سبق التيقن منه والإيمان به.
علينا إذاً التمثّل بباكيتي الحويك اللتين يسميهما صادق بـ"المترمليتن". رفات من ذا الذي ترملت به وأيمت المسيحية والمسلمة معاً وتنحنيان عليه حانيتين؟ ربما يكون لبنان، الذي ذات يومٍ قريب اقترح عليه (وعلى العرب جميعاً) حازم صاغية أن يعلن الاستسلام والهزيمة أمام الغرب، فيما اقترح عليه ساطع نور الدين اعلان الهزيمة والاستسلام أمام النظام السوري. لبنان ذا الذي لا تعده الأناجيل ولا القرآن بالبعث والخلود. جثة لبنان على ما نعاين، سواء لبنان ـ الحلم أو لبنان ـ الساحة، بدأت عملها النشط في الجانب المظلم من الكينونة. ربما، إذا ما انحنينا عليها، نصمت معاً، وندخل معاً في زمن الحداد، وربما ـ ربماـ زمن السلم والمعنى.
الجسد في الزمن، وفي المدن
نشاط لبناني في التارماك:
أسئلة الزمن والمدينة إذ يعبرهما الجسد
نشرت في ملحق النهار، في تشرين الثاني 2005
شهد مسرح التارماك الباريسي المخصص للفن الفرنكوفوني نشاطاً لبنانياً متميزاً في ختام موسمه الأول بعد إعادة فتحه. ففي معرض استقباله لمسرحية "بيوخرافيا" للينا الصانع و ربيع مروة، والتي سبق عرضها في بيروت، عرض التارماك أيضاً لثلاثة فنانين : "كوارث" لعمر فاخوري، و "طائرات ورقية ـ بيوت" لفلافيا قدسي، و "كتب" لهانيبال سروجي. كما خصص، في 30 تشرين الأول الفائت، يوماً لعدد من أفلام الفيديو اللبنانية، فقدم أفلام "دائرة حول الشمس" لعلي شري، "السقوط الأخير" لنسرين خضر، "لا شيء يهم" لعلي قيس، "حديث نسوان" لدانييل عربيد، "وا" لزياد عنتر و "جيبرالطار" لغسان حلواني.
ثمة تصادٍ خافت بين ثلاثة على الأقل من هذه الأعمال يحيل المرء على أسئلة شائكة إذ تتقاطع فيها خطوط الزمن و المدينة والأطلال، على التباس جميعها بموضوع الجسد الذي يحيا ويعبر وينتهي إلى الخيبة أو اللامبالاة ما لك يتدخل سحر القص ليجعله حجراً فيهنأ، على ما كان تمنى الشاعر الجاهلي.
يفتتح شري فيلمه بصورٍ تبدو كما لو أنها تحمل في طياتها أطرها، فنجد البيوت عارية الأعمدة مثل أضلاعٍ، تتوسطها بقعات نور متسللة من فرجات لا ندري أهي وليدة الاهتراء والإهمال أم وليدة البطء في إتمام البناء. مبانٍ بين عمرين، لكننا نجهل إن كانت تمضي نحو الفتوة أم نحو الاندثار. أما نصه المستوحى من كتاب ميشيما "الشمس و الفولاذ" فيتأرجح بين حدين، حد الجسد الخائب إزاء الأفكار والعاجز عن مجاراتها والتشكل بحسبها والعاجز حتى أن يكون لائقاً بميتة درامية، وحد الأسى لدى إعلان نهاية الحرب لأن المدينة التي يحيا فيها لن تظل تأكل نفسها (أو هو يحسب ذلك)، لكن المصالحة مع الشمس تتم حين ينتبه إلى كونها تعجل بتحويل كل شيء إلى طلل.
في "جيبرالطار"، أو "جبل طارق"، فيلم فيديو و تحريك، لغسان حلواني والذي يعرض قريباً في بيروت، ليست المدينة (باريس) التي تتحول أطلالاً. باريس سلفاً طَلَلٌ مثلها منذ فجر التصوير. لكن ما يغيب ثم يتصخّر هو الوجه، وكذلك حال صور الفيلم التي تتحلل وتتقشر كالإعلانات عن الحيطان أو كجلدٍ محترق من أثر الشمس، و ذلك قبل أن يصير طارق نفسه هو الجبل الذي يظلل المدينة. في هذا الفيلم المستوحى من مسرحية "زنبق والجبل" أثر هائل للغياب، غياب رؤية المسرحية التي لم تكن، إبان الحرب، معروضة للأطفال بل توافرت فقط على الكاسيت. ليست الحرب أو عنفها ما يترك الأثر هنا، بل الصوت وغياب الرؤية، هكذا تتفتح الصور وتتناسل من بعضها كتتالي الدرجات الموسيقية فنجد عالماً معلقاً في دهاليز كيس تشبه نفق أليس التي تلاحق الأرنب الأبيض إلى عالم العجائب.
الغياب يترك بصمته الحارقة على جلد الصورة نفسها. في هذا ربما يقترب "جبل طارق" من فيلم على شري، إذ لا بعود التحول إلى طلل نوعاً من التصخر (الفردي في الأول و المديني في الثاني) بل عملية متواصلة (المدينة تأكل نفسها، الصور تقشر نفسها). لكن أحداً منهما لا يأخذ الطرح إلى مداه الأبعد متسائلا عن أحشاء هذه المعدة التي تقشر وتأكل. تحديداً يقف شري عند شمس ميشيما و لا يتناول الفولاذ الذي هو ربما، مصهوراً متدافعاً كحمم البراكين في فيديو وليد رعد عن السيارات المفخخة، أحشاء المدينة الفعلية، و محرك الصور (موتورها) في عنف شراهتها و نهمها.
طارق العابر في المدينة ـ الطلل يصير الجبل، أما عمر فاخوري فلا يعبر في الأمكنة بل في الأزمنة، أزمنة العنف الدافق. فاخوري سائح يبعث لنا بطاقاته البريدية و ألبوم صوره، "من بيروت مع الحب"، "من رواندا مع الحب"، "من كوسوفو مع الحب"... الخ. وكما يأخذ السياح للسياح الصور واللقطات أمام الأطلال و الأنصاب، تؤخذ صور فاخوري أمام الكوارث. الكوارث أحداث هي أنصاب الزمن و علاماته في رأي فاخوري، لكنها ربما كانت أطلال الأزمنة.
يلعب عمر فاخوري مع الصورة والجسد السينمائي الجيمس بوندي : "من روسيا مع الحب" للعميل 007 ، "من بيروت مع الحب" يرد فاخوري بثيابه السوداء مديراً ظهره مبتعداً عن انفجار السان جورج واضعاً يديه على خصره كأنما لا رادّ لعزم وتصميم رجل الوكالة البريطانية. "زيليغ" لوودي آلن يتلوّن كالحرباء حتى يصير، رغماً عن نفسه، عضواً في الميليشيا النازية، أما فاخوري فهو "من برلين مع الحب" يرسل لنا تمرد جسده يدخن بتلذذ و طرافة سيجارته أمام هتلر الخطيب في جنوده المتراصين لا يهتز لهم جفن... والأمثلة كثيرة، إلا أن كثرتها تبعث على التساؤل عن تساوي الأحداث و الكوارث في عين فاخوري، و عن غياب التفاوت، وهي متفاوتة، في القدرة على إنشاء أزمنتها الخاصة. إلى أن الكثرة والبحث عن الطرافة والدهشة يجعلان علاقة جسد فاخوري بأزمنة الكوارث علاقة متفاوتة أيضاً. فهو حيناً مشارك أو عامل في الكارثة نفسها، وحيناً مجرد إسقاط عليها من الخارج. على النقيض من عمل لينا الصانع و ربيع مروة الساعي في إخراج الجسد من حلبة العرض و في تقويض سلطة الصورة باللغة الناقدة و الساخرة والمفعمة ثقةً و هزءاً، يبدو أن فاخوري يسعى إلى وضع الجسد، جسده الخاص في قلب صورة الكارثة ولحظتها ربما ليمسح بمرهم الفكاهة ذنوبنا جميعاً فيها. بيد أنه ينسى أن لحظة الكارثة هي زمن ميت، بحسب دولوز على الأقل، و أن الجسد في مثل هذه اللحظة جسد معدٌّ للسحق، رغم كل خدع التصوير.
في حين يهرب البعض إلى الطفولة ("وا" لزياد عنتر) أو إلى الباروديا السياسية ("لا شيء يهم" لعلي قيس) أو إلى الحنين (و "طائرات ورقية ـ بيوت" لفلافيا قدسي) أو فقط يراكم البنايات المتكدسة كأكوام النفايات بحيث لا تترك مجالاً للسكان ولا متنفساً (أفلام "دائرة حول الشمس" لعلي شري) وحدهما "جبل طارق" لغسان حلواني و "السقوط الأخير" لنسرين خضر يقدمان جسداً في ماديته الهائلة، في ارتباكه ووهن مفاصله وخجله كما تُظهر خضر في فيلمها القصير جداً الذي يلوح كنثر الجسد في وجه جان فيغو و "سباحته" التي يحيلها قصيدة ملحمية في إعلاء الجسد و الإرادة و الماء المتلألئ.
lundi 10 mars 2008
أحكام الدين أم قواعد القانون؟
نشر في موقع الأوان
هل يمكن للأحكام الدينية الإسلامية أن تستحيل قاعدة قانونية؟
شهدت المدونتان المصريتان لعمرو عزت ومحمد الهامي نقاشين من أرقى ما يمكن للانترنت أن يتيحه (رغم بعض المتطفلين البذيئين الذين يتعبون بسرعة)، وكان المذكوران بطليْهما الأبرز، إلى جانب بعض الآخرين. تناول موضوع النقاش الأصلي حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية برفض تسجيل كلمة "مسيحي" في خانة المذهب في الأوراق الرسمية لمن عاد إلى المسيحية، اثر اعتناقه للإسلام. وجاء في حكم المحكمة الصادر أواخر شهر أبريل الماضي، أن أصول الدين الإسلامي تمنع الردة عنه، لذا، وعلى الرغم من ضمان الدستور والمواثيق الدولية لحرية المعتقد، فإن هذه الحرية لا تشمل التلاعب والتنقل بين الأديان، لأن في ذلك خروجاً على النظام العام وجماعة المسلمين. لذا، فإن على المسيحي، باعتراف المحكمة نفسها، أن يرتضي بقاءه بالتالي مسلماً، على الورق...
سخر عمرو عزت في مدونته "ما بدا لي" من هذا "الحكم" سخرية بديعة ومريرة. لكن النقاش تحول في سرعة من المجال القانوني الذي ركز عليه عمرو إلى "حكم الردة في الإسلام". والحق أن هذا التحول كان مضمراً في حكم المحكمة نفسه الذي ابتكر قاعدة جديدة، في القانون وفي الفقه، حيث حكم بعقوبة لا أساس قانوني لها، بإيقاع حكم "البقاء على خانة المسلمين" محل "حكم الردة". لذا انتقل النقد من السخرية القانونية إلى التساؤل عن حقيقة حكم الردة في الإسلام وما كان ينبغي للمحكمة أن تحكم به لو أنها تطبق شرع الله، بما أنها زعمت هنا أنها تطبق أحكام أصول الإسلام.
ما نود الالتفات إليه ينقسم إلى نقطتين. الأولى تتعلق بما تكشفه هذه النقاشات حول إمكانية الحوار في شأن القواعد الدينية الإسلامية. والنقطة الثانية هي التساؤل حول شروط استقبال مثل هذه القواعد في المنظومة القانونية للدولة الديمقراطية المرجوة، ذلك أن الإسلاميين، دون شك، سيشكلون ثقلاً كبيراً داخلها، ولما كان القانون انعكاساً للأوزان الاجتماعية فإنهم سيسعون تالياً إلى تضمينه ما يعتبرونه أحكاماً إسلامية. للتبسيط، نتساءل الآن هل يمكن الحوار في موضوع من قبيل "حكم الردة في الإسلام"؟ وهل يمكن في مرحلة لاحقة إدخال مثل هذا الحكم كقاعدة مقننة في دولة "ديمقراطية"، وليس في دول كالسعودية أو إيران، يتمتع فيها الإسلاميون بثقل كبير، إن لم نقل بالأغلبية؟
حوار الصمّ حول الأحكام الإسلامية
يكشف النقاشان السالفا الذكر وجود نماذج للشخصيات التي تدخل في مثل هذا الحوار:
ـ غير المؤمنين الذين لا يرون في الدين أية فائدة أصلاً.
ـ غير المؤمنين، لكن الذين يشددون على الاستفادة من القيم الإنسانية في الدين.
ـ المؤمنون الذين يقدمون العقل والأخلاق قاضياً على فهم الدين نفسه.
ـ المؤمنون الذين يقدمون النص على العقل، ثقة بالحكمة الإلهية المتجاوزة لأفهام البشر. لكن فهم النص لديهم يتم بواسطة مرجع مختص فقيه، قديم أو حي، أو بما يتحصل لديهم من أغلبية بين هؤلاء المراجع.
ـ المؤمنون الذين يقدمون النص على العقل، ولكن بحسب فهمهم الخاص لهذا النص. هذا الفهم على نوعين: فهم النص بحسب حرفية لفظه، أو فهمه وفقاً لبيئته وتاريخه ومقاصده.
في حوار بين أطراف بالغي التعدد كما هي الحال هنا، يصبح من غير المجدي الحوار على أرضية النص نفسه، لوجود شريحة لا تؤمن به أصلاً، ولتناقض النصوص وكثرتها ثانياً، وللخلاف على طريقة فهم النص ثالثاً.
أما الحوار من خارج أرضية النص، أي على أرضية الأخلاق والعقل، فغير مجدٍ أيضاً، بما أن ثمة مؤمنين يعتقدون بتجاوز الحكمة الإلهية لأفهامنا البشرية، وتالياً أن تحييد النص يكون تنطحاً إلى مقارعة العليّ العظيم بأفهام قاصرة. هؤلاء يرفضون الاستغناء عن النص، مهما بدا صادماً للأفكار المعاصرة. أليس هذا، آخر الأمر، ما تسبب في غضبة المفتين بالتبرك ببول الرسول أو برضاعة الكبير؟ بالنسبة لهؤلاء يكفي ثبوت النص، بحسب القواعد المقررة لثبوته قبل ثلاثة عشر قرناً، ليصبح واجباً وحكمة الهية لا تقبل المس بها، فضلاً عن أن أي مس بصحة أي خبر "ثابت" تصبح مساً بأول أسس الدين، أي تواتره، كما ظهر في الغضبة الشهيرة ضد طه حسين حين شكك ببعض الشعر الجاهلي (راجع مقالة أحمد بيضون عنه في كتابه "كلمن")، أو كما أبان وضاح شرارة في معرض تعليقه على أخبار مجنون ليلي في كتابه "أخبار الخبر".
إن لم يكن من الممكن الاتفاق إذن على أرضية أو مسطح للحوار، فكيف يمكن الركون إلى منهاج أو منطق يكون قاضياً عليه ويحكم من فاز به؟
في الأغلب، يتحول الحوار إلى محاولة لكسب المستمعين والمشاهدين، وليس المحاورين أنفسهم لا عناداً منهم أو تكبراً بل لغياب المرجعية الموحدة بينهم.
في الأغلب أيضاً، ستنتهي الأمور إلى محاولة من المؤمنين المنفتحين أو "التلفيقيين" من أجل تأصيل قيم حديثة في الدين، سواء بالتنقيب عن النصوص المتفردة، أو تقديم منهاج جديد لفهمها يسمح بتأويلها بحسب البيئة والتاريخ والاجتماع. على أرضية النصوص، يفوز دوماً الطرف الأكثر تشدداً وتطرفاً، ذلك أن وراءه حصيلة خمسة عشر قرناً منها. وهذا ما يحشر البعض الآخر في زاوية "عدم الالتزام بأحكام الدين" في حين أنهم يدّعون التزامهم التام بها.
هل يعني هذا أن الحوار مع الإسلاميين وبينهم سينتهي دائماً إلى انتشار الفكرة الأكثر تطرفاً؟ ربما. فلطالما كان النقاش بين الماركسيين ينتهي أيضاً لصالح من يجد الجملة الأبلغ لماركس والتي تقطع دابر كل جدال!
لكن أرض الواقع كانت دوماً تثبت، في الوقت عينه، أن الطرف الأقوى في الجدال هو الأقل وزناً في السياسة. ذلك أن مرجعية الجدالات كانت دوماً نصوصاً ثابتة في حين أن المجتمعات تسعى دوماً إلى التكيف مع ظروف جديدة لا يجدي فيها التمسك بأصالة الفكرة وأصلها شيئاً.
رغم هذا الأمل البسيط في أن تظل المجتمعات ترفض أن تجمد في قالب فكرة حجرية، يظل هنالك تساؤل خطير العواقب. هل يمكن للإسلاميين، في حال حلول الديمقراطية بين ظهرانينا كما حصل مع الفلسطينيين، أن يفرضوا قانوناً إسلامياً، بحجة الأكثرية؟ وهل يتوافق مثل هذا القانون مع أسس الديمقراطية نفسها، أي الفرد والقانون. من هنا ينبع سؤالنا عن صفات الأحكام الدينية بالمقارنة مع القاعدة القانونية.
القاعدة القانونية والأحكام الدينية الإسلامية
تحفل كتب المقدمات في علم القانون بالمقارنة بين القاعدة القانونية والقاعدة الدينية أو الأخلاقية، إلا أن هذه المقارنة تنطلق في الأغلب من موازاة بين الدين والمسيحية والأخلاق. فيمكن للبروفيسور هنري مازو القول بأن الفارق بين القاعدة القانونية والقاعدة الأخلاقية أن الأولى تتميز بعامل الإلزام الخارجي، أي بالاستناد إلى قوة خارجية هي قوة الدولة وليس فقط عقوبة أخلاقية داخلية وفردية، كما أن القاعدة الأخلاقية تتميز بالتسامي العالي عن واقع المجتمع وبغياب التحديد الكافي لتفاصيلها الأمر الذي ينعكس سلباً على "الأمن القانوني"، أي معرفة معنى القانون والثقة بالنتيجة الواضحة المرتقبة من تطبيقه. ويبدو جلياً هنا أن الدين الإسلامي، نظراً لكونه تشكل عبر التاريخ ديناً ودولة ليس متسامياً كثيراً عن حاجات المجتمع، بل هو يزعم، أو يزعم أهله، أن الفارق بينه وبين المسيحية هو غياب الحس الواقعي لدى هذه الأخيرة، في أمرها بالمحبة والمسامحة وبذل الذات، وتغييبها لعناصر المجتمع من أنانية ومطالبة بالحق والامتلاك والاستئثار. لذا يصير السؤال هل يكفي منح القاعدة الدينية الإسلامية قوة الإلزام الخارجي المستمدة من الدولة لتصير قاعدة قانونية "مقبولة في المنطق القانوني"؟
إذا اكتفينا بتحديد البروفيسور مازو، لربما كان الجواب بالإيجاب، ذلك أن الدين الإسلامي، خارج قسم العبادات ومعرفة الذات الإلهية، يتضمن جوانب المعاملات والعقود والإرث والحدود (أي القانون الجزائي)، وذلك بتفصيل تفنن فيه فقهاء العصور الغابرة. فهل يمكن لنا استقدام هذه القواعد، وصبها في إطار قانوني، استكمالاً لما بدأت به مجلة الأحكام العثمانية مثلاً، فتصير قواعد قانونية ملزمة، وذلك بغض النظر عن مضمونها؟
لم ينمُ إلى علمنا دراسة تتناول هذا الموضوع، سوى دراسة الدكتور سمير عالية "علم القانون والفقه الإسلامي" التي أفدنا كثيراً من جزء منها منشور على الإنترنت، وله أيضاً كتاب بعنوان "المدخل لدراسة القانون والشريعة".
يحدد الحقوقيون أجمالا سمات القاعدة القانونية بالعموم، أي شمولها الكل، والتجريد، أي عدم ارتباطها بحالة مفردة، والإلزام والعقاب عليها، إضافة إلى كونها قاعدة مفروضة على إرادة الفرد من خارجها بموجب القانون الذي تضبط به الجماعة شؤونها من أجل الصالح العام. وهذه السمات كلها ممكنة التوافر في حالة القاعدة الدينية، من نوع "من ارتد عن الإسلام يعاقب بالقتل"، إذا ما استند تطبيقها إلى قوة الدولة التي تقوننها.
يظل أن هنالك سمتين رئيسيتين، تتفاوت الإشارة إليهما شهرة، وأعني أولاً الاستمرارية، أي بقاء القاعدة القانونية ملزمة حتى إلغائها أو استبدالها أو سقوطها، وثانياً كون القاعدة القانونية لبنة في نظام هرمي تراتبي مترابط، صادر عن الدولة، ومتعلق بدستورها. ويترتب على هذين الملمحين نتائج مهمة بالمقارنة مع القاعدة الدينية الإسلامية.
فالقاعدة الدينية الإسلامية، إذا أسقطنا منها الحساب الأخروي على السرائر وعلاقة الإنسان بربه، تظل ذات أصل إلهي سماوي، وهذا يعني بحسب د. عالية أن قواعد الشرع تميزت "عن غيرها من القواعد الاجتماعية، ومنها قواعد القانون، بموافقتها للعدل والحق والصواب، وبعصمتها من الخطأ والنقص والجور والهوى الشخصي"، كما أن الشرع الإسلامي كما يتضح للدكتور عالية "يحقق في أحكامه العدالة المطلقة، في حين أن القانون الوضعي يكتفي بمجرد تحقيق العدل النسبي".
أي أن القاعدة الإسلامية الدينية، لما كانت معصومة من أي خطأ أو نقص، لا تقبل التعديل، فكيف بالإلغاء أو الاستبدال أو السقوط. ولما كانت القاعدة كاملة، فهي كاملة في ذاتها، تعدل أهميتها أية قاعدة أخرى، ولا ترتبط بغيرها، استثناء أو خضوعاً لمبادئ أعلى واردة في الدستور أو في المعاهدات الدولية.
يعني هذا أن منطق القاعدة الدينية الإسلامية يؤكد عناصر ثلاثة:
ـ خلودها في صورة واحدة ثابتة إلى يوم الدين، ولا يعتدّ في رأي الأكثرية الفقهية بالقول بتغير الأحكام بتغير الأزمان.
ـ فرديتها، فهي مستغنية عن الأخريات وينبغي تطبيقها في ذاتها وهو ما يجعل قضية فرض الحجاب على المذيعات تعادل في الأهمية وقف سفك دماء المؤمنين إن لم تكن تفوقها (انظر نشاط مجموعة "سيوف الحق" الغزاوية!).
ـ وأخيراً تفلتها من التزامات الدولة تجاه جماعة الأمم والمعاهدات التي لا تستطيع تالياً أن تسمو على القاعدة الدينية.
هذه العناصر الثلاثة تعاكس كلياً المنطق القانوني. إذ لما كان القانون تعبيراً عن المعارك الاجتماعية وحاجات المجتمع المتغيرة، كان من الواجب تعديله وتغييره توافقاً مع المتغيرات أو استباقاً لها أو تلبية للحاجات الجديدة. و"تخليد" القاعدة بحجة صدورها عن أصل سماوي يمنع القانون من لعب دوره الحقيقي.
كما أنه لمّا كان القانون صادراً عن الدولة جاز للدولة القيام بواجبات التعديل والتغيير والإلغاء وفقاً لسياستها ولجديد توجهات ساستها، فالسياسة لا تقتصر على النزاهة في صرف المال العام على ما يحسب الإسلاميون، وهم معذورون إذ لا سياسة فعلية في بلداننا! ولا ينبغي في حال قيام الدولة بتعديل القانون الرد على ذلك بثبوت النص على القاعدة ثبوته في موضوع إرضاع الكبير أو بول الرسول، فليس النص هو القاضي على صلاحية القاعدة بل رأي الجماعة في سبل تحقيق مصلحتها. وهذا أول شرط لقبول القاعدة الدينية الإسلامية في المنطق القانوني، أي قبول الإسلاميين بإمكانية التراجع عنها إذا ما شاءت الجماعة ذلك، وإلا وقعنا في ديمقراطية المرة الواحدة والقواعد الخالدة على غرار ما نعرفه من رسائل (ومن أنظمة) تخال نفسها سرمدية.
من جانب آخر، يعني ترابط القواعد القانونية تشكيل القانون لنظام متكامل وتراتبي، يسلط المبادئ الدستورية والمعاهدات الدولية على القواعد الداخلية، ويحدد المبادئ كما يحدد الاستثناءات عليها. فالقواعد القانونية ليست سواسية كأسنان المشط، بل فيها ما يستوجب التقديم والتأخير والتمهل في التطبيق أو حتى تأجيله أحياناً، ومنح سلطة التطبيق لمؤسسات متفاوتة كالقضاء العدلي والإداري والمؤسسات الرقابية المختلفة. فلا تجتمع سلطة التطبيق في يد واحدة. يعني هذا شرطاً ثانياً لقبول القاعدة الدينية في النظام القانوني، ألا وهو خضوع القاعدة الداخلية للمبادئ المتفق عليها في الدستور، وكذلك لالتزامات الدولة على الصعيد الدولي، وهي في أغلب الدساتير تعلو القانون الداخلي. في هذه الحال، يصبح تطبيق الشرعات والمواثيق الدولية مانعاً لأغلب الحدود، بما أنه يمنع القصاص البدني، فضلاً عن أنه يكفل حرية الرأي والمعتقد.
وليس فقط الخضوع لهذه المبادئ المكتوبة، بل أيضاً لمبادئ متفق عليها لكونها تشكل أساس المنطق، أي عدم التناقض، والوضوح في التحديد، والحكم على ظواهر الأمور بالأدلة الثابتة. فلا يمكن تالياً الجمع بين "لا إكراه في الدين" و"من بدل دينه فاقتلوه"، ولا الحكم على النوايا والمضمر. كما لا يمكن، أخيراً، توقيع عقوبة على جرم غير محدد، أو محدد بصورة تمنع تعريفه بدقة. إلا أن المبرّزين في هذا المجال الأخير ليسوا الإسلاميين، بل الأنظمة العربية الحالية، التي لا تتورع عن الحكم على المعارضين بتهم "إضعاف الشعور القومي"! أو "تغيير كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي"! (انظر آخر إبداعات المحاكم الاستثنائية في سوريا، ولا شك أننا لو نظرنا إلى سواها لرأينا أننا كلنا "في الهم شرق").
نخلص إلى القول تالياً أن صدور القانون بصورة شكلية سليمة لا يعني سلامته لناحية المنطق القانوني، كما أشرنا في الحالة السورية. والتعديل الدستوري المصري الذي فرض فيه السادات اعتبار الشريعة مصدراً للتشريع مثال آخر لأنه سليم شكلاً، لكن نتائجه كارثية على صعيد المنطق القانوني، لأنه يضع تشريعين متنافسين، بدل الاكتفاء بالإعلان عن حق الدولة في أن تستمد من الشريعة الأحكام التي تناسبها.
ونخلص إلى القول من ثم إن من الطبيعي أن تستمد المجتمعات أحكامها من إرثها وما ألفته زمناً طويلاً أو مما تعتنقه، لكن إدخال هذا الإرث المألوف، أو المستعاد أو حتى المتخيل، إلى إطار القانون يستوجب إخضاعه لمعالجة جذرية تجعله يقبل بشروط هذا الإطار الجديد ومنطقه. يتطلب هذا من القائلين بأن العودة إلى الإسلام هي الحل أن يتقدموا، ليس فقط بمشاريع قوانين واضحة ومحددة ومقنعة تشير إلى تفاصيل هذا الحل المقترح، لا إلى مصدره السماوي، وأن تسفر عن نشاطهم هذا مراجعة تقودهم إلى القبول بإمكانية التراجع عما يقترحون، حتى بعد إقراره، إذا ما ارتأى المجتمع ذلك، والانتباه أخيراً إلى أن الدولة هي مصدر التشريع، وهي ليست دولة منعزلة على كوكب آخر، بل هي ذات التزامات دولية ينبغي احترامها والتوفيق بينها وبين المشاريع المقترحة على قاعدة مبادئ المنطق العقلي الثابتة، لا الحكمة الإلهية التي لا تُطال ولا تنال، ولا نملك شيئاً حيال مكرها.
أخذ المكان على محمل الجد
القانون والمكان والمجتمع في إسرائيل المعاصرة
أخذ المكان على محمل الجد
لأسباب كثيرة يفترض بنا دراسة الفكر القانوني وعلاقته بالتنظيم الاجتماعي في اسرائيل، خاصة ونحن على مشارف مفاوضات جديدة قد تفضي، إذا ما أفضت، إلى تقاسم سيادي في بعض المناطق أو تبادل لأخرى، الأمر الذي يطرح قضايا عويصة على الصعيد القانوني والتنظيمي والإداري. إلا أن هذا السؤال ضروري ايضاً وملح، حين نعلم أن لطلب اسرائيل ان يصير الفلسطينيون فنلنديين ديمقراطيين قبل الالتفات إلى التفاوض معهم سوابق في تعاملها مع البدو العرب، ومع اليهود العرب من اهلها. وهذه القيود ستنسحب ايضاً على أي محاولة لاحقة للتفكير في وضع "عرب إسرائيل" في نظر سائر العرب ودولهم التي تبدو مجتمعاتها وكأنها تطالب وتغذ السير للوصول إلى وضع الغيتوات التي فر منها يهود أوروبا ليفرضوها على مجموعات بعينها في داخل دولتهم العتيدة. من بين الأسئلة التي قد يطرحها المرء هذه التالية: لماذا يستمر الفشل الدراسي عالي النسبة في أوساط اليهود من أصول عربية، ولماذا يستمر الفصل في المدارس بينهم وبين اليهود من أصول أوروبية، رغم جهود الحكومة الإسرائيلية؟ ماذا تعني تجمعات بدو النقب وتجاور بؤسهم مع ترف المستوطنات اليهودية القريبة؟ ولماذا تنقسم المحكمة العليا الإسرائيلية حول مطالب اليهود المتطرفين في القدس بإغلاق طريق سريع يمر بين ظهرانيهم احتراماً للسبت؟ وما الجامع بين هذه الأسئلة وبين الايديولوجية الصهيونية المؤسسة لدولة إٍسرائيل؟
يطرح إساشار روزن ـ زفي هذه التساؤلات في كتابه " أخذ المكان على محمل الجد: القانون والمكان والمجتمع في إسرائيل المعاصرة" (دار اش غايت، 2004، بالانكليزية، تجدر الإشارة إلى أننا سنترجم Space بـ "مكان" باستثناء الإشارة إلى "الفضاء السياسي"). ويقول روزن ـ زفي بأن الإجابة عليها تتطلب "صرف الأهمية من المعطى المكاني إلى التنظيم والمعنى المكانيين" بحسب ما ينقل عن ادوارد سوجا، أي العناية بالطريقة التي بها يُبنى المكان ويُتخيل ويُقوّى ويُعارض. فكما يقول ريتشارد فورد فإن "المكان، كما نختبره هو، بطرق عدة، ليس الإطار الثابت، بل النتيجة للتفاعلات الاجتماعية، والمفاهيم الايديولوجية، وبالطبع للعقيدة القانونية وللسياسة العمومية".
يحاول المؤلف إذن لرد على التساؤلات المطروحة بدراسة العلاقة ما بين القانون والمكان في إسرائيل، متابعاً الفصل الذي يجريه فورد حول النظرة القانونية إلى المكان، المتأرجحة بين فهمين خاطئين له: "المكان الشفاف" و"المكان غير الشفاف".
المكان الشفاف: اليهود العرب
بحسب الأرقام التي يوردها المؤلف فإن 16.7% من اليهود ذوي الأصول العربية يتابعون دراسة جامعية مقابل 51% من اليهود ذوي الأصول الأوروبية، و42% يتركون الدراسة قبل نهاية المرحلة لاثانوية مقابل 22% فقط من الأشكيناز. كما يورد أيضاً أن معظم المزراحيم (اليهود ذوي الأصول العربية) يتلقون تعليمهم في مدارس مهيئة "لذوي الاحتياجات الخاصة"، أي أن التعليم فيها يتم على اساس مقررات أبسط وأفقر، مما يؤدي عملياً إلى فصل واضح ما بين المزراحيم (أو السفارديم) والأشكيناز. وبالرغم من أن ردم الهوة ما بين أبناء إسرائيل ـ بحسب رئيس لجنة التربية في الكنيست ـ هدف وطني شديد الأهمية، ورغم أن سياسة الدمج هي السياسة الرسمية المعلنة، إلا أن الفشل المتواصل رغم كل الجهود، قد دفع بالجميع إلى اليأس عملياً، كما يقول روزن ـ زفي.
أسباب الفشل متعددة بالطبع، لكن أهمها، بحسب المؤلف، هو القانون الذي ينظم الدوائر التعليمية ويربطها واقعاً بالسلطات المحلية، وكذلك دور المحكمة العليا الحريصة على تطبيق القانون دون اعتبار للواقع المكاني الذي سيطبق فيه أو عليه.
فالدوائر التعليمية في إسرائيل مرتبطة، إلا استثناءات قليلة، بقاعدة قانونية تقول بإرسال الطالب إلى مدرسة لا تبعد عن منزله أكثر من كيلومترين، وترتفع المسافة المسموح بها إلى ثلاث كيلومترات لطلاب الثانويات.
وإذا ما بدت المحكمة العليا الإسرائيلية طرفاً مناضلاً من أجل إزالة الفصل الدراسي بين المزراحيم والاشكيناز، لا سيما من خلال رفضها طلبات الأشكيناز بالسماح لهم بالدراسة في مدرسة مختلفة عن تلك، المدمجة، التي عينتها لهم الدائرة التعليمية التي يقطنون في إطارها، فذلك، في الواقع، لأن طلباتهم كانت تعارض قاعدة الكيلومترين هذه. فالدور الحقيقي للمحكمة العليا يتبدى في رفضها طلبات أبناء المزراحيم بالانتقال إلى مدرسة جيدة المستوى، مدمجة أو غير مخصصة لذوي الحاجة إلى معاملة خاصة، بالدرجة نفسها. أي رفض أي خرق لقاعدة الكيلومترين.
فالمحكمة تتعامل مع تقسيمات الدوائر التعليمية مكانياً كتعاملها مع تقسيمات إداري بحتة تجري، لأسباب متعلقة بالفعالية ليس إلا، على أرض غير ذات صفة. تقسيمات تحدث في مكان شفاف ومتناسق في كل نقطة منه، مما يجعل الأمكنة المقسمة متساوية تماماً، بالضرورة، ويفقدها أي مبرر لإعادة النظر فيها.
إلا أن الواقع مختلف، فمنذ الهجرة الكثيفة لليهود العرب في الخمسينيات من القرن الماضي، توافقت هذه الهجرة مع حاجة إسرائيل إلى تملك المكان من خلال التواجد السكاني في الشمال (الجليل) والجنوب (النقب)، وحول المدن الاسرائيلية وفي البيوت العربية التي هجّر سكانها. أي أن ثمة فصلاً تاريخياً في الإقامة ما بين المزراحيم، سكان ما سمي بالمدن الجديدة في الشمال والجنوب والضواحي، وبين الاشكيناز، سكان المدن في الأساس ومن ثم سكان الضواحي الجديدة.
وبالتالي، فإن المفاعيل الحقيقة لقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية جاءت بعكس سياستها المعلنة، وكانت سيفاً ذا حدين، أدى إلى اغلاق الدوائر التعليمية وفصلها عن بعضها، وأغفلت المحكمة رؤية الرابطة ما بين الفصل في الإقامة والفصل في المدارس. أي أن نظرة المحكمة إلى التقسيمات، في وصفها محض إدارية، تعمل في مكان شفاف، كانت في الواقع تعيد إنتاج الفصل المشكو منه وتعمقه. إلا أن هذه النظرة ليست بديهية، أو متلازمة بالضرورة مع فكرة القانون.
المكان غير الشفاف: البدو العرب
في قضية ساعدة، المتعلقة بقرار وزير الداخلية الإسرائيلية بضم قرية بدوية إلى دائرة قرية أخرى، يقرأ روزن ـ زفي انتقال المحكمة العليا الإسرائيلية من رؤية إلى المكان في وصفه شفافا (وهو ما يستتبع حق وزير الداخلية في تغيير التقسيمات الإدارية حقاً مطلقاً، كما لو أن لا معنى سياسياً واجتماعياً لهذه التقسيمات) إلى المكان في وصفه غير شفاف. فالمحكمة تشرح وتبرر قرارها بذرائع أن القريتين بدويتان، تتشاركان في الخلفية الاجتماعية والثقافية والديموغرافية، مما يسمح في المستقبل بدمج القريتين في واحدة. أي أن المحكمة تبرر قرارها من خلال العودة إلى ما هو دون السياسة والقانون، أو قبلهما، أي ما هو خارج في جميع الأحوال عن نطاق سلطتهما.
يعود المؤلف إلى تاريخ السياسة الإسرائيلية تجاه البدو العرب في النقب. ضمن ألعاب بهلوانية قانونية ما بين القانون العثماني (الذي يعتبر الأرض الموات ملكاً للسلطنة، إلا أنها لمن يحييها) والقانون البريطاني (الذي فرض تسجيل الأراضي في فترة محددة)، استملكت إسرائيل معظم أراضي البدو العرب ونقلتهم منها إلى شرق بئر سبع، داخل منطقة مغلقة عليهم، عادت فاستملكت نصفها. وفرضت عليهم السكن والبناء في بلدات محصورة الأراضي. والحال اليوم، فإن البدو العرب يشكلون 25% من سكان النقب، في حين تبسط سلطاتهم المحلية سيطرتها الإدارية على1.5% فقط من أرض النقب.
تم تفضيل مشروع البلدات هذه على مشروعي القرى الزراعية أو المدينة الكبيرة، لئلا يتمكن البدو من الانفصال عن دورة الاقتصاد الإسرائيلي. وليست سياسة إعادة إسكان البدو سياسة خيرية، تهدف إلى تحسين أوضاعهم، بل هي في الواقع وسيلة لإنشاء طبقة عاملة رخيصة، وهي أيضاً وسيلة، بحسب روزن ـ زفي، لتكوين الذات الإسرائيلية من خلال وضع الذات الأخرى، البدوية الفقيرة المتخلفة، مستقلة بإزائها. فالتقسيمات الإدارية وسيلة لتغطية الفصل العنصري الواضح، ولقسمة البشر مجموعات مغلقة. فالدائرة الإدارية هي، بحسب فورد، وسيلة لفهم العالم الاجتماعي وموقع المرء منه. والتقسيم الإداري يهدف إلى اظهار التعامل غير العادل مع فئة اجتماعية على انه ليس عداءً شخصياً يستهدفها، بما انها تعامل على قدم المساواة مع غيرها، متجاهلاً اختلاف الإمكانات وتفاوتها بين الدوائر. ونجاح هذه السياسة الأقصى يتجلى أساساً في مطالبة كل من الفريقين بالإستقلالية في دائرة خاصة به.
عملياً، نجحت إسرائيل عبر قانون البناء في نقل الصراع من صراع حول الأرض إلى صراع حول شرعية لابناء، ومن نزاع جماعي إلى جماعة من النزاعات الفردية. فالمحكمة تنظر إلى القضية دائماً في اللحظة الراهنة، لا في سياقها التاريخي، ومن نقطة القبول بشرعي القانون نفسه.
كما نجحت الدولة الإسرائيلية في تذرير العشائر البدوية غبر رفع عددها باعتبار كل عائلة موسعة عشيرةً، ما زاد خصوماتها، وعبر فرض إعلان كل فرد عن انتمائه إلى احداها.
كما أن المحكمة أفلحت في تجاهل القانون نفسه عبر التركيز على تفاصيل المهن وأذونات البناء... الخ، وكثيراً ما كانت المحكمة العليا ترى التقدم والحداثة في هذا التمدين القسري وتعاقب البدو على رفضه. صحيح أنها كانت، في حالات نادرة، تعاقب الدولة الإسرائيلية على عدم وفائها بالحد الأدنى من وعودها به، إلا أن ذلك، في الواقع، يهدف إلى اضفاء الشرعية على القوانين والقرارات الأخرى. فعلى ما يقول رونن شامير، فإن مصدر شرعية السلطة، في دولة بيروقراطية حديثة إنما هو وجود نظام قانوني شكلاني يبرر ويعقلن علاقات السيطرة ويخلق ارتضاءً إرادياً بها لدى المحكوم. والمحكمة بإداناتها، القليلة، للحكومة تشرعن قوانين الدولة، وقبلها قراراتها الخاصة التي غالباً ما أتت ترفض طلبات البدو وتدينهم.
تتجلى في هذا الإطار نظرة المحكمة العليا، والقانون في شكل عام، إلى الفضاء السياسي للبدو، (أي المكان بالإضافة إلى السلطة المحلية عليه) في وصفه تعبيراً، لا عن دائرة إدارية موّلدة أو توافقية تنشأ لأسباب منفعية فقط، بل تعبيراً عن دائرة عضوية أصلية، لا تنشئها الدولة بل تكتفي بالاعتراف بها. وتملك هذه الدائرة، بحسب هذه النظرة، القدرة والحق في الدفاع عن نفسها باسم الاستقلالية وحق تقرير المصير والحق في الاختلاف وفي حماية الثقافة الخاصة.
يتبدى عبر ذلك أيضاً خطأ شائع ومنتشر، لا سيما في أوساط اليسار التقدمي، هو المبالغة في إعلاء شأن الاختلاف. فيلاحظ المؤلف أن النظام العشائري البدوي الحالي هو نتيجة لضغط السلطات الإسرائيلية المتواصل عليه، وليس معطى طبيعياً ناجماً عن تطور الثقافة البدوية من تلقاء نفسها. وهو ينقل عن فرانز فانون قوله بأن الاستعمار يغلق تفتّح الثقافة التي كانت حية ومعاشة قبله، ويجمدها في قالب أنظمته بحجة احترام التقليد. وهذه هي المفارقة نفسها التي وقعت فيها المحكمة الإسرائيلية العليا حين كانت ترفض السماح لليهود بشراء الأراضي داخل منطقة البدو المغلقة بحجة المحافظة على ثقافتهم، في الوثت عينه الذي كانت فيه تبرر اجراءات وقوانين الدولة حيالهم بالرغبة في تمدينهم ونفلهم إلى الحداثة، معتبرة هذه الإجراءات مؤقتة إلى حيت اكتمال عملية تحديث البدو.
على ما يلاحظ فورد، إن سياسة إعلان شأن الاختلاف هي استغلال لسمات الاختلاف من أجل "صناعة" الآخر، إذ أن الواقع هو بالطبع شديد الاختلاف عن الصورة المرسومة له.
المكان الملتبس: اليهود المتطرفون
اليهود المتطرفون المتجمعون في القدس وضواحيها، وفي بعض المدن الإسرائيلية الكبرى هم، على ما يلاحظ روزن ـ زفي، منقسمون في ما بينهم في محاولاتهم لإنشاء مجتمع خاص بهم، وحول مسائل الاستفادة من الدولة الإسرائيلية التي يرفضونها، من حيث المبدأ، وحول ضرورة الانقطاع عن الفضاء السياسي والاجتماعي الإسرائيلية. إلا أنهم جماعة في مواجهة غيرهم، وهم غالباً ما يتوسلون العنف سبيلاً لفرض حدود مجتمعهم الخاص، ومن وسائل ذلك إغلاق الطرقات التي تخترق مناطقهم في يوم السبات.
حول قضية اغلاق الطريق يوم السبت، دارت قضية بار إيلان، وهو أوتوستراد عام حيوي طالبوا باقفاله. وقد انقسمت المحكمة العليا الإسرائيلية حول هذه القضية، فكان صوت واحد هو المرجح من أصل سبعة أعضاء. رأي الغالبية، بإيجاز شديد، يقول بأن الاعتبارات الدينية يؤخذ بها كأضرار قانونية وأن على اسرائيل الديمقراطية أن تحمي روح ومشاعر مواطنيها كما تحمي ممتلكاتهم، وأن اسرائيل اليهودية معنية متى تعلق الامر بيوم السبت، كما ان على الدولة أن تضمن حق المواطنين بالتنقل. لذا ينبغي الموازنة بين الحقين: حق التنقل، وحق احترام المشاعر الدينية، وذلك على ثلاث فئات: المتطرفين، والسائقين العابرين، والساكنين بين ظهراني المتطرفين دون ان ينتموا إليهم.
في الموازمة ما بين المتطرفين القاطنين وبين السائقين العابرين، ينبغي مراعاة شعور المتطرفين، لأن أمام السائقين طرقاً بديلة يعبرون منها، ولأن وقت اقفال الطريق قصير نسبياً. لكن حق القاطنين غير المتطرفين ينتفي بالكامل من جراء اقفال هذه الطريق، وله في هذه الحال الأولية. لذا تقبل المحكمة قرار وزير الداخلية باقفال بارايلان يوم السبت بشرط أن يحل مسبقاً مشكلة تنقل القاطنين من غير المتطرفين.
أما رأي الأقلية فكان يقول بأن لا مجال لأخذ ما لا يوجد نص عليه في القانون، كالدين، بعين الاعتبار. ولا نص على الدين في شان الطرقات. ذلك على الأقل في ما يتعلق بالطرق الكبرىـ أما الدروب الثانوية فيمكن للسلطات المحلية أن تأخذ في تنظيمها وضع الجماعة فيها.
يقدم روزن ـ زفي تحليلاً ايديولوجياً لهذه الآراء، فيرى أن رأي الغالبية ينطلق من فكر ليبرالي يقيم فصلاً قاطعاً بين الدولة المحايدة تماماً وبين المجتمع المدني، وينظر إلى المواطن بصفته فرداً دون أن تتوسط المجموعات الاجتماعية بينه وبين الدولة. هكذا كان المتطرفون أفراداً لهم حقوق في مواجهة أفراد سائقين لهم حقوق أخرى. وبحسب دي سوزا سانتوس، فن الزمكان المحلي (شأنه شأن ذاك العابر للأمم) يعتبر غير موجود البتة من جانب النظرية الليبرالية المهيمنة، وهذا ما سمح بأن تصبح الدولة الأمة هي الزمكان الأكثر مركزية بالنسبة للقانون في القرنين الماضيين.
أما الرأي المخالف فينطلق من نوع من الفكر التعددي يقول بأن المر يتحدد، جزئياً على الأقل، بانتمائة إلى مجموعة ما. والمجتمع يتكون من تعدد مجموعات حرة في إطارها، وعلى الدولة التزام الحياد في ما بينها. أي أن هذه النظرية تحل المجموعة محل الفرد في النظرية الليبرالية. وهي (أي النظرية) إذ تقول بالفصل ما بين الحيز العام والحيز الخاص، فإنها تقبل بتوسيع حدود الحيز الخاص أبعد من حدود الفرد. وفي قضية بارإيلان يقول القاضي هيشين في رأيه المخالف إن ثمة حيزاً خاصاً للمتطرفين يشمل الطرقات الصغيرة بين منازلهم إلا أنه لا يشمل أوتوستراداً عاماً يظل ينتمي إلى الحيز العام.
في مفارقة جديدة، تقرر غالبية القضاة الموافقة، المشروطة، على مطالب المتطرفين، رافضةً الاعتراف بهم كجماعة، في حين أن القضاة المخالفين يقرون بوجود المتطرفين كجماعة لها الحق في حيز خاص بها، إلا انهم يرفضون الموافقة على مطالبها. ويخلص الكاتب إلى القول بأن الفكر اللبرالي ينظر إلى المكان شفافاً، في حين يراه الفكر التعددي غير شفاف.
النظرة القانونية إلى المكان والعلاقة مع الفكر الصهيوني
يرى المؤلف أن الصهيونية هي تقاطع خطابين، الأول عملاني ينشد حلاً لمشكلة اليهود عبر البحث عن أرض خالية من السطان، والثاني ثقافي ينشد من اوروبا الشرقية العودة إلى أرض الميعاد. وقد خدم الأول الثاني عبر افراغه ارض فلسطين من سكانها نظرياً قبل أن يصبح ذلك فعلاً. هكذا ينبغي رفض الآخر، المقيم في مكان منقطع عن مكان الذات، قبل أن يتم اقصاؤه وملء الفراغ بالانا المؤسسة جديداً.
هكذا يقع المؤلف، ببساطة مستغربة، على تفسير لتفاوت النظرة القانونية إلى المكان في المسائل التي عرضها، في جدلية بسيطة: الأنا/الآخر، الانوار/الشرق. هكذا ينبغي اقصاء البدو وإنشاء مدن لهم في آن واحد، لعزل الآخر عن الأنا ولنصبه بإزائئها، وهكذا يتم اقصاء العرب من المكان اليهودي حيث لا يمكن القبول بهم إلا بشرط تجريدهم من كل تاريخ واختلاف.
هكذا ايضاً يقع اليهود الاوروبيون القادمون من عصر الأنوار على يهود عرب شرقيين فيرونهم متخلفين، جاهلين ومتوحشين. إلا أن كونهم يهوداً يظل يدفع باتجاه ساتيعابهم وتمثلهم وتحويلهم إلى أوروبيين.
في الوقت الذي كان فيه "الغريب" الفلسطيني يطرد ويطارد ويشجع على تعميق اختلافه، كان السعي إلى تنقية اليهود العرب من عروبتهم وشرقيتهم من اجل استيعابهم داخل الأنا.
إلا أن الحقيقة تظل، بحسب ما يعبر ساندر غيلمان، أنك "كلما شابهتني أكثر، عرفت القيمة الحقيقية لقدرتي، التي تريد نشاركتي بها، وتنبهت أكثر إلى كونك لست سوى مقلّد، مزيّف، دخيل". أو ما يسميه غيلمان، اللعنة المحافظة المهيمنة على المشروع الليبرالي الساعي إلى تمثّل الآخر. في حين يقيم الآخر ـ العدو في مكان منقطع عن مكان الذات، فإن على مكان الذات أن يكون موحداً ومتناسقاً. وهكذا ينظر إلى أي تقسيم له على انه تقسيم بيروقراطي نفعي ليس إلا. وإذ يرفض القانون النظر إلى تاريخ وواقع الفصل في توزيع السكان، فإنه في الواقع يعمق ما يصفه الكاتب بـ"الفصل الاثني"، ويخلقه في آن ماً بالتعاون مع الفصل السابق في الإقامة.
أما التباس الرؤية إلى المكان في قضية اليهود المتطرفين فذلك عائد إلى التباس النظرة إليهم. فهم بالنسبة إلى الصهيونية "غريب" لا يقبل التصنيف النهائي إلى عدو أو صديق. فهم معادون للصهيونية على اعتبار أن الخلاص يكون بتدخل الهي لا بعمل بشري، لكنهم في الوقت عينه "الأنا" اليهودية الأكثر تمسكاً بعنصرها هذا.
يشير المؤلف إلى ان اختلاف الحلول القانونية أدى عملياً في كل الحالات إلى عيش هذه الفئات (العرب المنبوذون ـ اليهود العرب المرغوب في ضمهم ـ اليهود المتطرفون زارعو الحيرة) في مناطق عزل وانقطاع عن سواها. ويقول إن استبدال الأسس الصلبة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بالأسس الرخوة للرمزي والثقافي في الخطاب التعددي، الذي يدافع في واقع الأمر عن هذا الانفصال السكاني ويبرره بالخصوصيات واحترامها، يؤدي إلى غياب القدرة على تحديد الفئات الخاضعة والفئات المهيمنة في المجتمع.
فالفئات المهيمنة تستفيد من استقلالية دائرتها التي تمنحها نفوذاً وتأثيراً لا تملك وسائلهما الفئات الخاضعة التي يحول الاستقلال دائرتها إلى معتقل. فالمعاملة بالتساوي قد تنتج مفاعيل مختلفة. ويضيف إن النظام الديمقراطي هو في مفاوضة دائمة ما بين وحدة الشعب المدمج وبين احترام وحماية الفئات الاجتماعية والمجموعات ومناطقها. فهل يمكن تجاوز هذه الثنائية؟
إعادة النظر في مفهوم السلطات المحلية
يقول روزن ـ زفي بضرورة تغيير وظيفة الفضاء السياسي ومعناه، عبر اصلاح قانوني، وتغيير المفهوم الاجتماعي للمكان، دون أن يكون في ذلك مس بالضرورة بإقامة أي فرد. وهو يرى ان نزع العزل في الفضاء السياسي سيؤدي على المدى الطويل إلى عملية دمج مكانية، لانتفاء الفائدة من العزل أولاً، ولأن الفضاء السياسي، ثانياً، لا يكتفي بعكس الوقائع كالمرآة بل ينتجها. هكذا فإن أي تغيير في المعنى السياسي للفضاء، بحسب فورد، يؤدي إلى تغيير هوية الجماعة الثقافية نفسها.
بعد دراسة للتقسيم الأداري للسلطات المحلية في إسرائيل وعلاقته بالمكان، شفافاً أو غير شفاف، يخلص المؤلف إلى القول بأن قانون السلطات المحلية يقود، في النهاية، عبر حرمان هذه السلطات من المعنى السياسي باعتبارها محض إدارية، وعبر الإصرار على وجودها المستقل، بل والسابق، معاً وفي آن، يقود كل ذلك إلى إعادة إنتاج تراتبية السلطة والفصل السابقين.
لذا يقترح إعادة نظر في موضوع السلطات المحلية، مستوحياً أعمال فورد (جعل الحدود أقل عزلاً) وفروغ (زيادة القدرة التشريعية للمشرّع المحلي بهدف زيادة المشاركة الديمقراطية) وبخاصة هارفي وبريفو (نظرية الحكم الإقليمي حيث يكون الإقليم نوعاً من سلطة محلية لمنطقة المتروبول وضواحيها، لما في ذلك من اخذ بعين الاعتبار لحقائق النقل اليومي والمساواة في توزيع العناية والخدمات العامة)، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة الإبقاء على فكرة الحكم المحلي إذ أن المؤسسات المحلية، كما يقول توكفيل، "هي للحرية كما المدارس الابتدائية للعلوم. إنها تضعها بمتناول الجمهور وتعلمه كيف يستخدمها ويسعد بها".
هكذا، يقترح روزن ـ زفي انشاء حكومات اقليمية قوية حول المناطق المدينية الكبرى، تتمتع بسلطات واسعة، وسلطات محلية يحق لأي مجموعة إنشاؤها دون إذن مسبق من الحكومة التي عليها أن تعترف بها. وهو بذلك يوافق على نظرية فورد بان الحدود التي تصنعها الممارسة هي التي تصنع "المحلي"، لكن روزن ـ زفي يربطها بنظرة أكثر جدلية بماء على حالة المجتمع اليهودي المتطرف السابق على الممارسة الحدودية. فالمهم في نظره هو إعطاء سلطة كافية لحماية المجموعة، لكن ليس السماح لها باقصاء الآخرين ورفضهم.
القانون ومنطقه
إما أن نقول بأن الحدود هي حصيلة مجموعة من الخيارات الفردية، تأتي الدولة بقانونها ومحاكمها لتقبل بها، أو تعدلها، وإما القول بأنها مجرد تقسيم ضروري إدارياً تجريه سلطة حكومية مركزية، لكن لا معنى سياسياً له. أو ان الحدود حصيلة قوى طبيعية (السوق، الطوبوغرافيا، الجماعة)، سابقة على السياسة والقانون العاجزين عن التأثير عليها تالياً.
يشدد روزن ـ زفي على خطأ هذه النظرات إلى المكان والدوائر أولاً، لأنها، بطرق مختلفة، تحمل على الظن بأن الدوائر كلها متساوية (إذ تقوم كلها على مبدأ واحد مما ذكرنا) علماً بأنها لا تملك الوسائل والإمكانات عينها. وثانياً، لأن هذه النظرات تغفل التأثير السياسي والإجتماعي للقرارات القانونية نفسها.
والحق، إن الكاتب يقع في الخطأ الذي ينبه إليه. فإذ يكتب في المقدمة إن هدف دراسته هو تفحص العلاقة بين القانون وبين انتاج المكان وتمثيله في الإطار القانوني، فإنه يعود لينظر إلى القانون وكأنه مجرد انعكاس لنظرة خارجة عنه (الفكرة الصهيونية) يعتبرها الوحيدة المؤثرة، ويؤدي ذلك عملياً إلى حصر الدراسة بكيفية تمثل القانون للمعطيات المكانية والاجتماعية، وهي كيفية مشروطة بالنظرة الصهيونية، في إغفال لدور القانون في انتاج هذه المعطيات منذ البدء، وليس فقط في تعميقها وتأمين استمراريتها. فكأنها القانون مرآة تعكس الفكر الايديولوجي المهيمن فحسب، دون أن يكون له منطقه الخاص. وذلك رغم تذكيره برفض رونن شامير تفسير القانون (حول استملاك اراضي البدو) بجشع الصهيونية إلى الأرض، فقط، أو أي سبب سياسي خارج عنه، وضرورة ربطه بمنطق القانون الداخلي، أي، في حالة إٍسرائيل التي ورثت القانون البريطاني "الحديث"، هوس القانون بالثبات والقدرة على احتساب الأمور والأشياء، بما يفرض "شبكة مفاهيم على المكان ـ مكان سوف يقسّم ويجزّأ، ويسجّل ويقيّد".
هكذا يغفل روزن ـ زفي الإشارة إلى منطق القانون "الحديث"، المختلف عن القانون العثماني اختلافه عن القواعد القانونية لدى القبائل الافريقية أو الجنوب ـ أميركية مثلاً، وصعوبة تطبيقه على مجتمعات ذات رؤية مختلفة إل قضايا الملكية العقارية والإرث والنسب على سبيل المثال.
وغفل أن من منطق القانون "الحديث" الأوروبي، تذرير النزاعات الجماعية إلى نزاعات فردية، وإغراق الحق بمجموعة من القواعد الإجرائية غالباً ما تقود إلى إنكاره. ويغفل طبيعة كتابة القرارات القانونية الصادرة عن المحاكم. فالتبريرات التي تقدمها المحكمة الإسرائيلية العلي (ضرورة الحفاظ على ثقافة البدو ـ ضرورة تمدين البدو ـ النظرات إلى مجال الحيز العام ـ ضرورة ردم الهوة التعليمية في إسرائيل... الخ) ما كانت لتبدو ممكنة في نظام قانوني أوروبي قارّي (كما في فرنسا أو ألمانيا)، حيث أن النظام الأنغلو ـ ساكسوني يسمح للقضاة بتبرير قراراتهم بأسباب متنوعة، بما أن هذه القرارات ستشكل سوابق قانونية، في حين أن النظام القاري يفرض على القضاة تطبيق القانون كما هو، أو تفسيره، واستثناءً استكمال قواعده الناقصة عبر اعلان قواعد قانونية، دون اللجوء إلى استدخال أسباب اجتماعية أو تاريخية أو سوى ذلك (ولا يعني هذا أنها لا تغيب عن نفس القاضي، إلا أنها تدخل أكثر في إطار النقاش العام والأسباب الموجبة للقوانين المكتوبة). في الواقع، القانون ليس مجرد سلاح بيد السلطة، أو مرآة للأيديولوجية، بل هو أيضاً ثقافة في حد ذاتها تملك منطقها المتطور باستمرار.
المواطن العربي ومعاني المكان
ثمة أهمية استثنائية لدراسة العلاقة في إسرائيل تحديداً ما بين القانون والمكان. ليس فقط لأهمية "فكرة" القانون التوراتية في الفكر الأوروبي الذي يشكلنا من جوانب كثيرة. بل أيضاً لأن النزاع على ارض فلسطين، ومسألة القدس تحديدا، فضلاً عن قابلية الدولة الفلسطينية للعيش، مسائل تظرح بشدة ضرورة إعادة النظر في مفاهيم السيادة والأرض والحدود، وتفكيكها.
كما تطرح مفارقة إسرائيل، "قلب أوروبا" بحسب أحد الكتاب الشهيرين، مسألة الحد الذي يمكن ان يبلغه تطور القانون "الأوروبي"، بخاصة في ظل المفارقة التي تربط المواطنة بفكرة المكان والإقامة من جعة، وبالخصوصية الدينية المنتشرة في العالم من جهة أخرى (وهو الموازي الإسرائيلي للتقسيم الفرنسي لانتقال الجنسية بالدم أو بالمكان ولادةً وعيشاً). وكذلك مفارقة إٍسرائيل في الإصرار على يهوديتها وديمقراطيتها معاً وفي آن، وهي المشكلة عينها في العديد من البلدان العربية، وحتى في أوروبا إذا ما وسعنا مفهوم المواطن ليشمل المقيم (وهو مسار جار في داخل الاتحاد الاوروبي).
في شكل ما إذاً، تشكل دولة إسرائيل مختبراً يسمح بطرح واستجواب عدد من المسائل الهامة، التي لا مجال لبحثها هنا. نكتفي إذاً ختاماً بالإشارة إلى نقطتين، الأولى في ما خص "المواطن غير المقيم"، والثانية في ما خص مطالبات الفئات الإجتماعية في بلادنا بالتقسيمات الإدارية ومعانيها السياسية المضمرة.
في شأن النقطة الأولى، يلاحظ إدوارد سعيد إن إسراائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي هي ليست دولة مواطنيها بل دولة اليهود في كل العالم. ذلك بالطبع مفارق مع ما هو معروف من ارتباط اسرائيل الوثيق بمفهوم الأرض. ولكن أليس ذلك أيضاً حال بلد مثل لبنان، حيث لا يهدأ التغني به، أرضاً وجبلاً وبحراً، في حين أن قسماً كبيراً من "المقيمين" فيه محرومون من أبسط الحقوق (راجع أيضاً ما اشارت إليه الصحف من طرد إمارة دبي لأربعة آلاف عامل في قطاع البناء لانهم جرؤوا على الإضراب مطالبين بتحسين ظروف عملها وأجورهم). أيضاً يحلم "بعض" اللبنانيين بأن تكون دولتهم دولة "ملايين اللبنانيين" المنتشرين في العالم، وهم بهم فخورون! وتطرح قضية اقتراع المهاجر في المواسم الانتخابية والمقصود بها فعلياً، إذا ما شئنا حقاً احداث تغيير في الموازين، اقتراع أحفاد المهاجرين ممن لم يعودوا يحملون الجنسية اللبنانية. والسؤال عندئذ يتعلق بمن هو "المواطن"؟ (الهجرة العراقية الكثيفة المستمرة منذ ثلاثين عاماً تطرح الأسئلة عينها وبضخامة أكبر). هل يمكن في واقع الأمر قلب العلاقة ما بين الدولة ذات لاسيادة وبين المواطن، تحديداً عبر التفكير في "ندرة المواطنين" (بخاصة بالمقارنة مع المقيمين من غير حملة الجنسية المحلية) والتساؤل عن مفاعيل هذه الندرة على دولة المواطنين؟
النقطة الثانية على مستويين: الأول إداري هو ضرورة التساؤل عن الخطوط التي ينبغي أن تقود المطالبات باللامركزية الإدارية، بهدف التخفيف من عيوب تمركز السلطات في أنظمة بعيدة عن الشفافية والنزاهة، وذلك في ظل تضاعف حركات النقل اليومية، واستمرار النزوح إلى المدن وتوسع الضواحي و"العشوائيات". والثاني انتخابي يدور حول تقسيم الدوائر الانتخابية وما يطالب به البعض من "أقاليم" وحكم ذاتي. فقد رأينا أن مثل هذه المطالبة تجازف بتحويل أهل "الاقليم" إلى معتقلين، واعاقة تطور ثقافتهم "المفترضة مشتركة" وحرمانهم من الانفتاح والمشاركة وإعادة انتاج التراتبيات والسلطات عينها. يمكن ايضاً ضرب المثل بلبنان، وهو محل ضرب كثير غالباً، حيث تتمسك الطوائف بفكرة القضاء للتمثيل الانتخابي، في حين أنه وسيلة للمطالبة باستقلالية الطائفة والدفاع عنها، بل والمطالبة باستمرار الفصل بينها وبين الأخريات، ويمكن السؤال عن جدوى ذلك حيث أن القضاء ليس معطى طبيعياً بل هو حصيلة تداخلات أبرزها تطابق القانونان الإداري والانتخابي بشكل يمنح "النائب" سلطة إدارية ليست من وظيفته التشريعية في شيء. ثم إن الهدف من كل ذلك إنما هو الاحتماء من الآخر وصيانة الذات منه، إلا ان الآخر هو ايضاً مصنوع بيد هذه الذات وليس معطى طبيعياً بدوره.
ببساطة إذاً يمكن القول بأن المطالبة بهذه التقسيمات الاقليمية أو القضائية، دون مسائلة أو حدود واصحة لتقاسم السلطات بين هذا المستوى من الإدارة وسائر المستويات الأعلى أو الأدنى، إنما هي الدليل الساطع على نجاح سياسات الفصل (التي نشكو منها وننسبها دوماً إلى "الاستعمار" قديماً وجديداً) وعلى رغبة هذه المجتمعات في تجذير سباتها وجمودها وانقساماتها.
بدلاً من ذلك، الا يسعنا أن نحلم بأن يكون تعريف الجماعة هو "تعايش الغرباء"، أي القدرة على العيش في عالم من مختلفين، دون محاولة صياغة اختلافهم أو محوه، بدل ان يكون تعريفها هو تكرار الأنا؟
الشارقة ـ باريس، أسطح المدينة
نشرت في موقع الأوان
الشارقة ـ باريس: أسطح المدينة
• الشارقة
ـ ليس السطح بالضرورة منبسطاً أفقياً.
زجاج المباني المغسول، اللمّاع دوماً، سطح يلتف على نفسه: ليس مرآة للناظرين، بل لنرجس لمعته الزرقاء.
ـ لم يكن ميسوراً لغلاف الكتاب أن يصير شاشة.
كان محو الكلمات ثمناً باهظاً للبياض.
لكن قد أمكن، باليد المنهكة، تثبيت صورة لا تبادل الأخريات انزلاقاً، سطحاً لسطح، وظهراً لظهر.
كان البياض الغالي قفلاً نتلصص من ثقبه، فيجلو لنا بؤرة البصر وعمقه.
ـ كانت المدينة ـ الإمارة تشبه سور نادي الزمالك.
لكن عشباً لم يكن وراء السور، ولا القاهرة أمامه.
كان السوق القديم يكرر حتى الإعياء واجهة الشواهق الزجاجية المتكاثرة.
ـ متحف 1: تلك الغرف المعتمة، تقف على النقيض من أخرى باهرة البياض. لئن كانت الأولى تشهد بثاً لا ينقطع من المشاهد فوق حيطان لا تُرى، فإن الغرف البيضاء لا تعدو الحلم بأفلام لا يمحوها الضوء، فتلونها بالخشب والملصقات من صور العائلة والصحف. في موازاة الشكل الثابت للأولى، والذي يبتلع كل ما يقدم إليه، تقف الاستعادة في الغرف البيضاء ثقباً أسود بدوره.
ـ كانت جنيفر تنوي استعراض "صراع العناصر" في تنافر الماء والزيت.
ما كانت ترى من كناية في ذاك. لم يكن الزيت أسوداً ولا الماء عذب المنبع المشرقي.
فتنتها كانت أسر الضوء داخل هذا الصراع: كانت تحسب أن للسطح عمقاً، يميّزه عن الشاشة وعن المرآة.
آه كم كان الانتقام رهيباً.
لقد هرست عجلات عربات التلفزة أداء جنيفر، ساحقة احتمال "صورة" تتشبث بمادتها ولا تعدوها، إذ لا تلتقطها كاميرا.
ما ليس يغرق في دفق الصور الموهومة وسيلها غير المنقطع يوأد حلماً.
ـ لم يقدنا اسفلت الطرقات الطويلة إلى أي صحراء. فقط أوصلنا إلى أرحامٍ مغبرّة تنتظر نطف البنائين.
في الانتظار، ليس من لحنٍ عابرٍ أهتزّ من باطني غلافاً لصداه.
ـ متحف 2: ليس كافياً أن يضم مكتبة أو يأوي حلقة نقاش للمشهود لهم، كي يخرج عن وصفه مستودع معاهدات الثقة والأمان، ومثوى الأعمال المعقّمة. كان لا بد إذاً من تقديم ما يفرّ منه... ما يحمله العابرون في حافظاتهم أو أيديهم... ما يقفز منه كالآملين بالنجاة من سفينة تغرق...
ـ كثيراً ما ردد صديقي دهشته لضآلة ما أنتجته جهود مثلثة أنفقت فيها أشهر طوال. لكنها تبدو إستراتيجية المجموعة، وإن غير صريحة: وحده ما لا يكلف حمله عبءً يستطيع حمله من ليس لهم إلا شبه وطنٍ لبناني يذرعونه بإلحاح، وهم في مكانهم، ككرات تكرج على سطح زلق.
ـ حين يتخفف الوطن من كل المشترك، ينبجس سؤال لم يكن ليخطر من قبل: هل يظل من الوطن سوى قطعة البسيطة هذه؟ هل هي سره الدفين؟
لا تسأل المدينة ـ الإمارة نفسها مثل هذا السؤال، فهي في حلٍّ منه ما دامت أرضها لا تنفصم لحظة عن مكنوزها. أما لبنان فيسأل، لأنه بات يبحث عن ملجأ أخير لكينونته، عن مبرر أخير للوجود.
في لبنان المحتلّ جواً وجوفاً، نتحصن بالثرى ونأوي إلى وجه البسيطة عله يعصمنا.
• باريس
ـ سبق لباريس أن طردت زجاج معابرها التجارية القديمة إلى ضاحية رجال الأعمال، أو رصفته هرماً يحاصره اللوفر. لكنها الآن تستعد لتستقبله في قلبها، في محور أسواقها، بساطاً يقي الأشجار والراقدين تحتها ماء السماء الدافق. باريس القرن الحادي والعشرين تعدنا بما يجاوز مرايانا، وتحلم بسماء خضراء.
ـ نادراً ما يفتح الباريسيون نوافذهم، أو يعرضون دواخلهم. لا عيون في جدران هذه المدينة، التي ترد إليك كرة أسرارك باستمرار.
ـ باستمرار، تتوسع مساحة باريس المحاصرة داخل جدار طريقها الدائري المقفل. لكنها لا تتمدد كبقعة زيت، بل كأخطبوط يمد أذرعه، شبكات المترو والقطار السريع، ليقطف قرى ومدناً راسخة عريقة. كل مقصد جديد فتح لا غزوة، وكل قطار يحمل الغنيمة: عشاق وآمال وعمال ورفاق.
ـ هي مدينة السينما. لا فقط لأنها اخترعتها، أو لأن ثلاثمائة فيلم تعبر شاشاتها كل أسبوع، ولا فقط لأن آلاف الأفلام تغلغلت في ثناياها وطواياها. هي مدينة السينما لأنها أصلاً أول من أثبت بالصورة القاطعة طابعها الشبحي. مدينة المعابر البانورامية، التي تصل ولا تصل... تماماً كالعين.
ـ تساعدنا باريس على تحديد تعريفٍ مثلث للمدينة:
إنها المتعددة الأسطح والطبقات، مركز شبكةٍ تجمع مواطن كثيرة في درع واحدة، وهي التي لا تنفك تبتلع مدافنها.
ـ يشتكي الكثيرون هنا من سقف السماء الواطئ الرمادي. يحتفلون حين تخترقه الشمس بنصالها، لتتلألأ على أمواج السين. لا أحد، على حد علمي، يأسى لغياب الأفق والشفق.
توهمنا المدينة، بشوارعها الطويلة، أننا لا نحيا في فقاعة، بل في المغامرة.
ـ ليست نجمة بعيدة ما يلوح بين الابتسامة والورق الصقيل للمجلة. إنها فقط رعشة المرآة الأليفة.
ـ يزعم ميرلو ـ بونتي أن كون الجسد مرئياً يمنعني من النظر أمامي كالنظر إلى مشهد سينمائي. أنا الرائي المرئي في حسبانه. لا عجب أنه كتب هذا الكتاب في الريف. ها هنا، لست مرئياً، ولا أكاد أرى لكثيرة ما تتقاذفني العمارات المرصوفة متواليات.
ـ يروي الصديق عن مدن مفتونة بشاشات البلازما، فتنة قبائل قديمة بأنواع من السمك أو من الفراشات، تجمع بين الرقة والعرض، مثل موسيقى شرقية قديمة نلجأ إليها بحراً نغرق في حنانه.
الفردية تحت شمس الرقابة
نشرت في موقع الأوان
تعقيب على تعقيبين أو ثلاثة:
الفردية تحت شمس رقابة ناقصة
على صفحة هذا الموقع، نقاشات ثرية سواء بين ياسين الحاج صالح وصالح بشير وبلال خبيز، أو بين ياسين الحاج صالح وأبي يعرب المرزوقي، ولئن كان موضوع المثقف والفردية طاغياً في النقاش الأول، في حين تناول الثاني تمريناً ذهنياً اقترحه الحاج صالح حول بناء الدولة على أساس العلمانية أو الأحكام الإسلامية، فإنني أحسب أن هنالك جذراً مشتركاً متقاطعاً في النقاشين، ينطلق من التصور الذي يعتمده كل منهم للتكوين المجتمعي، فئات أم أفراد.
لحسن الحظ، تغني روابط الانترنت عن التلخيص، إلا أن العادات الذهنية تفرض على الكاتب بعضاً منه بالحد الأدنى الذي يغفل بالتالي الكثير من الأفكار. يمكن إذاً التذكير بأن الحاج صالح اقترح علاقة تشطر الدولة كي تتضمن في داخلها اقليماً ذاتي الحكم، إسلامياً إذا كانت الدولة علمانية أو بالعكس. ورأى في نهاية تمرينه أن الناس سيفرون من المنطقة الإسلامية إلى المنطقة العلمانية فرار الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية. وهو ما رد عليه أبو يعرب المرزوقي مستشهداً بآية من القرآن تفيد بأن لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً، ولا يمنع من تطبيق شرعات ومناهج مختلفة متفاوتة في الوقت عينه على شعب واحد. طبعاً يظل أن نفهم كيف يكون الظالمون من لا يحكمون بما أنزل الله! إلا إن كان ما أنزله ليس موحداً!
ما يعنينا من النقاش هو ملاحظة أن رهان الحاج صالح قائم على افتراض فردية في أشخاص "الهاربين"، لأنهم يهربون أفراداً، لا جماعات، بحثاً عن حرياتهم وراحتهم، وهو ما لا يثير في الأعم الأغلب حركات شعبية كبرى، لا سيما إذا كان مقصودها الفرار!
بالمقابل، لا ينظر أبو يعرب المرزوقي إلى "الشعب" إلا مكوناً من فئات، تكاد تتقطع سبل الانتقال ما بينها، إلا إن يكن "هداية" إلى الدين القويم الذي عليه الفئة الناجية. وهو حين يقول بتعدد الشرائع والمناهج المطبقة لا يترك للأفراد حرية اختيارها، بل ربما لا يعدو الإشارة إلى قواعد الذمية موسعة لتشمل العلمانيين!
أي أن الخلاف قبل أن يكون مسألة تنافر التعددية في الأحكام على شعب واحد، أو إمكانية تزامنها، هو خلاف في النظرة إلى هذا الشعب بوصفه مكوناً من ذرات أولى هي أفراد لدى أحدهما، وجماعات لدى الآخر. وكما أن تغيير الفرد لانتمائه لا ينزع عنه هذه الصفة، فإن الجماعة لا يمكن ايضاً أن تتغير جوهراً لأنها ليست إلا كناية عن جوهر يتجاوزها ولا يطاله التغيير، ذاك أنه ليس إلا فكرة مجردة.
في هذا الإطار أيضاً ينبغي فهم الالتباس في نقاشهما حول الحرية. إذ لم يزعم الحاج صالح أن الدولة العلمانية هي دولة الحرية المطلقة كما فهم المرزوقي الذي قرر، محقاً، بأن الدولة الدينية مثل الدولة العلمانية تغصان بالتقنينات والتشريعات الملزمة. لكن الفارق الذي يجعل من دولة العلمانية موئلاً للحرية يكمن في أن الحد من الحريات نابع من اختيارات "دنيوية" أو "شعبية" أو حتى "سلطوية"، يمكن تغييرها وتحريكها إن لم يكن هنالك من قبول بها، أما الدولة الدينية فتدعي خلود قواعدها واستقرارها إلى أبد الآبدين شاء من شاء وغُسِل دماغ من أبى إلى أن يقبل أو يموت. لكن تغيير تشريعات الدول الديمقراطية العلمانية، أو فرضها، ينطلقان أساساً من مصالح أفراد معينين ولو انضووا في مجموعات ضغط.
هذا يقودنا إلى النقاش الثاني، أي بين بشير والحاج صالح وخبيز، ومحوره العميق هو فكرة الفردية وإمكان إنتاج أفراد حقاً في المجتمعات. فما دامت الديمقراطية العلمانية في حاجة إلى تكوين مجموعات ضغط فهل يعني ذلك أننا مجدداً أمام نظرة تقسم المجتمع إلى فئات أو طوائف (حتى بالمعنى اللاديني كطوائف الحرفيين)؟
نقرر أولاً ونقر بأن لا مجال لممارسة ديمقراطية من دون تنظيم يجمع الناس على أساس مصالحهم. غير أن الفارق الأساس بين هذه النظرة الديمقراطية وبين النظرة الدينية، حتى المتطورة وفقاً لرؤية المرزوقي، يكمن في تنوع مصالح كل فرد، فقد يكون شاباً وعاطلاً عن العمل ومثلياً ومحباً لاستهلاك سلع خارجية معينة ووريثاً منتظراً لثروة ودارساً للحقوق في آن واحد، فينتمي تالياً على الأقل إلى ست مجموعات ضغط مختلفة إذا ما أراد، ويكون معنياً على الأقل بمصالح ست فئات مختلفة متنوعة ولا تختزل رغم تعددها المجتمع كله. الفارق الثاني هو طبعاً في تغير المصالح، فقد يتحول الشاب كهلاً، ومن وريث إلى ثري، ومن مطالب بفتح نقابة الحقوق أمام الشبان إلى مطالب بإغلاق أبوابها حذراً من المنافسة... الخ. أي أن الانتماء إلى فئات موضوعية، وإلى جماعات ضغط متى شاء، هو انتماء مؤقت دائماً ومتغير حكماً، ومتعلق في مطلق الأحوال بظروف الفرد وأيضاً بخياراته.
ونلاحظ ثانياً ارتباط فكرة مجموعات الضغط بفكرة القانون. إذ أن هدف المجموعة هو تحقيق مطالب ملموسة، وهو ما يتطلب إسدال العباءة القانونية عليها لأنها العباءة الوحيدة التي يمكن للدولة تنفيذ رسومها وتطبيقها. لكن هنالك بعض التبسيط في الزعم بأن القانون، في لحظته الآنية، هو ما يفرض تقسيم الناس إلى مجموعات ضغط أو إلى فئات ذات مصالح موضوعية في لحظة معينة.
في الواقع، يتعامل القانون تعاملاً ثنائي الاتجاه مزدوجاً مع "المواطن". فالمواطنة مفهوم يتضمن فكرة العلاقة المباشرة بين الدولة والفرد، فسيادة الدولة تكون حصيلة سيادات المواطنين الذين هم في نهاية الأمر من حصّل أجزاء السيادة المتناثرة من رأس الحاكم الالهي المقطوعة، وليس العكس. كما أن القوام السياسي للدولة، في مفهومها الديمقراطي، لا ينبع من تحكم قوى الأمر الواقع بسلطة على الآخرين، بل ينبع من اختيار كل فرد، في معزل (حرفياً) عن كل آخر، لطرق السياسة وممثليه فيها. لكن المواطن الفرد في مواجهة آخرين لا يستطيع من دون الحشد والضغط ومجموعاته فرض رؤيته أو بعضها على التوجهات العامة لسياسة دولته.
بالمقابل، إذا كان القانون يتناول الفرد أيضاً بصفته فرداً في المجال الجزائي، حتى لدى تكوين شبكة جرمية إذ يحاكم أفرادها فرداً فرداً دون انتظار القبض على الجميع، فإنه، في المجالات الأخرى، يتوسط بينه وبين المواطن الفرد أجساماً اجتماعية، من مؤسسات وتنظيمات، يتناوله بواسطتها أو من خلال منظورها. من هنا تأتي نقابات الحرف والمهن، وتقسيمات الوظائف أو التجار والقطاعات. فما يطبق على المحامي، أي المنتمي إلى جسد اجتماعي هو النقابة، غير ما يطبق على المهندس أو الطبيب، المنتميان أيضاً إلى أجساد اجتماعية هي نقابتاهما، والحال الضريبية للتاجر مختلفة عن الصناعي أو الموظف... الخ.
قد يكون من السهل الرد على تأكيد خبيز بأن الفردية ليست إلا يوتوبيا الحداثة بالقول إن الانتماء القسري إلى مجموعات بات شديد الندرة، فهو يرتبط إما بالسخرة المسماة خدمة العلم أو التجنيد الإجباري، أو بحالات الكوارث التي تصنف المنكوب فوراً في خانة المنكوبين وجماعتهم. في ما عدا ذلك فإن الانتماء يحمل في طياته صفة الفردية وحرية الاختيار. لكن هذا الرد المستعجل لا يعفي من نقاش عمق الفكرة التي تحسب أن الفردية لا تكون إلا بغياب الفرد عن شاشة كل سلطة مراقبة. لمثل هذا القول نتيجة تؤكد استحالة أن يكون أي مثقف فرداً، لأن المثقف من حيث اختصاصه في أيما حقل يخضع لتقاليد هذا الحقل واختبارات الدخول إليه والفوز بصفة الاختصاص فيه.
في تعريف خبيز للفرد اقرار باستحالة فعلية، وليس حتى بإمكانية نظرية، وإن تحول المرء إلى طيف كسالنجر الذي لا يزال حتماً يدفع الضرائب، لقيام أي فرد وأي فردية. لكن التعريف نفسه يمكن قلبه. الفردية لا تكون إلا بحضور المرء على شاشة السلطة المراقبة، شريطة أن تكون السلطة هذه واحدة من كثر، وأن يحضر المرء على شاشات أخرى أيضاً ويغيب عن غيرها.
المقصود أن تعدد الأجسام الاجتماعية، ولكل منها سلطة رقابتها، لا ينبغي أن يغطي كامل مساحة المجتمع. هنالك دوماً فائض في حسابات الديمقراطية، والتعامل مع هذا الفائض هو في الواقع ما يحدد ديمقراطية السلطة أو شموليتها.
النموذج اللبناني مثال لدولة تدعي الديمقراطية والانتخابات، لكنها شمولية العمق، رغم ضعفها عن تطبيق نزعاتها الشمولية. ذلك أنها حين تقسم الشعب إلى فئات تسع عشرة لا تترك فائضاً، أي أن خريطتها بحجم البلد نفسه، بحسب قصة بورخيس. الدولة الدينية أيضاً لا يسعها إلا أن تكون دولة دون فائض في داخلها، يخلخل الموازين ويدفع دائماً نحو نتائج غير محسوبة سلفاً.
أي إن تجزيء الحداثة نفس المرء، على ما أشار صالح بشير، إنما هو في الصلب من ارتباط الحرية بالديمقراطية، فلا تستنفد الثانية نفسه في الأجسام الاجتماعية التي ترسمها، ولا يستنفد هوى أو معتقد حريته، كما لا يستنفد اختصاص في مجال معين وصفه أو حركته.
إذا كانت معجزة الإغريق تكمن في التنافس بين أحرار، على حد قول دولوز، فإن هذا التنافس كان موزعاً على مجالات شديدة التنوع، ما بين السياسة والمعارف والخطابة والفنون والعشق، بحيث كان الحر من لا يكره على مزاولتها جميعاً. وربما كان المثقف الذي نحلم بأن يوجد في ظهرانينا مثيله هو تحديداً ذاك الذي يختار مجالات صمته.
samedi 5 janvier 2008
أسطورة في حارة: نجيب محفوظ
الجمالية...
سير حثيث بحثاً عن أسماء، هي تلك التي خلّدها الراحل العظيم في كتاباته: بين القصرين، زقاق المدق، الخرنفش، السكرية...
منها ما تعثر عليه ومنها ما لا يظل سوى صوتاً هاتفاً، لكن ما تراه على أي حال لا يداني حلمك. الجمالية، حيث ولد محفوظ، حارات لا تشبه حارات السينما المصرية ولا حارات الروايات، مجرد تتابع غير مفهوم لطرقات ومبانٍ حديثة (نسبياً) في شبكة متاهة مقفلة. أما خان الخليلي فتكدس طويل وممل لمحلات بيع التذكارات والمجوهرات.
لكن القاهرة المعزّيّة، كما يسميها محفوظ للدلالة على الحدود الفاطمية القديمة للمدينة وأبوابها التي لا يزال بعضها شاهد عظمتها، تنفتح أمامك على حين غرة وحين لا تتوقع، يكفي أن تنعطف دون انتباه خارج مسير السياح، أن تدلف من عطفة تحت قنطرة واطئة لتتفتح لك عوالم أخرى، وترى ذلك العجوز القاعد في "محله"، الذي يوازي مساحة نصيب الفرد من زنزانة في سجن عربي، وتفكر إن لك يكن الرجل الذي يصنع أكياس الخيش منذ عشرات السنين، وربما مئاتها، أحد شخوص قاهرة محفوظ، وإن كان محله الضيق قد شهد سهرات الأنس والتحشيش كالتي تصفها الروايات...
يكفي أن تنعطف من شارع الأزهر إلى سوق الغورية وما يليها في الخيامية أو الدرب الأحمر، أو تختار الدخول من السوق إلى خوش قدم أو حوش آدم، حارة الشيخ إمام، لتنتبه أن الشيخ ونجيّه الفاجومي هما أيضاً من شخوص روايات محفوظ حين يدخلان في أسطورة الحارات التي تعيش حياةً شبه مقفلةٍ على ذاتها في ظلال الباطنية القريبة وإشارات الزمن البطيء وأحجار الجوزة "المخصوصة" وأصداء المآذن المملوكية والفاطمية التي تلف أسحار الحارات المتجاورة...
يكفي أن تزور بيت زينب خاتون في ما وراء الجامع الأزهر، أو أن تسيل في دفق أصحاب الجلابيب البيض في مولد الحسين، حول مسجده، وتسمع "ردح" النسوة لشبانٍ مرتبكين خجلاً حين تتماسّ جماعة من النساء الساعيات حول المسجد بزرافات الرجال الباحثين بين السرادقات عن مجلس طريقتهم وتواشيحها، أو أن تستبشر تهاليلك بالزوايا الصغيرة بأعلامها الخضراء اللون على حدود حارة الدرب الأصفر، قبل أن تأوي إلى هدوء بيت السحيمي حيث تتخيل فيه أحداث روايات محفوظ وتفهم على ضوء هندسته غير المفهومة هندسة بيت سي السيد، لتدرك أنك أنت أيضاً دخلت في أسطورة القاهرة المعزية وسحرها، ودخلت في عالم روايات نادراً ما أتممتها، وأن أمثالك هم التتمة التي كتبها محفوظ، دون تكلف، وهو بين عالمي النوم واليقظة الأبديين، ولتنتبه فجأةً أن محفوظ خلق أسطورتين، أسطورة القاهرة المعزية التي أدرجك فيها، وأسطورته هو، بقهواته وقعداته وقفشاته، التي تشكل فضاء قاهرة القرن العشرين، وأنه آخر الأساطير في مدينة باتت "مصرَ"، وبات كل حي فيها مدينة مستقلة بفضائها وناسها وحكاياتها.
السينما مدخلاً
لكن المرء يتساءل إن كانت الكتابة هي من صنع فضاء الأسطورة. لغة محفوظ اليوم تبدو بعيدة، كلغة لبنانيي القرن التاسع عشر، تكفي مقارنتها بلغة توفيق الحكيم أو مارون عبود ليتبدى أنها أكثر كلاسيكية من مجايليها. لغة جافة إلى حدّ ما ومستهلكة اليوم (أنظر في مطلع ميرامار: نفثة السحاب البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع).
حتى أن نجيب محفوظ، الروائي، لا يتورع في كتابة حواراته، عن إجراء جملة من قبيل "لن يلم الله شعثك على رجل" (في زقاق المدق) على لسان امرأة أمية تتسابّ مع ابنتها بالتبني، وهو أحياناً حين يريد التخلي عن القديم الممجوج يجاور في الجملة الواحدة بين "الكونصول" و"البلابيع" قبل أن يعود إلى "الخوان" (بين القصرين)، في قلق بيّن الدلالة على قلق العربية نفسها حيال أسماء العالم، على ما أوضح أحمد بيضون. غير أن محفوظ هو أيضاً مسيرة تطور بديع (ومؤسف الخاتمة!) للغة ولبناء الرواية ولإيحاءاتها الفنية، من بداياته التي لا تكاد تتخفى فيها اهتماماته الدعوية أو الوطنية (على طريقة ثورة 1919) إلى نصوص أكثر جرأة على الصعيد الفني، وآخرها أحلامه.
والحق أن الدخول في الأسطورة التي صاغها محفوظ يبدو مرتبطاً أكثر بوسيط آخر هو السينما، التي ساهم محفوظ أيضاً في صياغة فضاءها المصري، بكتابة السيناريو أو بمناصبه الرسمية كما بالاقتباسات التي أجريت عن رواياته، وهو نفسه يبدو أحياناً حين يكتب، وفي بعض أفضل نصوصه، وكأنه يكتب للصورة وليس للغة، التي تظل وسيطاً جامداً لديه، ومن غيره يجرؤ أن يقول لقارئه : "فأحمد عاكف ـ كما ترى ـ كان يوماً ما جذاباً" (خان الخليلي). كما ترى؟! لا يكتب محفوظ كتاباً (وسنعود إلى هذا) بل "روايات"، وعلينا ألا ننسى أن الرواية في مصر، بخاصة مطلع القرن العشرين، تعني... "المسرحية"! وهو لا يخاطب مخيلة القارئ، بل يخاطب عينه مباشرة، كما لو أنه يتمنى أن تمحى الكلمات، كي لا تبقى بين العين واللوحة مسافة لوسيط، لا يبدو أن محفوظ تجاوز انتصابه كتلة بينه وبين القارئ إلى اعتباره أفق للمرء، بحسب بارت.
تكاد الروايات تكون متعبة لو لم تسبقها مشاهدة المسلسلات والأفلام، وهي المشاهدة التي نكتشفها طويلاً قبل أن تتملك أغلبنا لذة القراءة، وهي أيضاً التي تقود أشواقنا في الطواف في القاهرة العظيمة. كما أن هذه المشاهدة المسبقة تسمح لنا بالدخول مباشرة إلى فضاء محفوظ الخاص، وإلى عالمه الروائي، بدل التيه أحياناً أو الملل مما يبدو "مواعظ" الحكيم ("موضع الحب من نفوسنا هو مهبط الخلق والإبداع والتجديد. ولذلك خلق الله الإنسان محباً وترك مهمة تعمير الوجود أمانة في رعاية الحب" من زقاق المدق)، وهذه القراءة تنجي من قراءة سائدة في النقد العربي عموماً، والمصري خصوصاً، لأعمال محفوظ، ولم ينج منها الأديب الكبير نفسه أحياناً، تفترض أن الرواية عمل فلسفي، وليس عملاً مرتبطاً بالمجتمع ووجوده وفرادة شخوصه، وتقرؤها على أنها كناية دوماً عن نظرية شبه فلسفية أو سياسية مقنعة. ولئن كان محفوظ نفسه كتب بعض الروايات على هذا النهج (رحلات ابن فطومة مثلاً) إلا أن قراءة "أولاد حارتنا" بها تنفي عن الرواية كل قيمة أدبية، ناهيك عن أنها قادت إلى محاولة اغتياله.
بين "الرواية" و"الكتاب"
من المؤسف أن يغيب عنا نجيب محفوظ، ومن المؤسف أكثر أن يأتي ذلك في اليوم عينه الذي نقرأ فيه عن قضية "المفكر الإسلامي" حسن حنفي، وعودة أشباح التكفير إلى مصر. ومما يزيد بعد في الأسى أن نتذكر أن محفوظ قبل طويلاً بسلطة الأزهر على روايته "أولاد حارتنا" (لا ننسين أنه نفسه كان رقيباً على المصنفات الفنية في فترة من حياته)، وهو حين قبل بنشرها بعد طول امتناع اشترط تقديمها بمقالة للـ"مفكر الإسلامي" د. كمال أبو المجد، لك يخرج فيها هذا الأخير عن ذكر حوار دار بينه وبين محفوظ، مؤداه، من جهة، أن محفوظ يشدد على "الإسلام والعلم" كدعامتين لأي مشروع عربي جديد، وجديد الحديث هو التمييز الخطير الذي يجريه محفوظ، بحسب د. أبو المجد، بين "الرواية" و"الكتاب". فالرواية، على ما جاء في هذه المقالة ـ الحوار، "تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال"، ونموذجها هو... "كليلة ودمنة". أما الكتاب فيفترض أن فيه الحقيقة وعلى أساسها يحاسب الكاتب. على أن المتحاورين يغفلون أن محاولة اغتيال محفوظ كانت تماماً بسبب القراءة الرمزية للكتاب، وليس محاسبة له على تزييف حقائق التاريخ!
الأخطر في الموضوع هو تلخيص المحاورين معاً للكتاب ـ القضية إلى موقف يريد الكاتب إيصاله للقراء، (وهذه نظرة صحافية وليست أدبية للنص)، حيث يصير "الجبلاوي" رمزاً للدين، و"عرفة" رمزاً للعلم، ويكتشف الناس حاجتهم إلى الأول رغم إغراءات الثاني، لأن العلم بغير الدين تحول إلى أداة شر. فتغيب فضاءات الرواية وشخوصها وبنائها لعوالمها الخاصة لمصلحة رواية رأي، فحواها أن فلان = علم وعلتان = دين، وتجري المعادلة ذهنية بحتة باردة. والحق أيضاً أن كتابة محفوظ اتبعت هذه النظرة إلى الرواية، بوصفها إعلاناً موارباً لموقف، في عدد قليل من الروايات، لكن أغلب إنتاجه كان أثرى بما لا يقاس من هذا الإفقار، الذي ربما لجأ إليه مضطراً بين إلزامات السياسة وإكراه الموجات الدينية التي لم تعفّ عن الاعتداء على الرجل الكبير في جسده.
زمن مصر
كان في نتاج محفوظ دوماً نوع من الكلاسيكية المتأنية، التي تشابه في تؤدتها طبيعة الزمن المصري الحريص على ألا يختلّ بغتة أو تسبقه الأحداث، فهو دوماً يمتصها ويلجمها ويعيدها إلى مسارٍ بطيء ريثما تختمر ظروفها بحسب تقديرات هذا الزمن نفسه. ولهذا مثلاً نفهم أن يكون محفوظ هو أديب مصر الأكبر في القرن العشرين، وليس توفيق الحكيم مثلاً، الباريسي النكهة، والقلق المزاج رغم ما يحكى عن تنسكه ونظراته شبه الفلسفية. فالحكيم أصرح في التعبير عن مراده، سياسة واجتماعا وهو في هذه الأحول يقصر "الفن" على قالب يفرغ فيه مراده، دون كناية أو رمز تقريباً (كالحوارات مع العصا أو مع الحمار)، لكن حسه المسرحي العميق جعله لا يخطئ في كتابة الحوارات ومناسبة اللغة والمفردات لمن تجري على لسانه، كما أنه العربي الوحيد الذي كان معاصراً لزمنه، فجبران حين أتى باريس شاهد القرن السابق، في حين أن الحكيم عاصر الدادائية والسريالية ونظريات الفن الحديث وموجاته ما بين الحربين، فكتب وفي ذهنه بعض ما أفاد منها، وفي نفسه خصوصاً توق إلى زرع هذه الغرسات في الفن والأدب العربيين، وإن كانت بعض كتاباته وليدة هذه الرغبة دون عميق اقتناع بالمضمون. وإذا كات الحكيم حاول أن يهز الزمن العربي الراكد وأن يجدد في صيغه وقوالبه ونظراته، فإن محفوظ كان أشد خفراً وتكتماً، وربما كان هذا سبيله ليكون أعمق أثراً في مصر، وربما في العالم العربي.
إذا كان في قدرة الزمن المصري سابقاً أن يجمع الريادة إلى التأني والتجديد إلى الكلاسيكية، فإن المرء ليتساءل، خاصة مع عودة أشباح التكفير والمد الإسلامي السياسي والأصولي، عن قدرة مصر اليوم، لا على ولادة الموهوبين شأن كل الأوطان، على المحافظة على قامة مثل محفوظ، وعلى السمح لها بالوصول إلى التفوق وضمان الحياة والفرادة وتمهيد السبيل أمامها لنشر نتاجها.
ينبغي ربما التذكير أن ريادة مصر أتت أساساً من وضوح "صحنها" الإقليمي، بالمقارنة مع بلاد الشام، وتنوعها الثقافي الداخلي، وصدمة الإجتياح النابليوني الذي هزها وجعل بورجوازيتها تباشر بدايات المراكمة الرأسمالية، ثم كان الطموح الخديوي إلى مجاراة الآستانة وتحويل مصر إلى بلد أوروبي... الخ. أي أن الريادة المصرية كانت على الدوام النقيض من "الحلم" اللبناني، الصناعة لا الخدمات، وضوح الحدود لا ثقوبها الفاغرة، صدمة اجتياح نابليون بدل تعاون تجاري أسبق ووثيق مع إيطاليا أواخر عصر النهضة، تنوع داخلي ثقافي بدل انفتاح دائم ثقافياً على الخارج، السينما والمسلسل لا الفيديو كليب والأغنية القصيرة والخفيفة، الرواية الضخمة والملحمية لا الثورة الشعرية... الخ.
وإذا كان البعض يرى أن الثورة المصرية في 1952 بطموحها العربي والاشتراكي هي التي أوقفت مسيرة مصرية "صميمة" نحو التقدم، (وهو أمر مشكوك به على أي حال بالنظر إلى ما سبق 1952 بعشر سنوات و ما تلا انفتاح السادات)، فإن الأرجح القول أن ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية هو أن انقلاباً عالمياً في معايير الميزات والتفاضلات هو الذي حدث، وأن "الثورة" هي التي حفظت لمصر وهجاً كان استمرارها على "صميميتها" (ومعادلة صفر + صفر الشهيرة) ليفقدها إياه. وإذا كانت هذه هي معايير ما قبل الحرب العالمية الثانية التي سمحت لمصر بالريادة وإحداث ثورات كبيرة في عدد من المجالات الفكرية العربية (كل ثورة الموسيقى على المدرسة الخديوية جرت بين 1925 و 1935، الانطلاقة المصرفية والصناعية في الفترة عينها، بدايات الرواية المعاصرة، المسرح الغنائي ...الخ) فإننا لا نكاد نلمح إنجازاً ضخماً في هذا المجال بعد هذه الحرب، والاستثناء الوحيد والكبير هو بالطبع نجيب محفوظ الذي بلغ أوج عطائه بدءً من انتصاف الخمسينات، معتبراً أن الرواية هي شعر الأزمنة الحديثة، وبهذا كان سباقاً بعيد النظر.
لكن التساؤل ملح اليوم، حين يكون عم عبده داغر يعزف منذ عشرين عاماً للحيطان ذاتها في غرفته الصغيرة، بحسب ما يقول، إلى أن يكتشفه الأوروبيون، وحين يظل عازف شاب رائع وهائل القدرة على التجديد مثل حازم شاهين أسير الانتظار إلى أن تتكرم وسائل الإعلام والإنتاج بالخروج من تكرار الإيقاعات المصمّة، وحين يكون عشرات الموهوبين في الغناء والتمثيل والكتابة والفكر مسحوقين في ظل آلة إنتاج ضخمة وسوق استهلاكية ضخمة ترفض أي مذاق جديد لم يسبق للجماهير التي تقصفها هذه الآلات أن علكته واجترته وأدمنت مذاقه، هل تستطيع مصر أن تقدم هي بنفسها اكتشافاتها بدل انتظار الغرب، وأن تقيمهم علاماتٍ على زمنها المتجدد في عصر العولمة، كما سبق أن فعلت مع سلامة حجازي وعبد الوهاب ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وصلاح أبو سيف وغيرهم، وهل يكفي هروب العديد من هؤلاء الموهوبين والمعترضين إلى فضاء الإنترنت دليلاً على إدخالهم مصر في زمن جديد، أم أن ذلك لن يكون إلا مقدمةً لخروجهم المؤسف هم منها؟
وداع نجيب محفوظ هو وداع لحقبة دخلت في الأسطورة، ووداع لقدرة على التطور والاجتهاد في النظر والرأي وبناء النفس، وإن كان محفوظ يقدم نفسه على أنه وليد زواج الحضارة الفرعونية بالحضارة العربية، فإننا، مصريين ولبنانيين وعرباً، في أحوج ما يكون إلى من يعلنون أنهم أبناء زواج جديد لحضارات معاصرة ولأزمنة متداخلة النسيج، بحيث أن فك تداخلها، كما يحلم التائقون إلى صفاء ونقاء بلا حدود، لا يقود إلا إلى الموت أو الجنون وشقاق النفس.
jeudi 3 janvier 2008
الآنسة أم كلثوم
فادي العبد الله
ما بين "التعبير" و "التطريب" و "الغناء الطربيّ" و "الغناء" في صورة عامة، نلاحظ اختلاطاً في المفاهيم و قلقاً في المنظور الذي يسعنا منه تقييم حال الغناء و الموسيقى في أيامنا هذه. من أجل التمييز بين المعايير المختلفة لا بد من وضعها في سياقها الفني و التاريخي واستقراء ولاداتها و تشكّلاتها الأول، و هذا ما تسعى إليه هذه المقالة، متخذةً لها بؤرةً بحثيةً من فترة بدايات أم كلثوم، التي نحيي في هذه الأيام الذكرى الثانية والثلاثين لغيابها (في 3 شباط 1975). نهدف إذا إلى التدقيق في دورها البارز، والملتبس و المنسي، في صياغة وبلورة هذه العوامل على الوجه الذي نعرفه اليوم. في هذا المعنى فإن مساءلة وضع الموسيقى اليوم لا تنفصل عن مساءلة نظرتنا إليها و تاريخ تشكّل هذه النظرة، لذا فإن المساءلة تبدأ لا مناص من التدقيق في طبيعة قراءتنا لمن هي المطربة الأبرز في موسيقانا الغنائية: كيف نستمع أو، للدقة، نقرأ اليوم أم كلثوم؟
ثمة من يقرأ اليوم، كما بالأمس، أم كلثوم اكتمالاً ما بعده كمال، وطرباً لا يجاوزه آخر، وابتداعاً لم يسبقه أحد إلى مناهله. هكذا تعلو أم كلثوم عن النقد و عن التحليل معاً، فلا يطالها سوى التسبيح المرفوع إليها. و هكذا أيضاً تخلد أم كلثوم أيقونةً بلا وظيفة، لا نستعيدها إلا لماماً وفي صورها الأكثر شيوعاً و الأقل تطلباً لأي جهد منا، فتخلد صورةً وتمحى شيئاً فشيئاُ صوتاً ومشروعاً وجهداً وتاريخاً معاشاً لا أسطورياً. اللهم إلا أن تكون وظيفتها تحديداً التنزه عن كل عيب و شائبة. وإذ ذاك نفهم تشابه مفارقة الخلود والامحاء المشار إليها مع مفارقات العروبة و الوطنية و القومية و الإسلامية حيث أيضاً نرى ماضياً تُمَجَّد صورته و يمنع كل بحث في تفهم حقيقته و جهوده ومعاشه. مثل هذه القراءة، التي يصمها حازم صاغية عن حقٍ بالنرجسية، تنطلق من المماهاة بين صورة أم كلثوم و صورة الذات عن نفسها (سواء كانت هذه الذات مصرية أم عروبية أم مزيجاً من الإثنين)، فتتنزه أم كلثوم عن كل عيب كتنزه العروبة من كل شائبة أو وضر، و تزهو مصر بصوتها كالنتاج الأتم و الأكمل للمصرية الصميمة…الخ.
في مقابل التهويم النرجسي هذا يقدم حازم صاغية في "الهوى دون أهله" قراءة تسعى إلى نقض الأولى وفضحها، في "النص" الكلثومي ذاته، فيبحث صاغية فيه عن عناصر التطابق، العظامي والجنوني، بين المطربة والذات العربية، ساعياً من وراء ذلك إلى إثبات العلاقة بين الطرب عموماً وبين الصوفية، بين أم كلثوم والناصرية، وبين الكلثومية وتريّف الحياة العربية وانطواء عهد المدينة الكوزموبوليتية. في سبيل ذلك، يعتمد صاغية اعتماداً هائلاً على مضمون "بعض" النصوص التي أدتها أم كلثوم ( فيسقط مثلاً كل الأغاني الوطنية وكل أغاني المناسبات). ولكي يجيز لنفسه مثل هذا الاعتماد فإنه يفترض تقدم الكلام على اللحن في فن الطرب، و تماهي المطرب مع الكلمة، ثم تماهي المستمع في وحدةٍ حلولية مع المطرب، حيث أن الطرب "التكراري" بحسبه لا يترك للمستمع مسافة و استقلالاً عن الغناء تسمح له بالإعجاب الواعي والمقدّر، على خلاف ما يفترضه في الغناء الغربي. في مثل هذا الإطار يغدو من السهل إذن القول بغياب الدلالات وشيوع الكلام الإلهي واللا تاريخي في النص الكلثومي، و غياب السيرة الحقيقية لها، بالمقارنة مع بياف وبيلي هالليداي، و نصوصهما.
لكن أليس ما يفعله صاغية هو عين ما ينتقده؟ أي المماهاة بين أم كلثوم و صورة معينة سابقة التشكل عن الذات، بحيث لا يتم في ما بعد سوى اسقاط نقد الصورة في حالته (أو لا نقدها في حالة النرجسيين) على أم كلثوم نفسها.
هكذا يرى اكتمال الكلثومية في العهد الناصري في حين أنه هو نفسه يرصد تفكك النموذج الكلثومي في الفترة نفسها، و يحسب أن نظام توحيد الأذواق الناصري أيضاً ألغى إمكانية منافسة أم كلثوم، في حين أن ذلك قد تم في الواقع قبل عشرين عاماً على الأقل، منذ بدء الحفلات الشهرية في 1935 وحتى قبل ذلك بالنسبة الى "السمّيعة". و يستشهد بمقطع من "أهل الهوى" دليلاً على الليل الكلثومي، الليل الزمني و الدنيوي في مقابل الدين الصارم في النهار، ليل غياب الحبيب و حضور الحياة الحسية في مقابل خواء اللقاء معه، في حين أن المقطع التالي من الأغنية عينها ينقض مقولته. هكذا أيضاً يجري مقارنة مع مغنيات غربيات من خارج السياق الاجتماعي والفني المختلف. أما الإسقاط، غير المشروع، الأبرز فهو أن يرى في نجاح أم كلثوم دليلاً على انتصار الريف على المدينة الكوزموبوليتية، وهو ما يراه في المشروع الناصري و في الحياة العربية عموماً، في حين أن أم كلثوم باتت منذ منتصف الأربعينات على الأقل وحيدةً معزولةً في مشروعها، في ظلّ نهم عبد الوهاب و فريد الأطرش، وحتى السنباطي في غير كلثومياته، ثم عبد الحليم و ملحنيه لاحقاً ، للسامبا و الرومبا و الايقاعات و الآلات الغربية، وصولاً إلى أيامنا التي تضع أم كلثوم في خانة الذكريات المجيدة في حين تستمع إلى آخر المنقولات عن الفلامنكو و الآر أن بي معرّبةً! فلم لا يرى في ذلك انتصاراً لعبد الوهاب القاهري و للمدينة على الريف الذي لم تبقَ منه سوى امرأة وحيدة مهما بلغت قوتها في ساحة الغناء؟
والحق أننا لا نجادل في مدى دقة توصيف صاغية للسياق التاريخي العربي السياسي والاجتماعي في القرن العشرين، لكننا نرى أن قراءته ذلك في "النص" الكلثومي قراءة مغلوطة و مفخخة من الداخل بالعديد من التناقضات كما رأينا. ففيما عدا نقد كتاب سيرة أم كلثوم، و هم أغلبهم بلا شك مداحون أكثر منهم كتاباً مدققين، لا يسمح "الهوى دون أهله" بنقد الفن الكلثومي نفسه. نظن أن أساس التناقض في كتاب صاغية هو في اتخاذ "النص" دليلاً، و في قراءة عمل أم كلثوم انطلاقاً منه، بمعزل عن اللحن و عن سائر العوامل المتداخلة في انتاج الأغنية الكلثومية. في هذا المنظور، لا سيما افتراض المماهاة بين المغني و النص، و افتراض غياب المسافة الواعية بين المستمع وغناء الطرب "التكراري"، نلمح فكرة عن الطرب هي فكرتنا اليوم عنه، أي الطرب ما بعد أم كلثوم وعبد الوهاب، وهي فكرة تخلط أيضاً ما بين الطرب كنوع من أنواع الغناء وبين الغناء ككلّ كما ورثنا نموذجه (الذي بات اليوم شبه أوحد) من الفترة الحليمية و النجاتية والفيروزية. مثل هذا الاختلاط في النظرة لا بد أن يخلق اشكالاتٍ كثيرة في الرؤية إلى أم كلثوم و في محاولة قراءة جهدها و مشروعها، لا سيما جهد البدايات الذي لا يجوز إسقاط رؤية اليوم عليه دونما تدقيق، بل ينبغي أن نحاول وضعه في سياقه الأصلي. لذا نجد أن لا مناص من التفكر في مفهوم الطرب و أحوال أهل الغناء ما قبل أم كلثوم، تمهيداً لمحاولة تحليل بعض عناصر مشروعها و بداياته.
الطرب، و أهله
الطرب في لسان العرب و في الصحاح وفي مقاييس اللغة خفة تعتري المرء من سرور أو حزن. أما الطرب في الموسيقى العربية فهو في الحقيقة الخفة نفسها. خفة العازف أو المغني وخفة المستمع. لذا كان التطريب لغةً هو مدّ الصوت وتزيينه و كان الطرب بالتالي الإعجاب بهذا التزيين. يخطئ كثيراً من يظن أن الطرب "التكراري" يعمل وفق نفس نظام الزار أو الهارد روك، أو لطم عاشوراء، أي التكرار الإيقاعي العنيف الذي يسري في نفس المشارك فيه حتى الذهول و الغيبوبة عن النفس. مثل هذا الافتراض لا يشبه في شيء حقيقة الطرب. ففي نماذج الموشحات، وهي من أبدع إنجازات الموسيقى و أكثرها تطريباً، نجد إيقاعات بالغة الطول بحيث يعجز عن فهمها من لم يتخصص بها، مثل هذا الطول كفيل بأن يخلق تفاوتاً داخلياً في الإيقاع بحيث لا يسري، ظاهرياً، على الأقل، في شكل رتيبٍ متكرر، وهذا الطول يمنع التأثير البيولوجي لتكرار الإيقاع العنيف، ثم ماذا نقول عن طرب الموال حيث لا إيقاع مصاحباً أبداً؟ كما يخطئ من يحسب أن الطرب ينبع من تماهي المطرب مع نصه و من تماهي المستمع مع الإثنين. فنصوص الموشحات تكاد تكون أحياناً مستغلقة الفهم لغةً، و نصوص الأدوار القديمة بالغة السطحية إلى حد أن التماهي معها لا يغني المرء شيئاً ولا طرباً. ثم إن من المعروف المشهور أن من الآلات من هو كالعود سلطان الطرب، و الطرب للعازفين كثيراً ما يفوق الطرب للمغنين. بل إن سطوة اللغة في العربية هي تحديداً أحد أسباب تحريم الموسيقى و الغناء، و ضعف الموسيقى البحتة طويلاً و أحد أسباب غياب القصائد الكبرى عن الغناء، ذلك أن الموسيقى و اللحن بالغا القوة إلى حد أن كل كلام سيكون لهما تابعاً و مسحوقاً أمام مضاء الجملة اللحنية و تقطيعاتها، و كثيرة هي نماذج تقطيع الكلمة و تكرار أحرف أو مقاطع منها في الغناء القديم.
الطرب هو خفة اللحظة لا ثقل كثافة الفكرة. الطرب هو إعجاب المستمع بقدرة العازف أو المغني على تطويع آلته، وعلى قدرتهما على اللعب مع الإيقاع والزمن والتحايل عليه والإلتفاف على صرامته، وعلى قدرتهما على مفاجأته في الإنعطافات المقامية (التي تحدسها الأذن حتى غير المتخصصة) وما تستتبعه من اختلاف مفاجئ في "نكهة" الصوت أو النوتة، و هو أخيراً الإعجاب بالقدرة على الزخرفة و التنويع (لذا كان التكرار مطلوباً في البداية لترسيخ الهيكل الأساسي الذي سيتم التنويع عليه). في مطلق الأحوال، الطرب يتطلب انتباهاً عالياً، لا "ذوباناً و غياباً"، و استقلالية ناقدة للمستمع، و هو بهذا يتنافى كلياً مع التماهي مع المغني، إذ يتطلب من المغني أن يدهش سامعه في اللحظة، ومن هنا ارتباطه بالمسرح، لا أن يهدهده. الطرب دعوة مستمرة من المؤدي ومن المستمع ـ الذي ليس أبداً متلقياً سلبياً ـ إلى لعب ممتد إلى ما لا نهاية كالخطوط الهندسية المجردة للزخرفات العربية.
ذلك لا يعني أن التعبير لم يدخل من بعد كقيمة في الموسيقى العربية لكنه دخل كقيمة مختلفة عن الطرب، قد تضاف إليه أحياناً (في أدوار سيد درويش مثلاً) و قد تستقل عنه (في الكثير من أعمال القصبجي مثلاً)، إلا أنها ليست جزءً من عناصره الأصلية. ومن الملاحظ في هذا الإطار أن المشايخ من أهل الغناء، بحكم نشأتهم في تجويد القرآن وتصوير معانيه، كما حلم بذلك مثلاً الشيخ سيد درويش، أكثر اهتماماً بالكلمة و تعبيرها من المطربين ممن لم يتمشيخوا، و هذا بادٍ مثلاً بالمقارنة بين ألحان المشايخ، وألحان عبده الحمولي ومحمد عثمان وداود حسني مثلاً. كما أن هذا الإختلاف يتضاعف في حالة المطربات ما قبل أم كلثوم، العوالم، اللواتي كونّ ذوقاً خاصاً يعتمد على خفة الطقطوقة وإيحاءاتها، وابتعدن غالباً، لضعف ثقافتهن اللغوية و الموسيقية، عن الأدوار والموشحات، باستثناء قلائل مثل منيرة المهدية التي سجلت بضعة أدوار، و التي يروى أنها كانت تغني الطقطوقة فحسب في "الحريم"، و تغني الطقطوقة و الدور أمام الرجال. في هذا السياق شكل سيد درويش جسر انتقال فعلي من قرن الحمولي و عثمان إلى القرن العشرين. ليس هنا بالطبع المجال لتفصيل الجوانب الثرية في عمل وثورة سيد درويش، لكن تنبغي الإشارة بإيجاز إلى ثورته في مجالي الأغنية الوطنية و الأغنية المسرحية، في حين أن المسرح الغنائي قبله كان أغنيات منفصلة تقريباً تغنى أثناء عرض المسرحية. وفي المجالين كان التركيز على الكلمة و تعبيرها أساسياً، أياً يكن القالب المعتمد، و كذلك التعبير عن جو المشهد و طبيعة الشخصيات و انتماءاتهم و لهجاتهم. بالطبع أغلب كلمات أغاني سيد درويش المرتبطة بهذا اللهجات غير مفهومة للمستمع العادي اليوم، كما أن الجانب الإجتماعي من مشروعه انتهى تماماً مع موته، غير أن رشاقة الجملة التي فرضها و قيامها بذاتها منذ تلحينها و بمعزل عن الصوت الفردي ـ وهذا أيضاً أثر من ضرورات المسرح ـ وتخففها من ضرورة اللجوء إلى الزخرفة لملئها، كل ذلك عوامل أصبحت مؤسسة لطريقة التلحين مذذاك، مثلها مثل الاستدخال الواسع للتعبير، والرغبة في التفاعل مع الموسيقى الغربية وليس تجاهلها. في هذا الإطار الذي رسمناه سريعاً يمكن فهم الخصوصية الكلثومية التي سمحت لها بفرض مشروعٍ مغاير عن السابق على الغناء، منذ بدايتها و صعودها القاهري السريع.
الشيخة أم كلثوم
كنا فكرنا في "الآنسة أم كلثوم" عنواناً لهذا اللقاء، تدليلاً على رغبتنا في البحث في بدايات أم كلثوم. ثم لاحظنا أن عدداً من التسجيلات القديمة يبدأ بتعريف "الست أم كلثوم" التي لم تكن تبلغ الخامسة و العشرين. يروى أن سبب هذه الغرابة هو رغبة منيرة المهدية بالإنفراد بلقب "الأسطى" و بحرمان أم كلثوم منه مما جعل الشركة تسعى إلى لقبٍ آخر. ثم بالتنقيب أكثر عثرنا في كتاب نعمات فؤاد على لقبين أقدم بعد، يعودان للفترة التي كانت أم كلثوم فيها لا تزال في قريتها طماي الزهايرة، و هما بارزان خطياً في مراسلاتها: "مقرئة السيرة النبوية الشريفة"، و قبله "الشيخة أم كلثوم".
الشيخة أم كلثوم ابنة الشيخ ابرهيم البلتاجي، منشد المدائح النبوية، مغايرة إذن تكويناً ونشأةً عن العوالم، إذ أنها بدأت على غرار المشايخ، الذكور حصرياً، في حضن القراءة القرآنية و الغناء الفصيح الذكوري، قبل أن تتم مع أبو العلا محمد ثم صبري النجريدي والقصبجي تمرسها في الغناء الدنيوي من أدوار و طقاطيق وقصائد. فسبق وصول أم كلثوم إلى القاهرة حصولها على تنشئة و ثقافة لم تكن متاحة لمنافساتها من الإناث، مما جعلها تصبح، وبسرعة فائقة، الصوت الذي يحمل مشاريع الفنانين الطموحين في حين اكتفت الأخريات بتكرار ما يعرفونه، من الطقاطيق خصوصاً.
هكذا كانت الشيخة أم كلثوم تغني في البداية أغاني الذكور، الأصعب و الأكثر تطلباُ، وكان هذا متناسباً مع حضور عائلتها حولها و طبيعة جمهورها الرئيسي آنذاك، أي شبكة الوجهاء الريفيين و أذواقهم المتقشفة نسبة إلى "الخلاعة و الدلاعة" القاهرية (وهذا عنوان أغنية غنتها أم كلثوم و لاقت سخط مستمعيها). من المفيد بالطبع الإشارة إلى أن هؤلاء الوجهاء المحليين هم أنفسهم من سيشكل حلقة الإتصال التي ستؤمن لأم كلثوم علاقة بالأرستقراطية القاهرية، إلا أنها على خلاف عبد الوهاب القاهري ستتصل بالأرستقراطية ذات الجذور والإرتباطات الريفية القوية، لا سيما آل عبد الرازق، و من الطبيعي القول بأن هذه الجذور وهذه الإرتباطات تركت أثراً واضحاً على ذوق هذه الشريحة، التي شكلت دعامة رئيسية لحضور أم كلثوم في القاهرة، فتشكل هذا الذوق من رغبة في التحديث والتطوير تحدياً للمحتل، و على ترسيخ معطيات التراث المحلي تحدياً له أيضاً، و على تقشفٍ و تعففٍ و رصانةٍ بالغة الأهمية لدى أناس مثل علي عبد الرازق و إخوته. هذه العلاقات مع نمطٍ معين من الأرستقراطية شكلت عامل تطور أيضاً في ذوق أم كلثوم وحضورها في المسرح و في الحياة العامة، كمثل دور شوقي في تكوين عبد الوهاب. وهذا ما سمح لها بعد سنتين فقط من وصولها إلى القاهرة بأن تمتلك جمهورها و بلاطها، و حضوراً طاغياً في الحفلات الحية، ونوعاً من أناقةٍ محافظة لم تتخل عنها يوماً.
السنوات القاهرية الأولى
السؤال الذي تطرحه، بدقة، فيرجينيا دانيلسون في "صوت مصر" هو عن كيفية تقاطع ثقافة نخبة مع الغناء الريفي الكلثومي في بداياته. إلا أن ذلك يتوضح بالتأكيد متى انتبهنا إلى اشتراك الاثنين في ثقافة موسيقية دينية واحدة، من القرآن و المدائح. حتى بإزاء العامة، ورغم بعض المساومات و التنازلات التي قدمتها تحت ضغط شريحة من الجمهور، إلا أن أم كلثوم في النهاية نجحت أيضاً في استغلال هذه القاعدة الثقافية واللغوية المشتركة مع العامة أيضاً في سبيل إنجاح غناء القصائد، لا سيما الدينية. من بين هذه التسويات بالطبع غناء أم كلثوم لآخرين أكثر شهرة منها آنذاك، إلا أن ذلك سمح لها أيضاً، لمحاسن الصدف، بِلِقاء من سيصنعان لها وفي فترة قصيرة صاعقة الانقلاب الأخطر في غناءها و في أسس الغناء كما نعرفه اليوم، أي أحمد رامي الذي قابلها بعد أن غنت قصيدته من ألحان أبو العلا محمد "الصب تفضحه عيونه"، ومحمد القصبجي الذي قابلها بعد أن غنت، دون إذنه، لحنه لنعيمة المصرية "قال ايه حلف ما يكلمنيش".
في 1926 على ما يروى كان التغيير الكبير في غناء أم كلثوم بمصاحبة التخت بدل الإنشاد بمصاحبة عائلتها وهو ما كان تسبب لها في انتقادات كثيرة، وصاحب ذلك تغيير في المظهر و في العناية بالحضور على المسرح، وفي التفكير الموسيقي الذي بدأ محمد القصبجي يخطط له مستفيداً من رومنطيقية رامي وموضوعاته. في تلك الفترة أيضاً بدأت أم كلثوم تقوّي علاقتها بأصحاب النفوذ والمشاريع، وتفرض شروطها على الشركات المنتجة للأسطوانات وعلى متعهدي الحفلات وكانت أم كلثوم في تلك الفترة أيضاً حريصة على أن تنال أعلى الأجور عن أسطواناتها مقارنة بمنافساتها ومنافسيها، منيرة المهدية وفتحية أحمد وعبد الوهاب، معتبرة ذلك دليلاً على كونها الأولى بينهم ما دامت الأولى في الأجر.
والحق إن انتشار أم كلثوم و نجاح اسطواناتها يعود لأسباب متعددة، منها إنشاؤها لشبكة ريفية من المستمعين الذين غنت في مناسباتهم و أفراحهم والمتباهين بأسطوانة تخرج للفتاة التي غنت صغيرة في دارهم، ومنها الأسعار المخفضة التي بيعت بها أسطواناتها الأولى كي تتمكن من المنافسة، ومنها ابتداء انخفاض أسعار الغرامافونات في تلك الفترة بعد أن كانت حكراً فقط على الوجهاء. بالإضافة بالطبع إلى صوت أم كلثوم و جديدها المتناسب مع حاجة ذلك الزمن إلى جديدٍ يجمع ما يعتبر أصيلاً أو صميماً مع التطوير والانضباط الضروري في التحديث. وفي الواقع فإن انهيار المسرح في أواخر العشرينات، وتلازم ذلك مع الأزمة الاقتصادية، أنهى هيمنة منيرة المهدية على الغناء الأنثوي، بعد منافسة قاسيةٍ مع أم كلثوم، التي لم تعمل في المسرح الغنائي أبداً، أما فتحية أحمد فقد انحصرت في لونها مفتخرة بالتأثيرات الشامية والتركية في غناءها مما حد من قدرتها على الانتشار وإن حفظ لها معجبيها. هكذا باتت أم كلثوم بلا منازع تقريباً منذ مطلع الثلاثينات، وهي الفترة التي بطل فيها ظهور منافسات لأم كلثوم، سوى المرور الخاطف لأسمهان، وبدأ فيها ظهور ما يسميه كمال النجمي بأمهات كلثوم، أي المتشبهات بها أو بجزءٍ من تكوينها وسماتها، وتكرست أم كلثوم مذذاك مدرسةً في الغناء لا مناص لكل مطربة من بعدها أن تتهذب بذوقها و تتمرس بتقنياتها كي تعد من المطربات. شيئاً فشيئاً اختزلت أم كلثوم الطرب إلى مدرستها حتى تنبأ عبد الوهاب بانقراضه بعدها وهو ما لم يبخل الزمان بإثبات صحته.
أم كلثوم و أسس الغناء كما نعرفه اليوم
ثمة افتراض بالغ الشيوع والخطأ في القول بأن أبو العلا و سيد درويش ثم القصبجي خلصوا الغناء العربي من عجمته في حين أنهم في الواقع تفاعلوا مع زمنهم وتأثيراته (كالحضور الكبير للموسيقى الكلاسيكية و للأوبرا في القاهرة آنذاك) و قدموا جديداً نحسبه اليوم جوهراً. ليس من عودة إلى الخلف إذن، إلى نقاء مفترض، بل إضافة وتأسيس جديد. في هذا، يشكل عمل الشيخ أبو العلا محمد، أستاذ أم كلثوم، الخطوة الأولى في تطوير القصيدة. فرغم إلقائه كل بيت منفرداً، إلا أنه كان حريصاً على متانة البنيان العام و على وحدة المناخ الموسيقي في العمل، وكما أشرنا من قبل فإن تكوينه المشايخي يجعله يستدخل عنصر تصوير المعنى أو جوه في اللحن. وإن كان الدكتور صبري النجريدي، ملحن أم كلثوم الخاص الأول، مجرد مقلدٍ بارع في القصائد، إلا أن عمله في المونولوجات (الحب كان) و الطقاطيق (الفل و الياسمين و الورد) كان أيضاً أساسياً في شهرة أم كلثوم في البداية. هذه الخطوة الأولى في القصائد ستشكل الأساس الذي سيبني عليه السنباطي، الذي كان شغوفاً (كما يبدو من مقالٍ لخيري بشارة عنه) بمقارنة اللحن بالبنيان و العمارة، قصائده اللاحقة، بعد نحو عشرين عاماً على وفاة أبي العلا، في عودة نحو ضرب من الرصانة والإيقاعات العريضة والجمل الدرامية، بعدما كان عبد الوهاب قد انتقل بين 1928 و 1933 في سنواتٍ تعد على أصابع اليد الواحدة من "يا جارة الوادي" إلى "جفنه علّم الغزل".
بموازاة تطوير عبد الوهاب لقالب الموال الذي لم تغنه أم كلثوم (باستثناء نموذجين لا يشيع فيهما جو الموال فعلاً)، ساهمت أم كلثوم في تطوير القصبجي لقالب المونولوج المعروف قبله، ولكن الذي لم يكتسب خصوصيته إلا معه. فالمونولوج الكلثومي، مستوحى من الآريا الأوبرالية، دون التخلي عن نمط الغناء العربي المثقل بالزخرفة الصوتية المتوالية. وقد أضاف القصبجي، المتضلع من الموسيقى الشرقية و المطلع على الغربية، نفحةً دراميةً تنسجم مع رومنطيقية رامي الموروثة من فرنسا القرن التاسع عشر. هذا المزيج سمح للمونولوج بأن يحقق نجاحاتٍ خيالية (إن كنت أسامح) لكن إجهاده المتواصل للمطرب و للمستمع، ثمّ تغير نمط ووسائط غناء أم كلثوم لاحقاً أنهى هذا القالب تقريباً الذي كان قد تمكّن قبل ذلك من إنهاء هيمنة الدور كالشكل الأكثر تطوراً و علماً (كما يقال الموسيقى العالمة)، على الرغم أن أم كلثوم كانت غنت ما بين 1930 إلى 1932 عشرة أدوار لداود حسني وأن أدوارها الجميلة مع زكريا أحمد لاقت نجاحاً إلا أن هذه الأدوار التسع تناثرت على سنواتٍ تسع أيضاً ما بين 1931 و 1939.
لزكريا أحمد أيضاً كان الفضل في تطوير قالب الطقطوقة، بالتنويع في الألحان والإيقاعات، بدل التكرار الرتيب للأغصان.كما كان لزكريا أيضاً الفضل في الحفاظ على نوعٍ من الأغنية الجماعية، والحوارية المرحة، المأخوذة من المسرح الدرويشي، وفي تطعيم السينما الكلثومية منذ أواسط الثلاثينات بها وبمرحها وإيقاعاتها العربية وجملها الخفيفة، بالتوازي مع جهود االقصبجي، وتلميذه آنذاك، و إن على سلاسة أكبر بلا منازع، السنباطي، في الأغنية السينمائية الأوبرالية وفي تطوير التخت إلى فرقة أوركسترالية بالتعاون مع الموزع، والمؤلف الموسيقي العائد من أوروبا، ابرهيم حجاج. يتساءل المرء لماذا تأخر تعاون أم كلثوم مع زكريا أحمد، إلى العام 1931، في حين أنه يعرفها منذ 1919 وكان صاحب اسهام كبير في التحضير لانتقالها إلى القاهرة، ويبدو لبعض المؤرخين أن السبب هو انغماس زكريا في المسرح الغنائي، مستكملاً إرث سيد درويش. فيكون انهيار المسرح مع الأزمة الاقتصادية وصعود الكباريه كصالةٍ تقدم عروضاً متنوعة لفنانين كثر في السهرة الواحدة، هو ما أتى بزكريا نحو أم كلثوم التي ستقدم معه أعمالاً هي من أجمل ما قدمت و أمتعه، و لكن هذا الانهيار هو أيضاً ما سيمحو كل أنواع الغناء سوى الغناء الفردي العاطفي، سيقطع من الإرث الدرويشي جانبه المصور للفئات الاجتماعية، ويأسر الغناء العربي في الأغنية الفردية، العاطفية غالباً.
في الفترة عينها كان للانتشار الكبير للأسطوانة، التي لم تكن مدتها تتجاوز دقائق معدودة، أثر كبير في تقنين الحرية الارتجالية للمطرب و للتخت، وفي دفع الأغنية القصيرة إلى البروز كالشكل الأهم في صناعة الموسيقى و اقتصادها، إلى حين تنبه أم كلثوم، بعد عشر سنوات من الغناء الحي المنقول على الإذاعة، إلى إمكانيات الإذاعة في التسجيل غير المحدود زمناً للأغنية، وتنبهها إلى طبيعة الحضور الكلثومي على المسرح و صورتها، في الأربعينات، كالمطربة الأفضل في التنويع و الزخرفة و الإعادة في مقاطع الأغنية، مما جعلها تتجه مع السنباطي و زكريا إلى الأغنية الطويلة. وهذا ما يجعل تطريبها مرتبطاً جداً بوقوفها على المسرح وعلاقتها بجمهورها. ويشير البعض هنا إلى أن توجه أم كلثوم نحو السنباطي وزكريا مرتبط بتغيير في الذوق العام ناتج عن الخيبة من آمال التطوير والعودة نحو هويةٍ انغلاقية مضادة للمستعمر وفنونه، وذلك منذ بداية الأربعينات إلا أن هذا القول في نظرنا لا يصمد للتدقيق، إذ أن أم كلثوم واصلت التعاون مع القصبجي، خلافاً للشائع، بعد "رق الحبيب" في أغاني الأفلام (فاطمة)، كما أن عبد الوهاب و فريد الأطرش كانا يحققان نجاحاتٍ كبيرة مستعملين إيقاعاتٍ و آلاتٍ غربية ومتنافسين في ادعاء السبق إليها، ومثل ذلك كان أيضاً في أساس نجاح عبد الحليم في الخمسينات. حتى ليلوح أن أم كلثوم في توجهها الجديد نحو زكريا والسنباطي كانت تبتعد عن الجو العام آنذاك لا بل تسير عكسه. النموذج الكلثومي هنا ليس المؤشر الأفضل إلى حراك المجتمع، وإن كان تمسك الناس وتمثلهم به دليلاً على صورة هذا المجتمع في عيون نفسه، لا على واقعه. لذا يلوح لنا أن سبب التوجه الكلثومي هذا يعود إلى أسبابٍ فنية في الأصل، هي سعي أم كلثوم إلى التفرد بلون لا يشبه الآخرين، وإلى التخفف من إجهاد تلحين القصبجي لها وللمستمع ومن ضبطه الصارم لها في أسر الشبكة اللحنية و التوزيع الأوركسترالي، ثم إلى رغبتها بالخروج من طراز أحمد رامي في الكلمات، وذلك في اتجاهين، الكلام المباشر والشعبي دون أن يكون شعبوياً مع بيرم التونسي، والشعر الفصيح قديماً و حديثاً ولكن بشروط قدرته على التأقلم مع غنائها على المسرح، أي أن تكون قادرة على التكرار والتقطيع والإعادة فيه، وهذه هي الشروط التي يبرر فيها صلاح جاهين أسباب ابتعاد أم كلثوم عن القصائد بالعامية لـ"والد الشعراء" فؤاد حداد. ويمكن القول، بعد أن كانت الأسطوانة قد أنهت مفهوم الوصلة المتتالية المقاطع (مقدمة آلية من المأثور و تقاسيم و ليالي و موشح ثم دور أو قصيدة) وفككته، أن الأغنية الطويلة شكلت عودة إلى وصلةٍ من طرازٍ جديد.
صاحب كل هذه الجهود، جهد مماثل في تهذيب الغناء، على طريقة أم كلثوم وبحسب ذوقها وأناقتها وحبها للقفلة، وفي تهذيب العزف. فبدل التمهيد الموسيقي بالدواليب والتقاسيم والسماعيات، أنجز القصبجي ورفاقه بدايات إدخال الموسيقى البحتة في نسيج الأغنية، سواءً في المقدمات، القصيرة في البدء قبل أن تطول في الأغاني المصنوعة للأمسية الكلثومية، وفي اللوازم الموسيقية بين الكلمات أو بين المقاطع المغناة. هذا التطوير، وضرورة ضبط زمن الأغنية في الأسطوانة القصيرة وكذلك عمل القصبجي وتفكيره في الانتقال بالتخت إلى الفرقة الأوركسترالية ومحاولاته الهارمونية والبوليفونية البارزة، أدى كل ذلك إلى تغيير في طريقة العزف نحو انضباط كبير و تضييق هامش الحرية الارتجالية للعازف وحصر، إن لم يكن انهاء، الرنين الهيتيروفوني الناتج عن هذه الحريات، ونحو توحيدٍ لأساليب العزف. كما كان لكل ذلك أيضاً أثر، يضاف إلى أثر الإعداد في المعاهد و حضور الموسيقى الغربية في القاهرة، في تغيير أبعاد بعض السلالم العربية البالغة الدقة وفي انقراض الكثير منها.
الطرب و الغناء بعد أم كلثوم و عبد الوهاب
ختاماً، نحسب أن الدلالات لا تُقْرأ إذن في "النص" المغنى، بخاصةٍ في ثقافةٍ مجبولة بالدين لطالما خافت من غياب النص في الموسيقى أو انسحاقه في مواجهتها، بل تقرأ في تطور العلاقات بين العوامل المختلفة، العلاقات بين الكلمة و اللحن، العلاقات الاقتصادية مع الشركات و الوكلاء، العلاقة مع التطور التقني واختلاف الوسائط الناقلة للعمل الفني... الخ. وهذا ما حاولنا بإيجاز الإشارة إليه في معرض هذا التفكر في الأعمال الأولى، التأسيسية، لأم كلثوم.
على الصعيد الفني، ربما يجوز الافتراض مع عبد الوهاب أن الطرب انتهى بعد أم كلثوم. ولكن للدقة فإن ما انتهى معها هو نمطٌ معين من الغناء (طرب بطيء، جمل و إيقاعات عريضة، تأتي هي لتصوغها، وذلك بالمقارنة مع الطرب الأسبق عليها حيث الزخرفة المتواصلة، و ضعف الجملة اللحنية مجردة من الصوت، وسيطرة الهنك و الرنك أي الترديد و الترجيع في الحوار مع الكورس... الخ)، ساهمت هي و ملحنوها في شكل رئيسي في تشكيله وفي احتلاله مكان الطرب القديم الذي كان صالح عبد الحي آخر المدافعين عن استمراره، والذي أصبح اليوم نوعاً من الفن المتحفي الذي تقدم فرق التراث أو بعض المطربين النادرين نسخة معدلة بالتأكيد عن صورته الأصلية. وبدوره انتهى الطرب الكلثومي أيضاً إلى نسخٍ معدلة و معدة للاستهلاك السريع في خواتيم الحفلات الراقصة، أو للتباهي في بعض المهرجانات. في مقابل ذلك لا يزال خصوصاً في الموسيقى البحتة وعازفيها، من يطرح صوراً متعددةً و متجددةً و حيةً نضيرةً للطرب والتطريب كالجزائري علا (بتشديد اللام) والمغربي سعيد الشرايبي والمصري عبده داغر، أمد الله في أعمارهم. لا يعني ذلك أن أحداً لا يحاول أن يغني الطرب الكلثومي بحسب قواعده، و لكنهم يكتفون بتكراره و لا يتكفلون باستمراره حياً أي فناً قابلاً بموارده على التجدد. هكذا بدا و كأن أم كلثوم كانت خاتمة المطربين بعد أن استجمعت ذوقاً وقدراتٍ كل موارد هذا الفن العظيم. أما النموذج الوهابي المعتمد على أناقة الجملة ورشاقتها فقد تطور في اكتماله الحليمي والنجاتي والفيروزي إلى ما نسميه اليوم التماهي وإلغاء المسافة بين الشاعر والمغني والمستمع، وهو ما يجد آخر معاقله في تشبث المطربين الذكور به وبرومانسيته في مقابل موجة عارضات الأزياء القادمات إلى غناء (أشبه بالصامت من شدة جهد مهندسي الصوت في إخفائه) بجمالٍ لا يوازيه في الإدهاش إلا قراءاتنا حول تطور الطب التجميلي ونجاحاته!