Affichage des articles dont le libellé est الحرب. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est الحرب. Afficher tous les articles

mercredi 21 mai 2008

أناقة اللغة الوقحة



عهر البلاغة

نشرت في ملحق النهار، 18 أيار 2008

ـ حين تنتشر شظايا القنابل وشرر الرصاص، يغدو تماسك الخطاب وقحاً إن لم يكن كذابا. ما يبقى من القول إلا كتل يفتتها أدنى لمس امرأة ثكلى، أو طفل خائف.
ـ من يسائل الآن عن منطق قرارات حكومية هوجاء، عن التوقيت وجدول عفن الشرق الأوسط، أو عن تمهل المنتصر، حين تطفح بسمته بثمل النشوة المظفرة، بسكرة السلاح؟ أليس السلاح ما يحرك نفوس حامليه، بحسب بورخيس؟ خفة الدم، في هذا المقام، أو أناقة الاقناع، ليستا غير فرع من شجرة النفاق. عهر فاضح تصير البلاغة حين لا تجهر بأن "الموت يدافع عن الموت" ؟
ـ في صيف 2006، حارب مقاتلو حزب الله مثل أشباح، في أرضهم. هاهم اليوم يطلقون النار على الأشباح. هل اعتراهم الرعب من نقاء صورتهم، أم هو وسواس الدم الخفي المنسي على الأيدي يستدعي دماً أوضح؟
ـ قتلى الحروب الأهلية ليسوا شهداء، بل شهود على الحمق والكبر. دمهم لا يصعد إلى السماء العكرة، بل يظل على الأرض، لا يغسله شيء، ينبت دوماً على جلود الناجين، وفي أعين القتلة كجفن معترض.
ـ حزب الله لم يعد حزباً، بل شعاراً، كالقاعدة، يحمله حتى أعداؤه، شارة في جبينهم. كل مقاتل لبناني في شارع لبناني أصبح مدموغاً به. كل مقاتل اليوم أصبح مقاتلَ الحرب الأهلية المتمادية منذ عقود، أو أكثر، القاتل على الهوية وعلى الثقافة وعلى الاسم، والمقتات من الغنائم والغصب. هل يدرك ذلك من يفرح باحتضان السلاح؟
ـ هناك من يشدد أن النزاع سياسي، وليس حرباً دينية. كي لا تكون الحرب دينية حقاً كان الأولى ألا يتحدث المشايخ والمفتون ونواب الغائبين والمغيبين، وكان يفترض أن يكون المنخرطون فيها سياسيين أو طالبي حق (محتكمين إلى القانون). أي أن يكون ولاء حزب الله لإيران ولاء سياسياً، لا فقهياً، وأن يكون موت الناس قتلاً لا شهادة، وأن يكون المقدس واللاعقلانية والفطرة (أي الغريزة) خارج أسباب الصراع ووسائله وذرائعه.
ـ مثل بثرات مزمنة، تتكرر مشاهد القتل في شوارع لبنان. هل هو غياب العدل الذي يعيد في كل مرة نسف السلم، الذي نقدمه على القصاص؟ من يأتي بالعدل إن لم يكن من غالب، عادل أم لا؟ هل هو غياب الرواية تُسكَب في روح اليافعين كي تكسر حماساتهم إلى الظفر الحربي وتُشكّكهم في وعود الملهمين والنجوم؟ أم أنها فقط ذاكرة مديدة، تسترجع، من حين لآخر، بعض الذكريات، دون أن تحفر في جلود الناس أي وجع؟
ـ قال أحد مشايخ الحزب إن بيروت الغربية لم تعد ذات أكثرية سنية. كم نرجو لو يتحقق هذا القول. كم نرجو أيضاً لو ينطبق نظيره على الضاحية البيروتية الجنوبية، ونرجو لو يسحب الجيش السلاح، بدل طلبه سحب المسلحين إلى يملكون السلطة الفعلية، أي قادة الزعران ومقدميهم، ولو ينتشر في كل المناطق بشكل متوازن، في انتظار انتشار الانماء. عسى أن تكرهوا شيئاً....
ـ الحرب خدعة، لا ريب. المقاتل ليس شجاعاً بل مخادعاً. أطهر الناس من يتمسك بشجاعة العيش الصعبة، لا من يتلمظ باقباله على الموت.
ـ بات الفصل المثلث ضرورياً بين الحزب (الذي بات مستغنياً في التعريف عن المضاف إليه، على جلاله) ومقاتليه وطائفته. لكنه أيضاً بات ناجزاً. الحزب المتطهر لا يلغ في الدم، عكس المقاتلين الذين يموتون ويعيشون في متخثره، أما الطائفة، المزهوة (بدليل الصمت العارم) بحلم القهر الموجه إلى خارجها، فستكون أول من يتنبه إلى كونه مجرد مقدمة لعودة النصل إلى روحها. كسابقاتها، سوف تستدعي، متأخرة، الآخر لينقذها من نفسها، من السرطان المتنامي في نسيجها. حكم الطبابة أن تكون يد حامل المبضع يد الغريب.
ـ طرابلس أيضاً تستأنف ذاكرتها، لأنها حاضرة فخور وليست ضاحية شمالية. مستقبلها لا ينفصم عن أزقتها، والرابط مع العاصمة الحديثة النعمة ليس بأوثق من الرابط مع ما وراء البحار، ما قبل العولمة. رهان وحيد لوقف "عرقنة" البلد؟
ـ بين مايو الفرنسي وأيار الانتصارات، بحسب إعلام الحزب المنتصر سرمداً، أن "المخيلة تنزل إلى الشارع" في باريس، في حين يصعد الشارع إلى المخيلة في بيروت. ربما لم يكن حصاراً، إلا أن شمس الحمراء تلح على مخيلتي كأميرات القصص. بينهما أيضاً أن أيام باريس عيد الأفراد المتحررين، أما أحداث بيروت فطوفان الرغبة في الانحلال في وحدة الجماعة، لذا كان التحرر سابقاً على مايو، في حين أن السلاح مصوب على رأس أيار يستعجله الانقضاء، نحو حزيران الشهير.
ـ لا يصنع من الفسيفساء اللبنانية زرد. المطارق تكسر، ولا تصيغ، والنار تحرق ولا تصهر. رغم ذلك، لا يجد الحزب خياراً سوى اتخاذ اللبنانيين درعاً! ولا يجدر بهم اسقاط مربعاته عنوة أو كرهاً، فاللوحة تتداعى إن لم تكن عناصرها "محشورة" ضلعاً إلى ضلع.
ـ حزب الله لاعب اقليمي، وطموح كوني، أو هكذا يظن. غير أنه لا يحلم بدولة له، تلقى مصير غزة، ولا بحكومة له خارج اقليمه اللبناني. ما قام به ليس غزوة، ولا غارة، بل طلب حار للحماية. يحيا الحزب من كون الطوائف عصية على الاقتلاع، ويموت لأنها ليست، على ساحة الدول، سوى كتل من أذى منتن لا يمس سوى بأعواد الموت القابض. كأنما النصر المحلوم على إسرائيل لن يكون إلا بثمن تحويل المشرق كله خلاء. أليس هذا أيضاً معنى القنبلة النووية الاسرائيلية؟
ـ حولت اسرائيل، رغماً عنها، الأرض اللبنانية موحدة. ها إن الحزب المعادي لسياساتها يحيل، رغماً عن مقارناته المتهافتة، بيروت مفصولة عن بنت جبيل بهوة مقدسة. كم حياة تلزم لردم المقدس؟!
ـ كيف تجيب رصاصة، أو تتحدث مع فوهة رشاش؟ كيف تعود إلى بلد تسأل فيه عن هويتك واسمك ومسقط رأسك (قبل أن يعاود السقوط) من عيون غريرة الشر؟ الخائفون لا يحارون جواباً، لأنهم يركضون، ويخفضون وجوههم. في مواجهة المقنعة وجوههم (للمناسبة، لم يتقنعون إن لم يكن حرصاً على علاقات الغد الذي يغتالون؟)، لا يسع المرء أن يرد إلا بسفور الوجه الهادئ على الرصيف. أن يكرر: لستُ أنت، لستُ أنت.

samedi 5 janvier 2008

كلمات! كلمات! كلمات

ملحق النهار الثقافي، أيلول 2006
دقة الكلمات التي تقيّد العسف



من الواضح أن ثمة هوساً فعلياً لدينا، كما لدى بوش بإرهابه والإسلامو ـ فاشية، بإلباس الواقع لبوس الكلمات، على حساب الخراب الشامل وعلى حساب قدرة الكلمة على الدلالة، غير أن ذلك يجعل كل خطابٍ شيفرةً سريةً لا تخاطب إلا جماعة تتقاسم "الكود" وأسلوب فك الرموز. وإن كان هذا الأمر يسمح للجماعة ببناء اختلافها عن الأخريات، إلا أنه في شيوعه الحالي يمنع اللغة من تأسيس فضاء سياسي مشترك بين الجميع. كما أن فشو تمويه الواقع باللغة يمنع قيام أي دعوة للتغيير على أسسٍ واضحة، ويترك الناس أمام خيار تكذيب الجميع أو عبادة الأشخاص، أو الإثنين معاً على ما يشهد الواقع اللبناني.

هذا يستوجب التدقيق في استخدام بعض المفردات المرشح يعضها لأن يصير، بأقرب مما نتصور ربما، "الرمز" الجديد للتعارف وللتقاتل بين الجماعات اللبنانية.

الكرامة الوطنية

لا يبدو مفهوم الكرامة مفهوماً سياسياً بالطبع، فهو ليس أكثر من رداءٍ يخلعه السياسيون على قبح سياساتهم وعلى المصالح المخبأة وراءها. غير أن كل استعمال من هذا النوع لهذه المفاهيم إنما يفرغها من محتواها القانوني، ويقوّض بالتالي الأسس التي تواضع عليها الناس مرجعاً لحلّ النزاعات بطريقة غير عنفية. ومن المعلوم بالطبع أن تقويض القانون هو أيضاً تقويض السياسة، لأن القانون هو اللغة الأساسية التي يمكن للمطالب و التسويات السياسية أن تتجسّد فيها. والعمه في هذا الغيّ لا يبعث تالياً سوى على الوثوق بدنوّ النوائب.

هكذا مثلاً، حين يبتكر أحدهم مفهوم الكرامة الوطنية، غير الموجود في القانون الدولي العام، فإنه ينقل الكرامة إلى الوطن، وضمناً إلى الدولة، ومن ثمّ إلى أصحاب النظام فيها، وهو بذلك ينزعها عن المواطن و يمهد لسحقها لديه في الوقت عينه الذي يخرجها عن دائرة القانون. ذلك أن الكرامة، في القانون، مفهوم محصور بالكائن البشري، ومؤخراً تجري محاولات لبلورة مفهوم كرامة الجنس البشري بكامله، انطلاقاً من كرامة الفرد، وذلك بهدف منع ممارسات كالاستنساخ، دون أن تصبح بعد متماسكةً.

على الصعيد السياسي إذن، كان الأولى اشتقاق كرامة الوطن من كرامة المواطن، وليس فرض العكس، أي أن تكون كرامة الوطن في بقاء المواطن في ظل عيشٍ ومعاملةٍ كريمين وفي حريةٍ وأمنٍ في نفسه وأهله وماله ورأيه، وهو ما قلّما عرفه مواطن في أوطاننا الكريمة.

إسترهان لبنان

تتوالى الانتقادات، من أطراف داخلية وخارجية، لحزب الله لاسترهانه لبنان في حربه مع إسرائيل، أي أخذه له رهناً ورهينة. وكان لسان العرب ذكر عن ابن سيده، قال: "الرَّهْنُ ما وُضِعَ عند الإِنسان مـما ينوب مناب ما أُخذ منه".

غير أن مثل هذا الوصف كان يليق بالطبع بالنظام السوري، إن صدق في زعمه أنه يبتغي استعادة الجولان، لا اتخاذ لبنان منه بدلا. أما أن يصدق في حزب الله فموضع شك، لأن الجزء لا يستطيع استرهان الكل، ولا يسع فئة أن تسترهن شعبها دون أن تسترقّ نفسها. كما أن مثل هذا القول مردود لأن ليس من أمر أُخِذ من يد الحزب حتى ينوب لبنان منابه. لا يسع مثل هذا القول أن يكون في محله إذاً إلا إن يقل المرء أن هدف حزب الله لا يزال استرجاع وحدة المسلمين وفرضها دولة واحدة لأمة واحدة، غير أن لا شيء في خطاب الحزب يذهب مثل هذا المذهب.

إذن ليس لبنان رهينة، منذ الانسحابين السوري والإسرائيلي، ولا الحزب يهدد بتقويضه أو يتخذه درعاً (بما أن الخراب واقع أساساً بمنطقة الحزب نفسه) إن لم تنفذ مطالبه في مزارع شبعا واسترجاع الأسرى! بل الحزب يعلن دوماً وصادقاً السعي إلى تجنيبه التقويض والوقوف في وجه ضربات العدو.

وليست المصادرة بأدق تعبيراً، خصوصاً أننا لم نجد لها أثراً في معنى الاستملاك لعينٍ ما، إلا إن يكن أصلها بمعنى الرجوع إلى الأصل الذي صدر العين عنه، أو نقله إلى موقع الصدر والصدارة، وفي المعنيين هذين تقدير فائق للدولة ولموقعها لا نفترض أن الفردانية الليبرالية الصميمة في النظرة اللبنانية للدولة تحتمله. كما أن الاقتطاع أيضاً لفظة غير وافية بالمقصود، إذ أن اقتطاع جزء من الأرض وتسويره لا يشمل القدرة على استجرار الأذى على ما سواه. أما تعبير "الطائفة الإثنية" فيضيف إلى تعقيد وضع الأولى غياب دقة الثانية، إن لم نقل باستحالة العثور عليها في الواقع، ناهيك عن تدافع التعبير وتنافي اللفظتين، إلا إن يكن صاحبه يقصد اختصار "الإثني عشرية"!

تسوير جزء من الأرض واقتطاعه، والقدرة على القتال انطلاقاً منه، على أن يشمل الضرر عن القتال ما ليس في الأرض المقتطعة ولا في أرض العدو، والتعامل مع هذه الأضرار على أنها "أضرار جانبية"، وفي المقابل فإن المطالب التي يرفعها الحزب في وجه الجميع لا تقتصر على استرجاع الأرض والأسرى من العدو، بل على إثبات العدو لنيته في الاستسلام النهائي الذي لا قائمة له بعدها، بما أن طبيعته في الجوهر عدوانية وهذه العدوانية تبرر كل ما سبق من استعدادات: في كل هذا لا يبدو أن الحزب يأخذ لبنان رهينة، بل أنه يتعامل معه فقط كما تتعامل معه إيران أو أميركا، أي على أنه ساحة لم يستطع اقتطاعها كاملة، فاقتطع ما أمكنه، وترك الباقي لوظيفة الساحة. المشكلة ليست في استرهان الحزب لبنان، بل كونه أول طرف لبناني في تاريخ لبنان الحديث يسعى إلى أن يكون لاعباً ـ فعلياً ـ في ـ لبنان ـ الساحة، خلافاً لكل أطراف الحرب اللبنانية الذين كانوا بيادق هنا أو هناك واستفادوا من الساحة دون أن يربطوا وجودهم ببقائها على حالها، إذ أن لبنان المزرعة كان ولا يزال بيئة مؤاتية أيضاً لهم. لكن حزب الله ربط وجوده بقيام الساحة وبقيامه لاعباً "اقليمياً" فيها، في حين بدا أن المال "النظيف" والعقيدة الطاهرة منعاه من استحلاب الدولة، وهو ما يزال مصراً على تجنبه في ما يبدو. تعففاً؟ ربما. لكن ذلك وحده يسمح له بالاستمرار في تسوير "منطقته" ومنع أبنائها من مخالطة الآخرين، في حين أن لعبة الدولة، بما في ذلك المحاصصة، دخول في سراديب لا يسعها إلا أن ترسخ علاقات (وبعضها علاقات فساد بالطبع) تقفز فوق هذا السور.

في هذا المعنى، وحيث أن الساحة هي الباحة، بحسب القاموس المحيط، فإن المشكلة مع حزب الله هي في "استباحة" الوطن اللبناني (في المعنى الدقيق، ولا حكم قيمة فيه، أي اتخاذه باحة)، لا في استرهانه. ونزع ذرائع حزب الله في الاحتفاظ بالسلاح يغدو بالتالي مطلباً هزلياً لأن الذريعة الأولى له، والأصدق والأعمق (فالذريعة في لسان العرب هي الوسيلة، وليست الكذبة)، هي هذه "الاستباحة" والتي لن تعدم مسميات أخرى. ولما كانت "الاستباحة" تحمل شحنة سلبية فإن المفضل ربما نحت تعبير "الإستساحة" (على وزن الإستساغة!) أو استعمال تعبير آخر مثل "إقليمية" الحزب، ما دام كل طرف في هذا الإقليم السعيد يتعامل مع لبنان على أنه ساحة ويرى في نفسه قوة عظمى إقليمية!

إن نزع ذرائع حزب الله في هذا المضمار، مثل نزع سلاحه، لا يمكن لأحد أن يقوم به، سوى الحزب نفسه، وطوعاً ، حين يقتنع الحزب نفسه أن المسميات لا تنضب، ولكن قدرة الجمهور على البقاء خلف السور، وإن يكن حائط برلين أو سور الإتحاد السوفياتي الحديدي، إلى نضوب قريب لا تجدي معه مترادفات اللغة. وحين يدرك، بمساعدة اللبنانيين واحتضانهم له، أنه، مهما كبر، يظل يستظل، وأهله وجمهوره، سماء هذا الوطن ويوارى في ثراه.

اختطاف المجلس النيابي

في المقابل، تبدو مفردة "الاختطاف" المرشحة الأوفر حظاً للرد على أصحاب "الاسترهان"، وتلوح منذورةً لمستقبل باهر. ويعتبر أهلها أن الأغلبية الحالية اختطفت لبنان مستغلة الدموع الشعبية على اغتيال الحريري، وتسعى إلى نقله من موقع إلى موقع آخر. وهكذا يضيف القائلون بالاختطاف هزلية لبنان ـ قطعة الأثاث المتنقلة بين الحجرات، إلى إخراجهم الشعب من سوية اختيار من يريد إلى فرادة الابتزاز العاطفي سلاحاً شهرته قوى 14 آذار على قلوب اللبنانيين المرهفة!

ينكر هؤلاء على الغالبية النيابية صفتها هذه، تارةً بابتكار مصطلح "الأكثرية المؤقتة" (وكل أكثرية في نظام ديمقراطي مؤقتة وينبغي أن تكون كذلك) وأخرى بصك تعبير "الأكثرية الحسابية" أو "الوهمية" (وكل أكثرية في نظام ديمقراطي يقوم على احتساب أصوات الناخبين حسابية بالطبع، ووهمية لأنها لا تقوم على تصويت متواصل بل على تفويض يمنح في لحظة معينة ويفترض، أو يتوهم، القانون استمراره حتى التصويت المقبل)، وطوراً باستمرار احتساب أصوات الناخبين من المسيحيين دون المسلمين (على ما درج عليه صاحب الأغلبية المسيحية، مخالفاً الدستور الذي لا يمنح أوزاناً مختلفة لتصويت الناخب، ولا يفصل بين الناخبين على مثل هذا الأساس)، وطوراً برأي أحد خريجي كليات الحقوق أن تغيير التحالفات الانتخابية يبطل فوز النائب! وأخيراً بافتراض أن لا شرعية للغالبية لأن الناخب كان مكرهاً تحت سلاح الابتزاز العاطفي! ولا رأي لحاقن...ضحكه.

يغفل هؤلاء في محاولاتهم المختلفة أن مبدأ الانتخابات في حد ذاته يقوم على تحمل الناخب، بنفسه، لمسؤولية اختيار ممثليه في لحظة حاسمة لمدة ولاية كاملة. أي أن كل انتخابات تعبر بالضرورة عن مزاج آني، وليس في هذا ما يشينها في حد ذاته، وإن كانت قلة الوعي لدى الشعب، كما تبدت في الانتخابات المشكو منها، تثير الأسف لحال الشعب ولحال طبقته السياسية بأكملها تقريباً. وهذا يضاعف تلقائياً أهمية احترام قواعد الدستور وحقوق الإنسان لأنها وحدها تشكل الثقل الموازي الذي يحد من كوارث أهواء الجماعات المتلاحمة.

إقامة القوة على مبعدة والإقامة في الأمان

هكذا، تاريخياً، فقط بعدما رسخت قواعد القانون العام أصبحت العودة ممكنة إلى القول بسيادة الشعب الذي لا سلطة إلا منه. ذلك أن قواعد القانون العام في هذا المجال إنما تقيّد عسف الجماعة وتقولب طرقها في التعبير والفعل، وتقيم القوة المطلقة على مبعدة، مقيمةً الأفراد في الأمان، حين تُحتَرَم بالطبع. والبعض ربما يسوؤهم الأمر، إلا أن الرد المفحم على عشاق التهاب القلوب بالحماسة، وانصهار الجماهير الذي لا يحتاج إلى قنوات للتعبير عنه، يأتي من حنة أرندت التي رأت بنفاذ بصيرة إن الأنظمة الديموقراطية تقوم على احترام دساتيرها أكثر من احترام قاعدة الأكثرية، في حين أن الجماهير، المنصهرة دون تمايز والمنصبّة سيلاً موحداً، هي عماد الأنظمة التوتاليتارية وركيزتها.

الدساتير، وإن صاغها أفراد في لحظة ما، ليست من وضعهم. إنها، والقوانين، الاتفاقات المعقودة حين تضع الحرب الأهلية، الباردة أو الساخنة، أوزارها. وهي تالياً ليست في معزل عن الشعب أو عن تاريخه، لكنها لا تأخذ بمنطق الهرجات الشعبية، بل تشكل غالباً مناراته وشطآن نجاته. وهذا يضاعف من خطورة تجويف مضامينها وانتهاك لغتها وإفراغ كلماتها من مضامينها الدقيقة، لأن ذلك يعني النكوص عن تقييد القوة الهوجاء وإعادتها، متعسفةً بطبيعة الحال، إلى عقر الدار لتعيث فيها تخريباً وإرهاباً.

بناء الثقة بعد الحرب

ملحق النهار آب 2006

من أجل بناء الثقة بين اللبنانيين و بدولتهم




من الواضح أنه ما أن ينجلي غبار المعارك، والركام الذي خلفته، حتى تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مسار سياسي داخلي لبناني، يفترض إجراءات لإعادة ترميم الثقة بين الأطراف اللبنانيين، وصناعة فضاء عام يشترك فيه اللبنانيون جميعاً بهدف إنشاء دولتهم الجامعة والوحيدة القادرة على تثمير جهودهم سياسياً على المستوى الدولي. غير أن تحديد هذه الإجراءات والقواعد الأساسية التي ينبغي مراعاتها من أجل التوصل إلى هذه الأهداف، يتطلب مسبقاً استيعاب المعطيات الإقليمية الناتجة عن الحرب والتي تظهر إيران رابحاً أوحد فيها، والتحديد الدقيق لقدرة اللبنانيين الداخلية على التأثير في سياق سياساتهم وتحييد بلدهم عن أنواء العواصف الإقليمية المقبلة.

إيران رابحاً أوحد

يمكن الخروج من نتائج الحرب على لبنان، وطريقة إنهائها التي تميزت بخاصة بكثرة الاتصالات بوزير الخارجية الإيراني، باستنتاج أن إيران خرجت منتصرة من هذه الحرب التي دخلتها بالواسطة، مما يبشر باستمرار التوتر بينها وبين الأميركيين على صعيد ملفها النووي، الذي يشكل خطاً أحمر بالنسبة للطرفين، المستعدان تمام الاستعداد للتعاون (الوثيق) في كل الشؤون الأخرى، وبخاصة في شأن اقتسام "الشرق الأوسط الجديد أو الموسع". وقد كتب أحد مأذوني حزب الله مؤخراً أن صمود حزب الله الميداني أجبر حسني مبارك على استقبال وزير خارجية إيران (كذا!!) وهذا كافٍ لتبيان أن الأطماع التي تحدو طهران، والتي تستغل هذه الأخيرة حزب الله اللبناني من أجلها، ليست مقتصرة على لبنان، ولا على القنبلة النووية.

يمكن أيضاً الاستنتاج بأن النظام السوري بات الخاسر الأكبر من هذه المعركة، حيث تم تهميشه طيلة الحرب، وألغى وزير الخارجية الألمانية مرتين زيارته لدمشق بسبب طيش رئيسها وسياستها الخارجية، حارماً بذلك النظام من ادعاء عودته إلى الساحة الدولية وانتهاء عزلته. وما إعلان بشار الأسد الحرب على من يسميهم بـ "17 أيار" وعلى كل الأنظمة العربية إلا دليل على تفاقم عزلته الخانقة وعلى شعور متزايد بالاستهداف والتهديد، على الرغم من كل التطمينات الإسرائيلية التي تنهال عليه. بالطبع لا تزال دمشق قادرة على الإيذاء والاغتيال في لبنان لكن الرد على ذلك قد يكون نهاية بشعة للنظام فيها، إذا ما اقتنعت اسرائيل بأنه يقود نحو فوضى عامة في المنطقة. لقد فشل هذا النظام في استغلال الحرب على لبنان من أجل الخروج من عزلته، وفشل في فك الحصار الأميركي الفرنسي المضروب دبلوماسياً عليه، كما ستبدي الأيام أن محاولته لتغييب موضوع المحكمة الدولية لم تحقق أي نجاح دولي يذكر. وإلى ذلك كله فإن علاقات هذا النظام بشبكة الأمان العربية الرئيسية (أي مصر والسعودية) مهتزة جداً حيث تم إحلال الأردن مكانه في الثلاثي العربي الرئيسي. لذا لم يعد بإمكان النظام إلا المزايدة اللفظية على العرب وعلى اللبنانيين، داعياً إلى المقاومة "بالفكر" (حصراً، خوفاُ من أن يساء فهمه)، وكأنما قد ترك للمفكرين في سوريا مساحة خارج السجون!

أخيراً يمكن أن نلاحظ أن إسرائيل أيضاً خرجت مهزومة من المعركة (دون أن يعني ذلك بالضرورة انتصاراً لحزب الله، على ما سنرى)، إذ لم يحقق جيشها أي هدف يسمح له بإعادة تلميع صورته وترميم قدرته على الردع، بل تفاقم الخوف الإسرائيلي حتى صار خوفاً في الأوساط الشعبية على وجود الكيان نفسه، إضافة إلى أن إسرائيل فشلت في تحقيق الأهداف الأميركية من الحرب ومن هزيمة إيران على الأرض اللبنانية مما سينعكس سلباً على الاعتماد الأميركي عليها كذراع يمنى عسكرية وباطشة في المنطقة.

فحوى ذلك أن المحور السوري الإيراني الذي يكثر بعض الساسة اللبنانيون من ذكره، وتعليقه شماعة لعجزهم، هو على طريق الانفراط لأنه لا يؤمن الحد الأدنى من التقاسم في المغانم، حيث تخرج إيران رابحاً وحيداً من هذه الحرب، في حين تخرج سوريا خاسراً أكبر.

إضافة إلى ذلك، وعلى صعيد الانعكاسات على الساحة اللبنانية يمكن إيجاز الوضع بالقول إن إسرائيل خرجت سياسياً من لبنان قبل خروجها العسكري بزمن بعيد، وهي لم تستطع في حربها الأخيرة العودة على أي من المستويين، واستقلال لبنان عنها إذاً ناجز وتام، أما سوريا فقد خرجت عسكرياً دون أن تخرج سياسياً، في حين أن حدود التأثير الإيراني لن تصل يوماً إلى المستوى الذي بلغته الهيمنة السورية السابقة على لبنان. والسؤال الآن: هل يمكن الطلب من حزب الله أن يساهم في إخراج سوريا سياسياً من لبنان، كما كان على القوّات اللبنانية في السابق أن تقطع تدخل إسرائيل في هذا البلد، وإن لم تكن هي من أخرجها عسكرياً؟ علماً أن استقلال البلد وسيادته مرهون بالاستقلال عن العدو الهمجي كما عن الشقيق الطماع.

حدود القدرة الداخلية على التأثير

لا بد من الملاحظة في البداية أن قدرة لبنان على التأثير في المسارات الإقليمية شبه معدومة، وأن أقصى طموح الدولة اللبنانية كان دائماً أن تنأى بنفسها عن تأثيرات أحداث المنطقة وتداعياتها، وقد أظهرت التجارب مدى صعوبة ذلك إن لم يكن استحالته. لذا فإن ما ينبغي العمل عليه هو السعي من أجل الحد من تأثير هذه الأحداث على الساحة اللبنانية، والتدرّب على استيعاب تطوراتها ضمن أطر الدولة الجامعة.

ضمن هذه الأطر يتبدى أن المطروح على حزب الله هو، وبشكل ملح، القبول بالمساهمة في بناء الدولة اللبنانية وتحصين استقلالها من خلال الانفصال بدايةً عن مسار السياسة السورية. والحق أن حزب الله أرسل عدة إشارات، أثناء الحرب، على توجهه إلى تقديم أولويّات الدولة اللبنانية والشراكة في الحكومة على الرغبات السورية. وينبغي أن يتم البناء على هذا التوجه من قبل الحزب، وليس السعي إلى محاصرته، الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلباً وعودةً للحزب إلى شدق النظام السوري.

وهنا ينبغي الملاحظة أن مكونات حزب الله الرئيسية (عناصر وموارد وعقيدة) هي مكونات لبنانية وإيرانية وليست أبداً مكونات سورية، وإذا كان الحزب قد اتخذ قراراً استراتيجياً بالمشاركة في الدولة اللبنانية فإن فصله عن سوريا ممكن، بدون أن يعني ذلك فصله عن إيران، في المرحلة الراهنة. والفرصة سانحة لذلك، بصورة خاصة الآن، لأن من الصعب القبول لبنانياً ودولياً باستعادة سوريا لدور الممر الإلزامي لتسليح الحزب، مما سيضعف التأثير السوري على حزب الله اللبناني.

القواعد الأساسية لإدارة الوضع اللبناني

من أجل تحصين الوضع الداخلي، على اللبنانيين الاتفاق على الأهداف الرئيسية العامة، بحيث تصبح هذه الأخيرة الحكم الذي يرجع إليه لتحديد الخطوات المرحلية، إذ لا يمكن السماح مرحلياً بما من شأنه إبعادنا عنها. وأهم هذه الأهداف بالطبع، استمرار لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه منفتحاً على العالم والحداثة، وبناء الدولة الجامعة وتحصين استقلالها، ورفض المشروع السوري القائل باتخاذ لبنان ورقة تفاوضية ورهينة للنظام في دمشق، ورفض المشروع الأميركي للمنطقة القائل بتعزيز الحساسيات الداخلية في كل من بلدانها، والتعامل معهما بتروٍ بحيث لا يقود أي من الرفضين إلى حرب جديدة، أهلية كانت أو إسرائيلية، ومحاولة تحييد لبنان، عسكرياً خصوصاً، عن الصراع الأميركي الإيراني، من خلال لجم التحالفات الداخلية مع أي من هذين الطرفين.

ينبغي أيضاً التنبه إلى عدم إقفال الملف الفلسطيني في لبنان، وهو المنصوص عليه أيضاً في القرارات الدولية، وإن تكن المطالبة بذلك خافتة، ورسم سياسة واضحة في التعاطي معه، تقوم أساساً على احترام الحقوق الإنسانية وحقوق العمل والإقامة الكريمة للاجئين الفلسطينيين، والدفاع سياسياً عنهم في كل مناسبة وعلى كل المنابر الدولية.

تضاف إلى ذلك قواعد بديهية تقول أن نزع سلاح حزب الله بالقوة أمر مستحيل لأنه يقود إلى حرب أهلية، أما بقاؤه فمرفوض أيضاً لأنه يقود إلى تقسيم لبنان على عدد الطوائف المستعدة لاسترجاع تسلحها وأمنها الذاتي، على ما تلوح أماراته في الأفق، وهو ما ينبغي على حزب الله أن يدرك جيداً محاذيره. غير أن من طلب الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه، فلا يمكن استعجال الحوار إلى نزع سلاح حزب الله، قبل إنضاج شروطه، وأول هذه الشروط أن يعود هذا السلاح مسألة داخلية، بعد أن ساهم الحزب في نسف طاولة الحوار الوطني وفي تدويل قضية سلاحه، وهو الأمر الذي عززه مسار الأحداث لاحقاً وصولاً إلى القرار الدولي رقم 1701. الأمر أيضاً يتطلب قدراً من الخفر والحياء، ومن احترام تضحيات الشهداء والمقاومين وعذاباتهم، واحترام آلام النازحين وخسائرهم، ومن إجراءات بناء الثقة بين اللبنانيين على أسس التضامن الذي تجلى بارزاً في هذه الحرب، على الرغم من بعض الحساسيات أو الاحتكاكات المحدودة.

أخيراً ينبغي تقديم الحسابات على المحاسبة، وهما متغايران. فالمحاسبة تمهيد دائماً لإنزال عقاب بالآخر، أما الحسابات، التي لا تنفصل عنها سياسة التوازنات الدقيقة، فتقيس المتغيرات والأوزان لتحديد الخطوة الأنسب التي على المرء أن يتخذها. ولا شك أنه لا يجوز لأحد، سوى الدولة وقانونها، إنزال عقاب بأحد. لذا على القوى اللبنانية المتنازعة جميعاً أن تتخذ خياراتها بمعزل عن الرغبة في محاسبة بعضها بعضاً أو معاقبة من تعتبره متخاذلاً أو متقاعساً أو مغامراً، فذلك أولاً خارج سلطتها شرعاً وخارج سلطتها واقعاً، ونتائجه بالغة الخطورة على استقرار لبنان وعلى وجود دولته.

بناء الثقة بين اللبنانيين

في حسابات النصر والهزيمة، تعتمد أطراف 14 آذار تكتيكين: مشاركة حزب الله نصره، بدعوى التضامن الشعبي مع جمهوره والالتفاف حوله وجهود الحكومة، أو التهوين من هذا النصر بدعوى الخسائر الكبيرة في الأرواح والأضرار الفادحة وعودة الاحتلال الإسرائيلي (الجزئي والمؤقت).

كلا التكتيكان يتفاديان إعلان هزيمة حزب الله، في حين أن إعلان هزيمة لبنان كله ينبغي أن يكون الخطوة الأولى لتجاوزها. لبنان خسر حتماً منذ اللحظة الأولى للحرب لأن دولته عاجزة وأرضه أسيرة بين جيش العدو وبين أنفاق المقاومين. وحزب الله خسر أيضاً، رغم إلحاقه الخسارة بإسرائيل، فكثيراً ما خرج من الحرب مهزومان. وخسارة حزب الله متوقعة منذ البدء، وهي ليست على أي حال هزيمة عسكرية بل سياسية، لأن السياسة وحدها هي التي تحسم الربح من الخسارة. وهزيمة الحزب متوقعة كانت لأن الحزب ككيان ليس بدولة ولا يمكنه تالياً تثمير انتصاره، مهما كان، على المستوى السياسي الدولي أو الإقليمي، وهو لا يستطيع حتى تثميره في داخل لبنان لأنه الوضع في لبنان يظل محكوماً بتوازنات الطوائف ودواخل الطوائف التي قد تسمح لحزب الله بالحصول على جزء من حصة الطائفة في دولة، لم يبد من قبل أنه مهتم بتقاسم منافعها وخراجاتها. وعلى المستوى السياسي خسر الحزب ذريعة ردعه لإسرائيل، بدليل تدميرها للبنان، وخسر لبنانية النقاش في شأن سلاحه الذي دولته الحرب وثمة حاجة إلى جهد هائل لاسترجاعه إلى المستوى اللبناني، وخسر مفاجآته تجاه إسرائيل بعد أن كشفت الحرب مدى تسليحه وعناصر مفاجآته، وخسر أخيراً مواقعه المتقدمة عسكرياً التي سيرابط فيها الجيش اللبناني والقوات الدولية، وقدرته على استهداف إسرائيل مجدداً، كما خسر التفافاً لبنانياً كبيراً حوله وسذاجة لبنانية في التعاطي مع الدولة التي يتكشف يوماً بعد يوم أنه بناها و سوّرها في "مناطقه".

يظل أن كل ذلك أسباب تدعو للتمسك أكثر بعدم محاصرة الحزب سياسياً، وعدم إحراج قيادته السياسية كي تظل مسيطرة على جناحه العسكري، الذي سيغدو متهماً في أي اضطراب أمني في لبنان، إلى جانب النظام السوري. وكل ذلك يجعل الأولى أن يجري العمل على برمجة اجراءات لبناء الثقة في لبنان بالتوازي مع بناء الدولة.

يستوجب ذلك اسكات أطفال 14 آذار و8 آذار القاصرين والطائشين، الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويخلقون من التوتر أضعاف ما يبعثون من استهجان، وحصر الخطوات بقرارات قليلة، وواضحة يجري نقاشها فقط في داخل الحكومة اللبنانية والمجلس النيابي، وقيام الدولة تحديداً بالجهد الرئيسي في تقديم المساعدات وإعادة البناء بدل العودة إلى منطق المقاطعجية الذي يزيد من ابتعاد الشعب عن دولته، و تحديد جدول زمني واضح للخطوات العسكرية (الإنتشار في الجنوب، مبادلة الأسري وانتشار قوات الأمم المتحدة في مزارع شبعا التي اكتشف المعلم مؤخراً، دون استشارة حزب الله، أن له حصة فيها!) على أن يليه جدول آخر بالمهمات السياسية والدبلوماسية التي تقوم على شقين، جهود دبلوماسية من أجل إعادة قضية سلاح حزب الله إلى المستوى الداخلي، ونقاش لبناني داخلي على امكانية الاستفادة من التقنيات التي طورها الحزب من أجل تشكيل وحدات من الجيش على مثالها، تمهيداً لاستيعاب الجناح العسكري في حزب الله داخل إطارها، وتحديد المقابل الذي تتطلبه عودة حزب الله إلى لبنانيته وإلى الدولة، على ألا يؤسس ذلك لتقاسم طائفي أو هيمنة جديدة تمنع نشوء الدولة اللبنانية المنشودة.

بالمقابل، من المطلوب من حزب الله عدم منع الدولة اللبنانية من القيام بمهامها وواجباتها في البناء والإعمار والتعويض في "مناطقه" التي هي أرضها، والاقتناع بأن الدخول الذي لا مفر منه إلى الدولة اللبنانية، يعني أيضاً وفي شكل موازٍ دخول الدولة اللبنانية إلى جمهور الطائفة الشيعية الذي يحق له، كما لغيره، أن يكون على علاقة بالدولة مباشرة لا تمر بالطائفة وأجهزتها وزعاماتها. كما أن على حزب الله أن يؤكد موقفاً واضحاً من محاولات الإنقلاب المعلن على الدولة، وذلك من خلال تجديد الثقة بالحكومة، وتحديداً بالرئيس السنيورة الذي أبدى صرامة ونبلاً فائقين في أصعب الظروف السياسية التي كشفت طبيعته كرجل دولة حقيقي. وأخيراً على الحزب توضيح الابتعاد عن سوريا التي أعلن رئيسها الحرب على شركاء الحزب في الحكومة وفي الوطن، وهم شركاؤه شاء أم أبى.

وينبغي أخيراً أن تبدأ الدولة اللبنانية، ورجالها ومؤسساتها، بمخاطبة شعبها من اللبنانيين جميعاً، في وصفهم أشخاصاً غفلين، وكسبهم إلى صفها، وليس مخاطبة الزعيم أو القائد، والتخلي عن "الكولسة" لصالح صناعة الفضاء العام المشترك.

صناعة الفضاء العام

في الفضاء العام السياسي كل فعل مشروط بخطاب إلا أنه خطاب صادر عن معروف إلى غفلين، وإلا بطلت السياسة أن تكون تأسيساً لمساحة حرية (بما في ذلك حرية الانضمام إلى معسكر آخر) وتحولت إلى اتفاقات على تقسيم الكعكة وتقاسمها.

والحق أن حزب الله بمجيئه إلى قلب بيروت في 8 آذار وتحت العلم اللبناني مصحوباً بأطرافٍ عديدة من طوائف أخرى (وإن لم تكن أقوى زعاماتها) إنما كان ترك فضاءه العسكري إلى فضاء عام سياسي بناه الآخرون، إذ أن "الأنا" مستحيلة التركيب إلا في فضاء يبنيه الآخر. غير أن من كانوا على الضفة الأخرى أبَوا، بحكم العادة والتركيبة، أن يروا في خطابه أي شيءٍ إلا طلب حوارٍ واستعراضاً لأوراق القوة. أي أنهم رأوا فيه خطاب الزعيم إلى أنداده لا خطاباً إلى غفلين، ورأوا السياسة طاولة تفاوض لا تأسيساً لفضاء الحرية، وبذلك أسسوا من جديد لتقاسم كعكة الدولة على أسس طائفية. ويخشى أن ترتكب الأطراف نفسها الأخطاء عينها الآن مع إشارات الحزب، بعد اندلاع الحرب الأخيرة، التي تدل على تغليب مكوناته اللبنانية، وضرورات جمهوره اللبناني وأرضه على الرغبات الخارجية.

بالطبع ذلك لا يعفي حزب الله من المسؤولية، ولكن مسؤوليته تشمل أيضاً محاذير أخرى، أشد خطراً ربما لأنها تمسّ أسس الاجتماع السياسي. فحزب الله يستمر في خلط السياسي بالأخلاقي، وفي رصّ الصفوف رصّاً لا نتوء فيه.

ورص الصفوف وصقل النتوءات ربما كان جائزاً في المعارك البدائية، إلا أنه في الاجتماع يعني العودة بالمجتمع إلى مرحلة ما قبل القانون، ذلك أن القانون بطبيعته آلة إنتاج للنتوءات والفروق. فالقانون الذي يحاكم الناس فرادىً إنما يحاكمهم إنما بناء على معايير جماعية وعلى قواعد يصوغها لجماعات ينتجها هو وينتمون إليها، على أسس عمرية أو مهنية أو سواها.

وما خلط السياسي بالأخلاقي إلا تتمة لذلك التراجع لأنه يتخلف عن المضامين المحددة للمطالب الاجتماعية والقانونية التي تشكل قوام السياسة، و يَنكُص عن التحديدات الدقيقة لقيم الجمهورية كالمساواة والتضامن وضمان الحريات نحو مبادئ أخلاقية غائمة التعريف ومتغيرة القوام إلى حد أن لا طائل تحتها سوى التعمية على تبادل المنافع في السر، وهو ما لا يرتجي أمراً سواه من يبتغي المحافظة على مصالحه الوضيعة من خلال وضع الدولة ـ المزرعة ولو كلف ذلك انهيارها الوشيك جداً على رؤوس الجميع.

يوميات الحرب

ملحق النهار، آب 2006
من يوميات "مناضل" في باريس


بضعة أشهر قبل 12 تموز
حلم: السيد حسن نصر الله وأنا في سيارة رينو صغيرة، نسرع باتجاه نفق شكا، على الأوتوستراد، لسبب مجهول نحن مقتنعان بأن عبور النفق سيحمينا من طائرة هليكوبتر اسرائيلية، نرى رأي العين صاروخها. السيد نصر الله فائق اللطف، وأنا على ثقة أن والدي سيرحب به لدينا، وأعرف أن أمي قلقة لشدة حرصها على متوجبات الضيافة. هنالك قوة حنان هائلة في صوت السيد وحديثه الهادئ إلي، ونحن نفر من قنص الهليكوبتر.

ثلاثة أشهر تقريباً قبل 12 تموز
حلم أيضاً: السيد حسن نصر الله وأنا في ما يشبه قبو بيت جدتي القديم في الضيعة. نحاول معاً ضبط جسم غريب، شيء يشبه رجلاً سليخ الجلد، طاقة حمراء متوهجة وحارقة، نحاول إعادته إلى قفصه، وتخبئته عن بقية سكان البيت. العجلة واجبة خصوصاً وأن هذه الطاقة المتوحشة تجأر كالبعير ساعة ذبحه.

الأربعاء 12 تموز
الأنباء الأولى عن قصف يتجدد على مزارع شبعا واشتباكات في هذا القطاع. منذ خطف الجندي شاليط والمرء يصلي أن يلهم الله حزبه ألا يفتعلوا اشتباكات مجدداً، من الواضح أن الجنون الاسرائيلي لا يجد موازياً له سوى في تنصل المجتمع الدولي من دوره كضامن للقواعد التي ترعى وقوع النزاعات وتدرأ مخاطرها وشططها.
حسناً، إن كان الاشتباك في شبعا فقط، فسيكون مجرد رسالة أننا موجودون، وربما لن يفتح الاسرائيليون جبهةَ همجيةٍ جديدة.

الأنباء الآن تفيد بوقوع سبعة قتلى من الجنود الاسرائيليين وبـ"أسر" اثنين (لمَ يستعمل الإعلام كلمة "خطف"؟ هل لأنها من موروثات الجماعات الثورية في الأعوام 1970؟ ولكن أيضاً هل يجوز لغير الدولة أن "تأسر" جندياً من دولة معادية تنطبق عليه المعاهدات الدولية التي تلتزم بها الدول؟). الطامة إذاً وقعت، وزاد الطين بلة أن ذلك لم يجرِ في مزارع شبعا، بل ما وراء الخط الأزرق. لا شك في أن التوقيت يلقي شبهات كثيرة حول ولاء حزب الله للبنان. بالأمس، كان السيد نصر الله يؤكد، بحسب الصحافة اللبنانية، لسعد الحريري أن حزب الله سيهدئ الوضع، حرصاً على موسم الاصطياف. لكن المرء متنازع بين شعورين، كما كان في 11 سبتمبر، يغتبط للأذى اللاحق بالعدو المتغطرس، أم يأسف للقتلى وللدمار الذين يعلم أنهما الرد الأكيد على هذا التجرؤ. بالتأكيد، الوضع اليوم أقل سوءً، لأن قتلى العدو جنود، وليسوا مدنيين. كما لو أن قتل الجنود لا يمر بألم!! إنها ضريبة المهنة ربما، والتواطؤ المشترك على تقديم كبش واحد للفداء (لفداء السياسيين وشركات الأسلحة؟). لكن ليس في عادات اسرائيل احترام هذا التواطؤ العام.
السؤال الوحيد المهم الآن: نتفاءل أم نتشاءم؟

يومان على 12 تموز
بدأت ملامح الرد الاسرائيلي تتبلور. كان خطاب السيد نصر الله في البداية ضيق الأفق: مبادلة الأسرى، ومزاعم عن الوقوف إلى جانب الفلسطينيين. هل من الضروري أن نصعد إلى الجنة بخدين متورمين؟ ألا يكفي خد واحد؟
من يزعم الدفاع عن فلسطين ويهمل أوضاع الفلسطينيين، كيف يطيق خطابه؟ تمجيد المقدس، الأرض أو الشرف، واغفال البشر، الأناس، الضعفاء والمستضعفين، لحم المدافع ووقود البربرية! كان ليفيناس يقول إن الأرض، كائناً ما بلغت قداستها، تعود حجارة وغباراً حين تكون حياة إنسان واحد في خطر. لكن الفيلسوف اليهودي كان يقول ذلك نقداً لاسرائيل، فهل من يقول لنا ذلك باسم الإسلام ونقداً للجماعات الإسلامية.

من حق الحريري أن يشعر أنه طعن في الظهر وأن يوجه نقداً قاسياً إلى حزب الله، ولكن هل سيتحمل البلد؟ ربما! ما زلت أعتقد أن الأمور قد تحل قبل يوم الإثنين المقبل، وإلا فإنها ستطول جداً. فلا يمكن للأميركيين التضحية بحكومة السنيورة، نصرهم الوحيد في المنطقة، ولا يمكن اقتلاع حزب الله من دون تفجير الحكومة، والوضع اللبناني كله. هذه الحرب محكومة بسقف واطئ من الأهداف، رغم جعجعة الاسرائيليين. بالمقابل إذا طالت الحرب هل يكون من مفر من "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ومن إلزامية التضامن مع حزب الله. نبيل يعتقد أن الأمر مرتبط أيضاً بكيف سيتعامل جنبلاط والحريري مع النازحين الشيعة. استقبالهم كما في 96؟ أم أنهم سيرفضون تسهيل نزوحهم؟ برأيي، الأمر يجري كما لو أننا نكتشف للمرة الأولى، كلبنانيين، أن لبنان أرض واحدة. لقد حاولنا طويلاً بناء بيروت كما لو كان الجنوب في قارة أخرى، وها نحن نتعلم، من جديد، كما في 96 حين ضربت اسرائيل معمل الكهرباء، أننا بلد واحد، أي أولاً وأخيراً أرض واحدة، وصغيرة!
الأرض؟! لست مزارعاً ولا ملاكاً، ولا أجد مبرراً عاقلاً لدفاع الناس الأعمى عنها، سوى ذلك الشعور، الذي يمد عروقه عميقاً في القلب، بوجوب الدفن هناك في الأرض الجرداء والحميراء قليلاً، وإلا فنَثْرُ رمادي في المتوسط.

بضعة أيام على 12 تموز
زيارة دوفيلبان استعراضية جميلة، الصحف الفرنسية تفيض في تأثير شَعْره المتراقص في الهواء البحري، على متن بارجة حربية في خضم أزمة دولية، على استطلاعات الرأي. التحرك في الأزمات ينفخ في أشرعة الشاعر، لكن وزير الخارجية السابق لم يجد هذه المرة الكلمات المناسبة. حتى مع تحسن صورته في استطلاعات الرأي، يظل رئيس وزراء فرنسا ضعيفاً لأنه يخطئ مواقيت الحزم. لا أدري كيف يكتب شعره، لكنه بالتأكيد سيكون كالبياتي لا يدرك أن على القفلة أن تصاغ في اللغة وفي السياسة كما في غناء ثومة.

هل تنتهي هذه المعارك في اليومين القادمين؟ هل ستعرقل إيران وسوريا الصفقة، كما حصل في فلسطين؟ إذا ضاعت الفرصة الآن، فستطول الحرب أكثر مما يحتمل البلد.
ما قدرة البلد على الاحتمال؟ كيف تقاس، وبأي وحدة؟

عشرة أيام على 12 تموز
للمرة الأولى، حياة تبدي إعجاباً بمقال لي، وترى سلاسة وخلواً من التعقيد في الجمل ووضوحاً في الأفكار. قلت لها، ينبغي إذاً أن أمتنع عن الكتابة السياسية، كي أحافظ على الغموض، الذي هو تكثيف الخلود في لحظة. طبعاً، كان ذلك مجرد سخرية، ولكن كيف الخلاص بعد ذلك من انتقادها لمركّب العظمة لدي!

الحديث مع بلال ذكي دائماً، لكنني لا أحب مقاله. كل هذا التشاؤم! أعرف جيداً كيف وصل إلى ذلك، في ظل كل هذا الدمار الذي أسمع عنه، ولا أراه. المقال في النهاية استكمال منطقي وتطبيقي للأفكار السابقة التي اقتنعت بها معه (المدن ووظائفها، شبكات الإتصال المتعددة ودورها في لحمة المجتمع... الخ). ولكن كيف إذن أرفض الخلاصات؟ كيف يمكن أن أوافق على المقدمات وأرفض المترتبات عليها؟ بقوة تفاؤل غريبة، أم بقوة الجهل وعناده؟

ربما على أن أشكر الحظ الذي حرمني في هذا الشهر تحديداً من التلفزيون. في فيلم من قصص قصيرة عن 11 سبتمبر كان أكثر ما لفتني هو تلك القصة الافريقية عن مجتمع لا تلفزيون فيه. 11 سبتمبر خبر إذاعي هناك، وسقوط البرجين بلا صورة، حتى بن لادن لا صورة له، لذا يسهل على أهل القرية الظن بكل ملتحٍ أقل سمرةً منهم.
أهلي في طرابلس، بعيدون عن الخوف اليومي، ولكنهم يختنقون، مثل كل اللبنانيين من هذا الإحساس بالحصار. ربما لا يسمعون صوت القنابل لكنهم بالتأكيد في خضم القصف الإعلامي. أرفض أن أشاهد صور الفظائع الاسرائيلية. لا لأنني أرفض الحقد والكراهية الذي سيشعله ذلك في قلبي، فهو بذلك ملتهب من الآن، ولكن لأنني أشعر أن سيل صور القهر والدم والدموع وسيلة أيضاً لشلّ القدرة على التفكير.

طوني يقول إننا نعيش في زمن الكارثة، في الزمن الذي ينفي سيل الزمن ويجعلنا نقيم في لحظة الحاضر، فقط، حانين على قتلانا، دون قدرة حتى على البكاء أو العويل. وحده الصمت يساوي العيش ـ في ـ الحاضر، لأن كل كلام حيّ يتطلب الاندراج في زمن ينقضي. بالطبع هنالك أيضاً الزمن السوري، أي الزمن الذي يساوي فيه الكلام الصمت لأن الكلام فيه لا يهدف سوى إلى افراغ الكلمة من المعنى، كي يتسنى للنظام أن يعيش إلى الأبد في زمن "التصدي والصمود" (أو الصمود دون التصدي بحسب قراءة مقلوبة لتصريح الحص الشهير). لكن، أليس هذا أيضاً ما تقترحه علينا "المقاومة"؟ الإقامة في زمن لا يمر عليه الزمن، في فعل المقاومة، لا في سعي هذا الفعل إلى الإنقضاء.

نيف وعشرة أيام على 12 تموز
حلم: الجنس مع خنثى! غريب من أين أتى هذا الفانتازم؟ كان هنالك أيضاً كل ثقل الرعب والخجل والخوف من الإنكشاف أمام الآخرين.
غرفتي القديمة في بيتنا السابق! أحلم أن أكون مخرج سينما كي أعيد إحياء هذا العالم الشاسع الذي كنت أراه في بيتنا الضيق، في الممر الدقيق بين المكتبة وغرفتي حيث الخزانة التي تضم مجلات العربي وسوبرمان وجرائد قديمة وأعداد "الملحق" التي تتراكم. وحدها الكاميرا تستطيع، مارّةً على مهل وعلى مستوى منخفض، أن تصوّر الذاكرة. دروس من برغمان بالطبع، ومن مخيلة الطفل الذي لأول مرة يلوح على هذا القدر من البعد. كأنما لم أخسر طفولتي إلا حينما غادر والداي بيتنا القديم.

منذ بدأت هذه الحرب، أصبحت أستخدم دون انتباه الـ "نا"، والـ "نحن"، كما لم أفعل قط من قبل.هذه الحرب تقضي على فرديتي، وأنا البعيد عن ساحتها! لكنني لا أحتمل هذا الإندراج بالرغم مني في خانة "إما... وإما..."، نحن أو هم... أنا الآخَر الآخِر!

أسميت ذهابي إلى الاعتصام في ساحة السوربون "نضالاً"، فأنا آخذ المترو لأذهب كي أناضل وأعود به من ساحة الوغى! لو كان للنضال في العالم الثالث كل هذه المواصلات العامة لتحققت إنجازات "تاريخية" J
كل هذا "النضال" بالكلام وبالشعارات، أليس أيضاً ما ننتقده؟ في النقاش مع خليل وجوانا كان الأمر يزداد وضوحاً، نحن في نهاية الأمر نريد الدفاع عن موقع شخصي فردي، وعن حرية فردية، (هل ذلك ممكن في وقت تتساقط فيه الضحايا؟ أليس أنانية؟ يقولان)، في مواجهة سيل المواقف الثقافية التي تصنف الآخرين إلى عميل/ متقاعس أو إلى مقاوم. كيف تكون المقاومة في الثقافة؟ بل أساساً كيف تكون المقاومة؟ ما هي؟
ما أريده هو مقاومة هذه الثنائية البلهاء التي يسعى الجميع إلى جرنا إليها فنحن إما مع أميركا وإما إرهابيون بحسب الخطاب البوشي، وإما مع حزب الله أو عملاء لاميركا بحسب "المقاومين"، وكل ذلك بذريعة أن "لا صوت يعلو...". كيف أقاوم المنطق الأميركي الهائج كناقة عشواء إن كان أخي لا يدعوني سوى إلى المنطق نفسه؟
أحسب أن مقاومة هذا التسطيح الهائل لا يمكن أن تكون سوى ببناء موقع متميز، لكن كيف يمكن ذلك إن كان الكلام نفسه مصادراً؟ بمناهضة مصادرة الكلام نفسها! برفض مانوية الخطاب البوشي والخطاب الإيراني ـ الحزب اللهي، برفض انتهازية 14 آذار الرخيصة! الرفض وحده لا يكفي: ينبغي تفكيك هذه الخطابات، وإظهار كمية اللا سياسة، والغيبية، والزيف، والعمى الذي تفترضه تعابير وأدوات غير مفهومية وغير سياسية، كالفخر والكرامة والشرف والإباء والإرهاب غير المعرّف وآلام المخاض والنوازع الأصلية لدى شعبٍ ما وطباعه أو مشاريعه اللاتاريخية، وذلك في مجال سياسي يفترض أن تكون المطالب فيه واضحة والأهداف محددة وقابلة للتعيين وللتحقيق، لأن في فشلها أو تحقيقها حياة الناس وأرواحهم وسقف بيتهم ولقمة خبزهم.
الدفاع إذاً عن وجود الدولة، مجدداً وتكراراً، مع التحسب منذ الآن لشططها المحتمل.
في هذا السياق يصير واجباً حماية هذه الدولة ممن يتذرعون بالدفاع عن سيادتها، سواء كانوا دولاً أجنبية أو "شقيقة" (كألم الرأس!) تسعى إلى فرض قرارها على الدولة اللبنانية، أو الجماعات الطائفية التي لا يقوم اجتماعها وكيانها سوى على خرق سلطة الدولة وانتهاك سيادتها وصلاحياتها ما أمكنها ذلك!

المقاومة اللبنانية الباسلة؟ لقد تجلت بدايةً في كل نشاطات المجتمع المدني ومنظماته ومؤسساته كالصليب الأحمر وهيئات الإغاثة، قبل أن تتجلى ثانياً في استبسال المقاتلين اللبنانيين المنتمين إلى حزب الله في التصدي لتوغلات العدو الاسرائيلي في الأراضي والمياه الاقليمية اللبنانية. كل عامل في مجاله مقاوم لأنه يؤسس لمشروع ثالث وحيوي ولمقاومة لمشروعي الموت، الموت قتلاً بأحدث التقنيات أو الموت بالاختناق تخلفاً، وهما المطروحان علينا كقرني حَرَج، (بل كخازوقي حرج) لا يمكن القبول بأن يعلّق أحد، فكم بالحري شعب، على أحدهما.

بعد "النضال"، العشاء. غريب كيف نكتشف فجأة أن الأجوبة التي نقدمها، أكثر بكثير من الأسئلة، يمكن أن تنتهك خصوصية الآخر وأن تعتدي على خفره. الأنباء من لبنان تغدو مكرورة، قصف، دمار، موتى، مقاومة، إنه الروتين يا غبي!



نيف وعشرة أيام على 12 تموز (ب)
الإنقسام اللبناني في باريس منهك ومقزز! كل المظاهرات أزواج تنزل وكل اعتصام سرعان ما يرى قرينه في مكان ثانٍ. بحسب ما رشح عن اجتماع في السفارة لممثلي الأحزاب، لا خلاف جوهري بين الجميع على الحد الأدنى من المطالب. لكن لا أحد يرضى بالظهور إلى جانب الأخر علناً. كلما ناقشنا أحداً يقول، فليتنازلوا هم! كل هذا الدمار العاصف بالبلد لا يهز شعرة في رؤوس من يمشون وفي مؤخرات رؤوسهم مراصد للكاميرات التي يحسبون أنها تلتقط صورهم للخلود!!؟

المناقشات مستمرة مع خليل وجوانا. أجواء الشباب في لبنان تشي بحرب فعلية بين المثقفين هناك: معنا أو ضدنا، دائماً ومجدداً، وكل يراقب الأخر! الكثيرون يرون أن بيان "مثقفي المقاومة" فخ لا ينبغي الوقوع في الرد عليه. لست أرى ذلك. أرى أن الوقت سيكون متأخراً جداً حين تنتهي الأمور، ستكون مصادرة الكلام قد أنجزت. البعض يتخوف أيضاً من عودة الإغتيالات، في حين أن الغثيان يستمر لدى طوني. أحسب أن التحرك ملح وضروري في هذا الإتجاه، فقط لتأكيد الحق في الرأي المخالف، وفي الاستمرار في النقد، وبخاصة نقد القوى التي يفترض أنها تشكل قوى المقاومة الأساسية وعصب مناعة البلد، وذلك تحديداً حرصاً على هذا البلد عينه وعلى تصويب مساره نحو ما يراه كل امرئ أنه الأمثل.
لا بد في هذا من نقاش معنى المقاومة نفسه. اللغة دليلي الأثير، كما دائماً. المقاومة كما توضح اللغة نفسها دفاعية أولاً، دفاع دائماً وبدايةً وأصلاً عن حياة كل فرد، من أيما انتماء، (حتى وإن انتمى للعدو لأن في ذلك مغزى أخلاقية معركتنا)، وعن عيشه وحرياته المنصوص عليها في الدساتير والشرعات الدولية، وعن حقه في المساهمة في إعمار بلده وإغنائه بجهوده في مجاله وبتصويبه بالنقد لكل ما يراه خطأ في مجتمعه. أي أن المقاومة لا يجوز أن تختزل إلى ممانعة مشروع متعسف أو همجي ومتوحش تجري محاولة فرضه، وإن تضمن معناها ذلك تضمن الكل للجزء.

فكرة جوانا الرائعة، عدم الإكتفاء برفض الخطابات المطروحة علينا، وعدم الاكتفاء بالدعوة إلى تحديد معايير الربح والخسارة أو مفهوم المقاومة العامة، بل الإعتراض على زعم البعض حقهم في التصنيف (ولكن ألا يفترض هذا أيضاً إنكار قدرتهم على تصنيف أنفسهم؟ بلى ولكن ذلك طبيعي لأن التصنيف المعتمد ليس محايداً، إنه كتصنيف شعب ما نفسه أنه أرقى الشعوب أو أنه شعب الله سواء أجاء الإختيار منه أم من ربه). أكثر من ذلك: إظهار خطل أسس فكرة الفئة أو التصنيف كلها.
معها حق بالتأكيد. التصنيف إن جاز في القانون لتطبيق قواعد معينة أو جاز في الأنواع الأدبية لتسهيل النقد، فإنه إن طبق على البشر محاولة دائمة لاخراجهم عن حدود المساواة وتمهيد لحرمانهم من الحقوق المترتبة عليها، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى في كل تواريخ الأقليات المضطهدة.

أتساءل دائماً لماذا أجواء اليسار أظرف في نظري من أجواء أصحاب الإيديولوجيات المتحمسين؟ (بالطبع أجواء اليسار لا تعني الحزب الشيوعي إذ لا أجواء له!). ربما فقط لأنني أشاطرهم الإحساس بانهيار الأحلام، وبضرورة أن يظل العمل ممكناً وواجباً بعد هذا الإنهيار، وربما أيضاً لأن في نبراتهم تلك السخرية التي أهوى، التي تبدأ بالسخرية من النفس، بالخيبة، وبالشجن الناعم المصقول بالحنين إلى ما لم يشهده أحد منا. ربما هذا ما يشكل أساس نفاؤلي الدائم، مثلما كان، برأيي، ما منع شوران (كما يلفظ بالرومانية) من الانتحار. في السهرة ضحكنا كثيراً على عقد باسل لزواج متعة مع فتاة روسية، متساءلين من أين أتى بالتمرات مهراً. تذكرت أنني استغربت تقاربهما، مع علمي بحيائه وتقواه. أوكي، هنيئاً له، إن كان ذلك يحل عقدةً!
العودة على بولفار سان جيرمان، مساءً: ذكريات 1968 لا تزال تعبق في المكان، أم أنه فقط رأسي المثقل بصورة تلك الإنتفاضة؟ كانت هدى أجابت إحدى الفرنسيات عن مدى الإستمرار في الإعتصام: إلى أن يقرر الباريسيون أن يستفيقوا! لكن الباريسيين كما نعلم ينزحون أيضاً موسمياً عن مدينتهم! يظل أن أيار 68، في شكل ما يضفي مشروعية على ادعاء فرنسا تمثيل القيم التي كان صاغها عصر الأنوار الأوروبي وأعلنتها الثورة. باريس وصية على هذا الإعلان، لأنني فيها ولأن في وسعي أن أعلن منها موقفي، ولأن شوارعها المرصوفة تتسع للكثيرين من كل الاتجاهات، حتى المعادية لنا، ولأن السياسة الخارجية لرئيسها أمر يحتسب في تقرير شعبيته!

نيف وعشرة أيام على 12 تموز (ج)
قانا! قانا 06! عرس الدم! من جديد، بعد عشرة أعوام، المأساة عينها. لم أر صوراً، لم أكن لأقوى على ذلك، صوت المذيع في الراديو يلفظ هذين المقطعين كان كافياً، لأشعر. لأحس بدمٍ قانٍ يهطل من العيون، بدمع يتغرغر في الحنجرة!
أريد القيام بأي شيء. ينبغي ضرب المصداقية الأخلاقية لاسرائيل في العالم الغربي. اللجوء إلى الضربات تحت الحزام: المقارنة بالنازية. باريس دشنت منذ أيام حائط "العادلين" الذين أنقذوا أطفال اليهود في فرنسا من أنياب النازية. حسناً فلنطلب نحن أيضاً أن نعثر على عادلين! الفرنسيون خبئوا مؤخراً عن أعين ساركوزي المئات من أبناء المهاجرين غير الشرعيين المهددين بالطرد إلى بلادهم الفقيرة، فليخبئوا أطفالنا عن عيون الطائرات الاسرائيلية التي تتقصدهم وعينها على مقبل الأيام وأجنة الأرحام!
خليل قلق من مخاطر مثل هذه المقاربة. لن يترك الشعبويون من هذا التقريب بين النازية والممارسات الاسرائيلية سوى مماهاة بين جوهرين، وسيغفلون كل ما نود قوله عن ارتباط هذه الوحشية، غير المسبوقة تحديداً، بعلاقة الإنسان بالتقنية، وبالحداثة.
في المظاهرة، في مساء اليوم نفسه، رسم مرفوع عالياً: نجمة داود = صليباً معقوفاً.
التأثير قد يكون تماماً عكس ما نريد، رفضاً مطلقاً لتقريب يلغي المسافة ويشطب منطق العلاقة بين نقطتين. وقد يكون كارثياً على مستوى الرأي العام العالمي.
الرأي العام العالمي؟! أليس علينا أن نيأس من هذا الرهان؟

عشرون يوماً على 12 تموز
هذه الصبية، كل صباح في المترو، كيف أقول لها أنها تشعّ باللا دعة، وأن ذلك يجعلها فاتنةً.
لم يشهد العالم قبل اختراع القطارات امكانية بقاء البشر لمسافات طويلة وجهاً لوجه دون كلام! الآن سماعات الهاتف والـ Ipod تزيد من صعوبة التواصل بين المتواجهين، إلى حد أن الاتصال بلبنان وهو تحت القصف أهون بكثير من مخاطبة الجار في المترو. ألا يصيب هذا العارض أيضاً السياسيين؟
إيه بودلير، هذه الفتاة وانا في الحشد نفسه، لكن التقاء العينين حتى مستحيل. لا الحشد يحملها بعيداً ولا قربها نافع ولا أنا أصبر!

الأغاني في المظاهرة واضحة الانتماء. لكن هنالك بعضها مما لم أسمعه من قبل، لا شك أنه أغاني العونيين. من أول مازورتين، يكشف فقر التوزيع و"الكيتش" اللبناني فيه عن ذلك، وعن افتقار كبير للبحث الفني الذي كان أساس ثراء التجربة اليسارية موسيقياً. ربما لأن اليسار كان يحلم بتغيير عالم، في حين أن العونيين لم يحلموا يوماً ولا يحلمون الآن سوى بالعودة إلى الماضي.
راديو الشرق يستمر في بث المقتطفات عينها من تصريحات الشهيد رفيق الحريري، "الحقيقة ما حدا في يخبيها"! إلى جانب ذلك هنالك العديد من أغاني المناسبات التي أطلقت بمناسبة هذه الحرب. لكن الأبرز هو الإصرار الكبير على أغاني بيروت، بما فيها تلك التي غناها راغب علامة قبل عشرين عاماً (هل هذه هي الإعادة التي وعدت بها الحكومة الاسرائيلية؟). لماذا بيروت؟ في حين أن القصف على الضاحية وفي بعلبك والجنوب. هل قبل البيارتة أخيراً أن الضاحية جزء لا يتجزأ من بيروت، أم أن بيروت تحاول التمدد على مساحة الوطن؟ ها هنالك إشارات جغرافية في أناشيد حزب الله؟

النقاش مع أصحاب الإيديولوجيات يصل دائماً إلى النقطة عينها: في الدين، السؤال عن وجود الله، وفي الصراع اليوم السؤال عن التسيير والتخيير! هل هنالك خيارات سوى السلاح؟ ووراء ذلك السؤال الأعمق، لمن الأولوية لرؤية الواقع والعمل على تغييره، أم للتوق إلى رؤية الإيديولوجية واقعاً؟ لا أستطيع أن أجيب على من يؤكدون انعدام الخيارات، سوى أن ذلك نفي للسياسة. الرد أن العزة والشرف أسمى من السياسة! ينسى هؤلاء أن السياسة هي أساس الاجتماع البشري منذ اختراع اللغة، وهي القدرة تحديداً على رفض القول بالجبر والتسيير!
في النقاش معهم، حتى مع العلمانيين منهم، يظهر العدو الاسرائيلي والأميركي كأنه شيطان لا شيء يثنيه ولا عقل يسيره، ولا تسوية ممكنة للصراع معه. إنه صراع وجود لا حدود، بالطبع بيريز أيضاً قال ذلك. لا أستطيع أن أجيب على ذلك سوى بأن الشيطان أيضاً نفي للسياسة. حتى صراع الوجود يحتاج إلى خطوات عملية، لا يشكل الانتحار الجماعي فاتحة ممكنة نظرياً لها! و"القضية" في الواقع أعقد من أن يحلها التواقون إلى شهوة الالتحام النهائي بالأبد في لحظة.

تذكير: خلق السبت من أجل الإنسان، ولم يخلق الإنسان من أجل السبت!
تذكير ثانٍ: بأي حقٍ أصنفهم أصحاب إيديولوجيات وأغدو أنا "مفكراً حراً"؟ ألا يسع الحرية أيضاً أن تكون ايديولوجية مثلها مثل عبادة الطبقة الوسطى السائدة هذه الأيام والافتراض غير المثبت من أن مصلحة الدولة في أن تمثل هذه الطبقة؟
تذكير ثالث: لبنان يخاف من المحكمة الجزائية الدولية حرصاً على حزب الله. ما ينبغي هو ملاحقة إسرائيل ومجرميها وإن على حساب محاكمة صعبة لبعض عناصر حزب الله، لأن إثبات نيتهم الجرمية سيكون بالغ الصعوبة، ونستطيع أن نكسب لأنهم لا يرتكبون جرائم حرب، بل فقطط يستعملون المتاح لهم، أي أسلحة ضئيلة الدقة، بعكس الإجرام الاسرائيلي بأسلحته الأميركية اللماعة.

نيف وعشرون يوماً على 12 تموز
غريب كيف أن قانا ـ 2 لم تتحول إلى 11 سبتمبر لبناني! هنالك قدرة لبنانية هائلة على الاستمرار في تفتيت الزمن الجامع إلى أزمنة جماعية خاصة ومغلقة. 17 أيار لا يزال أهم من مجزرتي قانا، واختفاء الإمام الصدر أو اغتيال بشير الجميل أشد وقعاً من 22 ت2 أو من 6 أيار! ربما يشكل اغتيال الحريري استثناء في ذلك، ولكن هل كان الأمر بسبب الاجتياح الدولي للزمن اللبناني بعد طول انقطاع، أم بسبب من كون اغتياله كان محاولة اغتيال لاحتمال الدولة اللبنانية، مما جعله أيضاً إعادة تأسيس لها؟ الإثنان دون شك. ولكن ما دمنا لا نذكر التأسيس الأول، فلا شيء يؤكد أننا لن ننسى أيضاً 14 شباط وما تلاه.

تحليل بلال بارع: قوى 14 آذار و 8 آذار لا تملك حتى القدرة على الوعد بشعار، لذا ينحصر وعدها بموعد زمني يفترض أن يقيم تأسيساً، خاوي المعنى، لجماعتها.
المقارنة هنا مع القوانين مفيدة أيضاً. بدأت القوانين بحمل التواريخ فقط، ثم أخذت تحمل إلى التواريخ أسماء وعناوين. كان هذا يعني أن القانون لا يكتفي بتفتيت الزمن الجامع، بل أيضاً يجعل من كل قانون استئنافاً لـ"مجال" محدد، وليس لزمن. هكذا بات لكل موضوع أو مجال أو حرفة سلسلة أزمنتها الخاصة. ما تفعله القوى اللبنانية المعنونة بالتواريخ هو تغييب البحث عن المجال الذي يسع عدداً من اللبنانيين أن يلتقوا فيه، لأن التواطؤ على اللقاء مستحيل من دون اللغة! مجدداً، وحدها اللغة تجعل من أفعال الإنسان سياسة (أرندت)، أما الأرقام والحسابات فلا تؤكد إلا استقلال التقنية برأسها، وابتعاد الإنسان المتزايد عن إدارة شؤونه. هكذا يكتب الكتبة مثلاً أن السلاح يحتاج إلى أسباب لتبرير وجوده، وتصريف وظائفه. السلاح يحتاج، لا حملته! كل هذا الوضع يخرج مباشرة من مخيلة بورخيس المليئة بالمتاهات وباللامتناهيات، أليست هذه أيضاً حال هذه الحرب ـ المتاهة اللانهائية، المتطاولة الخاتمة كأفلام كوستوريتزا اليوغوسلافي !

حلم: آلان جوبيه يتذكر وجه صديقتي ويمتدحه بأناقة، في حين أن شيراك الهارب من امرأته يلتجئ إلى بيتي المتواضع، ليشرب كأساً تحت الدرج. شيراك أيضاً أبوي وحنون غير أنه يمتاز أيضاً بقدرته على محو هيبته ومد الألفة بيننا. يضع يده على كتفي ونمشي سوياً في غسق رمادي.

لاحظت صديقة أنني أكثر من الحديث عن أبي مؤخراً. ربما كان الشوق. وربما، الخوف من أن يشيخ وأنا بعيد. كما هو الخوف من أن يشيخ بلال وطوني ووليد وأنا بعيد وأن ينضم فضل وهادي والآخرون إلى قافلة الأباء النظاميين، في حين أظل أحيا في زمن الفتوة، فقط لأنني بعيد. هكذا أكتب زجلاً مصرياً لفضل في كل مرة حين يتذكرني وهو "يكزدر" على الكورنيش الذي قضينا عليه سهرات متطاولة مصحوبين بصوت الشيخين. فقط لأقول له خوفي من أن يكبر. كل هذا يدفعني لأقرر العودة إلى لبنان قريباً. إن لم أستمع بالطبع إلى صوت العقل، وصوت حياة، وصوت الدمار الذي يكاد ينهي البلد من جذوره!

نيف وعشرون يوماً على 12 تموز (ب)
مناقشات... تعب... قلق... مترو... الدموع مفاجآت على مسار التفاصيل اليومية أو متابعة أخبار الرياضة. الدمع يسفح فجأة، ولا صوت يغني.
اشتقت للعود، لكن الموسيقى العربية لا تعرف مثل حالتي، حالة الإنهاك الأقصى والحزن المتراكم. كلما أمسكت به لأعزف، ألاحظ أن كل هياكله مشيدة على اسم ديونيزيوس، حتى وإن كانت ترجمته العربية الله أو الليل.

الفلاسفة الكذبة مثل غلوكسمان وهنري ليفي ينشرون بذاءاتهم المتذاكية في الصحف الفرنسية، إن كان هؤلاء نجوم الفلسفة السياسية في فرنسا اليوم فلا غرو أن النقاش السياسي فارغ وأن كل التحركات الشعبية الكبرى، من الضواحي إلى الشباب إلى اليسار المنتصر في الانتخابات، عاجزة عن أي تثمير في السياسة! الأسوأ أن افتتاحيات الصحف الفرنسية لا تنتقد "الرد الاسرائيلي غير المتوازن" إلا حرصاً على مصلحة اسرائيل وصورتها! إنها نصيحة الصديق الخلص! لا رفض من حيث المبدأ أو لمصلحة لبنان، بل فقط محاولة لاقناع اسرائيل بأن ما تفعله ليس لمصلحتها. أما الطريف في الأمر فهو أن السيد نصر الله يتبنى في الواقع المنطق عينه الناصح لاسرائيل!
يا للعار! أصبحنا نحمد الله على أن قتلى اسرائيل الإثني عشر من الجنود، لا من المدنيين، لا لشيء بل فقط حرصاً على ألا تمحو مثل هذه المجزرة صورة قانا! يا لبؤس أمة تقيس "إنجازاتها" بدفق سيل المجازر وتحرص على ذلك!

سهرة: رجاء العائدة من لبنان على متن السفينة الفرنسية والتي وجدت في استقبالها في المطار أطباء نفسيين، عثرت أخيراً على هدف لحياتها: جواز سفر فرنسي!
يبدو أن الوضع مخز في تعاطي القنصليات اللبنانية في الخارج، وأن الوضع في داخل لبنان أسوأ مما نحسب، وأن تذمر الشيعة من حزب الله أكبر أيضاً مما نظن. ويبدو أيضاً أن التضامن اللبناني مفروض على الإعلام بقرار واعٍ ورقابة ذاتية صارمة. هل هذا ما نريده من لبنان؟على الدولة أن تبادر فوراً إلى رعاية النازحين بنفسها، إلى جانب عمل الأحزاب والمجتمع المدني، وأن تقوم لاحقاً بنفسها، جهد الإمكان بالطبع، بمد شبكات التعويض وإعادة الإعمار والرعاية الإجتماعية للمتضررين، لا أن تلزّم ذلك لرؤوساء الطوائف كالعادة، وإلا فإن لبنان سيخسر آخر فرصة ربما لأن يصير نواة دولة، لها جمهور يقدمها على زبائنية الطائفة.

مشروع سفر حول العالم: رغبة هائلة في السفر. في الوقت نفسه شعور بأن التكنولوجيا المعاصرة تمنع مرتين مغزى السفر. المرة الأولى حين لا ينظر أحد إلى مرور جثمان البابا يوحنا بولس الثاني أمام ناظريه لأن ناظريه منشغلان بشاشة الكاميرا أو الهاتف الرقميين، والمرة الثانية لأن هذه التكنولوجيا تمنع المرء من توديع أهله وصحبه والمضي وحيداً صوب الإكتشاف، لأنهم سيصاحبونه في كل خطوة وفي كل دقيقة إن شاؤوا.

في أفلام تاتي دائماً حنين منكسر يغدر بنا دون سابق انذار، في وسط الضحك. ربما كان ذلك تعريف لبنان، لو أنه الآن في وسط النيران. لكننا محكومون بالبقاء، وطناً صعباً (جداً)، أما الأمل فعلى الله...

نيف و...