إنصاف الشيخ سيد درويش: اختراع الذات
(إلى أبي العلاء)
نشرت في ملحق النهار، مطلع آذار2008
في الذكرى السادسة عشرة بعد المائة (17 آذار 1892 على ما يقال)، ورغم مرور أكثر من ثمانين عاماً على وفاته، إلا أن الشيخ سيد درويش لا يزال يثير الاضطراب في النقاشات الموسيقية. ففي مقابل المديح الإعلامي والرسمي الجارف له، واعتباره أباً للتجديد والتحديث والموسيقى العربية في القرن العشرين، فإن بعض المعلقين والنقاشات الرصينة لا تتوانى أيضا عن تحميله مسؤولية ما آلت إليه أوضاع الموسيقى (وإن كان التحميل يتم أساساً على عاتق عبد الوهاب) أو أنها ترى في موسيقى الشيخ سيد قصوراً عن مجاراة الفطاحل سواء من سابقيه كمحمد عثمان أو من معاصريه كالقباني وداود حسني، دون أن تغفل الإشارة إلى ضعف صوته وعدم صموده للمقارنة أمام كبار المطربين كمثل عبد الحي حلمي ويوسف المنيلاوي وسواهم.
بين اعتبار سيد درويش فاتحة التعبيرية العربية ومخلص الغناء المصري من عجمته التركية، بعد الفتح الحمولي الأول، وبين الحكم عليه بتواضع نتاجه وغنائه في مقاييس الطرب الأصولي ومعايير الغناء الخديوي، كيف السبيل إلى إنصاف الرجل، دونما تقديس ودونما افتئات؟ المشكلة في هذا المجال لا تتعلق بمحبة شخصية أو عامة لهذا النتاج، إذ أن الشعبية والانتشار، على ما تشهد الأيام، ليسا المعيار الأوفى في الحكم. وراء حيرتنا في التعامل مع الشيخ سيد مشكلة تحديد المعايير التي ينبغي اعتمادها مقياساً للتقدير.
فبالإمكان التساؤل عن موسيقى سيد درويش بالمقارنة مع نمط الغناء المتقن السابق عليه والمعاصر له، أي نمط الغناء الذي قام به أمثال الحمولي وعثمان والمنيلاوي والشيخ علي محمود وحسني والقباني وسواهم. هل "أجاد" الشيخ سيد درويش بمقاييس هذه المدرسة؟ هل أضاف إليها جديداً من داخلها، مطوراً قوالبها ومضيفاً إلى مقاماتها؟ بهذه المقاييس يبدو نتاج سيد درويش أكثر تواضعاً مما تحمل عليه شهرته، فباستثناء الموشحات التي أجاد وأطرب فيها، كماً (رغم أن العدد ليس أكيداً أيضاً بالرغم من مئات المقالات والكتب عنه) ونوعاً، فإن أدواره العشرة (أو الأحد عشر في قول آخر) لا تغني البتة عن أدوار الحمولي وعثمان وحسني والقباني وغيرهم، أما القصائد فلم يصلنا منها شيء، وأما أغانيه المسرحية فلم يسر فيها على هدى الشيخ سلامة حجازي الذي جعل من قصائده الشهيرة عموداً راسخاً من أعمدة المسرح دون أن يخرج فيها عن الإطار الموسيقى العام لعهد النهضة الموسيقية التي يصفها الباحث فريدريك لاغرانج بالخديوية، ويسميها نداء أبو مراد بالفصحي. أما الطقاطيق والأغاني الخفيفة فليست ترسو عليها أسطورة، على ما نعلم، وهي، على جمالها، لا تداني طرب طقاطيق عبد الحي حلمي مثلاً.
هل نقيس نتاج الشيخ سيد بمعايير "ايديولوجية" غير موسيقية؟ لقد لحّن الشيخ أغنيات للطوائف والحرف والجاليات المتعددة في مصر الكوزموبوليتية آنذاك، وغنى للوطن ومصر وسعد زغلول منتقداً الخارج والاحتلال. لكن، ناهيك عن أن هذه الأسباب لا تجدي في الحكم موسيقياً على الرجل، وإلا لفاقته طائفة كبيرة من ممتدحي الأوطان وقادتها، فإن الاعتماد على الطابع "التقدمي" للرجل يحجب عنا اختلاط نتاجه (كما هي حالنا أيضاً مع نتاج ابن خلدون الفكري) ودعوته إلى الشعبوية والإكثار من الأولاد والانغلاق دون الخارج وبقاء المرء في دائرته القروية أو وسطه الاجتماعي المغلق وعدم الطموح إلى "بنات البندر" وامتداح العريس بماله... الخ. ثم إن امتداح تخليصه للغناء المصري من عجمة عثمانية وعودته به إلى أصالته لا يتوافق، من ناحية أخرى، مع رغبة الشيخ الواضحة في تلحين أغنيات تصور جاليات غير مصرية، ولا مع توجهه إلى إدخال آلات كالبيانو وتوزيع موسيقي غربي، حرمه قصر حياته من دراسته في إيطاليا.
هل يكون معيار الحكم على سيد درويش انتشار سمعته، بعد وفاته بعقود، انتشار النار في الهشيم (رغم أن أغانيه لاقت أيضاً انتشاراً واسعاً في زمنه)، والإجلال الذي كان يقول به تجاهه معظم الملحنين الذين تبعوه، كزكريا أحمد وعبد الوهاب والسنباطي وسيد مكاوي؟ ليس ذلك أكيداً بدوره. فاتجاه زكريا، باستثناء طقاطيقه المسرحية، ليس فعلاً متأثراً بسيد درويش، ولا السنباطي بطبيعة الحال، أما تغريبية محمد عبد الوهاب فهي تتلطى وراء "نوايا" سيد درويش المفترضة لا وراء نتاجه، في حين أن تبسيطيته أتت متأخرة، حين شاء منافسة فريد الأطرش ومن ثم الموجي والطويل وبليغ حمدي. بل لعل الأقرب إلى القول أن القصبجي كان أوسع تأثيراً في معاصريه من سيد درويش، فعبد الوهاب اتبع النهج الذي فرضه القصبجي من خلال أم كلثوم وتحويل "تختها" إلى فرقة وكتابة لوازم موسيقية ودمج الآريا الاوبرالية في الغناء الشرقي من خلال تطوير فكرة المونولوج... الخ، أما السنباطي، في بداياته، فكان شديد التقليد للقصبجي، وقد نقل عنه بليغ حمدي قوله: "يا ابني، احنا كلنا كنا القصبجي"، وإن كان يُفترض استثناء زكريا أحمد من هذا التعميم.
رغم كل ما سبق ذكره، لا يمكن إنكار أن أعمال الشيخ سيد درويش تلقى قبولاً واسعاً، حتى لدى متذوقي الموسيقى الخبراء، وسهولة في الاستماع إليها بخلاف الأعمال التراثية الأخرى الأقدم، ناهيك عن "خفة الدم" الاسكندرانية فيها وتنوع مناخاتها وأجوائها. لذا أحسب أن من الواجب التنبه إلى أمور ثلاثة، متفاوتة المجال والأهمية على ترابط في ما بينها، في شأن نتاج الشيخ سيد، ألا وهي الجملة الموسيقية الدرويشية، وتطور المسرح الغنائي إلى مجال السينما، واختراع الذات والأنا في الغناء.
فجملة الشيخ سيد درويش الموسيقية، حتى إذا ما غضضنا النظر عن علاقتها بالكلمات ذات الطابع المسرحي غالباً، تشكل ابتعاداً عن الجملة المطولة التقليدية في الطرب، مثلما تشكل مرحلة أعقد من الأغاني الفولكلورية الشعبية البسيطة. إنها تأليف غير مطوّل، ولا يتطلب، أغلب الأحيان، أصواتاً جبارة لأدائه حتى في الأدوار، وهي تنقسم غالباً إلى وحدات أصغر منها وتتفادى بشكل كبير عرض هذه الوحدات على السلم الموسيقي المستعمل، مفضلة التكرار الحرفي وتجاور الأجزاء المختلفة، الأمرين الذين يمنحان هذه الجملة حيوية لافتة وزخماً متجدداً. هذه الجملة، البعيدة مثلاً كل البعد عن جمل سلامة حجازي بعدها عن "شغل" حسني والقباني الزخرفي البديع الصنعة، باتت أساساً لجلّ ما أتى بعدها من جمل موسيقية، فكانت فاتحة لأفق استماعنا المعاصر. فكان من نتيجة ذلك أن استماعنا لما سبقها باتت يتطلب دربة واجتهاداً لتحصيل القدرة على تذوق سلس، وأن استماعنا لما تلاها يزيد من استساغتنا لها. هذه الجملة "الدرويشية" لا نجدها بالطبع عند القصبجي الرصين، ولا عند السنباطي في بداياته رغم سلاسته، ولا عند زكريا أحمد أو حتى عبد الوهاب حين كان يغني "جارة الوادي" والمووايل الطويلة. إلا أنها عادت بقوة لتشكل مرتكزاً عملياً ونظرياً لكتلة ضخمة من الغناء عند فريد الأطرش ومحمد فوزي، ثم محمود الشريف والموجي وغيرهم، مثلما عبرت أيضاً إلى الرحابنة وبعض الحلبيين (على فرادة مخيلة بكري الكردي). تزامن ذلك أيضاً مع ايديولوجيا التحديث التي تزعمها عبد الوهاب، ومن ثم مع الثورة الناصرية التي سمحت بإعادة تسليط الأضواء على أسطورة الموسيقي المجدد الميت شاباً والذي طمسه عهد الملكية لأسباب سياسية... الخ.
ارتبطت هذه الجملة وتشكلت على الأرجح في المزيج الاثني والحضاري والمتوسطي الذي كانته الاسكندرية، كما ارتبطت بشكل واسع بالتلحين المسرحي الذي قام به سيد درويش، وتحيداً بنظرته إلى المسرح والغناء فيه بوصف الغناء أيضاً "تمثيلاً" للحالة المقصودة ولهجاتها ومشاعرها، ويفترض به أن يكون صادق الوصف موحي الدلالة على الحرفة والطائفة واللكنة. ويمكن أيضاً متابعة هذا التوجه، حين انطفأ المسرح الغنائي المصري لتضاء صالات السينما بأنوار النجوم، مثل عبد الوهاب وليلى مراد، وأيضاً بأدوار ممثلي الصف الثاني وأعمدة الأفلام الراسخة، كاسماعيل ياسين ومحمود شكوكو وثريا حلمي وسواهم. صحيح أن المعطى الاجتماعي "التقدمي" التوجه قد خفت بشكل كبير، إلا أن تمايز ألحان الشخصيات ورشاقة الجملة الدرويشية ظلا ماثلين ومثالين لما ينبغي فعله في التلحين للسينما حتى في أغانيها العاطفية.
هذه الرشاقة المشار إليها، وعدم تطلب غالبية ألحان الشيخ سيد لأصوات قديرة، وسهولة تناولها وتنوع مواضيعها، تزامنت في الواقع مع بدايات حقيقة لتكوين الفرد في المجتمعات العربية في بداية القرن العشرين، الذي كان من دلائله العديدة بدء مسار سياسي وحياة حزبية مصرية، وترافق ذلك مع انتشار الصحافة وبداية ترسخ الرواية، وتخلخل الرسوخ الطبقي السابق، وانتشار الغراموفون أبعد من منازل الأثرياء، وازدياد النزوح نحو المدن... الخ. في هذا السياق، يمكن القول بأن الفرد الناشئ وجد في أغنيات الشيخ سيد درويش ما يتخطى الأغاني الشعبية الفولكلورية، مع السماح له في الوقت عينه بأن يؤديه بنفسه تعبيراً عن مرحه أو عن خلجات مشاعره. في هذا الإطار ربما يجب وضع "التعبيرية" لدى سيد درويش، الذي لا يعبر عن الكلمة بمرادف موسيقي لها (وإن صادف ذلك في "يا ساتر" في لحن الشيطان فإنما هو استثناء)، بل يسمح للفرد بأن يجد صوته الخاص المعبر عن أناه، سواء الوطنية أو العاشقة أو ذات الشجن. لقد طمس أداء أم كلثوم وعبد الوهاب الأول هذا الوجه من موسيقى سيد درويش، إلا أن ازدياد بحث الأفراد الناشئين عن أصواتهم، وتحول السينما أيضاً إلى مرآة يرغب الناظر برؤية نفسه فيها، أعاد بشكل خفي الاعتبار إلى التوجه الدرويشي. كما أن "مضمون" الاستماع الوهابي والكلثومي كان يبحث غالباً عن هذا التماهي مع المطرب، لا عن مسافة ضرورية للحكم عليه، من أجل تحويل المغني لساناً ناطقاً بحال السامع.
لقد نظّر نجل الشيخ سيد بمفعول رجعي لهذا الأمر حين اعتبر أن ادوار سيد درويش إنما تروي جزءاً من سيرته العاطفية (دونما اعتبار لتاريخ صدور هذه الأدوار أو تسجيلها). بهذا التوجه بات الشيخ سيد درويش الصورة الأولى الواضحة (بعد الصورة المشوشة لعبده الحمولي) لفكرة "المؤلف الموسيقي" من حيث كونه "شخصية فنية" ذات سيرة وليس حرفياً صاحب صنعة، مانحاً أيضاً المستمعين إمكانية أن تكون لهم سير وشخصيات تحتاج معبراً عنها ومتنفساً لذاتيتها من خلال التماهي معه وإمكانية توقيع الصوت الفردي على نتاجه.
يحسب للشيخ سيد أنه يلزمنا بطرح كل هذه التساؤلات وسواها، ويشكل بؤرة تتوجه إليها أنظار البحث في الوقت عينه الذي يشكل فاتحة لأفق وعهد جديد، ربما لم يكن ليتبناه شخصياً بحذافيره. إلا أن من المؤكد أن تقدير الشيخ سيد درويش والإنصاف فيه يتطلبان التنبه إلى عدم جواز الحكم عليه بمعايير ثابتة، سالفة أو لاحقة، بل يتطلبان التنبه إلى أنه عمل داخل إطار القوالب التقليدية الموروثة، فارضاً على هذا الإطار دوراً ومضموناً ووجهاً غير مسبوقين، في الوقت عينه الذي شكل فيه جسراً بين مرحلتين (على غرار لبنان جسراً بين عالمين)، الأمر الذي يحرمه من الانضواء بشكل كامل في احداهما. من بركات الشيخ، وهي لا تحصى، تنبيهنا إلى أن النسق الغنائي النهضوي لم يكن نسقاً مغلقاً، ولا ينبغي له أن يكونه، بل هو نسق حيوي قادر على التجدد وتطوير معاييره، وتنبيهنا في الوقت عينه إلى الثقل الرمزي والوطأة المادية حين تتحملهما قنطرة الجسر حتى لتكاد ملامحها تغيم تحتهما.
mercredi 21 mai 2008
انصاف الشيخ سيد درويش
منتديات الموسيقى
الموسيقى والانترنت
نشرت في جريدة الحال الفلسطينية
بات من الثابت أن اختراع الأسطوانة القديمة غيّر عميقاً في بنية الموسيقى الشرقية التي كانت تقوم على مبادئ التتابع المنظّم في القطع (كما المقام العراقي، والوصلة المصرية). ذلك أنه اضطر الموسيقيين والمطربين إلى ضبط أدائهم في حدود الأسطوانة زمناً، مما فكك عرى هذا التتابع وفرط وحدته، باستثناءات قليلة في بعض الأسطوانات الأكثر قدماً.
إلا أن الاسطوانة غيّرت بشكل أعمق ربما هذه البنية حين استدخلت شركات الانتاج في عملية توليد الموسيقى، فظهر الملحّن، بمفهومه الحديث، وظهرت حقوق الملكية التي تستغلها الشركات. أدى هذا، وكانت مصر سبّاقة في التعرف على هذا التحول، إلى زيادة منسوب عمل الملحن بالنسبة إلى المطرب، وتقليل مساحة الارتجال، وإلى احتكار بعض الشركات لهذا اللحن أو ذاك ومنعه من التداول وتضافر مخيلات المطربين المختلفين على اغنائه، مثلما كانت الحال في السابق. شيئاً فشيئاً، ظهرت أيضاً الفرق التي حلت محل التخت، وكان عازفوها باطراد من خريجي المعاهد الموسيقية التي استقرت على ضرب من التعليم يختلف عن التلقين بالمشافهة والمعايشة ومصاحبة أهل الفن.
يدل هذا على أن ليس بالإمكان فصل الموسيقى، كنتاج فني، عن عملية الانتاج نفسها، وما يرافقها من شروط مادية أو تعليمية أو قانونية. ونحن ربما على عتبة تغيير غير مسبوق، سواء في فهم الموسيقى أو في تعلمها والاثنان يسيران جنباً إلى جنب، في عصر الانترنت هذا. فمن محاسن هذا الاختراع أن بعض العرب رؤوا فيه مجالاً نادراً للاستفادة من تقنيات "التخزين الرقمي" من أجل الحفاظ على تراث منقرض وتبادله. إلا أن موضوع المنتديات الموسيقية، وهي كثيرة مبذولة مجاناً لمن يشاء، يتجاوز فكرة التخزين والأرشفة، إلى كونه أيضاً يسمح باخراج كنوز مستغلقة من خزائن الجامعين القدامى، ووضعها في متناول من يحب هذه الموسيقى، ويسمح بالتالي بقراءة أفضل لتطورها واجراء المقارنات الدقيقة بين الصيغ المختلفة أو الحفلات المتعددة التي شهدت أداء أغنية أو قالب ما. وإلى جانب الفهم الأصوب للموسيقى، تؤدي المنتديات والمواقع الموسيقية خدمة ضخمة في تعريف أبناء كل بلد عربي بتراث البلدان الأخرى، من المغرب إلى اليمن، بما يتضمنه من قوالب وايقاعات وأنغام، فضلاً عن تقريب كل هذا ايضاً من الموسيقى الايرانية والتركية وغيرها.
المنتديات إذاً أداة فهم ودراسة للدارسين، وأداة "تثقيف" لأذن المستمع وأصابع العازفين وأرواحهم، لمن يجدّ. فضلاً عن أنها، في الحالة الفلسطينية تحديداً، تسمح بتجاوز أسيجة الحدود المسننة، أو المناسبات العالمية المتباعدة، لتعرف الفلسطينيين بالعرب والعرب بالفلسطينيين ومدرسة عازفيهم البازغة، في مجال العود خصوصاً. لا شك أنه لا يزال من المبكر الحديث عن نجوم عبر الانترنت، كما بدأ يحصل في الغرب كما الصين، إلا أن التثاقف الذي يفرضه الانترنت لا شك سينتج أمزجة جديدة وموسيقيين أوسع اطلاعاً على مسيرة الموسيقى الشرقية وأرسخ قدماً في الدرب التي سيقطعونها في اغناء هذا الفن.
lundi 10 mars 2008
زياد الرحباني والأشباح
ملحق النهار، حزيران 2006
كشاش أشباح الأورينتال جاز وأرباع الصوت الدرويشية والرحبانية
في عدد صحيفة السفير، الصادر يوم الأربعاء 30 أيار، وفي حوار أجرته معه الزميلة العزيزة ضحى شمس، أتحفنا زياد عاصي الرحباني مجدداً بآرائه الكشكشية، نسبةً ربما إلى كشكش بيه (الشخصية التي لعبها طويلاً نجيب الريحاني)، أو ربما إلى لعبة الغميضة (cache-cache) التي يحلو له أن يلعبها أحياناُ مع محبيه من المستمعين، مستعيضاً عنهم بجمهور من القراء أحياناً.
الجديد في الحوار هو تطور أراء الرحباني الصغير في الموسيقى، حتى لتشابه آراء بعض الكتبة في الدستور اللبناني، وما أنزل الله به من سلطان من غير ذوي العيون الباصرة. فمن جملة ما قاله "أبو الزوز"، واستحال عنواناً للحوارـ النهر، أن ليس هنالك جاز شرقي ولا شيشاني، "وما نقدمه هو موسيقى كلاسيكية".
مثل كثيرين، كنا ننتظر أن يعود زياد الرحباني إلى رحابة الموسيقى، ومثل نسبة ربما تفوقهم كثرة كنا ننتظر أن ينسحب من مجال الوله الصحافي، "يا وله"، ضناً بوقته الثمين على أقل احتمال. فإذا بنا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وكالهارب من "الدلفة إلى تحت المزراب"، ويا له من مزراب يؤكد الرحباني في أحد زواريبه أنه "نفّر" منه انفاراً اتهموا بالجاز الشرقي، بسبب اصراره على هذه العبارة. وفي زاروب آخر يعلن عن اكتشافاته النسائية بالقول إنه أقنعهن، وهن الراطنات بالافرنجية، بأن يغنين "بالعربية" إذ اقترح عليهن أن يغنين "مثل الرحابنة وفيروز"، معتبراً أن ما أدى إلى شهرة هؤلاء هو ما لحنوه دون ربع صوت، "وهنا يلتقون (أي الرحابنة وفيروز) مع سيد درويش" (يا للطامة الكبرى!).
كنا نود لو نخصص هذه المساحة لنقد "شريط" الرحباني مع لطيفة، والذي بات موضع سخرية لابتذال وتناقض ورجعية (معاً؟!) نجمة أغنياته "بنص الجو"، حتى من دومينيك حوراني! ولا يخفى أن الشريط متفاوت المستوى جداً، وأن ما فيه من "شغل جميل" كان مصاغاً على قياس فيروز لا على قياس لطيفة. لكن خطورة ما يورده الموسيقار زياد الرحباني، في هذا الحوار، يستدعي إعادة ترتيب الأولويات، لئلا يتخذه البعض مرجعاً في الموسيقى، كما سبق أن اتخذوه في العيش والسياسة!
إذاً، ثلاث نقاط: الجاز الشيشاني والشرقي، وتقديم الرحباني الصغير لموسيقى كلاسيكية، وشهرة الرحابنة وسيد درويش القائمة على تغييب أرباع الصوت الشرقية!
لا شك أن أبا الزوز عليم بأن تسمية عمله بالجاز الشرقي، أو بكوز الرمان، ما كانت لتؤثر على استقباله ولا على متعتنا به، ولا شك أنه في الحوار يقصد أبعد من مجرد الاعتذار من توفيق فروخ واعادة الاعتبار إليه جازياً عالمياً. يقول زياد أن الجاز جاز ونقطة. وأن له الحق في المرور بكل الحضارات لأنه بني على خلطة من كل الحضارات. هل يعني هذا أن الجاز، أو الجاز ونقطة، لو لم يكن بني على "خلطة" من كل الحضارات لما جاز له المرور بها؟ ألا يحق له أن يتخذ صفات مختلفة، كالجاز الأبيض والجاز الأسود، أو أن تكون له أصول متفاوتة التسمية كالبلوز والراغتايم، أو فروع ذات "نكهات" مختلفة سواء أتت تسمياتها مناطقية، كالجاز اللاتيني بأنواعه، أو أتت التسمية بحسب أنماطها وتطوراتها مع تنوع العازفين واختلاف التقنيات والإمكانات كالسوينغ والبي بوب والفيوجين والأسيد والأسيدسوينغ وغيرها؟
ألا تعني ملاحظة زياد الرحباني أنه اضطر إلى "كتابة" تقاسيم لبعض عازفيه، أيام "الجاز الشرقي"، أن ما كان يطلبه لم يكن متوافراً من قبل؟ فلو كان يريد فقط أن يعزف "جاز" أبو نقطة لكان في وسعه أن يعثر على كميات من العازفين الجيدين، ولو كان يريد فقط أن "يقسّم" العواد معه كما يقسّم وراء صباح أو عبد الحي حلمي، لوجد أرتالاً. لكن ما يريده لم يكن مسبوقاً، لأنه كان تماماً نتاج دمج روحية الجاز وبعض هياكله مع جملة موسيقية مختلفة ذات نفس وبنية "شرقية". أفلا يستأهل هذا الوليد عمادة؟
هل نعمّده "سمكة" بحسب الطرفة التي كان مارون عبود يرويها بظرف لا يوازى؟ أم نعمده موسيقى "كلاسيكية"؟ وهل المقصود بالكلاسيكية هنا مصطلح الموسيقى الكلاسيكية الغربية الموضوعة تاريخاً ما بين الباروك والرومنطيقية؟ أم المقصود هو إتباع منهج وليد غلمية في عبارة "الموسيقى الكلاسيكية الشرق عربية" والتي تعني حصراً تقريباً الموسيقى المصرية واللبنانية منذ انطلاقة ثومة وعبد الوهاب إلى وفاة كوكب الشرق؟ في كلا الحالتين لا أثر للكلاسيكية، الغربية أو الشرق عربية، في نتاج الرحباني الجازي، فلعله إذا يقصد الموسيقى التي باتت في العبارة الشعبية كلاسيكية لأنها تعتمد الأوركسترا السنفونية؟ حتى في هذا، نتاج الرحباني ضئيل، كما أن الأوركسترا السنفونية لا تتسع لباص عبود السعدي في تعريفها. أما اعتبار كل ما يدخل البيانو في نسيجه موسيقى كلاسيكية فهو يتجاهل أن البيانو نفسه الذي يعزف عليه صاحبنا لا يشبه البيانو الكلاسيكي! فضلاً عن أن الكثير من كلاسيكيات الموسيقى لا بيانو فيه، والكثير من لا ـ كلاسيكياته، أياً كانت التسمية التي يريد، تضم البيانو. بالطبع، الكلام عن الموسيقى التراثية أو الفلكلورية أو الكلاسيكية بمعنى القديمة لا يغنينا شيئاً في هذا المقام، فلا يظل إذاً سوى تعريف مشهور، ونرجو ألا يكون المقصود، للأعمال الكلاسيكية، أي تلك التي لا أحد يعرفها لكن الجميع يتحدث عنها!
أخيراً، مسألة الرحابنة وسيد درويش. الرحباني الصغير أدرى بالتأكيد بتراث عاصي ومنصور وفيروز، أما أن يدعي أن شهرتهم قامت على غياب ربع الصوت، فمثير جداً للعجب، إذا تذكرنا تاريخهم منذ "وقف يا أسمر" إلى الموشحات المستعادة إلى الزجليات اللبنانية المسرحية التي شهرتهم على أساس أنهم يدخلون التراث في الحداثة، ناهيك طبعاً بدور فيلمون وهبي المظلوم دائماً مع آل الرحباني! أما الحديث عن سيد درويش فيغدو تزييفاً خالصاً لتاريخ الرجل الذي، وإن كان ثمن مبالغة بعض الشيء في تبجليه، لم يقصر في أغانيه المشهورة في استعمال أرباع الصوت، وتواسيعه كما في استعمال العشاق في دويتو "على قد الليل"، أو استعمال الأرباع إلى جانب البيانو في "البحر بيضحك والله" (مقام بيات)، أو في أدواره مثل "ضيعت مستقبل حياتي" (مقام شوري)، أو في موشحاته وأشهرها يا "شادي الألحان" (مقام راست)، أو حتى في طقاطيقه مثل "طلعت يا محلا نورها" (مقام جهاركاه وليس عجم كما قد يحسب البعض)، أو "اقرأ يا شيخ قفاعة" (من مقام العجم الذي يداخله الراست) أو حتى في خاتمة "الحلوة دي" (مقام حجاز) فضلاً عن "خفيف الروح بيتعاجب" (مقام حسيني) أو "سالمة يا سلامة" (مقام محير) ورائعته الشهيرة "أهو ده اللي صار" (في نسختها الأصلية المتأرجحة ما بين مقام المحير أيضاً وقفلة الكرد).
إذا كان صاحبنا يقصد أن ما سار واشتهر حتى طبق الآفاق، للشيخ سيد ولآل الرحباني، هو ما كان عزفه على البيانو ميسوراً، فلا شك في أن طول عشرته لهذه الآلة يكون قد أثر بعض الشيء على أحكامه التأريخية. أما إذا كان معيار شهرة الأغنية عنده هو غرام من لا تلين أوتارهن الصوتية لاصدار المقامات الشرقية، فإنه يكون يفترض لسيد درويش والرحابنة جمهوراً من الشقر زرق العيون حليبيي البشرة، على ما يحلو للأدبيات الإيرانية الاطناب في الوصف، ولا شك أن داليدا كانت ستشكل مغنية سيد درويش الأثيرة، وأن أجمل ألحان الرحابنة ستكون، في هذه الحالة، "كانوا يا حبيبي"!
نرجو لزياد الرحباني، ملحن "أنا عندي حنين" و"حبيتك تا نسيت النوم"، أن يقيم ما طابت له الإقامة بين "الكشاكش" (وقد خطر لي الآن معنى جديد لها) وبين "المزدوجات" والخطوط الحمر. ففي ما سبق أن قدمه لنا من "أغانٍ طربية" (أي أغان مطربة وإن لم تكن تتبع الطرب كنمط من الغناء)، ومن بدع "الموسيقى الكلاسيكية" ومحدثاتها، قدر من المتعة يكفي ليغفر له ما سبق من ذنبه وما تلا. ولا شك في أن الجمهور الذي يفد غزيراً إلى حفلاته لن يشعر بالغبن من جراء نزاع المصطلحات هذا. لكن جمهوراً آتياً سيفتقر بشدة إلى الآلات "الوترية الأفقية" (القانون والعود) التي يبشر حديث الموسيقار الرحباني باندثارها، بما انها تنهي احتمالات الشهرة للفنانين، وذلك لمصلحة وتريات "عمودية" (البيانو، مثلاً، إذا ما ظلت فيه أوتار
samedi 5 janvier 2008
علا وعوده

في مناسبة نادرة خرج عازف العود الجزائري المبدع عَلا (بتشديد اللام) من عزلته الباريسية ليقدم في مدينة النور أمسيةً ارتجالية في لو كافيه دو لا دانس.
عزلة علا الأسطورية منذ تركه للجزائر في مطلع التسعينات و غيابه المتواصل من ثم عن وطنه الأم تضاف إلى الحكايات الكثيرة الأشبه أيضاً بالأساطير التي تروى عنه في بيشار جنوب الجزائر قرب الصحراء التي يقول، كما كان المصري ادمون جابس ليقول أيضاً، أنه يحملها في قلبه.
من هذه الصحراء ورث علا صفاءً غريباً و نقاءً و تواضعاً جماً و كل ذلك لا ينفصل عن موسيقاه بل يشكل نسغها الأعمق. يجلس علا على وسادة صغيرة قريبة من الأرض ثم يحني رأسه و يضع أذنه على العود كمحب يسمع نبض قلب حبيبة نائمة، و من هنا يبدأ رحلته التي لا ينتهي فصلها الأول ثم الثاني إلا بوقوفه متألم الساق يعرج قليلاً، شأنه شأن المشايخ في القرن التاسع عشر و ما قبله حين كانوا يجتمعون في حلقاتٍ و يمسكون الإيقاع على أفخاذهم.
لا يستعرض علا عضلاته في التقنية و السرعة و إن كان يمتلك منها نصيبه حين يحتاج. لكنه بالمقابل ساحر الإحساس للمتلقي و للعازفين أيضاً حيث يمتلك ضربة ريشة شديدة التميز لا تخطؤها الأذن، بخاصة حين يخطف النوتات المتتالية بالأصابع و بضربات ريشة قليلة. كما أن الأنغام التي يهواها و الخالية غالباً من أرباع الصوت ـ و إن زارها أحياناً بخفة نادراً ما تعرفها ـ و تأثراته و هو في الصحراء العميقة بالموسيقى الأوروبية و البلوز و الغيتار غير الإسباني تضفي على تناوله المقامي و أبعاده (كما يتبدى لمن يلاحظ أوضاع أصابعه) و مفردات جمله نداوة غير مألوفة في موسيقانا.
و علا الكهل من القلائل القادرين في أيامنا على تقديم أمسية ارتجالية بالكامل، إلى جانب التونسي فوزي السايب، و سره الحقيقي في ذلك يتبدى منذ قعوده. فعلا يتبع نداء العود و لا يفرض عليه هيكلاً واعياً سابقاً على اللحظة. و هو إنما ينصت إلى صوت العود، عوده الخارق الذي صنعه بنفسه و الغني بأصوات و "هارمونيك" لا تنضب، و يسري معه بحثاً عن قبس صوت يلوح في بعيد الظن أو الوهم.
لهذا السبب قد يفتتح علا عزفه، أو يعود بعد أن يكون قد خلق مساحة من الصمت، بأن يقوم بمجموعة من الإئتلافات في حركة ريشةٍ دائرية لا تقول سوى البحث عن المنطقة الضائعة التي يبحث علا عن علاماتها ليقودنا إليها، كما يتنسم الدليل في الصحراء معالم الطريق المتقلبة بحسب الكثبان. و هو لهذا السبب أيضاً قد يلجأ إلى مفردات إيقاعية تمهيدية لا يلبث أن يطورها إلى تنويعات مرتجلة تنقل نبضه في هذا الآن.
فعود علا لا يقول فحسب النقاء و الصفاء الباهرين، بل يقول أيضاً أن الروح تائه يغذّ السير على نبضاتٍ متفاوتة، (و هذا النبض هو ما يفيض بسحر من عازف عود مصري شاب هو حازم شاهين، ألمع أبناء جيله اليوم). هكذا يتزاوج ارتجال علا مع لحظات روحه و حركاتها وجهةً و إيقاعاً. و تفاعل المستمع معه ينتج نوعاً مختلفاً من الطرب، ربما هو النشوة الساكنة التي تتوق إليها النفس.
ففي حين يرتكز الطرب كما نعرفه، لا سيما في صيغته المصرية، على أحد عمودين: الشجن الشجي كمسحة من الأسى الخفيف غير الحاد (كصوت محمد رفعت) ، و مرح اللعب مع المطرب في مفاجآته و ارتجالاته (اسمع مثلاً إطراب زكريا أحمد) لا سيما مفاجآت القفلة و النقلات المقامية، و في حين أنه بهذا لا يطال الفرح الحقيقي (و هو غير المرح اللعوب) و لا الحزن البالغ (و هو سوى الندب و النواح) كما في موسيقى البلقان مثلاً، نرى علا و هو يطال الفرح بيسرٍ مذهل و يقول النقاء بمثل ذلك من الصفاء، أما الحزن فيظل بعيداً و إمّا خالطت الدموع العيون أو تجمعت في الحنجرة فما ذلك إلا للحظات لا تطول، كقطرات ترتشفها الروح دون أن تستجدي بها تصفيق الآخرين و لا "اندماجهم".
أمسية علا حدث حقيقي يهز المنصت و يحمله إلى سكينته الخاصة أو إلى قلقه مروضاً لكنه حدث دون استعراض أو إبهار. حدث هادئ يعصف بالنفس دون أن يلوح أن ثمة أمراً فيها تزحزح من مطرحه، الحدث دائماً سابق على الإنتظار. لافتة و دقيقة جداً هي الكلمة الوحيدة التي تلفظ بها علا في الأمسية، في ختامها تحديداً، بعد إيابه من تجواله في ثنايا الروح، قال بالفرنسية: voilà (هُوَذا).
الرحابنة، لهجة موسيقية للبنان
تأسيس لهجة لبنانية في الغناء العربي
لا تكاد شمس العائلة الرحبانية تغرب عن لبنان، منذ اندلاع ثورة الأخوين في إذاعة الشرق الأدنى، مروراً بأجيال الأبناء المتنوعي المصادر. ولا يفتر اهتمام اللبنانيين بهم، ما بين مؤتمرات ومقالات، وكتب، ولا تزال كل حفلة لفيروز حدثاً في البلد. لا شك في أن الرحابنة يمتلكون أدوات التواصل الإعلامي وحسه، وأن إقلال فيروز من إطلالاتها ورصانتها يحفظان لها موقعاً وتقديراً لدى اللبنانيين. لكن المرء لا يستطيع إلا التساؤل عن سر هذه القدرة المميزة على الاستمرار في صلب الاهتمام الشعبي، في حين أن يوتوبيا الوطن الرحباني الأصلي قد تبددت نتفاً ممزقة في الحرب، والمسرح الغنائي، أي عملياً النتاج الرحباني الجديد، في طور احتضارٍ طويلٍ وممل، وفي حين أن ما يجتاح الأسماع والإذاعات اليوم لا يكاد يمت بصلة إلى الغناء العربي.
في هذا الإطار فإن ذكرى وفاة عاصي فرصة جديدة للتفكر في التجربة الرحبانية ككل. فالأسطورة اللبنانية تعطي لعاصي دور الفنان العميق والميتافيزيقي داخل المؤسسة الرحبانية، وتقصر منصور على "الصنعة"، وهو ما تكاد تثبته انتاجات منصور بعد وفاة أخيه، لولا أن الحكم نفسه ينطبق على ما سبق وفاة عاصي ولكن بعد الافتراق مسرحياً عن فيروز.
الصوت الفيروزي
يبدو إذن أن تجربة الأخوين رحباني كانت انتهت قبل وفاة الكبير عاصي، لارتباطها العضوي بالطرف الثالث في العادلة، أي الصوت الملهم والحامل للمشروع الرحباني، وهو أيضاً عين ما حدث للقصبجي حين ابتعدت عنه أم كلثوم وبعد وفاة أسمهان، وما حدث للسنباطي تقريباً في كل مرة لم يلحن فيها لأم كلثوم. هذا الكلام إن صح يستتبع ملاحظتين على الأقل، الأولى أن تفسير المعجزة الرحبانية ب"صوت فيروز، ولا حاجة لمزيد" (السبب الأول من أسباب أربعة يقدمها فواز طرابلسي في كتابه) تفسير يحتاج هو نفسه إلى تفسير طويل. فتذوقنا الجمالي لأصوات المطربين والمطربات يحتاج أيضاً إلى قراءته في سياقه التاريخي، الفني تحديداً، وليس إلى قراءته على ضوء مانشيتات صحف الحقبة، ولا بناءً على نظرة مسحورة ومبهورة بالعذوبة الفيروزية. ببساطة، من قال إن خامة صوت فيروز عذبة؟ وبأي معيار؟ وهل كانت فيروز لتصلح للغناء في عهد منيرة المهدية وقبل اختراع الميكروفون؟ أي بكلام آخر، إن افتراض قيام معايير طبيعية تسمح بالحكم على نتاج فني هو افتراض سحري النظرة إلى العالم، ويكتفي، خلف هذا الانبهار، بتكرار الكليشيهات والأفكار الرائجة في فترةٍ ما. لا مجال هنا للتوسع في هذا الجانب من تاريخ التذوق الفني للمدرسة الرومانسية العربية التي قد تبدأ من أم كلثوم القصبجية مروراً بفيروز ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ وسواهم، لكن الإشارة قد تكون ضرورية إلى استحالة تخيل استقبال الأذن للخامة الفيروزية لو لم تسبقها تجارب أسمهان وليلى مراد خصوصاً، هذا من جهة، ولو لم تكن فيروز الصوت الحامل لمشروعٍ فني متكامل هو مشروع الرحابنة، الذي يتطلب مغنية بحساسية مختلفة عن طاقات من سبقوها.
وحدة العمل الشامل
الملاحظة الثانية إن استحالة التمييز بين حصة منصور وحصة عاصي في عملهما المشترك ليست إلا دليلاً جديداً على وحدة هذا العمل العضوية وعلى فرادته في التاريخ العربي المعاصر. فالأخوان رحباني، وهم عملياً آخر المشاريع الموسيقية الكبرى في الوطن العربي، كانوا يطمحون دوماً إلى عمل فني شامل على الطريقة الفاغنرية، ومحوره بالطبع المسرح الغنائي، وفي درجة أقل السينما. إلا أن ذلك يتطلب تعبئة قدر كبير من الأدوات الفنية، وصهرها في وحدةٍ لا تنفصم، وفي هذا فإن كونهما أخوين لا شك ساهم في تحقيق هذا الإنصهار، وفي تقديم تجربة فريدة من حيث امتلاك كل هذه الأدوات معاً (الكتابة للغناء وللمسرح، والتلحين والتوزيع، والإخراج، والتواصل الإعلامي). وحدة العمل وسيطرتهم التامة عليه لا تسمح حتى بتقدير حصة الآخرين فيه، إن صح ما ذُكِر عن كتابة الماغوط لهم مثلاً، إنهم مسؤولون تماماً عن كل النتاج الذي قدموه في المسرحيات أو قدمته فيروز تحت إشرافهم، حتى من ألحان عبد الوهاب، سلباً وإيجاباً، فأثر توزيعهم مثلاً جليّ على طريقة تلحين عبد الوهاب في "سهار بعد سهار"، وأوضح حتى في "ضي القناديل" التي غناها عبد الحليم. أما السلبي فأبرزه ضيق المجال الذي سمحوا فيه بالتعاون ما بين صوت فيروز زالملحن اللبناني الأكثر احساساً بالروح الشرقية، أي في الوقت عينه الأكثر مرحاً، فيلمون وهبه الذي قدم بعض أجمل أغاني فيروز لناحية تطريبها، المشبع خفةً دون افتعال.
الأغنية أم المسرح؟
رغم بحثهم المتواصل عن العمل الفني الشامل، فإن ثمة قلقاً دائماً في استقبال الإنتاج الرحباني، وفي أولوية الأغنية أم المسرح فيه. ويعكس هذا القلق واللااستقرار شروخاً في الوحدة الرحبانية، فكثير من مشاهدي مسرحهم كانوا يذهبون ليسمعوا آخر الأغنيات، وإلى اليوم تبدو الأغاني هي المسموعة على نطاقٍ واسع، في حين يكاد يصبح كل استماع إلى المسرحيات استماعاً ايديولوجياً أو باحثاً عن أصداء اليوتوبيا اللبنانية فيها.
وينطبق هذا حتى على الأغاني المسرحية. فهي تنفصل بسهولة عن النسيج المسرحي وتقبل العيش منفردة مستقلة في وسط الأغاني الأخرى، باستثناء الـ"ردات" الزجلية. وهو ما يعكس خاصية أخرى من خواص العمل الرحباني هو أن مرجعية مسرحهم الغنائي ليست أعمال سيد درويش والمسرح الغنائي المصري في الربع الأول من القرن العشرين، بل هي سهرات الزجل، والشخصيات التي يلعبها الزجالون تبدو الأكثر تأثيراً في بناء شخوص المسرح الرحباني، لذا يغيب بُعْد تصوير الفئات والطبقات والمهن الحقيقية، أي احد جوانب ثورة سيد درويش الأهم. فلا بائعة البندورة بائعة خضار فعلاً ولا عامل المحطة يعرف شحم القطارات، بل هم رموز، محتواها الاجتماعي ليس مباشراً بل محصور باستعمالهم في العالم الرحباني المتخيل والمطهّر، العالم المنزوع الفتيل دائماً، ما منع التعبير القصصي الفعلي من خلال شخصيات حية، وأقصى التعبير عن العنف. حتى يكاد يكون المرجع الآخر للمسرح الرحباني هو مسرح كراكوز وعيواظ والدمى التي تحركها دوماً الأصابع من وراء الستار كي تقدم في النهاية حجج الخطاب المستتر المعلن.
في المقابل، تستطيع الموسيقى دوماً أن "تخربط" هذا الخطاب، كما كل خطاب، وأن تخرج عليه. وأن تجمع اللبنانيين، حتى في فترة الحرب، على ذائقةٍ لحنية كانت مستحيلةً قبل الخمسينات، لأسبابٍ عديدة أهمها ربما ريفية منطلقها الجبلي بالنسبة إلى المدن الساحلية المرتبطة موسيقياً كما سياسياً بحلب وبالقاهرة.
الموسيقى الرحبانية أيضاً تلوح الإرث الحقيقي المستمر لهذه المؤسسة، فالمسرحيون لا يرون في المسرح الرحباني مرجعاً، ولا السياسيون، إلا الأكثر سذاجة، يرون فيه تجسيداً لحلم أو لفكرة عن الوطن اللبناني.
تأخر الثورة الرحبانية
في إطار السياق الموسيقي العربي يمكن أن نلاحظ تأخر الثورة الرحبانية عشرين عاماً على الأقل عن الانقلابين الخطيرين الذين أحدثهما سيد درويش في البداية، ثم القصبجي وعبد الوهاب في الفترة ما بين 1928 إلى أواسط الثلاثينات. والذين فتحا أمام الموسيقيين العرب آفاق المقدمات الموسيقية البحتة، والتفاعل مع الموسيقى الأوروبية، واستخدام فرق كبيرة تحتاج إلى عملية توزيع موسيقي عالمٍ، تولاه في مصر أناس مثل ابرهيم حجاج وأنطوني رايدر. من دون هذه المقدمات، كان من الصعب للتجربة الرحبانية أن تلقى قبولاً واهتماماً من الناس.
أهمية الرحابنة إذن ليست افتتاحيةً، وإن كانوا قد أسسوا لخصوصية في التعامل مع هذه المعطيات والعناصر الموسيقية الجديدة على الذائقة العربية. كما أن أهميتهم ليست في الإشباع الطربي رغم قصر مدة الأغنية، على خلاف ما حسب عبد الوهاب يوماً. قصر الأغاني ليس معياراً، ففي مصر، وفي ظل الأسطوانة القديمة، أي ما قبل تسجيلات الإذاعة، تفككت الوصلة الغنائية وتتابعها الموروث وتركت وحداتها المكونة أغنيات قصيرة، طقاطيق أو قصائد أو مووايل، لا تكاد تتجاوز الست دقائق وهي تقريباً مدة المونولوج الكلثومي كما صاغه القصبجي في البداية، قبل حفلات أم كلثوم الشهرية.
تكوين الذائقة الجديدة
في المقابل، أدخل الرحابنة على الأغنية العربية جمالية شعرية لطالما ترددت حيالها المدرسة المصرية الأكثر محافظة والأقل عناية بالكلمة، باستثناء سيد درويش طبعاً. فالمقارنة بين أحمد رامي مثلاً وبين سعيد عقل تظهر كل الفارق في الرنة المتحررة من رصانة النمط التقليدي، وإن حافظت على أوزانه، كما تظهر الفارق في طبيعة العالم الرمزي الذي تحيل عليه مفردات وتشابيه عقل، في حين تظل رومنطيقية رامي مفتقرة إلى ثراء الألوان، وسرعة الضربات في بناء لوحته، وتظل أسيرة العشق العربي في صوره التقليدية. كما أن الرحابنة بالتعاون مع عدد من شعراء العامية اللبنانية نجحوا في تطعيم الكلام المغنى يالروح نفسها، وهو ما لم تستسغه المدرسة المصرية التي ابتعدت عن تجارب شعراء عاميتها الأهم، كفؤاد حداد، وبقيت في إطار "الصنعة" عينها مع حسين السيد مثلاً أو أحمد شفيق كامل، باستثناء تجربتين لافتتين ومقموعتين، الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، والشيخ سيد مكاوي في أعمال لم يصلنا سوى رأس جبل الجليد منها، أي الليلة الكبيرة والمسحراتي، مع حداد وصلاح جاهين.
اللافت في هذه المقارنة هو اهتمام المشايخ بتطور العامية المصرية، في حين كان "العلمانيون" أكثر تقليدية. والاهتمام الرحباني يوازي هنا، على صعيدي اللحن والكلمة، اهتمام المشايخ.
وربما يعود ذلك إلى اهتمامٍ رحباني بالموسيقى الدينية التي تولي أهميةً قصوى للكلام، وهم الوحيدون، على أي حال، الذين استطاعوا أن يقدموا فناً موسيقياً استوحى الكثير من قداسات وتراتيل ومدائح الكنائس المشرقية، خلافاً للمشاريع الموسيقية العربية المرتبطة عموماً بالتجويد. هذا التأثر البارز، شعراً ولحناً وتكويناً لصوت فيروز، بمصدر مختلف وثري، أضفى لهجة لحنية خاصة على أعمال الرحابنة، أبرز سماتها التقشف الزخرفي، والتواضع الخاشع للصوت الذي قلما يستعرض نجوميته وقدراته، خلافاً للتجويد الذي يقوم بدرجةٍ كبيرةٍ على استعراض تطريبي هائل وبديع. كما أن من سماتهم أيضاً التركيز على المقاطع لا على أحرف العلة في تكون الجملة اللحنية، كما هي الحال غالباً في الموسيقى الكنسية، وكذلك القلة النسبية في استعراض الوحدة الإيقاعية على درجات السلم الموسيقي، في ما يعرف بالتتابع، أو القيام بذلك ضمن نظام معقد يكسر عمداً التتابع، ونجد مثالاً على ذلك في "عصفورة الشجن".
في لاجدوى النقاشات المكرورة
من السمات اللحنية التي تثير دائماً النقاش حول الرحابنة، كما حول عبد الوهاب، هي العلاقة بالموسيقى الأوروبية. إنه السؤال المتكرر عن التغريب، عن الاقتباس والتضمين والتعريب. لكن هذا السؤال في الواقع لا يؤدي إلى غاية. فنقاد الشعر العربي القدامى يعدون أكثر من دزينة من أنواع التوارد المقصود بين شاعرين، بعضها مستقبح وبعضها مستملح للغاية، وتطبيق مثل هذا التدقيق على الموسيقى سيفتح مجالاتٍ لتصنيف أوسع بعد، بحيث تنتفي منه الفائدة الفعلية. في الواقع، لا يملك المرء إلا التفكر في إن ادخال كلمة إلى اللغة، الديمقراطية مثلاً أو الموسيقى، يفتح بالضرورة آفاقاً هائلة أمام من يفكرون بها، فكيف بادخال كل هذه المفردات النغمية والتوزيعية والخلايا اللحنية والايقاعية ؟ ذلك بالطبع بشرط مراعاة الذائقة الفنية الأصلية وعدم تنفيرها، وهي الشروط التي تنطبق على كل استدخال ناجح للجديد.
النقاش المكرور الآخر هو حول شعبوية النتاج الرحباني، أو تغريبه. والواقع أن السياق الفني الرحباني، والمصري منذ أواسط الأربعينات، يشهد على عزلة أم كلثوم التي تراجعت عن التطوير مع القصبجي لتفرض نيوـكلاسيكية السنباطي. أي بمعنى آخر كان التغريب آنذاك شعبوياً، كما أن اسماع "الآخرين" للزجل الجبلي اللبمامي كان تغريباً للمستمعين عن مألوفهم. في كل هذا لم يكن فن الرحابنة فناً "شعبياً" (خلافاً لما يحسب أيضاً فواز طرابلسي)، سوى في جزءٍ منه وفي الجبل اللبناني، أي أنه لم يكن ينهل من ثقافةٍ شعبية موروثة، وهو حين قارب الموشحات والقدود مثلاً قاربها بتوزيعٍ جديد بالغ الأوركسترالية أدخلوا فيه البوليفوني والهارموني، وعدل في كلماته. أي أن الرحابنة تعاملوا مع التراث غير الزجلي كمادة أولية يخضعونها لأساليبهم هم، دون أفضلية لها على غيرها.
اختراع الأنماط
لكن يظل أن احد أهم خصائص الرحابنة قدرتهم على اختراع أنماطٍ جديدة من الأغاني. ولا نعني هنا القوالب، وإن جددوا فيها، بل تلك الوحدة التي تنتج عن تناغم عميق الانصهار ما بين ايقاعٍ معين (أو تسلسلٍ إيقاعي) وبين مناخ موسيقي (ومقامٍ غالباً) وبين طريقة توزيع وكتابة للآلات (البيانو والفلوت، أو آلة نفخ أخرى كالترومبيت أو الساكسوفون أو أكورديون في الخلفية الموسيقية لنمطٍ ما، في مقابل طريقة استخدام البزق، أو القانون في آخر، أو استخدام عود منير بشير في دور غير تقليدي في ثالثٍ)، ويضاف إلى ذلك أيضاً مناخ شعري أو حقل دلالي ومعجمي متقارب في كثير من الأحيان. والتوزيع في مثل هذا الاختراع بالغ الأهمية لأنه يضمن وحدة العمل الحقيقية، ويعمقها.
لذا ثمة اعجاز في عمل زياد الرحباني في إعادة توزيع أعمال يشكل التوزيع ركناً أساسياً في تركيبتها النمطية وفي وحدتها، وفي الآن عينه إظهار وحدة كل نمط وفرادته! يثبت زياد في ذلك إمتلاكاً هائلاً لتقنيات الكتابة الرحبانية للآلات، وفهماً عميقاً لها، دون أن يقع أسيرها. فيكاد شريط "إلى عاصي" أن يكون قائمة حصرية بهذه الأنماط المختلفة، متفادياً غالباً التكرار فيها، وإن أغفل ربما بعض المحاولات القديمة السابقة على تمام النضج الرحباني واكتمال مدرستهم وطريقتهم.
اخترع الرحابنة إذن مجموعة كبيرة من الأنماط، التي نسجوا أيضاً الكثير على منوالها، لكن ذلك لا يقلل من أهميتهم، فما قدمه السنباطي مثلاً على هذا الصعيد يكاد ينحصر (وهو لا ينحصر فيها فعلاً، لكن نتاجه الآخر قليل وغير معروفٍ جيداً) في بعض الأعمال الخفيفة (على نمط على بلد المحبوب) وفي القصيدة الدرامية المطولة، رغم أنه قدم أعمالاً فائقة الجمال داخل هذين الإطارين. وهم في هذا لا ينافسهم ربما إلى الانتاج الضخم لعبد الوهاب.
الإرث اليوم
يبدو اليوم أن الإرث الأكبر والوحيد ربما للرحابنة هو تأسيس لهجة غنائية لبنانية واضحة وخاصة، وهو جهد شاركهم فيه آخرون بالطبع، كفيلمون وهبه وتوفيق الباشا وسواهم. ولقد أثروا بالتأكيد على فنانين آخرين تلوهم، كمارسيل خليفة وغيره. مثل هذه اللهجة مستمرة، لكنها تبدو كما لو بدأت مسيرة انحدار سريع، منذ أواسط التسعينات على أقل تقدير، إذا ما دققنا في توجهات المغنين اللبنانيين، وحتى الملحنين والموزعين اللبنانيين.
قد لا نأسف كثيراً إدا ما كان ذلك تأسيساً لجديد، أو دمجاً للهجاتٍ عربية أخرى في نسيج اللهجة اللبنانية في الغناء العربي، لكن الأسى سيكون بالتأكيد مضاعفاً إذا ما تحقق ما يلوح من أن التوجه العام اليوم هو نحو الغاء كل علامة على الخصوصية من أجل زيادة المبيع، وتحقيقاً لحلم البعض بعالميةٍ ما. فالرحابنة كانوا أيضاً أحد الأسباب المبررة لاستقلال بلد يبحث عن مقومات وطن. والاجماع في الحرب على صوت فيروز كان أيضاً محاولة من فئة لامتلاك ما تعتبره فئة أخرى رأسمالها الثقافي والرمزي، لكن هذا الإجماع كان أيضاً رمزاً على تعلق الجميع ببعض ما يبرر استمرارهم، رغم الحرب، في الانتماء إلى بلدٍ واحد، له كما لكل البلدان خصوصياته التي يصوغها أناسٌ يحلمون، حتى وإن كان البلد مغايراً ومبايناً لحلمهم، كعاصي الرحباني وأخيه.
خفة المدلل المسكرة
غيّب الموت، عن عمرٍ دانى التسعين، شيخ مؤذني حلب ومنشديها ورئيس مدرستها الموسيقية، الأخير ربما، صبري المدلل. في ألقاب المدلل عبق شرق عتيق، باهر ومغوٍ، كما في غنائه، وعبق مدينة لا زالت في بلاد الشام اسماً خلاباً وأسطورياً، حلب قصدنا...
من المؤسف أننا لم نكد نسمع المدلل إلا عجوزاً، لندرة التسجيلات القديمة، وهو في ذلك يستفز ولع الهواة كما يطيل الغموض والتشوق إلى التحقق من طبيعة ذلك الصوت في صباه، فصوت المدلل كما سمعناه، على جودة أدائه وتمكنه، كان أشبه بنثر الأسطورة منه بشعرها الملحمي الأصلي، دون أن يخلو من الوحدات الأسطورية ومن ضروبها.
وفي الضروب أيضاً كان المدلل مبرزاً، على جاري عادة المدرسة الحلبية، أو الشامية عموماً في الموسيقى والغناء. فمن السمات الرئيسية لهذه المدرسة احترام الأصول والإيقاعات، والتصرف المحدود بحدود هيكلية الجملة اللحنية، على خلاف ما كانت عليه المدرسة المصرية التقليدية، ما قبل عبد الوهاب وأم كلثوم، ويراجع في هذا المجال نقد كامل الخلعي لجهل معاصريه بالإيقاع، والنكتة التي يذكرها الباحث فرديريك لاغرانج عن لوم عبد الحي حلمي، خال صالح عبد الحي، لضارب الإيقاع في تخته قائلاً له أنه، أي حلمي، ليس جندياً في جيش الدموم والتكوك (جموع دم وتك). ويجدر التذكير هنا بأن الموشحات دخلت مصر من بلاد الشام وليس من الأندلس، مع "سفينة المُلْك" للشيخ شهاب، كما أن أبو خليل القباني أسس لنهضتها المسرحية الغنائية لاحقاً.
وربما يعود الاختلاف بين المدرستين، المصرية (القاهرية) والحلبية، إلى قرب حلب من الآستانة التي كانت لفترة طويلة مركز الأرستقراطية والتجميع والصياغة الموسيقية للشرق كله، كما إلى غلبة أهل التواشيح الدينية والطرق الصوفية على منشدي حلب في حين أن كثيراً من المغنين المصريين كانوا من "خارج الإكليروس" كعبد الحي حلمي المشار إليه، أما من كان منهم منشداً في الأصل فيغلب عليه احترام إيقاع التواشيح والأذكار، إلا في حال تقطيعها على طريقة السؤال والجواب، وفي هذا فإن تسجيل الشيخ المصري إبراهيم الفران لقدّ "هيمتني تيمتني" الحلبي (ويقال أن واضعه هو الشيخ أمين الجندي، الحمصي!) واضح الدلالة على تقطيع القد بحيث يستعرض الشيخ في الجواب على بطانته التي تمشي بإيقاعٍ مضبوط. ومن المعلوم أن الإيقاع أمر حيوي، بيولوجياً، في السماع والنشوة الصوفيين.
وربما يعزى ذلك أيضاً إلى احترام أكبر للموشحات، التي صيغ أغلبها في بلاد الشام، وإلى استمرار الدراية بأصولها كما بالأبعاد النغمية الدقيقة، التي تراجع العمل بها في مصر سريعاً بسبب الرغبة في الضبط والتحديث والتقنية الجديدة التي غزت النهضة المصرية كأول نهضة في الشرق الأدنى، كما إلى الطبيعة الشعبية للقدود التي تفرض معرفة بالجملة اللحنية واحتراماً لإيقاعيتها.
ما يؤسف له أيضاً أن المدلل غاب قبل أن يستفيد منه الدارسون في بحث الإمكانية النظرية لتطوير الموسيقى العربية من داخلها، ذلك أنه، وهو تلميذ عمر البطش وبكري الكردي (الذي لحن له طقطوقة "ابعت لي جواب" الذائعة الصيت)، أضاف أيضاً تواشيح ومدائح من ألحانه كما فعلا. ويلاحظ أنهم، وعلى غرار المدرسة الحلبية عموماً، لم يحدثوا قطيعة عميقة في نسيج بنية الجملة الموسيقية العربية أو الأغنية فيها، بل لحنوا وأضافوا كما كان يفعل السلف من داخل الإطار المسبق الذي نشؤوا فيه. وإن كان التأثر بالغرب ليس عاراً (فسيد درويش الذي يتغنى به الجميع كان شديد التأثر بالموسيقى الغربية، كلفاً بها ومتشوقاً لدراستها في الوقت عينه الذي كان يلحن فيه تواشيح ومدائح رائعة مثل "ميلاد المصطفى" للشيخ علي محمود) والامتناع عنه ليس فخاراً، فإن العكس أيضاً صحيح، غير أن المطلوب هو تقييم جدي وعميق لقدرة هذه الموسيقى، التي يفترضها البعض، على التطور من دون عوامل خارجية، وهو ما نشكك به، بدليل أن المدرسة الحلبية نفسها لم تقدم إضافة فعلية على إرثها، ولم تقوَ على الاستمرار فيه، وأسلوب غناء صباح فخري نفسه لمقطوعات شامية ومصرية، وتنظيم فرقته وصولاً إلى تقاسيم العازفين، تدل على ذلك.
صبري المدلل بقي يهز قلوب سامعيه طيلة حياته، خشوعاً متى شاء وطرباً، ومع غيابه يأفل أحد آخر الأسباب التي كانت تحمل على القول بأن الموسيقى العربية لم تمت، لأنها كانت لا تزال تبتدع في كل مرةٍ الطرب والخفة في النفس وتلعب بالرؤوس، كأن الخفة فيها قوة الخمر، ولا خمر، ولأنها معه كانت قلب البهجة و"مقام المسرة" (عنوان فيلم عن المدلل)، لا هامشهما المشين. ولأنه أخيراً كان يقنعك بأنه فتيّ، مثلها، ومثل من يستمتع بها معه وتشغف قلبه. مع غياب المدلل، تشعر أنك ازددت شيباً، وأن لا طربوش لتخفي تحته اشتعال رأسك، وأن منتديات الموسيقى العربية على الانترنت ما عادت تجمع سوى محترفي الحنين، الذين يضمون شغفهم بالفصاحة إلى المنمنمات الموسيقية المشغولة بالدماثة وبالصبر العتيق الذي أفل مع المدلل، ويحلمون بزمان الوصل... في حلب.
jeudi 3 janvier 2008
الآنسة أم كلثوم
فادي العبد الله
ما بين "التعبير" و "التطريب" و "الغناء الطربيّ" و "الغناء" في صورة عامة، نلاحظ اختلاطاً في المفاهيم و قلقاً في المنظور الذي يسعنا منه تقييم حال الغناء و الموسيقى في أيامنا هذه. من أجل التمييز بين المعايير المختلفة لا بد من وضعها في سياقها الفني و التاريخي واستقراء ولاداتها و تشكّلاتها الأول، و هذا ما تسعى إليه هذه المقالة، متخذةً لها بؤرةً بحثيةً من فترة بدايات أم كلثوم، التي نحيي في هذه الأيام الذكرى الثانية والثلاثين لغيابها (في 3 شباط 1975). نهدف إذا إلى التدقيق في دورها البارز، والملتبس و المنسي، في صياغة وبلورة هذه العوامل على الوجه الذي نعرفه اليوم. في هذا المعنى فإن مساءلة وضع الموسيقى اليوم لا تنفصل عن مساءلة نظرتنا إليها و تاريخ تشكّل هذه النظرة، لذا فإن المساءلة تبدأ لا مناص من التدقيق في طبيعة قراءتنا لمن هي المطربة الأبرز في موسيقانا الغنائية: كيف نستمع أو، للدقة، نقرأ اليوم أم كلثوم؟
ثمة من يقرأ اليوم، كما بالأمس، أم كلثوم اكتمالاً ما بعده كمال، وطرباً لا يجاوزه آخر، وابتداعاً لم يسبقه أحد إلى مناهله. هكذا تعلو أم كلثوم عن النقد و عن التحليل معاً، فلا يطالها سوى التسبيح المرفوع إليها. و هكذا أيضاً تخلد أم كلثوم أيقونةً بلا وظيفة، لا نستعيدها إلا لماماً وفي صورها الأكثر شيوعاً و الأقل تطلباً لأي جهد منا، فتخلد صورةً وتمحى شيئاً فشيئاُ صوتاً ومشروعاً وجهداً وتاريخاً معاشاً لا أسطورياً. اللهم إلا أن تكون وظيفتها تحديداً التنزه عن كل عيب و شائبة. وإذ ذاك نفهم تشابه مفارقة الخلود والامحاء المشار إليها مع مفارقات العروبة و الوطنية و القومية و الإسلامية حيث أيضاً نرى ماضياً تُمَجَّد صورته و يمنع كل بحث في تفهم حقيقته و جهوده ومعاشه. مثل هذه القراءة، التي يصمها حازم صاغية عن حقٍ بالنرجسية، تنطلق من المماهاة بين صورة أم كلثوم و صورة الذات عن نفسها (سواء كانت هذه الذات مصرية أم عروبية أم مزيجاً من الإثنين)، فتتنزه أم كلثوم عن كل عيب كتنزه العروبة من كل شائبة أو وضر، و تزهو مصر بصوتها كالنتاج الأتم و الأكمل للمصرية الصميمة…الخ.
في مقابل التهويم النرجسي هذا يقدم حازم صاغية في "الهوى دون أهله" قراءة تسعى إلى نقض الأولى وفضحها، في "النص" الكلثومي ذاته، فيبحث صاغية فيه عن عناصر التطابق، العظامي والجنوني، بين المطربة والذات العربية، ساعياً من وراء ذلك إلى إثبات العلاقة بين الطرب عموماً وبين الصوفية، بين أم كلثوم والناصرية، وبين الكلثومية وتريّف الحياة العربية وانطواء عهد المدينة الكوزموبوليتية. في سبيل ذلك، يعتمد صاغية اعتماداً هائلاً على مضمون "بعض" النصوص التي أدتها أم كلثوم ( فيسقط مثلاً كل الأغاني الوطنية وكل أغاني المناسبات). ولكي يجيز لنفسه مثل هذا الاعتماد فإنه يفترض تقدم الكلام على اللحن في فن الطرب، و تماهي المطرب مع الكلمة، ثم تماهي المستمع في وحدةٍ حلولية مع المطرب، حيث أن الطرب "التكراري" بحسبه لا يترك للمستمع مسافة و استقلالاً عن الغناء تسمح له بالإعجاب الواعي والمقدّر، على خلاف ما يفترضه في الغناء الغربي. في مثل هذا الإطار يغدو من السهل إذن القول بغياب الدلالات وشيوع الكلام الإلهي واللا تاريخي في النص الكلثومي، و غياب السيرة الحقيقية لها، بالمقارنة مع بياف وبيلي هالليداي، و نصوصهما.
لكن أليس ما يفعله صاغية هو عين ما ينتقده؟ أي المماهاة بين أم كلثوم و صورة معينة سابقة التشكل عن الذات، بحيث لا يتم في ما بعد سوى اسقاط نقد الصورة في حالته (أو لا نقدها في حالة النرجسيين) على أم كلثوم نفسها.
هكذا يرى اكتمال الكلثومية في العهد الناصري في حين أنه هو نفسه يرصد تفكك النموذج الكلثومي في الفترة نفسها، و يحسب أن نظام توحيد الأذواق الناصري أيضاً ألغى إمكانية منافسة أم كلثوم، في حين أن ذلك قد تم في الواقع قبل عشرين عاماً على الأقل، منذ بدء الحفلات الشهرية في 1935 وحتى قبل ذلك بالنسبة الى "السمّيعة". و يستشهد بمقطع من "أهل الهوى" دليلاً على الليل الكلثومي، الليل الزمني و الدنيوي في مقابل الدين الصارم في النهار، ليل غياب الحبيب و حضور الحياة الحسية في مقابل خواء اللقاء معه، في حين أن المقطع التالي من الأغنية عينها ينقض مقولته. هكذا أيضاً يجري مقارنة مع مغنيات غربيات من خارج السياق الاجتماعي والفني المختلف. أما الإسقاط، غير المشروع، الأبرز فهو أن يرى في نجاح أم كلثوم دليلاً على انتصار الريف على المدينة الكوزموبوليتية، وهو ما يراه في المشروع الناصري و في الحياة العربية عموماً، في حين أن أم كلثوم باتت منذ منتصف الأربعينات على الأقل وحيدةً معزولةً في مشروعها، في ظلّ نهم عبد الوهاب و فريد الأطرش، وحتى السنباطي في غير كلثومياته، ثم عبد الحليم و ملحنيه لاحقاً ، للسامبا و الرومبا و الايقاعات و الآلات الغربية، وصولاً إلى أيامنا التي تضع أم كلثوم في خانة الذكريات المجيدة في حين تستمع إلى آخر المنقولات عن الفلامنكو و الآر أن بي معرّبةً! فلم لا يرى في ذلك انتصاراً لعبد الوهاب القاهري و للمدينة على الريف الذي لم تبقَ منه سوى امرأة وحيدة مهما بلغت قوتها في ساحة الغناء؟
والحق أننا لا نجادل في مدى دقة توصيف صاغية للسياق التاريخي العربي السياسي والاجتماعي في القرن العشرين، لكننا نرى أن قراءته ذلك في "النص" الكلثومي قراءة مغلوطة و مفخخة من الداخل بالعديد من التناقضات كما رأينا. ففيما عدا نقد كتاب سيرة أم كلثوم، و هم أغلبهم بلا شك مداحون أكثر منهم كتاباً مدققين، لا يسمح "الهوى دون أهله" بنقد الفن الكلثومي نفسه. نظن أن أساس التناقض في كتاب صاغية هو في اتخاذ "النص" دليلاً، و في قراءة عمل أم كلثوم انطلاقاً منه، بمعزل عن اللحن و عن سائر العوامل المتداخلة في انتاج الأغنية الكلثومية. في هذا المنظور، لا سيما افتراض المماهاة بين المغني و النص، و افتراض غياب المسافة الواعية بين المستمع وغناء الطرب "التكراري"، نلمح فكرة عن الطرب هي فكرتنا اليوم عنه، أي الطرب ما بعد أم كلثوم وعبد الوهاب، وهي فكرة تخلط أيضاً ما بين الطرب كنوع من أنواع الغناء وبين الغناء ككلّ كما ورثنا نموذجه (الذي بات اليوم شبه أوحد) من الفترة الحليمية و النجاتية والفيروزية. مثل هذا الاختلاط في النظرة لا بد أن يخلق اشكالاتٍ كثيرة في الرؤية إلى أم كلثوم و في محاولة قراءة جهدها و مشروعها، لا سيما جهد البدايات الذي لا يجوز إسقاط رؤية اليوم عليه دونما تدقيق، بل ينبغي أن نحاول وضعه في سياقه الأصلي. لذا نجد أن لا مناص من التفكر في مفهوم الطرب و أحوال أهل الغناء ما قبل أم كلثوم، تمهيداً لمحاولة تحليل بعض عناصر مشروعها و بداياته.
الطرب، و أهله
الطرب في لسان العرب و في الصحاح وفي مقاييس اللغة خفة تعتري المرء من سرور أو حزن. أما الطرب في الموسيقى العربية فهو في الحقيقة الخفة نفسها. خفة العازف أو المغني وخفة المستمع. لذا كان التطريب لغةً هو مدّ الصوت وتزيينه و كان الطرب بالتالي الإعجاب بهذا التزيين. يخطئ كثيراً من يظن أن الطرب "التكراري" يعمل وفق نفس نظام الزار أو الهارد روك، أو لطم عاشوراء، أي التكرار الإيقاعي العنيف الذي يسري في نفس المشارك فيه حتى الذهول و الغيبوبة عن النفس. مثل هذا الافتراض لا يشبه في شيء حقيقة الطرب. ففي نماذج الموشحات، وهي من أبدع إنجازات الموسيقى و أكثرها تطريباً، نجد إيقاعات بالغة الطول بحيث يعجز عن فهمها من لم يتخصص بها، مثل هذا الطول كفيل بأن يخلق تفاوتاً داخلياً في الإيقاع بحيث لا يسري، ظاهرياً، على الأقل، في شكل رتيبٍ متكرر، وهذا الطول يمنع التأثير البيولوجي لتكرار الإيقاع العنيف، ثم ماذا نقول عن طرب الموال حيث لا إيقاع مصاحباً أبداً؟ كما يخطئ من يحسب أن الطرب ينبع من تماهي المطرب مع نصه و من تماهي المستمع مع الإثنين. فنصوص الموشحات تكاد تكون أحياناً مستغلقة الفهم لغةً، و نصوص الأدوار القديمة بالغة السطحية إلى حد أن التماهي معها لا يغني المرء شيئاً ولا طرباً. ثم إن من المعروف المشهور أن من الآلات من هو كالعود سلطان الطرب، و الطرب للعازفين كثيراً ما يفوق الطرب للمغنين. بل إن سطوة اللغة في العربية هي تحديداً أحد أسباب تحريم الموسيقى و الغناء، و ضعف الموسيقى البحتة طويلاً و أحد أسباب غياب القصائد الكبرى عن الغناء، ذلك أن الموسيقى و اللحن بالغا القوة إلى حد أن كل كلام سيكون لهما تابعاً و مسحوقاً أمام مضاء الجملة اللحنية و تقطيعاتها، و كثيرة هي نماذج تقطيع الكلمة و تكرار أحرف أو مقاطع منها في الغناء القديم.
الطرب هو خفة اللحظة لا ثقل كثافة الفكرة. الطرب هو إعجاب المستمع بقدرة العازف أو المغني على تطويع آلته، وعلى قدرتهما على اللعب مع الإيقاع والزمن والتحايل عليه والإلتفاف على صرامته، وعلى قدرتهما على مفاجأته في الإنعطافات المقامية (التي تحدسها الأذن حتى غير المتخصصة) وما تستتبعه من اختلاف مفاجئ في "نكهة" الصوت أو النوتة، و هو أخيراً الإعجاب بالقدرة على الزخرفة و التنويع (لذا كان التكرار مطلوباً في البداية لترسيخ الهيكل الأساسي الذي سيتم التنويع عليه). في مطلق الأحوال، الطرب يتطلب انتباهاً عالياً، لا "ذوباناً و غياباً"، و استقلالية ناقدة للمستمع، و هو بهذا يتنافى كلياً مع التماهي مع المغني، إذ يتطلب من المغني أن يدهش سامعه في اللحظة، ومن هنا ارتباطه بالمسرح، لا أن يهدهده. الطرب دعوة مستمرة من المؤدي ومن المستمع ـ الذي ليس أبداً متلقياً سلبياً ـ إلى لعب ممتد إلى ما لا نهاية كالخطوط الهندسية المجردة للزخرفات العربية.
ذلك لا يعني أن التعبير لم يدخل من بعد كقيمة في الموسيقى العربية لكنه دخل كقيمة مختلفة عن الطرب، قد تضاف إليه أحياناً (في أدوار سيد درويش مثلاً) و قد تستقل عنه (في الكثير من أعمال القصبجي مثلاً)، إلا أنها ليست جزءً من عناصره الأصلية. ومن الملاحظ في هذا الإطار أن المشايخ من أهل الغناء، بحكم نشأتهم في تجويد القرآن وتصوير معانيه، كما حلم بذلك مثلاً الشيخ سيد درويش، أكثر اهتماماً بالكلمة و تعبيرها من المطربين ممن لم يتمشيخوا، و هذا بادٍ مثلاً بالمقارنة بين ألحان المشايخ، وألحان عبده الحمولي ومحمد عثمان وداود حسني مثلاً. كما أن هذا الإختلاف يتضاعف في حالة المطربات ما قبل أم كلثوم، العوالم، اللواتي كونّ ذوقاً خاصاً يعتمد على خفة الطقطوقة وإيحاءاتها، وابتعدن غالباً، لضعف ثقافتهن اللغوية و الموسيقية، عن الأدوار والموشحات، باستثناء قلائل مثل منيرة المهدية التي سجلت بضعة أدوار، و التي يروى أنها كانت تغني الطقطوقة فحسب في "الحريم"، و تغني الطقطوقة و الدور أمام الرجال. في هذا السياق شكل سيد درويش جسر انتقال فعلي من قرن الحمولي و عثمان إلى القرن العشرين. ليس هنا بالطبع المجال لتفصيل الجوانب الثرية في عمل وثورة سيد درويش، لكن تنبغي الإشارة بإيجاز إلى ثورته في مجالي الأغنية الوطنية و الأغنية المسرحية، في حين أن المسرح الغنائي قبله كان أغنيات منفصلة تقريباً تغنى أثناء عرض المسرحية. وفي المجالين كان التركيز على الكلمة و تعبيرها أساسياً، أياً يكن القالب المعتمد، و كذلك التعبير عن جو المشهد و طبيعة الشخصيات و انتماءاتهم و لهجاتهم. بالطبع أغلب كلمات أغاني سيد درويش المرتبطة بهذا اللهجات غير مفهومة للمستمع العادي اليوم، كما أن الجانب الإجتماعي من مشروعه انتهى تماماً مع موته، غير أن رشاقة الجملة التي فرضها و قيامها بذاتها منذ تلحينها و بمعزل عن الصوت الفردي ـ وهذا أيضاً أثر من ضرورات المسرح ـ وتخففها من ضرورة اللجوء إلى الزخرفة لملئها، كل ذلك عوامل أصبحت مؤسسة لطريقة التلحين مذذاك، مثلها مثل الاستدخال الواسع للتعبير، والرغبة في التفاعل مع الموسيقى الغربية وليس تجاهلها. في هذا الإطار الذي رسمناه سريعاً يمكن فهم الخصوصية الكلثومية التي سمحت لها بفرض مشروعٍ مغاير عن السابق على الغناء، منذ بدايتها و صعودها القاهري السريع.
الشيخة أم كلثوم
كنا فكرنا في "الآنسة أم كلثوم" عنواناً لهذا اللقاء، تدليلاً على رغبتنا في البحث في بدايات أم كلثوم. ثم لاحظنا أن عدداً من التسجيلات القديمة يبدأ بتعريف "الست أم كلثوم" التي لم تكن تبلغ الخامسة و العشرين. يروى أن سبب هذه الغرابة هو رغبة منيرة المهدية بالإنفراد بلقب "الأسطى" و بحرمان أم كلثوم منه مما جعل الشركة تسعى إلى لقبٍ آخر. ثم بالتنقيب أكثر عثرنا في كتاب نعمات فؤاد على لقبين أقدم بعد، يعودان للفترة التي كانت أم كلثوم فيها لا تزال في قريتها طماي الزهايرة، و هما بارزان خطياً في مراسلاتها: "مقرئة السيرة النبوية الشريفة"، و قبله "الشيخة أم كلثوم".
الشيخة أم كلثوم ابنة الشيخ ابرهيم البلتاجي، منشد المدائح النبوية، مغايرة إذن تكويناً ونشأةً عن العوالم، إذ أنها بدأت على غرار المشايخ، الذكور حصرياً، في حضن القراءة القرآنية و الغناء الفصيح الذكوري، قبل أن تتم مع أبو العلا محمد ثم صبري النجريدي والقصبجي تمرسها في الغناء الدنيوي من أدوار و طقاطيق وقصائد. فسبق وصول أم كلثوم إلى القاهرة حصولها على تنشئة و ثقافة لم تكن متاحة لمنافساتها من الإناث، مما جعلها تصبح، وبسرعة فائقة، الصوت الذي يحمل مشاريع الفنانين الطموحين في حين اكتفت الأخريات بتكرار ما يعرفونه، من الطقاطيق خصوصاً.
هكذا كانت الشيخة أم كلثوم تغني في البداية أغاني الذكور، الأصعب و الأكثر تطلباُ، وكان هذا متناسباً مع حضور عائلتها حولها و طبيعة جمهورها الرئيسي آنذاك، أي شبكة الوجهاء الريفيين و أذواقهم المتقشفة نسبة إلى "الخلاعة و الدلاعة" القاهرية (وهذا عنوان أغنية غنتها أم كلثوم و لاقت سخط مستمعيها). من المفيد بالطبع الإشارة إلى أن هؤلاء الوجهاء المحليين هم أنفسهم من سيشكل حلقة الإتصال التي ستؤمن لأم كلثوم علاقة بالأرستقراطية القاهرية، إلا أنها على خلاف عبد الوهاب القاهري ستتصل بالأرستقراطية ذات الجذور والإرتباطات الريفية القوية، لا سيما آل عبد الرازق، و من الطبيعي القول بأن هذه الجذور وهذه الإرتباطات تركت أثراً واضحاً على ذوق هذه الشريحة، التي شكلت دعامة رئيسية لحضور أم كلثوم في القاهرة، فتشكل هذا الذوق من رغبة في التحديث والتطوير تحدياً للمحتل، و على ترسيخ معطيات التراث المحلي تحدياً له أيضاً، و على تقشفٍ و تعففٍ و رصانةٍ بالغة الأهمية لدى أناس مثل علي عبد الرازق و إخوته. هذه العلاقات مع نمطٍ معين من الأرستقراطية شكلت عامل تطور أيضاً في ذوق أم كلثوم وحضورها في المسرح و في الحياة العامة، كمثل دور شوقي في تكوين عبد الوهاب. وهذا ما سمح لها بعد سنتين فقط من وصولها إلى القاهرة بأن تمتلك جمهورها و بلاطها، و حضوراً طاغياً في الحفلات الحية، ونوعاً من أناقةٍ محافظة لم تتخل عنها يوماً.
السنوات القاهرية الأولى
السؤال الذي تطرحه، بدقة، فيرجينيا دانيلسون في "صوت مصر" هو عن كيفية تقاطع ثقافة نخبة مع الغناء الريفي الكلثومي في بداياته. إلا أن ذلك يتوضح بالتأكيد متى انتبهنا إلى اشتراك الاثنين في ثقافة موسيقية دينية واحدة، من القرآن و المدائح. حتى بإزاء العامة، ورغم بعض المساومات و التنازلات التي قدمتها تحت ضغط شريحة من الجمهور، إلا أن أم كلثوم في النهاية نجحت أيضاً في استغلال هذه القاعدة الثقافية واللغوية المشتركة مع العامة أيضاً في سبيل إنجاح غناء القصائد، لا سيما الدينية. من بين هذه التسويات بالطبع غناء أم كلثوم لآخرين أكثر شهرة منها آنذاك، إلا أن ذلك سمح لها أيضاً، لمحاسن الصدف، بِلِقاء من سيصنعان لها وفي فترة قصيرة صاعقة الانقلاب الأخطر في غناءها و في أسس الغناء كما نعرفه اليوم، أي أحمد رامي الذي قابلها بعد أن غنت قصيدته من ألحان أبو العلا محمد "الصب تفضحه عيونه"، ومحمد القصبجي الذي قابلها بعد أن غنت، دون إذنه، لحنه لنعيمة المصرية "قال ايه حلف ما يكلمنيش".
في 1926 على ما يروى كان التغيير الكبير في غناء أم كلثوم بمصاحبة التخت بدل الإنشاد بمصاحبة عائلتها وهو ما كان تسبب لها في انتقادات كثيرة، وصاحب ذلك تغيير في المظهر و في العناية بالحضور على المسرح، وفي التفكير الموسيقي الذي بدأ محمد القصبجي يخطط له مستفيداً من رومنطيقية رامي وموضوعاته. في تلك الفترة أيضاً بدأت أم كلثوم تقوّي علاقتها بأصحاب النفوذ والمشاريع، وتفرض شروطها على الشركات المنتجة للأسطوانات وعلى متعهدي الحفلات وكانت أم كلثوم في تلك الفترة أيضاً حريصة على أن تنال أعلى الأجور عن أسطواناتها مقارنة بمنافساتها ومنافسيها، منيرة المهدية وفتحية أحمد وعبد الوهاب، معتبرة ذلك دليلاً على كونها الأولى بينهم ما دامت الأولى في الأجر.
والحق إن انتشار أم كلثوم و نجاح اسطواناتها يعود لأسباب متعددة، منها إنشاؤها لشبكة ريفية من المستمعين الذين غنت في مناسباتهم و أفراحهم والمتباهين بأسطوانة تخرج للفتاة التي غنت صغيرة في دارهم، ومنها الأسعار المخفضة التي بيعت بها أسطواناتها الأولى كي تتمكن من المنافسة، ومنها ابتداء انخفاض أسعار الغرامافونات في تلك الفترة بعد أن كانت حكراً فقط على الوجهاء. بالإضافة بالطبع إلى صوت أم كلثوم و جديدها المتناسب مع حاجة ذلك الزمن إلى جديدٍ يجمع ما يعتبر أصيلاً أو صميماً مع التطوير والانضباط الضروري في التحديث. وفي الواقع فإن انهيار المسرح في أواخر العشرينات، وتلازم ذلك مع الأزمة الاقتصادية، أنهى هيمنة منيرة المهدية على الغناء الأنثوي، بعد منافسة قاسيةٍ مع أم كلثوم، التي لم تعمل في المسرح الغنائي أبداً، أما فتحية أحمد فقد انحصرت في لونها مفتخرة بالتأثيرات الشامية والتركية في غناءها مما حد من قدرتها على الانتشار وإن حفظ لها معجبيها. هكذا باتت أم كلثوم بلا منازع تقريباً منذ مطلع الثلاثينات، وهي الفترة التي بطل فيها ظهور منافسات لأم كلثوم، سوى المرور الخاطف لأسمهان، وبدأ فيها ظهور ما يسميه كمال النجمي بأمهات كلثوم، أي المتشبهات بها أو بجزءٍ من تكوينها وسماتها، وتكرست أم كلثوم مذذاك مدرسةً في الغناء لا مناص لكل مطربة من بعدها أن تتهذب بذوقها و تتمرس بتقنياتها كي تعد من المطربات. شيئاً فشيئاً اختزلت أم كلثوم الطرب إلى مدرستها حتى تنبأ عبد الوهاب بانقراضه بعدها وهو ما لم يبخل الزمان بإثبات صحته.
أم كلثوم و أسس الغناء كما نعرفه اليوم
ثمة افتراض بالغ الشيوع والخطأ في القول بأن أبو العلا و سيد درويش ثم القصبجي خلصوا الغناء العربي من عجمته في حين أنهم في الواقع تفاعلوا مع زمنهم وتأثيراته (كالحضور الكبير للموسيقى الكلاسيكية و للأوبرا في القاهرة آنذاك) و قدموا جديداً نحسبه اليوم جوهراً. ليس من عودة إلى الخلف إذن، إلى نقاء مفترض، بل إضافة وتأسيس جديد. في هذا، يشكل عمل الشيخ أبو العلا محمد، أستاذ أم كلثوم، الخطوة الأولى في تطوير القصيدة. فرغم إلقائه كل بيت منفرداً، إلا أنه كان حريصاً على متانة البنيان العام و على وحدة المناخ الموسيقي في العمل، وكما أشرنا من قبل فإن تكوينه المشايخي يجعله يستدخل عنصر تصوير المعنى أو جوه في اللحن. وإن كان الدكتور صبري النجريدي، ملحن أم كلثوم الخاص الأول، مجرد مقلدٍ بارع في القصائد، إلا أن عمله في المونولوجات (الحب كان) و الطقاطيق (الفل و الياسمين و الورد) كان أيضاً أساسياً في شهرة أم كلثوم في البداية. هذه الخطوة الأولى في القصائد ستشكل الأساس الذي سيبني عليه السنباطي، الذي كان شغوفاً (كما يبدو من مقالٍ لخيري بشارة عنه) بمقارنة اللحن بالبنيان و العمارة، قصائده اللاحقة، بعد نحو عشرين عاماً على وفاة أبي العلا، في عودة نحو ضرب من الرصانة والإيقاعات العريضة والجمل الدرامية، بعدما كان عبد الوهاب قد انتقل بين 1928 و 1933 في سنواتٍ تعد على أصابع اليد الواحدة من "يا جارة الوادي" إلى "جفنه علّم الغزل".
بموازاة تطوير عبد الوهاب لقالب الموال الذي لم تغنه أم كلثوم (باستثناء نموذجين لا يشيع فيهما جو الموال فعلاً)، ساهمت أم كلثوم في تطوير القصبجي لقالب المونولوج المعروف قبله، ولكن الذي لم يكتسب خصوصيته إلا معه. فالمونولوج الكلثومي، مستوحى من الآريا الأوبرالية، دون التخلي عن نمط الغناء العربي المثقل بالزخرفة الصوتية المتوالية. وقد أضاف القصبجي، المتضلع من الموسيقى الشرقية و المطلع على الغربية، نفحةً دراميةً تنسجم مع رومنطيقية رامي الموروثة من فرنسا القرن التاسع عشر. هذا المزيج سمح للمونولوج بأن يحقق نجاحاتٍ خيالية (إن كنت أسامح) لكن إجهاده المتواصل للمطرب و للمستمع، ثمّ تغير نمط ووسائط غناء أم كلثوم لاحقاً أنهى هذا القالب تقريباً الذي كان قد تمكّن قبل ذلك من إنهاء هيمنة الدور كالشكل الأكثر تطوراً و علماً (كما يقال الموسيقى العالمة)، على الرغم أن أم كلثوم كانت غنت ما بين 1930 إلى 1932 عشرة أدوار لداود حسني وأن أدوارها الجميلة مع زكريا أحمد لاقت نجاحاً إلا أن هذه الأدوار التسع تناثرت على سنواتٍ تسع أيضاً ما بين 1931 و 1939.
لزكريا أحمد أيضاً كان الفضل في تطوير قالب الطقطوقة، بالتنويع في الألحان والإيقاعات، بدل التكرار الرتيب للأغصان.كما كان لزكريا أيضاً الفضل في الحفاظ على نوعٍ من الأغنية الجماعية، والحوارية المرحة، المأخوذة من المسرح الدرويشي، وفي تطعيم السينما الكلثومية منذ أواسط الثلاثينات بها وبمرحها وإيقاعاتها العربية وجملها الخفيفة، بالتوازي مع جهود االقصبجي، وتلميذه آنذاك، و إن على سلاسة أكبر بلا منازع، السنباطي، في الأغنية السينمائية الأوبرالية وفي تطوير التخت إلى فرقة أوركسترالية بالتعاون مع الموزع، والمؤلف الموسيقي العائد من أوروبا، ابرهيم حجاج. يتساءل المرء لماذا تأخر تعاون أم كلثوم مع زكريا أحمد، إلى العام 1931، في حين أنه يعرفها منذ 1919 وكان صاحب اسهام كبير في التحضير لانتقالها إلى القاهرة، ويبدو لبعض المؤرخين أن السبب هو انغماس زكريا في المسرح الغنائي، مستكملاً إرث سيد درويش. فيكون انهيار المسرح مع الأزمة الاقتصادية وصعود الكباريه كصالةٍ تقدم عروضاً متنوعة لفنانين كثر في السهرة الواحدة، هو ما أتى بزكريا نحو أم كلثوم التي ستقدم معه أعمالاً هي من أجمل ما قدمت و أمتعه، و لكن هذا الانهيار هو أيضاً ما سيمحو كل أنواع الغناء سوى الغناء الفردي العاطفي، سيقطع من الإرث الدرويشي جانبه المصور للفئات الاجتماعية، ويأسر الغناء العربي في الأغنية الفردية، العاطفية غالباً.
في الفترة عينها كان للانتشار الكبير للأسطوانة، التي لم تكن مدتها تتجاوز دقائق معدودة، أثر كبير في تقنين الحرية الارتجالية للمطرب و للتخت، وفي دفع الأغنية القصيرة إلى البروز كالشكل الأهم في صناعة الموسيقى و اقتصادها، إلى حين تنبه أم كلثوم، بعد عشر سنوات من الغناء الحي المنقول على الإذاعة، إلى إمكانيات الإذاعة في التسجيل غير المحدود زمناً للأغنية، وتنبهها إلى طبيعة الحضور الكلثومي على المسرح و صورتها، في الأربعينات، كالمطربة الأفضل في التنويع و الزخرفة و الإعادة في مقاطع الأغنية، مما جعلها تتجه مع السنباطي و زكريا إلى الأغنية الطويلة. وهذا ما يجعل تطريبها مرتبطاً جداً بوقوفها على المسرح وعلاقتها بجمهورها. ويشير البعض هنا إلى أن توجه أم كلثوم نحو السنباطي وزكريا مرتبط بتغيير في الذوق العام ناتج عن الخيبة من آمال التطوير والعودة نحو هويةٍ انغلاقية مضادة للمستعمر وفنونه، وذلك منذ بداية الأربعينات إلا أن هذا القول في نظرنا لا يصمد للتدقيق، إذ أن أم كلثوم واصلت التعاون مع القصبجي، خلافاً للشائع، بعد "رق الحبيب" في أغاني الأفلام (فاطمة)، كما أن عبد الوهاب و فريد الأطرش كانا يحققان نجاحاتٍ كبيرة مستعملين إيقاعاتٍ و آلاتٍ غربية ومتنافسين في ادعاء السبق إليها، ومثل ذلك كان أيضاً في أساس نجاح عبد الحليم في الخمسينات. حتى ليلوح أن أم كلثوم في توجهها الجديد نحو زكريا والسنباطي كانت تبتعد عن الجو العام آنذاك لا بل تسير عكسه. النموذج الكلثومي هنا ليس المؤشر الأفضل إلى حراك المجتمع، وإن كان تمسك الناس وتمثلهم به دليلاً على صورة هذا المجتمع في عيون نفسه، لا على واقعه. لذا يلوح لنا أن سبب التوجه الكلثومي هذا يعود إلى أسبابٍ فنية في الأصل، هي سعي أم كلثوم إلى التفرد بلون لا يشبه الآخرين، وإلى التخفف من إجهاد تلحين القصبجي لها وللمستمع ومن ضبطه الصارم لها في أسر الشبكة اللحنية و التوزيع الأوركسترالي، ثم إلى رغبتها بالخروج من طراز أحمد رامي في الكلمات، وذلك في اتجاهين، الكلام المباشر والشعبي دون أن يكون شعبوياً مع بيرم التونسي، والشعر الفصيح قديماً و حديثاً ولكن بشروط قدرته على التأقلم مع غنائها على المسرح، أي أن تكون قادرة على التكرار والتقطيع والإعادة فيه، وهذه هي الشروط التي يبرر فيها صلاح جاهين أسباب ابتعاد أم كلثوم عن القصائد بالعامية لـ"والد الشعراء" فؤاد حداد. ويمكن القول، بعد أن كانت الأسطوانة قد أنهت مفهوم الوصلة المتتالية المقاطع (مقدمة آلية من المأثور و تقاسيم و ليالي و موشح ثم دور أو قصيدة) وفككته، أن الأغنية الطويلة شكلت عودة إلى وصلةٍ من طرازٍ جديد.
صاحب كل هذه الجهود، جهد مماثل في تهذيب الغناء، على طريقة أم كلثوم وبحسب ذوقها وأناقتها وحبها للقفلة، وفي تهذيب العزف. فبدل التمهيد الموسيقي بالدواليب والتقاسيم والسماعيات، أنجز القصبجي ورفاقه بدايات إدخال الموسيقى البحتة في نسيج الأغنية، سواءً في المقدمات، القصيرة في البدء قبل أن تطول في الأغاني المصنوعة للأمسية الكلثومية، وفي اللوازم الموسيقية بين الكلمات أو بين المقاطع المغناة. هذا التطوير، وضرورة ضبط زمن الأغنية في الأسطوانة القصيرة وكذلك عمل القصبجي وتفكيره في الانتقال بالتخت إلى الفرقة الأوركسترالية ومحاولاته الهارمونية والبوليفونية البارزة، أدى كل ذلك إلى تغيير في طريقة العزف نحو انضباط كبير و تضييق هامش الحرية الارتجالية للعازف وحصر، إن لم يكن انهاء، الرنين الهيتيروفوني الناتج عن هذه الحريات، ونحو توحيدٍ لأساليب العزف. كما كان لكل ذلك أيضاً أثر، يضاف إلى أثر الإعداد في المعاهد و حضور الموسيقى الغربية في القاهرة، في تغيير أبعاد بعض السلالم العربية البالغة الدقة وفي انقراض الكثير منها.
الطرب و الغناء بعد أم كلثوم و عبد الوهاب
ختاماً، نحسب أن الدلالات لا تُقْرأ إذن في "النص" المغنى، بخاصةٍ في ثقافةٍ مجبولة بالدين لطالما خافت من غياب النص في الموسيقى أو انسحاقه في مواجهتها، بل تقرأ في تطور العلاقات بين العوامل المختلفة، العلاقات بين الكلمة و اللحن، العلاقات الاقتصادية مع الشركات و الوكلاء، العلاقة مع التطور التقني واختلاف الوسائط الناقلة للعمل الفني... الخ. وهذا ما حاولنا بإيجاز الإشارة إليه في معرض هذا التفكر في الأعمال الأولى، التأسيسية، لأم كلثوم.
على الصعيد الفني، ربما يجوز الافتراض مع عبد الوهاب أن الطرب انتهى بعد أم كلثوم. ولكن للدقة فإن ما انتهى معها هو نمطٌ معين من الغناء (طرب بطيء، جمل و إيقاعات عريضة، تأتي هي لتصوغها، وذلك بالمقارنة مع الطرب الأسبق عليها حيث الزخرفة المتواصلة، و ضعف الجملة اللحنية مجردة من الصوت، وسيطرة الهنك و الرنك أي الترديد و الترجيع في الحوار مع الكورس... الخ)، ساهمت هي و ملحنوها في شكل رئيسي في تشكيله وفي احتلاله مكان الطرب القديم الذي كان صالح عبد الحي آخر المدافعين عن استمراره، والذي أصبح اليوم نوعاً من الفن المتحفي الذي تقدم فرق التراث أو بعض المطربين النادرين نسخة معدلة بالتأكيد عن صورته الأصلية. وبدوره انتهى الطرب الكلثومي أيضاً إلى نسخٍ معدلة و معدة للاستهلاك السريع في خواتيم الحفلات الراقصة، أو للتباهي في بعض المهرجانات. في مقابل ذلك لا يزال خصوصاً في الموسيقى البحتة وعازفيها، من يطرح صوراً متعددةً و متجددةً و حيةً نضيرةً للطرب والتطريب كالجزائري علا (بتشديد اللام) والمغربي سعيد الشرايبي والمصري عبده داغر، أمد الله في أعمارهم. لا يعني ذلك أن أحداً لا يحاول أن يغني الطرب الكلثومي بحسب قواعده، و لكنهم يكتفون بتكراره و لا يتكفلون باستمراره حياً أي فناً قابلاً بموارده على التجدد. هكذا بدا و كأن أم كلثوم كانت خاتمة المطربين بعد أن استجمعت ذوقاً وقدراتٍ كل موارد هذا الفن العظيم. أما النموذج الوهابي المعتمد على أناقة الجملة ورشاقتها فقد تطور في اكتماله الحليمي والنجاتي والفيروزي إلى ما نسميه اليوم التماهي وإلغاء المسافة بين الشاعر والمغني والمستمع، وهو ما يجد آخر معاقله في تشبث المطربين الذكور به وبرومانسيته في مقابل موجة عارضات الأزياء القادمات إلى غناء (أشبه بالصامت من شدة جهد مهندسي الصوت في إخفائه) بجمالٍ لا يوازيه في الإدهاش إلا قراءاتنا حول تطور الطب التجميلي ونجاحاته!
أبواب للمدن
باب أول: ليس المقصود طزاجة سياسيينا، بل ذاك الباب الذي كان يلوح للقادمين من الصحارى شاهقاً بديعاً، باب زويلة بمآذنه الفاطمية، أو الأسوار الممتدة بين باب الفتوح وباب النصر. تلك القاهرة كانت، بلا ريب، حلماً يشهق له الآتي دهشة، ولا يسعه إلا التسليم بأن مدينة، ذاك بابها، هي حقاً "أم الدنيا" والمحروسة والقاهرة.
لا يزال باب زويلة، حين ننظر إليه من سوق "الخيامية" باهر الهندسة والروعة. لكن القاهرة التي كان يحرس قلبها امتدت كبقعة زيت في كل اتجاه. لا شك أنه بذل كل جهده لينتصب حارساً هناك، ينافس ربما أبا الهول المدفون في الرمال. لكن الصوت الذي كان ينطلق من المئذنة كان أيضاً يمضي في كل اتجاه، وكان يلاقيه صدى الحياة التي لا تكل في هذه الاتجاهات. الصوت الذي هو أيضاً زمن كان أوسع حيلةً من الحجارة الضخمة المشغولة. لئن بقيت شواهد، فإنه صار فعلاً. ربما أوصد باب زويلة طويلاً في وجه زوابع كثيرة، إبان زمن الفاطميين والمماليك البهي في القاهرة وطرابلس والشام، لكنه كان أعجز من أن يصد أصداء الزمن مثلما نعرف. على باب زويلة، بحسب إحدى الروايات، انتهى ايضاً زمن المماليك مشنوقاً.
للحياة مسالك غريبة ومتعرجة. في الجانب الآخر من الشارع المستقيم نفسه، شارع المعز لدين الله، شريان المدينة الفاطمية، يقف باب آخر، باب الفتوح، منكسراً. نرى أنياب الأسوار المثلومة. قبالة الباب محل يضع يافطته مجسماً صغيراً كرتونياً للباب العريق. الفارق بينهما كالفارق بين البابين. زويلة لا زال وسط أهله، تزحزح فقط من موقع الحارس إلى موقع الالفة. أما النصر والفتوح فباتا باهتين كالاسماء نفسها، أو كلون الحمير التي تعبر جارة وراءها عربات متعبة.
ابتلعت القاهرة أبوابها، ولم تخلعها، مثل باريس التي لا زالت تحتفظ بحفنة أسماء وبضعة أقواس حجرية، أو مثل طرابلس التي تحفظ الأسماء (باب التبانة، باب الرمل، باب الحديد) وتنسى أهلها. في هذه المدن لا زال هنالك خط، ولو اسمي، يقسم المدينة إلى قديمة ومحدثة، ولو أن القاهرة العريقة بها أكثر من مصر قديمة واحدة، ومدن جديدة متنابتة كثيرة. باب المدينة مدخل إلى العلم بها، إلى التيه بها والغرق، لكنه مقصد الغرباء دوماً.
باب ثانٍ: لست أدري إن بقي من أبواب دمشق (وبيروت؟) شيء، أم أن هستيريا التدمير الداخلي مستعرة الأوار. بيوت الشام الشهيرة تتوجه إلى الاقتصار على بيت أو بيتين، يجري تصوير مختلف المسلسلات السورية الرائجة فيها، دون أي تغيير، مثلما يجري تصوير الحارات في ما يسميه التلفزيون "القرية الدمشقية". أوّاه لهذه المدينة، الأقدم تاريخاً في رواية، والتي باتت "قرية".
حول "باب الحارة" أريق حبر كثير، تعرض للاستخدام السياسي للهجة الشامية وقبولها في العالم العربي، معتبراً في ذلك فك حصار للنظام السوري، أو تساءل عن مغزى إقبال الناس على المسلسل، مسقطاً بالطبع عليه أحوال العصر وغياب الزعيم (أو توقنا إليه) والحكيم (أو التشكيك به بعد فقد الأصل). وليس على هذا منعقد الاهتمام، إذا ما أخلّ المرء بالنظر إلى العمل أولاً بوصفه عملاً فنياً يحاكم بمعيار الفن على حسب الخطاب الذي يتبناه زاعماً تصوير ذلك العصر من زاوية الفن لا زاوية التاريخ. إلا أن الفن أيضاً لا يقوم على تزوير التاريخ أو تشويهه والتلاعب به، بطبيعة الحال. لذا قد يكون السؤال عن غياب أي دور عامل للمرأة، خلافاً لما كان عليه الواقع آنذاك، مبرراً تماماً.
يجب أن نضع جانباً الانتقادات اللازمة لرداءة الموسيقى التصويرية وفقر التنويعات (سواء بالعود أو الكمان الفائض البحة أو الأورغ) المقترحة على تيمات القدود الحلبية والشعبيات الشامية، وأن نطرح جانباً ايضاً فقر خيال المخرج في استعماله الرتيب لهندسة المكان، وقلة حيلته حتى عبأ ما لا يقل مجموعه عن بضع حلقات بأسماء المآكل والدعوات إلى تحضيرها. يظل هنالك سؤالان، متفاوتا المستوى، يستحقان ربما الطرح: غياب التوتر الاجتماعي الرئيسي أي السياسي عن الشاشة، وغياب صورة الشر وعلاقتها بنجاح الجزء الثاني من المسلسل.
إذ يبدو، أولاً، من غير المفهوم ألا يحضر المستعمر الفرنسي إلا في وصفه خيلاً، وليس في وصفه أيضا مساراً من المعارف وأنماط الإدارة والأحزاب والبرلمان والثورات المسلحة وغير المسلحة. حضور الآخر والمستوى السياسي في المسلسل هو حضور "براني" تماماً، حضور بارد لا يثير أي تفاعل في عمق المجتمع ولا يخترق حتى قشرته الهشة المبنية على فصل بين مراتب الرجال ومواقع النساء وعلى الداية رسولاً بين العالمين. في هذه الفقاعة المحيدة عن الزمن تبرز قضية فلسطين مسرباً، لكن خيطها واهٍ إلى حد أن فرداً واحداً فقط يمسك به (العقيد) دون أن تطرح القضية على هذا المجتمع مساءلة جدية لنفسه ومواقفه ومنظومة قيمه. وهذا طبعاً مخالف لما كان عليه الواقع، لكنه أيضاً مخالف لأي معطى درامي يفترض به أن يصور، كما في مسلسلات "حارات" القاهرة الأقدم عهداً والأوفر نضجاً (مثل "ليالي الحلمية") تطور المجتمع وتبدله، وتفاعله مع حوادث الزمن ووقائعه، خاصة متى امتد المسلسل على أجزاء متعددة.
لا شك، من جهة أخرى، أن براعة أداء بعض الممثلين وألفة أصوات آخرين كانت عاملاً مهماً في التغلب على مشاكل العمل التي أشرنا إليها، فضلاً عما يثيره المسلسل من حنين إلى تعابير وحركات (تجدر مقارنة حركاتهم في المسلسل بحركاتهم في "العراضة" التي نظمها تلفزيون المنار للتثبت من براعتهم) ومفردات وأسماء لأغراض العالم فقدنا القدرة على الإشارة إليها اليوم بألفاظنا نحن. لكن ذلك لا يفسر نجاح الجزء الثاني الشعبي الباهر في مقابل النجاح المتواضع للجزء الأول الذي هو أفضل منه فنياً بحسب برهان علوية محقاً. أزعم أن سبب هذا التفوق للجزء الثاني هو تحديداً غياب التوتر الدرامي واقفال باب الزمن على لحظة الحلم هذه وتغييب صورة الشر الداخلية المطلقة لصالح شر الخسة أو شر "الغريب". فالمسلسل مطمئن على هذا المستوى، ذلك أن الغريب (الأعمى المزعوم) هو القاتل، وهو ما نعرفه منذ العام الماضي، أما الشر المحلي المطلق الذي مثلته صورة الايدعشري فقد انتهى أيضاً في العام الماضي، ليحل بدلاً من الشرير المتعجرف القوي المحنك، وإن تاب لاحقاً، صورة النمام الخسيس صاحب الثأر القديم كعذر مخفف. هكذا يحل الخارج والغريب في صورة الشر الحقيقي والمكشوف مسبقاً، في حين تنفى عن الداخل قوة الشر لتستبقى خسته.
هذه الحارة لا تحب الغرباء، وهي حين تقابلهم لا تتفاعل معهم، بل تكتفي بالدوران في حلقة أعرافها الداخلية وفي زمنها الدائري التكراري وفي جغرافيتها الواضحة المعالم والحدود والمقسمة حيزاً فحيزاً وفق العرف (لا الدين) والسلطة. إنه، مجدداً، الحلم بأن يتركنا العالم وشأننا، مطمئنين إلى ركود الزمن، هانئين في هامشه. تفوح من المسلسل رائحة الحنين، كقهوة الأم نغمض أعيننا حنيناً إليها. لكن إذاعته على قناة فضائية ليست إلا مفارقة مضحكة.
باب ثالث أو، للدقة، "بين بابين": حين جلست، مع الرفيق ولا ثالث لنا، قبالة درج بيت الشيخ إمام المتهدم وبابه المتهالك، قال لنا صاحب القهوة، الرجل الذي نسمعه صبياً في بعض التسجيلات وبعضها في عيد ميلاده، إن الغرفة تهدمت، وأبو النجوم انتقل إلى تزعم جبهة المساكن الشعبية في المقطم. لكنه لم يتوقف طويلاً في الحديث عن "رجولة" الشاعر الذي كان يضرب امرأته، وفضّل أن يناقشنا طويلاً في عبقرية الشيخ إمام في العزف على العود.
في تلك العطفة من الغورية، قرب باب زويلة ومسجد السلطان الغوري وقبره، وعيت أن ما بقي من الثنائي إمام ـ نجم ليس "الشعر"، مهما نشر الفاجومي من كتب، بل سخرية كثيرة: سخرية الشيخ المغني بطبيعة غنائه، وسخرية نجم الذي ابتلعت شهرتها أسماء من كتبوا أيضاً للشيخ إمام ومنهم الرائع نجيب سرور وأحمد فؤاد قاعود وغيرهما، وسخرية القدر الذي جعل من شيخ ضرير يغني بغناء النصف الأول من القرن وكاتب شبه أمي منارة التقدميين في عصرهما، وسخرية القدر مرة جديدة التي جعلتنا مع صاحب القهوة نتحير في فهم طلبات الحشيش و"رص الحجارة حجراً فحجراً"، وفهم عبقرية ريشة الشيخ إمام، بعد أن فرقت توافه الأمور الصحبة التي وطدتها أيام الحبس والاضطهاد.
لكن يبقى أيضاً من هذا الثنائي أمر أشد أهمية ورسوخاً حتى من السخرية. إنها عدوى الحب. حب ذلك الزقاق في تلك العطفة من تلك الغورية، والتي ألف لها رفيقي أغنية... حب الحاتي وبائع الألبسة والقهوة... حب الباطنية القريبة وأبواب الأزهر المزخرفة... حب الزمالك دون كلابها، والأهلي دون "كباتنه"... حب الصوفية الأليفة والخرق الخضراء المعلقة على القبور، وحب الغرباء في موالد القاهرة يطوفون حول الحسين ومسجده دونما وعي باستحضار صورة الكعبة...
ربما هنا يكمن الفارق بين الثنائي إمام ـ نجم، وبين حجارة السياح أو مسلسلات الحارة السورية. مع صوت الشيخ إمام لا نشعر بالحنين الذي يبتزنا به مغنو الثورة اللبنانيون مطولاً، ولا برغبة في العودة إلى رحم الماضي الشامي البسيط التافه المشاكل، ولا نستحضر عيوناً غير التي لنا كي نرى، بمفعول رجعي، عظمة الأثر ونسجد لصانعيه.
مصر التي تنقل إلينا أغاني الشيخ إمام عدوى حبها لا تختلف البتة عما نراه ونلمسه ونشمه في حي الغورية أو الحسين. ولئن حسبنا أن الزمان قد فات على جزيرة الزمالك وتغيرت، فإن ديواناً ("شغل كايرو" لمحمود عزت) من ضاحية امبابة يعود فيرينا أن الجزيرة لا تزال عسيرة على غير أهلها وإن مدت جسور سريعة فوقها.
أغاني المرحوم إمام ونجم، مد الله في عمره ومنحه الصحة وحب المشاكسة على الدوام، لا تدعونا إلى اغماض العين لنتذوق حلماً متخيلاً عن الماضي، ولا إلى فتحها وراء عدسة الكاميرا التي تلعن وجود الناس في إطارها. إنها ببساطة وحب تصيبنا رغماً عنا بعدوى مقيتة: أن ترى الحال على ما هي عليه، وألا تندب أو تبكي أو تلعن. بل أن تضحك، زاعماً مع دولوز أنه لا محل للأمل أو للخشية، بل فقط لـ"شحذ أسلحة جديدة"، ومحل الاستشهاد هو بالطبع "جدة الأسلحة" أي خروجها عن مألوف ما هو متداول في ساحة الصراع التي لا تفتأ تحول الضحية إلى جلاد بالنصل ذاته، سواء أسميناه عزة ورجولة أو أسميناه ممانعة وصموداً أو حقاً "تاريخياً".
ثمة في تلك الموسيقى عبق "لا تاريخي"، رغم اندراجها في سياق محدد، بين زمنين (زمن النهضة وزمن الانحطاط الجديد)، يجعل منها في كل مرة دعوة إلى العيش في الحاضر وليس الهروب منه، إلى أمام أو إلى خلف وهما في الواقع الواحد نفسه. بين بابين مشرعين على هبوب تيار الزمن، لا موصدين على الحلم، تعبر هذه الموسيقى وتغزلها المودة.
زي الموجة
"حازم شاهين في اصداره الأول: نبض آسر "زي الموجة
incognito عبر قرص "العيش والملح" المدمج الذي أنتجته وتوزعه شركة
يقدم هذا العمل، الذي يشترك فيه شاهين، في إطار فرقة "مسار"، مع نوار عباسي (بيانو)، ومايلز دجاي (كونترباص) وهاني بدير (إيقاع)، سبع مقطوعات، بينها توزيع لنوار، الذي لحّن أيضاً مقطوعة "رمال"، للحن "إيه العبارة" لسيد درويش، وكان سبق أن وزعه أوركسترالياً أبو بكر خيرت، ومقطوعة "زفة شهيد" لمايلز، بالإضافة إلى ثلاث مقطوعات لحازم شاهين نفسه، ورابعة هي "زي الموجة" من تأليف شاهين وصديقه عازف العود المقيم في فرنسا طارق عبد الله.
رغم ذلك، يظل هذا العمل، الجماعي، يحمل بصمة عود شاهين في كل مقطوعاته، وخصوصاً أنه، تأليفاً، الوحيد الذي يقدم اقتراحاً جديداً، يخرج على المألوف في تأليفي مايلز ونوار.
"زي الموجة" و"العيش"، قد تشكلان مدخلاً مناسباً الى الحديث عن أحد أبرز الملامح في شغل شاهين، أي استدخال الارتجال والتنويع إلى قلب الجملة الموسيقية الرئيسية، وليس الاكتفاء بحصر الارتجال في أماكن محددة من المقطوعة، ما بين جمل لا تترك للعازف إلا حرية الزخرفة. في أعمال مثل "زي الموجة"، و"العيش"، نجد استعادة لهذا الاقتراح الذي كان أول من قدّمه، على ما نحسب، عازف الكمان الرائع عبده داغر، في مقطوعات مثل "الشباب"، و"مدى" وبالتحديد الجزء الثاني منها. في هذا الأسلوب من التأليف، تستدخل إلى قلب الجملة فكرة قالب التحميلة القديم، أي السؤال والجواب، وتوضع للجواب أسس يمكن، بل يجب، التنويع عليها في حين يظل السؤال راسخاً. أي أن الارتجال لا يبلغ جملة كاملة، ولا يكسر الإيقاع والمناخ العامين.
يشبه هذا الأسلوب بالطبع الأسلوب القديم في تلحين الغناء أيضاً، والذي كان آخر ممثليه الشيخ زكريا أحمد، الذي تسمح بعض تسجيلات أم كلثوم، التي أتاحها كرم بعض الصحبة على الشبكة العنكبوتية، بالتدقيق في مدى وضعه لبعض نقاط الارتكاز لها لترتجل في ألحانه انطلاقاً منها، وربما كان الحال نفسه في الموّالين اللذين أدتهما أيضاً. فقد كان تلحين الدور أيضاً يكتفي ببعض الجمل الرئيسية ويترك الباقي لابتكار المطرب، بعد أن يضع له نقاط ارتكاز أساسية. غير أن الفارق هو بالطبع في تحويل هذا الارتجال إلى داخل الجملة الموضوعة نفسها واكتفائه باحتلال شطر منها.
يسمح ذلك بأداءات أسطورية، كما فعلت أم كلثوم في حفلات "هو صحيح" أو "الأوله في الغرام"، أو ما يروى عن عبده داغر من إعادة الجزء الثاني من "مدى" ست عشرة مرة في حفل بألمانيا، أي ما يعني 128 ارتجالاً صغيراً متنوعاً.
كما يسمح ذلك لحازم شاهين، بالإضافة إلى هامش التقاسيم الذي بات معتمداً في المقطوعات الموسيقية، سواء استوحت أجواء الجاز او أجواء الطرب، بإبراز طاقاته الكبيرة في التنويع وفي التقسيم الموقّع. لكن باكورة هذه التجربة لا تزال تفتقر، في رأينا، إلى دمج هاتين الموهبتين في أسلوب واحد، يجمع التقاسيم إلى التنويع المرتجل على جملة كاملة محددة. فشاهين متمرس في استخراج ما كان تركيباً هاجعاً في قلب الجملة الموسيقية، أو في توق الشيخ إمام الذي يقول شاهين إنه تعلم الكثير في العود منه، مستخرجاً ما كان الشيخ يطمح إليه من دون أن تسعفه أنامله. ومن أمثلة هذه القدرة "الشاهينية"، ما فعله حازم شاهين ذات جلسة في بيت العود العربي، آن كان لا يزال يُدَرّس فيه، برقصة أرمنية استولى عليها فأحالها قالباً من التنويعات، جديداً في الموسيقى العربية، وإن كان معروفاً في أوروبا، وجعلها، بالعود وحده، بناءً درامياً متصاعداً ومتنوعاً، يجمع الحس الإيقاعي بتقنيات متنوعة المشارب في الريشة والعفق بالأصابع.
ذلك أن شاهين يملك قدرة فريدة في السيطرة على صوت عوده، بثاً وصراخاً، وأنيناً وغناءً، وبثاً وبوحاً، أو رقصاً وسروراً. ولعل هذا البحث عن صوت في عينه، أي صوت للعازف بنَفْسه ونَفَسه وليس فقط للعود، والاندماج ما بين حازم شاهين وعوده، هو الشيء الوحيد الذي يشفع لهذا الأخير على الرغم من أزيزه في بعض المواضع.
ليس ها هنا مجال لتحليل تقنية حازم شاهين في العزف، وهي أكثر من مبهرة، بخاصة أنها ليست مبهرة بصرياً، بل تبهر الأسماع والأفئدة، رغم أنها لا تحتل الحيز نفسه كما لو كان القرص مخصصاً لعزفه المنفرد. لكن لا يمكن اغفال اكتمال هذه التقنية وسطوع شخصيته من خلالها، وهو ما امتدحه فيه العازف التونسي الشهير أنور براهم، مصطحباً إياه لافتتاح الدورة الثالثة من مهرجان "جاز في قرطاج".
ليست غريبة تلك المشاركة "الجازية"، ففي مقطوعات العمل في مجمله تأثير واضح لتلك الغرسة التي تراجع زياد الرحباني عن اسمها، أي "الجاز الشرقي"، وهنالك بحث واضح عن ايقاعات جديدة قادرة على أن تواكب القلق المعاصر، وأن توصلنا، على الرغم منه، إلى سكون الحسن وهدأة الطرب. يظل أن حصر الطرب والارتجال في مواضع معلومة ولمهل محددة سلفاً، يضيّق مسالكه فوق ما تحتمل، ولهذا يلوح لمن يستمع إلى مقطوعات العمل نفسها، لكن من تسجيل حيّ، أنها أكثر رحابة وجمالاً مما نجده مضغوطاً في القرص المدمج.
إذا كان من مساوئ تسجيل الاستديو أنه حرمنا من إطلاق شاهين العنان لخياله ولنبضه الآسر في التقاسيم، فإنه في المقابل كشف لنا عن "شامية" ما في عمله، لا سيما في "العيش" وأسلوب تناول مقام البيات فيها، ربما تكون قد وافته من نسائم الاسكندرية المتوسطية، أو من أعمال سيد درويش المتأثر أيضاً بجولته الشامية. كما أنها ربما تكون أيضاً نفحة متأخرة من بركات "والد الشعراء" فؤاد حداد، الذي يعمل شاهين، مع ورثته وورثة صلاح جاهين، على تقديم رؤية "مموسقة"، أو "موقّعة"، لأشعاره وأشعار جاهين. يحمل عمل شاهين على الأشعار والتلحين، كما في الغناء، ملامح من تجربة الشيخين سيد درويش وإمام عيسى الذي أحب شاهين العود وهو على ركبتيه طفلاً. إلا أنه يحمل مخاطر الوقوف في مواقف سياسية مجمدة وموروثة من دون تدقيق فيها. بيد أن الجانب السياسي في تجربة شاهين، الشابة في بواكيرها، هو، جوهراً، جانب ثانوي وهامشي أمام الجانب الموسيقي، ويحمل حماسة شبابية، يمكن تفهمها رغم أنها لم تنضج، للتلحين كما للمواقف.
الجانب الأهم في تجربة شاهين هو في الأساس الجانب الذي يمكث، بعد أن يذهب الزبد جفاءً، في أرض آلته، التي يبتدع شاهين فيها، من دون استعراض لا طائل منه، روحاً ونبضاً جديداً، والنبض ما لا يحصره الإيقاع المنظوم. قد يقارنه البعض، مثل السيدة رتيبة الحفني، بالسنباطي، فكلاهما يحمل بين أصابعه تلك القدرة على احيائنا ووضعنا في قلب الزمن وفي اهتزاز حركة سيره. ولئن كان شاهين لا يزال دون خبرة السنباطي الذي ابتكر فجوات يعلق فيها الزمن، ويعلّقنا، متى شاء، فإنه، مثل السنباطي في تسجيلاته الشبابية القليلة، يجعلنا، من النقرات الأولى، نراقص النبض، وندرك أننا أجساد قد عتّقت طويلاً في دنّ الزمان، وقد آن لنا أن نتخفف من فائض أعبائها لنتحول إلى نبضات خالصة..
بريغوفيتش وليفيناس الابن:الموسيقى والشموس
قبل أيام قليلة أنهى غوران بريغوفيتش، الموسيقي البلقاني الذي اشتهر بموسيقى لأفلام "زمن الغجر" و "تحت الأرض" لأمير كوستوريكا، أو كوستوريتزا كما تُلفظ في يوغوسلافيا السابقة، سلسلة عروضه الباريسية و مضى في الترحّل يتابع عرض أوبراه "كارمن بنهاية سعيدة" المكتوبة للأوركسترا الغجرية التقليدية التي تعزف تقليدياً في الأفراح و المآتم في تلك البلاد التي يتقاسم أهلوها خبز الزمان مع الموسيقى. و قبله استضافت باريس ميكاييل ليفيناس ضمن سلسلة حفلات "جوابات". عن الحوارات المعقودة في نسيج هذه الموسيقات هذه المقالة.
حوار المتوسط
في "كارمن" بريغوفيتش ينطلق هذا الأخير من فرضيتين: الأولى أن الغجر كالجميع يهوون النهايات السعيدة. صحيح أن لا تأقلمهم مع المجتمع ما عاد كما كان في عهد بيزيه مؤلف أوبرا كارمن الأصلية شأناً رومنطيقياً إلا أنهم سيتساءلون بحق لم على الأوبرا الوحيدة التي بطلتها غجرية أن تنتهي بالمأساة؟ والثانية أن الاوركسترا الغجرية بأعضائها غير القادرين على متابعة دراسات أكاديمية عالية و تراثها الذي يغيب عنه السرد الروائي المغنى بحاجة لكتابة خاصة إذا ما أرادت استملاك الأوبرا «الغجرية" الوحيدة، لذا قام هو بتأليف العمل محاوراً بيزيه على أرضيةٍ غجريةٍ أي على أرضية الترحال الدائم و الاختلاط المتواصل و الإقامة الدائمة خارج المكان. وإذا كلن كافافي قد استشرف من قبل أن بنك المستقبل على وشك أن يعلن إفلاسه فإن بريغوفيتش يحسب أن الماضي هو البنك الذي تستدين منه دائماً و في ظنك أنك قادر على سداد الأصل مع الفوائد. قد لا تكون هذه حالنا جميعاً لكنه على ما يبدو قد نجح في سداد الأقساط.
مختصر العمل المرشح ليتحول فيلماً هو غرام العرّافة الغجرية كليوباترا التي تقدم برنامج تنبؤات و منوعات على التلفزيون التي ترى أن الملائكة يشبهون زبالين بشنباتٍ طويلة بالزبال الغجري باكيا الحليق عند تقدمه بأغنية من أوبرا كارمن الأصلية في برنامجها، غير أن باكيا يغرم براقصة الستربتيز نينا في البرنامج نفسه و يدس لها رقم هاتفه، لكن نينا يرميه بازدراء لينتهي في يد العرافة. و في اليوم التالي تبحث كليوباترا عن محبوبها لتجده في تشييع خاله فؤاد الموسيقي المعروف الذي كان مفتوناً حد الجنون بعاهرة تدعى كارمن، يتم تشييعها في اليوم نفسه. لأجل كارمن ترك فؤاد الأغاني الغجرية البسيطة وانكب على كتابة أوركسترا ما إن بدأت فرقته بعزفها حتى انتاب أفرادها قرف من هذه الموسيقى الهجينة التي لا تشبه شيئاً فانفضت الفرقة، قبل موت فؤاد و كارمن. في المأتم يسمع أحدهم كليوباترا مقاطع من العمل على سبيل الاستنكار و يروي لها العمل فتجن به، و تمضي على طرقات أوروبا تبحث عن أفراد الفرقة المتناثرين كي تقدم الأوبرا كاملة، أثناء ذلك تواصل الحديث الأليف و الحميم مع باكيا على التلفون موهمةً إياه بأنها راقصة الستربتيز. في الفصل الثاني نرى الأوبرا التي سمعنا منها شذراتٍ على المسرح و نفهم في النهاية أن شغف كليوباترا بها عائد إلى تقاطع حياتها مع حياة كارمن المسرحية و أملها بأن تفضي هي أيضاً إلى نهاية سعيدة كما في الرواية (المسرحية المغناة بحسب الإصطلاح المصري القديم).
من أجل إيجاد خاتمة سعيدة يلجأ بريغوفيتش إلى التحوير في بنية القصة فالصراع بين ضابط و مصارع ثيران في اسبانيا ما كان له أن ينتهي بغير الدم، لذا فمن يتصارع على كارمن في روايته إنما هم مؤلف موسيقى غجري و قائد جوقة الشرطة، و الإثنان عازفا ترومبيت و التحدي الموسيقي بينهما من أجمل المشاهد و أطرفها. أيضاً يبتكر بريغوفيتش عازفة أكورديون مغرمة بالشرطي هي التي في النهاية ستمنع استدامة النزاع بدخولها طرفاً رابعاً في المسرحية.
بالموسيقى تمنع المرأة أن تتحول الفتنة ممثلة بكارمن إلى معركة دموية و بالموسيقى أيضاً ينعقد الهوى ما بين كليوباترا و باكيا، في أثناء رحلة البحث الطويلة عن موسيقى لا تقيم إلا في الصدور. الموسيقى ها هنا ليست كما لدى بيزيه شديدة الدقة بسيكولوجياً على ما لاحظ نيتشه الذي كان شديد الإفتتان ببيزيه و أوبراه حيث أنها نقيض موسيقى فاغنر. لكن حوار بريغوفيتش مع بيزيه يتم دائماً تحت الشمس المتوسطية التي هواها نيتشه و رأى فيها خلاصاً من أمراض الموسيقى الرومنطيقية. هذا الحوار لا يؤدي فقط إلى امتزاج شذرات من بيزيه بنسيج موسيقى بلقانية غجرية، بل أيضاً إلى جعل جمل بريغوفيتش (أو فؤاد) الخاصة جملاً مفتوحة من داخلها و في بنيتها على حوار مع الخارج لا تنفك تناديه و تطالب به، و ربما كان هذا سبب رفض موسيقيي الفرقة لها بادئ الأمر، أي رفضها للانتماء النهائي و الصريح، إلا أن ذلك هو في الوقت عينه جوهر الموسيقى الغجرية التي لم تكف عن التبادل و العطاء مع مختلف الشعوب التي حل الغجر بين ظهرانيهم، و التي حملت معها الألحان و الجمل من أدنى العراق إلى أقصى البلقان فأوروبا الوسطى و في الاتجاهين، طابعة إياها بنوع من التراجيديا القدرية لم يستطع إلفترياديس التقاطها في التجربة الممتعة التي قدمها مع طوني حنا و فرقة غجرية بلقانية.
فلاسفة الموسيقى
إذا كان بريغوفيتش قد اختار بيزيه المتوسطي مثله ليحاوره، فإن ميكاييل ليفيناس، إبن الفيلسوف الشهير، الفرنسي ذو الأصول الليتوانية، قد اختار، قبل ذلك بقليل "ذلك الذي يدين الله له بكل شيء" بحسب سيوران، أي باخ العظيم الذي كان أيضاً مشغوفاً بالفلسفة و لا سيما الإلهيات، ليقيم بينهما تصادياً في حفل بالمدينة الجامعية بباريس، ضمن إطار سلسلة عروض "جوابات" Répliques
عزف ليفيناس نفسه مقاطع من تمهيدات و فوغاتPréludes et Fugues
يشير ليفيناس إلى بعض النظريات القائلة بأن "حسن التسوية" لدى باخ لم يكن يعني بالضرورة السلم المعدل المتساوي التقسيم إلى اثني عشر بعداً نصف طنيني و الذي ظهر قبيل ذلك ببضع عقود، بل كان يعني فقط السلم القادر على أداء ما سيكتبه باخ. رغم ذلك من المتفق عليه أن عمل باخ أدى في الواقع إلى الترسيخ النهائي للسلم المعدّل في أوروبا و إلى إلغاء السلالم الطبيعية و كذلك أرباع الطنين (و قد نشر نداء أبو مراد مقالاً هاماً مؤخراً في موسوعةٍ فرنسية عن النقاشات التي دارت في تركيا و البلاد العربية حول هذه المواضيع في القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين). كما يشير إلى أن استعمال باخ لمصطلح الكلافييه الذي يشير لا إلى آلة محددة بل إلى لوحة المفاتيح في آلات كالأرغن أو البيانو، بدل الكلافيسان المنتشر آنذاك قبل انتشار البيانو فورتيه، أي أن ما كان يعني باخ هنا هو هندسة العمل و بنيانه و ليس تلوينه النغمي أو ثوبه. و يدعم ذلك نظرة ليفيناس إلى التدوين الموسيقي بوصفه نصاً هاجعاً يظل دائما أشمل من عزفه و أبقى من تسجيله و أوسع من أن يحصر بالعزف على آلات زمانه الأصلية فقط.
في مقابل ذلك، و متابعة لبحث باخ عن البوليفوني بما في ذلك من خلال آلات ميلودية منفردة كالفيولونسيل مثلاً، يحاول ليفيناس كتابة طيفية (كأطياف النور السبعة) لا تستغني في الآن عينه عن وضوح بنيتها، و تعتني أيضاً و بخاصة بالفضاء الذي تحدده هذه الأطياف و باحساس المستقبِل ( بكسر الباء) به و شعوره به. هكذا ينشئ ليفيناس بوليفونية المفارقة فنسمع انزلاقاتٍ نغميةٍ خادعة تنخفض في حين أن المكتوب هو انزلاقات صاعدة، و نشعر من خلال جمل نغمية مستقلة بأن فضاء الصالة نفسه يدور حول محوره، و ينشئ زمن المفارقة الذي يشي في نفس الانطباع بجموده و توقفه و بحركته الدائمة. يحاور ليفيناس صرامة باخ و انتظام عالمه و سلمه المضبوط على القسمة الدقيقة، من خلال الزيف الخادع و لمعة السراب، و هو في سبيل ذلك يلجأ إلى ائتلافاتٍ ناقصةٍ، إلى استدخال أرباع الصوت التي تكشف توتر النغمة و تفتحها أمامنا تماماً على تردداتها الداخلية و ارتجافها المتواصل حتى الغياب.
إذا صدق حسبان أتالي أن الموسيقى تستبق دائماً و تستشرف العصر الاجتماعي و التاريخي المقبل فأي جواب لنا، ولا يشير الجمع هنا بالطبع إلى منطقتنا التي لا تحور جواباً على شيء و العاجزة حتى عن أن تنصت إلى بنيها، على التاريخ سوى لمعة الإيهام و بريق الزوال و غواية الترحّل و العيش في زمن المفارقة؟
عصافير النار
هنالك، على أطراف الخليج، الذي سمع صوت السياب الناده لعراقه الجريح، والملتهب بآبار النفط والصراعات، بقعة تبدو كما لو أنها خارج منطقتها، جامعة بين الزي والعمامة التقليديين والانترنت، وبين وقوعها على تقاطع الطرق التجارية الدولية منذ القديم، وبين هدوء مستقر ومستغرب. هنالك، حيث الخبر الأول في نشرات الأخبار لا يتعدى برقية تهنئة من جلالته إلى رئيسة فنلندا (تلك الدولة الخرافية الأخرى، وهل نحلم سوى أن نكون مثلهما) للتهنئة بعيدها الوطني (آه، هنالك من يحتف بأعياد الأوطان؟).
في عمان، يغفو الأهالي، إذا ما صدقنا التلفزة، على وقع الموسيقى الأوروبية التي تؤديها الأوركسترا السيمفونية العمانية، برقة بالغة، وهناك أيضاً تعقد مهرجانات ونشاطات ثقافية، وموسيقية، بعيدة عن العراك اللفظي السطحي الذي نسميه حواراً. هذا الأسبوع، في مهرجان العود، (الذي سمح الانترنت بمتابعته)، كان الحوار بين المدارس المختلفة للعود، دون تعصب أو حساسية، فقد ضم عازفين من سوريا والعراق ومصر، وأيضاً من إيران، ومن تركيا ومن اليونان، فلكل هذه المنطقة تراث مشترك، يحفر في النفس أعمق كثيراً من حفر القنابل التي يسعى هذا الطرف أو ذاك إلى استملاكها.
في هذه العجالة، لا مجال لمتابعة مستفيضة لجميع من شاركوا في المهرجان، لذا سنكتفي بإشارة سريعة إلى ثلاثة عازفين هم، لأسباب متعددة، أبرز من لفت الأسماع إلى الاختلافات الكبيرة وأبرز من لمعوا في هذا المهرجان، في رأيي الشخصي.
عثمان يوردال توكان، الغني عن التعريف لمتابعي العود، الآتي من تركيا، محملاً بمدرسة عريقة، وعميقة النزعة الروحية، جاء أيضاً بتأثرات العزف التركي على العود بتراث الساز، وتقنياته، لكنه جاء أيضاً بارتجالات وجمل ونبرة تعكس قلقاً اليوم وتوتره، وانشداد تركيا نحو عالم أوروبي، يبدو السلام مميزه الأول. بين الروحانية والسلام، يقع القلق، برزخاً، مثلما يقع استخدام توكان لصدى آلته الجميل ولقرارها الفخم، في درامية لا تنفك لحظة عن شرقيتها، ولا ينخفض منسوب توترها وأسرها.
الأسر، هو مميزة أخرى بارزة لدى نصير شمه، العراقي، وأحد أشهر العازفين في يومنا هذا، الذي يعرف كيف يأسر اهتمام الجمهور منذ اللحظة الأولى، حين، بعد سهرة من العازفين، يتساءل، كعنترة عن شعرائه المغادرين، إن كان انتظار الجالسين لم يطل، ممازحاً بالطبع، أو حين يستدر مواقفهم من شهداء العراق، أو من تراثية الفرس ورمزيتها، أو من عراقة آشور إلى قيثارات اشبيلية. يعرف شمه جيداً كيف يقدم نفسه، إلا أن عزفه لا يقل ابهاراً، في رشاقته وأناقته، ومزاجه المبني أساساً على مدرسة الشريف محي الدين حيدر، الموزع بين تركيته وعراقيته، وتصويريتها. يقدم شمه صوراً بارقة الألوان، ويستغل قدرته التقنية العالية، ليقدم أحد أروع الاستعراضات التي يستطيع محبو العود أن يتفرجوا عليها. لكنه يقلل من الارتجال، ويكاد يبدو أن شهرته تجعلنا نحس أنه بات يكرر نفسه في أعماله، لكن نبرته ومزيجه يظلان، منذ الضربة الأولى للريشة، معلماً خاصاً به.
المفاجأة الأكبر في المهرجان، وهي ليست الأكبر لمن كان يتابع هذا الشاب الذي قد نطيل الكلام عنه لكونه غير مشهور حتى الآن مقارنة بالآخرين، كانت حازم شاهين، المصري الاسكندراني، وتلميذ نصير شمه في أحد مراحل دراسته، وتلميذ عبد المنعم عرفه في مرحلة أخرى، والعامل مع عبده داغر في ثالثة، لكنه يظل دائماً نفسه، خاصاً ومميزاً وضارباً في أسلوب عزف مصري الجذور، لكن غير منغلق، بل منفتح على النفس العميقة وعلى الآخر. يفترض أن يتمكن متذوقو الموسيقى في بيروت من الاطلاع على أول قرص مدمج، لحازم وفرقته، واسمه "العيش والملح"، على اعتبار أن المنتج شركة لبنانية (انكوغنيتو)، وربما نعود إليها لاحقاً، لكن عزفه المنفرد يظل متفرداً.
في الارتجالات التي سبقت المقطوعات الثلاث التي قدمها العازف الشاب (وإحداهم كانت "العيش" من تأليفها، في حين جاءت االأخرى من تأليف عبد الوهاب وفريد الأطرش)، بدا واضحاً أن ثمة نفساً جديداً في التعامل مع هذه الآلة، يهدف، ليس إلى التطريب فحسب، ولا إلى رسم لوحات على الطريقة العراقية، بل إلى التقاط نبض الزمن والشباب والعنفوان. في القطعة التي ألفها شاهين نلحظ أحد آثار مدرسة عبده داغر، أي تركيب الجمل الموسيقية، تأسيساً على فكرة السؤال والجواب التراثية، بحيث تتضمن بينة الجملة نفسها مساحة للارتجال المنضبط ايقاعياً وزمنياً. استبطان الإرتجال في التأليف، يتوازى ويتوازن مع قدرة هائلة لدى هذا الشاب على "تأويل" الجملة الموسيقية، بحيث تخرج من حالتها السكونية المكتوبة أو من ألفة سماعها، نحو الإعراب عن مخزوناتها وتوتراتها وقلقها الداخلي غير المستقر إلى على التلاعب مع الزمن.
فكرة العلاقة مع الزمن تتوازى في العزف مع العلاقة مع الإيقاع من جهة، والقرار من جهة أخرى. إذ يتم التعامل مع القرار كما لو أنه الأرض التي، في الأساطير، يستمد العمالقة منها قوتهم كلما مسوها. أما الإيقاع فإن شاهين يعرف كيف يحافظ على إحساسنا به وإسماعنا له في كل نبرة، بحيث لا تنخفض متابعتنا وانشدادنا إلى المقطوعة أو التقسيم، إلا كما تتحرك "الموجة" ("ي الموجه" هو أيضاً عنوان لإحدى مقطوعات القرص المدمج) في توتر لا ينقصه السكون، ولا يخرج إلى الزعيق. في شكل غريب، يجمع شاهين بين كل تقنيات العزف، بالريشة وليس بالأصابع كما يفعل نصير شمه أحياناً على طريقة الغيتار، وبين جناحي الإيقاع والجملة، ويخرج من العود طاقة فرقة متكاملة، متنقلاً بين القرار والجواب، وبين الهمس والشدة، لكنه يضيف أيضاً جناحاً ثالثاً من لهب، لا ندري بالضبط كيف يخرج، لكن منبعه واضح، من نفثات الروح المتوثبة. فجأة، تصبح النغمة لاذعة، محرقة، لكن دون شجن تقليدي ودون استدرار للعطف، إنها حرقة التوثب، لا أسى الخنوع. بجناحين من تقنية وإحساس، وثالث من لهب الروح، يشعل فينا شاهين روحاً مغلولة ويطير إلى فضاء الحرية الأصفى. معاً نغدو عصفور نار
ساحر البهجة والابهار
لا يبدو ان العلاقة الملتبسة بين العود العربي والغيتار (الاسباني والفلامنكو تحديداً) آيلة الى استقرار ووضوح في المدى المنظور. هذا الالتباس الذي قام مع العائلة البشيرية (جميل بشير خصوصاً، لكن منير وابنه عمر ايضاً في عمله الاخير "الاندلس") كانت له امتدادات اخرى اشهرها في اقتباس فريد الاطرش لمقطوعة استورياس ودخولها في تقاليد التقسيم الشائعة إثره. للالتباس هنا بعدان اساسيان. بعد ايديولوجي يرتكز على فكرة الاندلس العربية، وبالتالي ان جذور الفلامنكو عربية وان الغيتار حفيد العود (الحفيد الذي شاخ قبل الجد بحسب احد المعلقين على حفلة شارك فيها منير بشير مع احد عازفي الغيتار) وان هذه بضاعتنا ردت الينا، الامر الذي يفسر غياب تأثيرات الغيتارات الاخرى (الكلاسيك، الروك، الجاز، الكاونتري) وكذلك، وهو الاكثر مدعاة للاستغراب، غياب تأثير العود الباروك Luth Baroque. البعد الآخر تقني. ثمة انبهار عربي ساطع بالغيتار الفلامنكو، اذ يجمع الى ميلوديا قريبة من منطق الميلوديا العربية، تطوراً تقنياً هائلاً اذا قورن بالعزف التقليدي على العود، إن لجهة العزف بأصابع اليد اليمنى، والايقاع والائتلافات، والسرعة والاوضاع. وربما فاقم هذا الانبهار ان عربياً لم ينبغ في مثل هذا العزف بخلاف ما حصل مع آلات اخرى كالبيانو والكمان والتشيلو. وهذا الانبهار تحديداً ما دعا العرب، كعادتهم، الى الانتباه الى سبقهم الحضاري والى القول انها "بضاعتنا...". اي الى اختراع جَدّ بمفعول رجعي، حاسبين، كالعادة ايضاً، ان تقليد التقنية كفيل اثبات صحة من النسب، قاطعين التقنية عن محيطها الاجتماعي وفضائها الثقافي والتاريخي، بما في ذلك فضاء تذوقها. عزف نصير شمه لا ينجو من هذا الالتباس، او على الاقل لا ينجو تذوقه من هذا الالتباس. اذ بينما يردد شمه بذكاء ان التقنية تقنية ويجوز تطويعها واستخدامها دونما عُقَد، ومن أي مصدر أتت، حين يريد ويقدر (من دون ان يذكر الغيتار تحديداً، لكن ايضاً من دون ان يوضح لمَ الاتكاء على هذا المصدر، وارادته هو دون خيارات مغايرة!)، لا يكل جمهوره عن اقامة المقارنات، ولم تفتأ صديقة تردد اثناء عزفه في بيروت في الاسبوع الاول من هذا الشهر، ان الغيتار يغدو نكتة اذا قيس بهذا العود. الا ان الالتباس بالغيتار، في ذائقة جمهور شمه، لا يعدو كونه جزءاً بسيطاً من خصائص عزفه المتنوعة تقنياً ومسرحياً وموسيقياً. العزف المسرحي يجمع نصير شمه الى ما سبق ذكره من سرعة غير مألوفة، وعزف ايقاعي بالاصابع بدل الريشة احياناً، والاكثار من الائتلافات والاربيجات (الائتلافات صاعدة او هابطة)، وابدال الاوضاع، خصائص المدرسة العراقية في العود، بخاصة ما يعرف بالتريل Tremolo او الترجيف، وتزحيط اليد على زند العود وصولاً الى صدره، وحب الطبقات الحادة، ويضيف الى ذلك تقنيات طوّرها واستملكها كالعزف باليد اليسرى وحدها من دون ريشة، او حتى بإصبع واحدة منها، وكذلك ما يعرف بالـHarmonics او الطبقات الهارمونية الناتجة من نقر الوتر في مواضع تقسمه تقسيماً رياضياً كالنصف والثلث ونصف النصف الى آخره، حتى صار في مقدوره ان يرتجل لمدة طويلة نسبياً وهو يعزف بعدما تخطت يده اليسرى "القمرة" اي فتحة صدر العود، وهو أصعب انواع العزف على العود وادقّها. يصهر شمه هذه الخصائص ويحولها الى قدرة فذة على التنويع والزخرفة، والارتجال الايقاعي (وهو في هذا افضل منه في الارتجال الحر). ويحيله هذا عازفاً مرعب الإبهار على المسرح. فبين القدرة على التنويع على الحان معروفة "حوار مع الكبار" الى الاهداءات السياسية ("حدث في العامرية" او "بنفسج ارواحهم" البديعة)، الى الايقاع والسرعة ("رقصة الفرس") الى العزف بيد واحدة ("المخالف" الرُكباني)، او حتى باصبع واحدة ("رسالة الى بغداد")، الى الذكاء في ادراك ذائقة الجمهور فيعزف الدلعونا في لبنان وبليغ حمدي في القاهرة، ويخفف من منسوب الخصوصية العراقية في ربع التون لدى استقراره في القاهرة من دون ان ينقطع عنها تماماً، ويعزف بشامية ما في بيروت. ذلك كله يطرح اشكالات عديدة نقدياً، لكنه بالنسبة الى المستمع في المسرح، مصدر متعة وانبهار فائقين، اذ لا يخرج احد من حفلة شمه قبل نهايتها، بل لا يرفع احد عينيه عن "رقصة أنامله" على زند العود طوال ساعتين واكثر. واحد عناصر الإبهار المسرحية التي لم يتسنَ للجمهور اللبناني اكتشافها في عزف نصير شمه قدرته على الحوار مع آلات اخرى في فرقته "عيون" التي أسسها في مصر، كما أسس ايضاً "بيت العود العربي" وسنعود الى ذلك، قادماً من تونس إثر مغادرته العراق بعد الحرب الثانية. ففي اعمال عدة، مكتوبة على شكل جملة واحدة او اكثر، تتكرر كلازمة تفصل بين حوارات مرتجلة عديدة، يتحول نصير شمه الى قائد فعلي ومحاور شيّق لآلات فرقته، سواء الايقاعية او الوترية (من كمان او قانون او عود آخر مع نهاد السيد) او النفخ (مع ناي هاني البدري، الشاب المعجزة في الفرقة). نجومية نصير شمه (في مصر خصوصاً) قائمة اذاً، كما كانت نجومية ليست، على المسرح قبل ان تقوم على التأليف. الا ان هذا، عكس ما قد يتوهم البعض، لا ينقص من قدر العازف ولا من قدر الآلة. وتاريخ العود تحديداً مليء باستدعاء ارض مشتركة مع المستمع، حتى لو ذهب ذلك الى حد اداء اغان معروفة على العود، كما كان يفعل جميل بشير، او مارسيل خليفة في "جدل"، او نصير شمه في حواراته مع الكبار. اذ ان ألفة هذه الذاكرة المشتركة شرط اساسي في ما يبدو لسماح المستمع بابداع العازف وقبوله به، ومنذ اللحظة التي طالب بها العراقيون باحتلال الآلة صدر المسرح، وتحويل الآلات الى عازف منفرد، تضمن هذا المنطق احتمالات عدة من الاغواء، الاغواء بالحكمة والصمت والاغواء بالاستعراض. والمسرح متسع لكليهما ولسواهما. قراءة في الموسيقى تطرح هذه الاعمال مسائل عديدة سنقتصر على اثنتين رئيستين: التسمية والاهداء من ناحية، والشكل من ناحية اخرى. الاسم معبر اساسي للمستمع الى المقطوعة، وكذلك الاهداء. ومن الملاحظ في اعمال شمه كثرة الاهداءات الى جميل بشير او غارسيا لوركا، والاهداءات السياسية الى المقاومة في لبنان، او فلسطين او اطفال العراق. بالطبع، فإن القراءة السياسية لعمل فني قراءة محتملة ومشروعة، الا أنها في الموسيقى تحديداً اصعب بكثير. وباستثناء "العامرية" المتكئة على محاكاة لاصوات القصف والطائرات وعويل سيارات الاسعاف والنشيد في الختام، فإن الموسيقى البحتة لا تبدو قادرة على مثل هذه القراءة المباشرة والمجانية في عدد من الاحيان. والمحاكاة كانت في اصل اطلاق اسماء على المقطوعات الموسيقية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر مع جانكين خصوصاً، اما إثر ذلك فقد عادت الموسيقى الى تسمية المقطوعات باسم القالب سوناتا مثلاً او فوغة، كما هي حال الموسيقى العربية تقليدياً مع السماعي واللونغا وسواهما، الى بدايات العهد الرومنطيقي مع "بطولية" بيتهوفن ثم مع شوبان وليلياته وبعض مؤلفات ليست ثم تطورت مع الوقت الى الذروة مع رافيل خصوصاً. واذا صح ما يراه فوكو، فإننا لا نزال نعيش في القرن التاسع عشر. وهذا وحده ما يبرر اسماء كمثل "بنفسج ارواحهم" او "إشراق"، في حين تظل اسماء مقطوعات مؤلفين آخرين مستندة اما الى "هضمنة" ما واما الى صدفة. كأن تسمّى مقطوعة باسم المكان الذي واتت المؤلف فكرتها من دون اي ارتباط فعلي بالمقطوعة. إن قراءة سياسية تفترض، اول ما تفترض، نقداً للموسيقى نفسها ولقدرتها على التمويه والتضليل، وهذا ما نفتقده بشدة في أغلب المشاريع الموسيقية السياسية عربياً. ولا يشكل نصير شمه استثناء على هذا. فتآليفه تتكىء كثيراً على قوالب السماعي (سماعي على وتر واحد، او "تعاليم حورية" المستوحى، من دون ان يكون ذلك واضحاً موسيقياً، من قصيدة لمحمود درويش) او اللونغا في استعمال الدوبل كروش وتكرار المجموعات الايقاعية والنغمية على وتر أعلى او عرضها على المقام. كما تتكىء ايضاً على منطق مقدمات الاغاني المصرية خصوصاً في تغيير الايقاعات والانتقالات المقامية، ويضاف الى ذلك حب نصير شمه للنشيد، لغنائيته اكثر من حبه للحماسة فيه. ومن ضمن التأثر الغنائي الرومنطيقي، يطور شمه مفهوماً سبق ان أثاره الشريف محيي الدين حيدر، مؤسس المدرسة العراقية، في اعمال مثل "الطفل الضاحك" و"الطفل الراكض" و"ليت لي جناح" (رد عليها شمه في مقطوعة جميلة بعنوان "لو كان لي جناح")، وهو مفهوم الفكرة - الصورة في الموسيقى. أي ان يطلب من الفكرة او الجملة الموسيقية ان تخلق لدى المستمع صورة ذهنية ما، يقول شمه إنها تتخلق ما بين بصره واصابعه اثناء العزف. هكذا تنقسم تآليف شمه نمطين اساسيين: المقطوعة - الصورة والمقطوعة - الارتجال والتي قد تنحو حتى الى الارتجال الحر. اما النمط الاول فخير مثال له "حدث في العامرية" او "بين النخيل". لكن انتقادات عدة قد توجه اليه، ابرزها اتكاؤه على المحاكاة في اصدار الاصوات وفي تكوين الصورة وتثبيتها، وهو ما لم يعد شائع القبول في أذواق الخاصة والمثقفين منذ شوينبرغ وبيرغ على أقل تقدير. وكذلك يتنافى مع الابهار المسرحي لعزف شمه الذي يمنع المستمع من تخليق الصورة الذهنية لانشغال عينيه بمتابعة العزف والاستعراض. الا ان شمه قادر على مزج النمطين احياناً كما في عمل بديع بعنوان "شكت"، مستوحى من بيتين للاخطل الصغير، حيث تكرّ الارتجالات والحوارات مع عازفي الفرقة كما تكر لآلىء الدموع على خد الحسناء في بيتي الاخطل الصغير، تؤطرها جملة موسيقية مرحة وحيوية ورحبانية النفس بعض الشيء. بيت العود العربي أسس نصير شمه في القاهرة (ويتحضر حالياً لافتتاح فرع في الاسكندرية) ما اصبح يُعرف ببيت العود العربي، وهو مشروع شديد الطموح، على حداثة عهده. ويطمح هذا المشروع الى تكوين عازفين منفردين على آلة العود، يتمتعون بقدرات تقنية عالية جداً في علاقة تشبه علاقة الشيخ بالمريد، لا علاقة الطالب باستاذ الكونسرفاتوار تقليدياً. فالمناهج ليست محددة بعد، والدرس يعتمد على التسجيل والعزف والملاحظة ولا يتكل على النوتة الا استثنائياً، مما يسمح للمريد بالانتباه الى قدرة شيخه على التنويع والزخرفة في كل مرة، والمتخرج آخر الامر، وإن كان يحصل على شهادة معادلة لدبلوم الكونسرفاتوار، الا ان التخرج مرهون اساساً بتقدير نصير شمه لتمكّنه من الانفراد على المسرح، اي مما يشبه الاجازة بالاستقلال. صحيح ان العمل جار على إنجاز منهاج، يعتمد على تراث المناهج العراقية التي تركز منذ عشرات السنين على العاب الريشة المقلوبة والاوضاع على الزند، الا أن قدرة المنهاج الحقيقية هي في تمكينه الطالب من الاستمرار في تطوير نفسه. لهذا فإن علاقة المريد - الشيخ، عدا كونها متابعة لتراث حقيقي وفعال في الموسيقى العربية، اساسية في بناء رصيد من التقنيات والنقاشات التي تسمح بمثل هذا التطوير المستمر. خريجو هذا المشروع والذين يساعدون نصير شمه في مهمات التدريس، هم الى الآن خمسة: غسان نادر وأيمن حامد وثلاثي بيت العود نهاد السيد، اول الخريجين، وشيرين التهامي وحازم شاهين (وهو اسم سيكون له شأن كأحد أبرز العازفين العرب في زمن قريب جداً)، ولكل منهم شخصية عزفية مختلفة تماماً وثرية. ذلك ان هذا النوع من التدريس، عكس التعليم التنميطي الذي يطمس التمايزات، حريص على قبول التنوع ورعايته، كما سبق ان رعى في العائلة العراقية نفسها رقة جميل بشير وصرامة منير بشير وتأمله، ورعى وسيرعى تحول عزف نصير شمه الى ينبوع فرح وعطاء ومعه وحوله كوكبة من سحرة المتعة والبهجة والإبهار.