عهر البلاغة
نشرت في ملحق النهار، 18 أيار 2008
ـ حين تنتشر شظايا القنابل وشرر الرصاص، يغدو تماسك الخطاب وقحاً إن لم يكن كذابا. ما يبقى من القول إلا كتل يفتتها أدنى لمس امرأة ثكلى، أو طفل خائف.
ـ من يسائل الآن عن منطق قرارات حكومية هوجاء، عن التوقيت وجدول عفن الشرق الأوسط، أو عن تمهل المنتصر، حين تطفح بسمته بثمل النشوة المظفرة، بسكرة السلاح؟ أليس السلاح ما يحرك نفوس حامليه، بحسب بورخيس؟ خفة الدم، في هذا المقام، أو أناقة الاقناع، ليستا غير فرع من شجرة النفاق. عهر فاضح تصير البلاغة حين لا تجهر بأن "الموت يدافع عن الموت" ؟
ـ في صيف 2006، حارب مقاتلو حزب الله مثل أشباح، في أرضهم. هاهم اليوم يطلقون النار على الأشباح. هل اعتراهم الرعب من نقاء صورتهم، أم هو وسواس الدم الخفي المنسي على الأيدي يستدعي دماً أوضح؟
ـ قتلى الحروب الأهلية ليسوا شهداء، بل شهود على الحمق والكبر. دمهم لا يصعد إلى السماء العكرة، بل يظل على الأرض، لا يغسله شيء، ينبت دوماً على جلود الناجين، وفي أعين القتلة كجفن معترض.
ـ حزب الله لم يعد حزباً، بل شعاراً، كالقاعدة، يحمله حتى أعداؤه، شارة في جبينهم. كل مقاتل لبناني في شارع لبناني أصبح مدموغاً به. كل مقاتل اليوم أصبح مقاتلَ الحرب الأهلية المتمادية منذ عقود، أو أكثر، القاتل على الهوية وعلى الثقافة وعلى الاسم، والمقتات من الغنائم والغصب. هل يدرك ذلك من يفرح باحتضان السلاح؟
ـ هناك من يشدد أن النزاع سياسي، وليس حرباً دينية. كي لا تكون الحرب دينية حقاً كان الأولى ألا يتحدث المشايخ والمفتون ونواب الغائبين والمغيبين، وكان يفترض أن يكون المنخرطون فيها سياسيين أو طالبي حق (محتكمين إلى القانون). أي أن يكون ولاء حزب الله لإيران ولاء سياسياً، لا فقهياً، وأن يكون موت الناس قتلاً لا شهادة، وأن يكون المقدس واللاعقلانية والفطرة (أي الغريزة) خارج أسباب الصراع ووسائله وذرائعه.
ـ مثل بثرات مزمنة، تتكرر مشاهد القتل في شوارع لبنان. هل هو غياب العدل الذي يعيد في كل مرة نسف السلم، الذي نقدمه على القصاص؟ من يأتي بالعدل إن لم يكن من غالب، عادل أم لا؟ هل هو غياب الرواية تُسكَب في روح اليافعين كي تكسر حماساتهم إلى الظفر الحربي وتُشكّكهم في وعود الملهمين والنجوم؟ أم أنها فقط ذاكرة مديدة، تسترجع، من حين لآخر، بعض الذكريات، دون أن تحفر في جلود الناس أي وجع؟
ـ قال أحد مشايخ الحزب إن بيروت الغربية لم تعد ذات أكثرية سنية. كم نرجو لو يتحقق هذا القول. كم نرجو أيضاً لو ينطبق نظيره على الضاحية البيروتية الجنوبية، ونرجو لو يسحب الجيش السلاح، بدل طلبه سحب المسلحين إلى يملكون السلطة الفعلية، أي قادة الزعران ومقدميهم، ولو ينتشر في كل المناطق بشكل متوازن، في انتظار انتشار الانماء. عسى أن تكرهوا شيئاً....
ـ الحرب خدعة، لا ريب. المقاتل ليس شجاعاً بل مخادعاً. أطهر الناس من يتمسك بشجاعة العيش الصعبة، لا من يتلمظ باقباله على الموت.
ـ بات الفصل المثلث ضرورياً بين الحزب (الذي بات مستغنياً في التعريف عن المضاف إليه، على جلاله) ومقاتليه وطائفته. لكنه أيضاً بات ناجزاً. الحزب المتطهر لا يلغ في الدم، عكس المقاتلين الذين يموتون ويعيشون في متخثره، أما الطائفة، المزهوة (بدليل الصمت العارم) بحلم القهر الموجه إلى خارجها، فستكون أول من يتنبه إلى كونه مجرد مقدمة لعودة النصل إلى روحها. كسابقاتها، سوف تستدعي، متأخرة، الآخر لينقذها من نفسها، من السرطان المتنامي في نسيجها. حكم الطبابة أن تكون يد حامل المبضع يد الغريب.
ـ طرابلس أيضاً تستأنف ذاكرتها، لأنها حاضرة فخور وليست ضاحية شمالية. مستقبلها لا ينفصم عن أزقتها، والرابط مع العاصمة الحديثة النعمة ليس بأوثق من الرابط مع ما وراء البحار، ما قبل العولمة. رهان وحيد لوقف "عرقنة" البلد؟
ـ بين مايو الفرنسي وأيار الانتصارات، بحسب إعلام الحزب المنتصر سرمداً، أن "المخيلة تنزل إلى الشارع" في باريس، في حين يصعد الشارع إلى المخيلة في بيروت. ربما لم يكن حصاراً، إلا أن شمس الحمراء تلح على مخيلتي كأميرات القصص. بينهما أيضاً أن أيام باريس عيد الأفراد المتحررين، أما أحداث بيروت فطوفان الرغبة في الانحلال في وحدة الجماعة، لذا كان التحرر سابقاً على مايو، في حين أن السلاح مصوب على رأس أيار يستعجله الانقضاء، نحو حزيران الشهير.
ـ لا يصنع من الفسيفساء اللبنانية زرد. المطارق تكسر، ولا تصيغ، والنار تحرق ولا تصهر. رغم ذلك، لا يجد الحزب خياراً سوى اتخاذ اللبنانيين درعاً! ولا يجدر بهم اسقاط مربعاته عنوة أو كرهاً، فاللوحة تتداعى إن لم تكن عناصرها "محشورة" ضلعاً إلى ضلع.
ـ حزب الله لاعب اقليمي، وطموح كوني، أو هكذا يظن. غير أنه لا يحلم بدولة له، تلقى مصير غزة، ولا بحكومة له خارج اقليمه اللبناني. ما قام به ليس غزوة، ولا غارة، بل طلب حار للحماية. يحيا الحزب من كون الطوائف عصية على الاقتلاع، ويموت لأنها ليست، على ساحة الدول، سوى كتل من أذى منتن لا يمس سوى بأعواد الموت القابض. كأنما النصر المحلوم على إسرائيل لن يكون إلا بثمن تحويل المشرق كله خلاء. أليس هذا أيضاً معنى القنبلة النووية الاسرائيلية؟
ـ حولت اسرائيل، رغماً عنها، الأرض اللبنانية موحدة. ها إن الحزب المعادي لسياساتها يحيل، رغماً عن مقارناته المتهافتة، بيروت مفصولة عن بنت جبيل بهوة مقدسة. كم حياة تلزم لردم المقدس؟!
ـ كيف تجيب رصاصة، أو تتحدث مع فوهة رشاش؟ كيف تعود إلى بلد تسأل فيه عن هويتك واسمك ومسقط رأسك (قبل أن يعاود السقوط) من عيون غريرة الشر؟ الخائفون لا يحارون جواباً، لأنهم يركضون، ويخفضون وجوههم. في مواجهة المقنعة وجوههم (للمناسبة، لم يتقنعون إن لم يكن حرصاً على علاقات الغد الذي يغتالون؟)، لا يسع المرء أن يرد إلا بسفور الوجه الهادئ على الرصيف. أن يكرر: لستُ أنت، لستُ أنت.
mercredi 21 mai 2008
أناقة اللغة الوقحة
lundi 10 mars 2008
حقوق الطوائف
البنى الحقوقية والطائفية في المشرق العربي
في كتابه "في أصول لبنان الطائفي، خط اليمين الجماهيري" الصادر قبل شهر واحد من الحرب الأهلية في العام 1975، أخذ وضّاح شرارة على الذين عالجوا المسألة الطائفية في البنى الحقوقية أنهم يحيلون القانون إلى متحف، ويجعلون من البنية القانونية خلقاًَ مستمراً للنظام الطائفي، بحيث يصعب عليهم تحقيبه، بما أنه "العامل الذي يدخل الزمن والديمومة في النظام الطائفي".
إلا أن شرارة أيضاً يقر بأهمية العامل الحقوقي في صوغ العلاقات الاجتماعية، وينقل عن روزا لوكسمبورغ أن المستوى الحقوقي يشكل عامل الممانعة الأول للمجتمعات غير الرأسمالية في وجه الرأسمالية الزاحفة، كما أنه يشير أيضاً في كتابه هذا إلى الثقافة الحقوقية المستقاة من الثورة الفرنسية والواضحة في المطالب التي كانت العاميات اللبنانية ترفعها، منذ أوساط القرن التاسع عشر.
إن كون المستوى الحقوقي عامل ممانعة رئيسي يفسر مطالبة الدروز اللبنانيين العائدين إلى النفوذ، بعد حقبة بشير الثاني، بالعودة إلى العمل بالقواعد السابقة المتعلقة بأحكام الأراضي والجبايات. هذا الارتداد ليس فقط ارتداداً إلى ما يعرفونه وحده، بل أيضاً ارتداد إلى ما يعتبرونه قواعد "النصر". كذلك الأمر، في إنشاء المسيحيين، في فترة سطوع زحلة ودير القمر، في القرن التاسع عشر ايضاً، لقواعد جديدة وغير مألوفة، لحياة المدينة، يشبهها البعض بالحكم الذاتي.
مغزى هذا أن الطائفية قد لا تفسَّر بالمستوى الحقوقي وحده، لكنها لا تقوم ما لم تظهر فيه، ولا ترسخ ما لم يقرّها. لفهم ذلك علينا أولاً أن نحدد المدى الذي نطلق عليه اسم القانون، والدور المناط به، قبل أن نحاول النظر في جدوى الدعاوى الفيدرالية المنتشرة والتي تزعم المداواة بالتي كانت هي الداء.
ليس القانون متحفاً
ليس القانون متحفاً، ذلك أنه تحديداً عنصر فاعل، صياغة للعلاقات وممانعة لمحاولات تغييرها. لكنه ينطوي دوماً على بذور قادمة من التاريخ. يقول أحد الفقهاء الفرنسيين أن القانون يكتب معاهدات وقف المعارك الاجتماعية. أي أنه دوماً نتيجة معركة، وتسوية متأتية عن ميزان قوى اجتماعي واضح في وقت معين. يمكن أحياناً كسب الحرب دون خوضها، وهذه طوبى تعاليم الإستراتيجية الصينية، كما حصل مع السيطرة المارونية على لبنان الكبير لدى إنشائه، فقد كانت موارد هذه الطائفة وتشكيلها أوزن بكثير من اعتراضات الآخرين على سيطرتها، لذا كانت هي من كتب شروط التسوية آنذاك.
من جهة أخرى، ليس القانون مفهوماً شكلياً. حتى خارج المجالس النيابية أو الأحكام السلطانية، تظل هنالك قواعد قانونية معمول بها تشمل التقاليد والأعراف في مجالات محددة، كالتجارة والقيادة العسكرية مثلاً. في هذا التعريف الواسع للقانون، يصبح من السهل تبين الدور الذي يلعبه هذا الأخير كضامن لوضوح مآل العلاقات ونتائجها، وكذلك كضامن لعدم تفكك المجتمع تحت وطأة التغيرات السريعة المتلاحقة لدى كل اختلال في موازين القوى الاجتماعية فيه. لكن هذا الدور لا ينبغي له أن ينسينا أن القانون يلعب أيضاً كعامل صياغة لهذه العناصر الاجتماعية وليس فقط كنقطة توازن بينها.
على سبيل المثال، كان من نتائج استبعاد العثمانيين للمسيحيين عن إدارات الدولة (وهو ما لم تكن الدول الإسلامية تعهده من قبل)، وعن العسكر، أن تحولت النخب المسيحية إلى التجارة والعلاقة مع الغرب. في هذا الاستبعاد تكمن ربما نواة تشكل المسيحية في المشرق العربي كطائفة متشابكة العناصر، وذات وجهة واضحة. أي إن فرض قاعدتين قانونيتين، تحت وطأة قوة العنصر التركي المسلم، حوّل المسيحيين المنتشرين في المشرق العربي منذ قرون من أتباع ديانة إلى طائفة اجتماعية، تكمن جذورها في مفهوم "الذمية"، لكن كان قد تم استيعابها داخل الدولة من قبل أن تعود فتنبذ نخبها.
بالمقابل، يسعى القانون إلى إبطاء الزمن الاجتماعي، وإلى استيعاب التناقضات الناشئة فيه داخل الأطر والمفاهيم التي يحددها، وهو في هذا يشكل إطار ضبط للمجتمع، كي لا ينفجر تحت وطأة التحديث السريع، كما حصل لبعض القبائل الأمازونية. أقصى الطموح القانوني ليس الصلاحية الخالدة، خلافاً للقواعد الفقهية الدينية، بل سلاسة الانتقال الضروري إلى قواعد أخرى، من خلال التأويل والتعديل والاستبدال. ليس الدستور إذاً، في وصفه القانون الأعلى، إلا الإطار الأشمل الذي يسعى إلى استيعاب التناقضات الاجتماعية ومتغيراتها، وتعديله بالتالي اعتراف بخروج هذه التناقضات عن الحصر، لكن كتابة التعديل تقتضي سلفاً أن تكون التسوية الجديدة قد أقرت وباتت واضحة وضوح موازين القوى الجديدة.
كتّاب الدساتير والطوائف
يظل أن عملية كتابة التعديل هذه كانت دوماً تستوجب وجود طبقة من المثقفين التقنيين، القادرين على صوغ التسوية كتابة وقواعد. وكان من حسنات هذا الوجود أن تمتعت الكتابة القانونية دوماً بشيء من الخفر إزاء مسألة الطوائف، فحتى في لبنان الأوضح دستوراً لهذه الناحية لا نجد للطوائف حقوقاً خارج اقتسام الثروة الرمزية التي تشكلها المناصب العليا في الدولة. ويأتي ذلك مشفوعاً بكونه مؤقتاً في انتظار إحلال اللاطائفية الكاملة.
السبب وراء ذلك أن للقانون الحديث منطقاً يتشربه دارسوه وكاتبوه يجعل من فردية الشخص القانونية حجر الأساس في أفكاره التعاقدية، سواء في المعاملات الجارية أو في الرابطة الاجتماعية.
كان يمكن إلى حد ما الرهان على قوة هذا المنطق الذاتية في درء تطرف بعض القوى. لكن المرء قد يتساءل بحسرة على تنامي غياب هذه الثقافة القانونية ومنطقها، وراء انتشار ثقافة فقهية تحل الحلال والحرام محل المشروع والممنوع، وتحل الله في أصل الاجتماع لا الفرد. ويزيد هذه المخاوف ما نشهده من انتشار أيضاً لـ"جامعات" طائفية. أي أن الطوائف التي كانت في ما مضى مفتقرة إلى تقنيين من خارجها يصوغون الاتفاقات، بشكل يتضمن حداً أدنى من المنطق القانوني، باتت اليوم تنتج "تقنييها" ولا ترتضي بغير اجتهاداتهم نصاً على الآخرون الرضوخ له، دون أن يكون لها في الواقع القدرة على الحسم والموارد الكافية لحسم المعركة الاجتماعية. وشواهد ذلك كثيرة في العراق، وفي لبنان، حيث يسعى "تقنيو" حزب الله إلى "ابتداع" أعراف وقواعد قانونية جديدة، يتأولونها تعسفاً من داخل النصوص الحالية (من نوع التمييز بين طوائف صغرى وأخرى كبرى، ولادستورية الحكومة التي يستقيل منها وزراء طائفة كبرى... الخ)، وما ذلك إلا لعجزهم عن حسم الأمر وفرض نصوص جديدة كما يشاؤون، ولرفضهم في الوقت عينه للأطر السابقة.
حين يولد الطفل لطائفته
يكثر المعلقون مؤخراً من استعمال عبارة التكاثر البيولوجي للطوائف. العبارة مستغربة ذلك أن الطوائف لا تورث جينات مخصوصة بعرق أو بنوع. فإذا جاز القول بتكاثر السود أو الصفر في العالم بيولوجياً، فإن افتراض سمة بيولوجية للطائفة، ناهيك عن لاعلميته، يفترض أن الطفل إنما يولد لطائفته، لا لأمه وأبيه، إلا أن كانا بدورهما أيضاً للطائفة مالاً وحالاً.
يغفل هذا الكلام التدقيق اللازم في أصول اندراج المرء في الطائفة، والخيار المتاح له في ذلك، ودور القانون بمفهومه الواسع في ذلك.
لا تتمايز الطوائف في المشرق لغة (باستثناء الأكراد) وثقافة وفنوناً ومعيشة وتركيبة اجتماعية بشكل يسمح بالقول إن ما يتلقنه الطفل في البيت يجعله مختلفاً تماماً عن طفل آخر من طائفة أخرى. كما أن من المعروف أن الكثيرين من الطائفيين المتعصبين ليسوا متدينين البتة، ولا يدخل الدين كمبرر لطائفيتهم.
يفترض بالقانون أن يجعل الطفل يولد لدولة وجنسية، إلا أن الدولة في ربوعنا تقيم من زعماء، يتم اختيارهم والتجديد لهم بناء على آلية طائفية يغذونها بسلطاتهم، وسطاء بينها وبين هذا الطفل. في تقديرنا إذاً، يصبح المرء طائفياً من خلال استرهان الأهل في معاشهم وأرزاقهم لوسطاء طائفيين في دول ريعية مثل سائر دول المشرق، وما يستتبعه ذلك من ولاء لرموز الطائفة والتفاف حولهم.
ليس الولاء الطائفي فطرةً أو غريزة، بل هو نتيجة لاتخاذ الطائفة أساساً لتقاسم الثروات، كما أن ما يغرسه في النفوس هو السماح للطائفة بامتلاك مؤسساتٍ خارج المؤسسات العامة، مدارس ومشافٍ ودور رعاية ومساعدات.
في هذا يتجلى مجدداً الدور الذي يلعبه القانون في صوغ الطائفية. كان يمكن لتقرير التقسيم الطائفي للمناصب أن يكون هامشياً، وأن يشكل فقط طريقة للتعايش. إلا أن غياب الدور الاقتصادي الفاعل للمجتمع المشرقي عموماً، واضطراره الأفراد الدائم للمرور عبر الدولة، إما لاقتسام ريعها (النفطي المباشر، أو غير المباشر كما في لبنان) أو للانتفاع بعقودها أو للتملص من الزاماتها، وتحويل الزعماء الطائفيين، من خلال الأوضاع والأعراف القانونية المعمول بها، إلى البوابة الإجبارية إلى هذه المنافع، كل ذلك يربط الفرد إلى الطائفة وشبكاتها، مثلما تربطه إليها قوانين الأحوال الشخصية الطائفية.
خلاصة القول إن الطوائف ليست قدراً، بل هي أسلوب لتقاسم المنافع والثروة المتأتية من الدولة مصدراً رئيساً. والمدخل الرئيس لتجاوزها هو تجاوز الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد المنتج فعلاً، والبحث عن سبل أخرى لاقتسام الثروة الرمزية في مناصب الدولة، قد تكون على أساس مناطقي (حين لا تكون المناطق "صافية" أو "مصفاّة" طائفياً) أو على أساس قانوني آخر يعتمد المهن ونقاباتها مثلاً، فيفعل دور نقابات المهن الحرة، بالإضافة إلى الأساتذة والقضاة.
أما محاولة درء الاحتراب الأهلي من خلال تقنين الوضع الطائفي فتؤدي إلى منحه إمكانية تجديد نفسه ما طاب له، عدا عن أنها تمهد لحروب قادمة كثيرة كلما أنست طائفة في نفسها القوة لتعديل الموازين المعتمدة في الدستور.
samedi 5 janvier 2008
كلمات! كلمات! كلمات
من الواضح أن ثمة هوساً فعلياً لدينا، كما لدى بوش بإرهابه والإسلامو ـ فاشية، بإلباس الواقع لبوس الكلمات، على حساب الخراب الشامل وعلى حساب قدرة الكلمة على الدلالة، غير أن ذلك يجعل كل خطابٍ شيفرةً سريةً لا تخاطب إلا جماعة تتقاسم "الكود" وأسلوب فك الرموز. وإن كان هذا الأمر يسمح للجماعة ببناء اختلافها عن الأخريات، إلا أنه في شيوعه الحالي يمنع اللغة من تأسيس فضاء سياسي مشترك بين الجميع. كما أن فشو تمويه الواقع باللغة يمنع قيام أي دعوة للتغيير على أسسٍ واضحة، ويترك الناس أمام خيار تكذيب الجميع أو عبادة الأشخاص، أو الإثنين معاً على ما يشهد الواقع اللبناني.
هذا يستوجب التدقيق في استخدام بعض المفردات المرشح يعضها لأن يصير، بأقرب مما نتصور ربما، "الرمز" الجديد للتعارف وللتقاتل بين الجماعات اللبنانية.
الكرامة الوطنية
لا يبدو مفهوم الكرامة مفهوماً سياسياً بالطبع، فهو ليس أكثر من رداءٍ يخلعه السياسيون على قبح سياساتهم وعلى المصالح المخبأة وراءها. غير أن كل استعمال من هذا النوع لهذه المفاهيم إنما يفرغها من محتواها القانوني، ويقوّض بالتالي الأسس التي تواضع عليها الناس مرجعاً لحلّ النزاعات بطريقة غير عنفية. ومن المعلوم بالطبع أن تقويض القانون هو أيضاً تقويض السياسة، لأن القانون هو اللغة الأساسية التي يمكن للمطالب و التسويات السياسية أن تتجسّد فيها. والعمه في هذا الغيّ لا يبعث تالياً سوى على الوثوق بدنوّ النوائب.
هكذا مثلاً، حين يبتكر أحدهم مفهوم الكرامة الوطنية، غير الموجود في القانون الدولي العام، فإنه ينقل الكرامة إلى الوطن، وضمناً إلى الدولة، ومن ثمّ إلى أصحاب النظام فيها، وهو بذلك ينزعها عن المواطن و يمهد لسحقها لديه في الوقت عينه الذي يخرجها عن دائرة القانون. ذلك أن الكرامة، في القانون، مفهوم محصور بالكائن البشري، ومؤخراً تجري محاولات لبلورة مفهوم كرامة الجنس البشري بكامله، انطلاقاً من كرامة الفرد، وذلك بهدف منع ممارسات كالاستنساخ، دون أن تصبح بعد متماسكةً.
على الصعيد السياسي إذن، كان الأولى اشتقاق كرامة الوطن من كرامة المواطن، وليس فرض العكس، أي أن تكون كرامة الوطن في بقاء المواطن في ظل عيشٍ ومعاملةٍ كريمين وفي حريةٍ وأمنٍ في نفسه وأهله وماله ورأيه، وهو ما قلّما عرفه مواطن في أوطاننا الكريمة.
إسترهان لبنان
تتوالى الانتقادات، من أطراف داخلية وخارجية، لحزب الله لاسترهانه لبنان في حربه مع إسرائيل، أي أخذه له رهناً ورهينة. وكان لسان العرب ذكر عن ابن سيده، قال: "الرَّهْنُ ما وُضِعَ عند الإِنسان مـما ينوب مناب ما أُخذ منه".
غير أن مثل هذا الوصف كان يليق بالطبع بالنظام السوري، إن صدق في زعمه أنه يبتغي استعادة الجولان، لا اتخاذ لبنان منه بدلا. أما أن يصدق في حزب الله فموضع شك، لأن الجزء لا يستطيع استرهان الكل، ولا يسع فئة أن تسترهن شعبها دون أن تسترقّ نفسها. كما أن مثل هذا القول مردود لأن ليس من أمر أُخِذ من يد الحزب حتى ينوب لبنان منابه. لا يسع مثل هذا القول أن يكون في محله إذاً إلا إن يقل المرء أن هدف حزب الله لا يزال استرجاع وحدة المسلمين وفرضها دولة واحدة لأمة واحدة، غير أن لا شيء في خطاب الحزب يذهب مثل هذا المذهب.
إذن ليس لبنان رهينة، منذ الانسحابين السوري والإسرائيلي، ولا الحزب يهدد بتقويضه أو يتخذه درعاً (بما أن الخراب واقع أساساً بمنطقة الحزب نفسه) إن لم تنفذ مطالبه في مزارع شبعا واسترجاع الأسرى! بل الحزب يعلن دوماً وصادقاً السعي إلى تجنيبه التقويض والوقوف في وجه ضربات العدو.
وليست المصادرة بأدق تعبيراً، خصوصاً أننا لم نجد لها أثراً في معنى الاستملاك لعينٍ ما، إلا إن يكن أصلها بمعنى الرجوع إلى الأصل الذي صدر العين عنه، أو نقله إلى موقع الصدر والصدارة، وفي المعنيين هذين تقدير فائق للدولة ولموقعها لا نفترض أن الفردانية الليبرالية الصميمة في النظرة اللبنانية للدولة تحتمله. كما أن الاقتطاع أيضاً لفظة غير وافية بالمقصود، إذ أن اقتطاع جزء من الأرض وتسويره لا يشمل القدرة على استجرار الأذى على ما سواه. أما تعبير "الطائفة الإثنية" فيضيف إلى تعقيد وضع الأولى غياب دقة الثانية، إن لم نقل باستحالة العثور عليها في الواقع، ناهيك عن تدافع التعبير وتنافي اللفظتين، إلا إن يكن صاحبه يقصد اختصار "الإثني عشرية"!
تسوير جزء من الأرض واقتطاعه، والقدرة على القتال انطلاقاً منه، على أن يشمل الضرر عن القتال ما ليس في الأرض المقتطعة ولا في أرض العدو، والتعامل مع هذه الأضرار على أنها "أضرار جانبية"، وفي المقابل فإن المطالب التي يرفعها الحزب في وجه الجميع لا تقتصر على استرجاع الأرض والأسرى من العدو، بل على إثبات العدو لنيته في الاستسلام النهائي الذي لا قائمة له بعدها، بما أن طبيعته في الجوهر عدوانية وهذه العدوانية تبرر كل ما سبق من استعدادات: في كل هذا لا يبدو أن الحزب يأخذ لبنان رهينة، بل أنه يتعامل معه فقط كما تتعامل معه إيران أو أميركا، أي على أنه ساحة لم يستطع اقتطاعها كاملة، فاقتطع ما أمكنه، وترك الباقي لوظيفة الساحة. المشكلة ليست في استرهان الحزب لبنان، بل كونه أول طرف لبناني في تاريخ لبنان الحديث يسعى إلى أن يكون لاعباً ـ فعلياً ـ في ـ لبنان ـ الساحة، خلافاً لكل أطراف الحرب اللبنانية الذين كانوا بيادق هنا أو هناك واستفادوا من الساحة دون أن يربطوا وجودهم ببقائها على حالها، إذ أن لبنان المزرعة كان ولا يزال بيئة مؤاتية أيضاً لهم. لكن حزب الله ربط وجوده بقيام الساحة وبقيامه لاعباً "اقليمياً" فيها، في حين بدا أن المال "النظيف" والعقيدة الطاهرة منعاه من استحلاب الدولة، وهو ما يزال مصراً على تجنبه في ما يبدو. تعففاً؟ ربما. لكن ذلك وحده يسمح له بالاستمرار في تسوير "منطقته" ومنع أبنائها من مخالطة الآخرين، في حين أن لعبة الدولة، بما في ذلك المحاصصة، دخول في سراديب لا يسعها إلا أن ترسخ علاقات (وبعضها علاقات فساد بالطبع) تقفز فوق هذا السور.
في هذا المعنى، وحيث أن الساحة هي الباحة، بحسب القاموس المحيط، فإن المشكلة مع حزب الله هي في "استباحة" الوطن اللبناني (في المعنى الدقيق، ولا حكم قيمة فيه، أي اتخاذه باحة)، لا في استرهانه. ونزع ذرائع حزب الله في الاحتفاظ بالسلاح يغدو بالتالي مطلباً هزلياً لأن الذريعة الأولى له، والأصدق والأعمق (فالذريعة في لسان العرب هي الوسيلة، وليست الكذبة)، هي هذه "الاستباحة" والتي لن تعدم مسميات أخرى. ولما كانت "الاستباحة" تحمل شحنة سلبية فإن المفضل ربما نحت تعبير "الإستساحة" (على وزن الإستساغة!) أو استعمال تعبير آخر مثل "إقليمية" الحزب، ما دام كل طرف في هذا الإقليم السعيد يتعامل مع لبنان على أنه ساحة ويرى في نفسه قوة عظمى إقليمية!
إن نزع ذرائع حزب الله في هذا المضمار، مثل نزع سلاحه، لا يمكن لأحد أن يقوم به، سوى الحزب نفسه، وطوعاً ، حين يقتنع الحزب نفسه أن المسميات لا تنضب، ولكن قدرة الجمهور على البقاء خلف السور، وإن يكن حائط برلين أو سور الإتحاد السوفياتي الحديدي، إلى نضوب قريب لا تجدي معه مترادفات اللغة. وحين يدرك، بمساعدة اللبنانيين واحتضانهم له، أنه، مهما كبر، يظل يستظل، وأهله وجمهوره، سماء هذا الوطن ويوارى في ثراه.
اختطاف المجلس النيابي
في المقابل، تبدو مفردة "الاختطاف" المرشحة الأوفر حظاً للرد على أصحاب "الاسترهان"، وتلوح منذورةً لمستقبل باهر. ويعتبر أهلها أن الأغلبية الحالية اختطفت لبنان مستغلة الدموع الشعبية على اغتيال الحريري، وتسعى إلى نقله من موقع إلى موقع آخر. وهكذا يضيف القائلون بالاختطاف هزلية لبنان ـ قطعة الأثاث المتنقلة بين الحجرات، إلى إخراجهم الشعب من سوية اختيار من يريد إلى فرادة الابتزاز العاطفي سلاحاً شهرته قوى 14 آذار على قلوب اللبنانيين المرهفة!
ينكر هؤلاء على الغالبية النيابية صفتها هذه، تارةً بابتكار مصطلح "الأكثرية المؤقتة" (وكل أكثرية في نظام ديمقراطي مؤقتة وينبغي أن تكون كذلك) وأخرى بصك تعبير "الأكثرية الحسابية" أو "الوهمية" (وكل أكثرية في نظام ديمقراطي يقوم على احتساب أصوات الناخبين حسابية بالطبع، ووهمية لأنها لا تقوم على تصويت متواصل بل على تفويض يمنح في لحظة معينة ويفترض، أو يتوهم، القانون استمراره حتى التصويت المقبل)، وطوراً باستمرار احتساب أصوات الناخبين من المسيحيين دون المسلمين (على ما درج عليه صاحب الأغلبية المسيحية، مخالفاً الدستور الذي لا يمنح أوزاناً مختلفة لتصويت الناخب، ولا يفصل بين الناخبين على مثل هذا الأساس)، وطوراً برأي أحد خريجي كليات الحقوق أن تغيير التحالفات الانتخابية يبطل فوز النائب! وأخيراً بافتراض أن لا شرعية للغالبية لأن الناخب كان مكرهاً تحت سلاح الابتزاز العاطفي! ولا رأي لحاقن...ضحكه.
يغفل هؤلاء في محاولاتهم المختلفة أن مبدأ الانتخابات في حد ذاته يقوم على تحمل الناخب، بنفسه، لمسؤولية اختيار ممثليه في لحظة حاسمة لمدة ولاية كاملة. أي أن كل انتخابات تعبر بالضرورة عن مزاج آني، وليس في هذا ما يشينها في حد ذاته، وإن كانت قلة الوعي لدى الشعب، كما تبدت في الانتخابات المشكو منها، تثير الأسف لحال الشعب ولحال طبقته السياسية بأكملها تقريباً. وهذا يضاعف تلقائياً أهمية احترام قواعد الدستور وحقوق الإنسان لأنها وحدها تشكل الثقل الموازي الذي يحد من كوارث أهواء الجماعات المتلاحمة.
إقامة القوة على مبعدة والإقامة في الأمان
هكذا، تاريخياً، فقط بعدما رسخت قواعد القانون العام أصبحت العودة ممكنة إلى القول بسيادة الشعب الذي لا سلطة إلا منه. ذلك أن قواعد القانون العام في هذا المجال إنما تقيّد عسف الجماعة وتقولب طرقها في التعبير والفعل، وتقيم القوة المطلقة على مبعدة، مقيمةً الأفراد في الأمان، حين تُحتَرَم بالطبع. والبعض ربما يسوؤهم الأمر، إلا أن الرد المفحم على عشاق التهاب القلوب بالحماسة، وانصهار الجماهير الذي لا يحتاج إلى قنوات للتعبير عنه، يأتي من حنة أرندت التي رأت بنفاذ بصيرة إن الأنظمة الديموقراطية تقوم على احترام دساتيرها أكثر من احترام قاعدة الأكثرية، في حين أن الجماهير، المنصهرة دون تمايز والمنصبّة سيلاً موحداً، هي عماد الأنظمة التوتاليتارية وركيزتها.
الدساتير، وإن صاغها أفراد في لحظة ما، ليست من وضعهم. إنها، والقوانين، الاتفاقات المعقودة حين تضع الحرب الأهلية، الباردة أو الساخنة، أوزارها. وهي تالياً ليست في معزل عن الشعب أو عن تاريخه، لكنها لا تأخذ بمنطق الهرجات الشعبية، بل تشكل غالباً مناراته وشطآن نجاته. وهذا يضاعف من خطورة تجويف مضامينها وانتهاك لغتها وإفراغ كلماتها من مضامينها الدقيقة، لأن ذلك يعني النكوص عن تقييد القوة الهوجاء وإعادتها، متعسفةً بطبيعة الحال، إلى عقر الدار لتعيث فيها تخريباً وإرهاباً.
بناء الثقة بعد الحرب
ملحق النهار آب 2006
من أجل بناء الثقة بين اللبنانيين و بدولتهم
من الواضح أنه ما أن ينجلي غبار المعارك، والركام الذي خلفته، حتى تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مسار سياسي داخلي لبناني، يفترض إجراءات لإعادة ترميم الثقة بين الأطراف اللبنانيين، وصناعة فضاء عام يشترك فيه اللبنانيون جميعاً بهدف إنشاء دولتهم الجامعة والوحيدة القادرة على تثمير جهودهم سياسياً على المستوى الدولي. غير أن تحديد هذه الإجراءات والقواعد الأساسية التي ينبغي مراعاتها من أجل التوصل إلى هذه الأهداف، يتطلب مسبقاً استيعاب المعطيات الإقليمية الناتجة عن الحرب والتي تظهر إيران رابحاً أوحد فيها، والتحديد الدقيق لقدرة اللبنانيين الداخلية على التأثير في سياق سياساتهم وتحييد بلدهم عن أنواء العواصف الإقليمية المقبلة.
إيران رابحاً أوحد
يمكن الخروج من نتائج الحرب على لبنان، وطريقة إنهائها التي تميزت بخاصة بكثرة الاتصالات بوزير الخارجية الإيراني، باستنتاج أن إيران خرجت منتصرة من هذه الحرب التي دخلتها بالواسطة، مما يبشر باستمرار التوتر بينها وبين الأميركيين على صعيد ملفها النووي، الذي يشكل خطاً أحمر بالنسبة للطرفين، المستعدان تمام الاستعداد للتعاون (الوثيق) في كل الشؤون الأخرى، وبخاصة في شأن اقتسام "الشرق الأوسط الجديد أو الموسع". وقد كتب أحد مأذوني حزب الله مؤخراً أن صمود حزب الله الميداني أجبر حسني مبارك على استقبال وزير خارجية إيران (كذا!!) وهذا كافٍ لتبيان أن الأطماع التي تحدو طهران، والتي تستغل هذه الأخيرة حزب الله اللبناني من أجلها، ليست مقتصرة على لبنان، ولا على القنبلة النووية.
يمكن أيضاً الاستنتاج بأن النظام السوري بات الخاسر الأكبر من هذه المعركة، حيث تم تهميشه طيلة الحرب، وألغى وزير الخارجية الألمانية مرتين زيارته لدمشق بسبب طيش رئيسها وسياستها الخارجية، حارماً بذلك النظام من ادعاء عودته إلى الساحة الدولية وانتهاء عزلته. وما إعلان بشار الأسد الحرب على من يسميهم بـ "17 أيار" وعلى كل الأنظمة العربية إلا دليل على تفاقم عزلته الخانقة وعلى شعور متزايد بالاستهداف والتهديد، على الرغم من كل التطمينات الإسرائيلية التي تنهال عليه. بالطبع لا تزال دمشق قادرة على الإيذاء والاغتيال في لبنان لكن الرد على ذلك قد يكون نهاية بشعة للنظام فيها، إذا ما اقتنعت اسرائيل بأنه يقود نحو فوضى عامة في المنطقة. لقد فشل هذا النظام في استغلال الحرب على لبنان من أجل الخروج من عزلته، وفشل في فك الحصار الأميركي الفرنسي المضروب دبلوماسياً عليه، كما ستبدي الأيام أن محاولته لتغييب موضوع المحكمة الدولية لم تحقق أي نجاح دولي يذكر. وإلى ذلك كله فإن علاقات هذا النظام بشبكة الأمان العربية الرئيسية (أي مصر والسعودية) مهتزة جداً حيث تم إحلال الأردن مكانه في الثلاثي العربي الرئيسي. لذا لم يعد بإمكان النظام إلا المزايدة اللفظية على العرب وعلى اللبنانيين، داعياً إلى المقاومة "بالفكر" (حصراً، خوفاُ من أن يساء فهمه)، وكأنما قد ترك للمفكرين في سوريا مساحة خارج السجون!
أخيراً يمكن أن نلاحظ أن إسرائيل أيضاً خرجت مهزومة من المعركة (دون أن يعني ذلك بالضرورة انتصاراً لحزب الله، على ما سنرى)، إذ لم يحقق جيشها أي هدف يسمح له بإعادة تلميع صورته وترميم قدرته على الردع، بل تفاقم الخوف الإسرائيلي حتى صار خوفاً في الأوساط الشعبية على وجود الكيان نفسه، إضافة إلى أن إسرائيل فشلت في تحقيق الأهداف الأميركية من الحرب ومن هزيمة إيران على الأرض اللبنانية مما سينعكس سلباً على الاعتماد الأميركي عليها كذراع يمنى عسكرية وباطشة في المنطقة.
فحوى ذلك أن المحور السوري الإيراني الذي يكثر بعض الساسة اللبنانيون من ذكره، وتعليقه شماعة لعجزهم، هو على طريق الانفراط لأنه لا يؤمن الحد الأدنى من التقاسم في المغانم، حيث تخرج إيران رابحاً وحيداً من هذه الحرب، في حين تخرج سوريا خاسراً أكبر.
إضافة إلى ذلك، وعلى صعيد الانعكاسات على الساحة اللبنانية يمكن إيجاز الوضع بالقول إن إسرائيل خرجت سياسياً من لبنان قبل خروجها العسكري بزمن بعيد، وهي لم تستطع في حربها الأخيرة العودة على أي من المستويين، واستقلال لبنان عنها إذاً ناجز وتام، أما سوريا فقد خرجت عسكرياً دون أن تخرج سياسياً، في حين أن حدود التأثير الإيراني لن تصل يوماً إلى المستوى الذي بلغته الهيمنة السورية السابقة على لبنان. والسؤال الآن: هل يمكن الطلب من حزب الله أن يساهم في إخراج سوريا سياسياً من لبنان، كما كان على القوّات اللبنانية في السابق أن تقطع تدخل إسرائيل في هذا البلد، وإن لم تكن هي من أخرجها عسكرياً؟ علماً أن استقلال البلد وسيادته مرهون بالاستقلال عن العدو الهمجي كما عن الشقيق الطماع.
حدود القدرة الداخلية على التأثير
لا بد من الملاحظة في البداية أن قدرة لبنان على التأثير في المسارات الإقليمية شبه معدومة، وأن أقصى طموح الدولة اللبنانية كان دائماً أن تنأى بنفسها عن تأثيرات أحداث المنطقة وتداعياتها، وقد أظهرت التجارب مدى صعوبة ذلك إن لم يكن استحالته. لذا فإن ما ينبغي العمل عليه هو السعي من أجل الحد من تأثير هذه الأحداث على الساحة اللبنانية، والتدرّب على استيعاب تطوراتها ضمن أطر الدولة الجامعة.
ضمن هذه الأطر يتبدى أن المطروح على حزب الله هو، وبشكل ملح، القبول بالمساهمة في بناء الدولة اللبنانية وتحصين استقلالها من خلال الانفصال بدايةً عن مسار السياسة السورية. والحق أن حزب الله أرسل عدة إشارات، أثناء الحرب، على توجهه إلى تقديم أولويّات الدولة اللبنانية والشراكة في الحكومة على الرغبات السورية. وينبغي أن يتم البناء على هذا التوجه من قبل الحزب، وليس السعي إلى محاصرته، الأمر الذي يمكن أن ينعكس سلباً وعودةً للحزب إلى شدق النظام السوري.
وهنا ينبغي الملاحظة أن مكونات حزب الله الرئيسية (عناصر وموارد وعقيدة) هي مكونات لبنانية وإيرانية وليست أبداً مكونات سورية، وإذا كان الحزب قد اتخذ قراراً استراتيجياً بالمشاركة في الدولة اللبنانية فإن فصله عن سوريا ممكن، بدون أن يعني ذلك فصله عن إيران، في المرحلة الراهنة. والفرصة سانحة لذلك، بصورة خاصة الآن، لأن من الصعب القبول لبنانياً ودولياً باستعادة سوريا لدور الممر الإلزامي لتسليح الحزب، مما سيضعف التأثير السوري على حزب الله اللبناني.
القواعد الأساسية لإدارة الوضع اللبناني
من أجل تحصين الوضع الداخلي، على اللبنانيين الاتفاق على الأهداف الرئيسية العامة، بحيث تصبح هذه الأخيرة الحكم الذي يرجع إليه لتحديد الخطوات المرحلية، إذ لا يمكن السماح مرحلياً بما من شأنه إبعادنا عنها. وأهم هذه الأهداف بالطبع، استمرار لبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه منفتحاً على العالم والحداثة، وبناء الدولة الجامعة وتحصين استقلالها، ورفض المشروع السوري القائل باتخاذ لبنان ورقة تفاوضية ورهينة للنظام في دمشق، ورفض المشروع الأميركي للمنطقة القائل بتعزيز الحساسيات الداخلية في كل من بلدانها، والتعامل معهما بتروٍ بحيث لا يقود أي من الرفضين إلى حرب جديدة، أهلية كانت أو إسرائيلية، ومحاولة تحييد لبنان، عسكرياً خصوصاً، عن الصراع الأميركي الإيراني، من خلال لجم التحالفات الداخلية مع أي من هذين الطرفين.
ينبغي أيضاً التنبه إلى عدم إقفال الملف الفلسطيني في لبنان، وهو المنصوص عليه أيضاً في القرارات الدولية، وإن تكن المطالبة بذلك خافتة، ورسم سياسة واضحة في التعاطي معه، تقوم أساساً على احترام الحقوق الإنسانية وحقوق العمل والإقامة الكريمة للاجئين الفلسطينيين، والدفاع سياسياً عنهم في كل مناسبة وعلى كل المنابر الدولية.
تضاف إلى ذلك قواعد بديهية تقول أن نزع سلاح حزب الله بالقوة أمر مستحيل لأنه يقود إلى حرب أهلية، أما بقاؤه فمرفوض أيضاً لأنه يقود إلى تقسيم لبنان على عدد الطوائف المستعدة لاسترجاع تسلحها وأمنها الذاتي، على ما تلوح أماراته في الأفق، وهو ما ينبغي على حزب الله أن يدرك جيداً محاذيره. غير أن من طلب الشيء قبل أوانه، عوقب بحرمانه، فلا يمكن استعجال الحوار إلى نزع سلاح حزب الله، قبل إنضاج شروطه، وأول هذه الشروط أن يعود هذا السلاح مسألة داخلية، بعد أن ساهم الحزب في نسف طاولة الحوار الوطني وفي تدويل قضية سلاحه، وهو الأمر الذي عززه مسار الأحداث لاحقاً وصولاً إلى القرار الدولي رقم 1701. الأمر أيضاً يتطلب قدراً من الخفر والحياء، ومن احترام تضحيات الشهداء والمقاومين وعذاباتهم، واحترام آلام النازحين وخسائرهم، ومن إجراءات بناء الثقة بين اللبنانيين على أسس التضامن الذي تجلى بارزاً في هذه الحرب، على الرغم من بعض الحساسيات أو الاحتكاكات المحدودة.
أخيراً ينبغي تقديم الحسابات على المحاسبة، وهما متغايران. فالمحاسبة تمهيد دائماً لإنزال عقاب بالآخر، أما الحسابات، التي لا تنفصل عنها سياسة التوازنات الدقيقة، فتقيس المتغيرات والأوزان لتحديد الخطوة الأنسب التي على المرء أن يتخذها. ولا شك أنه لا يجوز لأحد، سوى الدولة وقانونها، إنزال عقاب بأحد. لذا على القوى اللبنانية المتنازعة جميعاً أن تتخذ خياراتها بمعزل عن الرغبة في محاسبة بعضها بعضاً أو معاقبة من تعتبره متخاذلاً أو متقاعساً أو مغامراً، فذلك أولاً خارج سلطتها شرعاً وخارج سلطتها واقعاً، ونتائجه بالغة الخطورة على استقرار لبنان وعلى وجود دولته.
بناء الثقة بين اللبنانيين
في حسابات النصر والهزيمة، تعتمد أطراف 14 آذار تكتيكين: مشاركة حزب الله نصره، بدعوى التضامن الشعبي مع جمهوره والالتفاف حوله وجهود الحكومة، أو التهوين من هذا النصر بدعوى الخسائر الكبيرة في الأرواح والأضرار الفادحة وعودة الاحتلال الإسرائيلي (الجزئي والمؤقت).
كلا التكتيكان يتفاديان إعلان هزيمة حزب الله، في حين أن إعلان هزيمة لبنان كله ينبغي أن يكون الخطوة الأولى لتجاوزها. لبنان خسر حتماً منذ اللحظة الأولى للحرب لأن دولته عاجزة وأرضه أسيرة بين جيش العدو وبين أنفاق المقاومين. وحزب الله خسر أيضاً، رغم إلحاقه الخسارة بإسرائيل، فكثيراً ما خرج من الحرب مهزومان. وخسارة حزب الله متوقعة منذ البدء، وهي ليست على أي حال هزيمة عسكرية بل سياسية، لأن السياسة وحدها هي التي تحسم الربح من الخسارة. وهزيمة الحزب متوقعة كانت لأن الحزب ككيان ليس بدولة ولا يمكنه تالياً تثمير انتصاره، مهما كان، على المستوى السياسي الدولي أو الإقليمي، وهو لا يستطيع حتى تثميره في داخل لبنان لأنه الوضع في لبنان يظل محكوماً بتوازنات الطوائف ودواخل الطوائف التي قد تسمح لحزب الله بالحصول على جزء من حصة الطائفة في دولة، لم يبد من قبل أنه مهتم بتقاسم منافعها وخراجاتها. وعلى المستوى السياسي خسر الحزب ذريعة ردعه لإسرائيل، بدليل تدميرها للبنان، وخسر لبنانية النقاش في شأن سلاحه الذي دولته الحرب وثمة حاجة إلى جهد هائل لاسترجاعه إلى المستوى اللبناني، وخسر مفاجآته تجاه إسرائيل بعد أن كشفت الحرب مدى تسليحه وعناصر مفاجآته، وخسر أخيراً مواقعه المتقدمة عسكرياً التي سيرابط فيها الجيش اللبناني والقوات الدولية، وقدرته على استهداف إسرائيل مجدداً، كما خسر التفافاً لبنانياً كبيراً حوله وسذاجة لبنانية في التعاطي مع الدولة التي يتكشف يوماً بعد يوم أنه بناها و سوّرها في "مناطقه".
يظل أن كل ذلك أسباب تدعو للتمسك أكثر بعدم محاصرة الحزب سياسياً، وعدم إحراج قيادته السياسية كي تظل مسيطرة على جناحه العسكري، الذي سيغدو متهماً في أي اضطراب أمني في لبنان، إلى جانب النظام السوري. وكل ذلك يجعل الأولى أن يجري العمل على برمجة اجراءات لبناء الثقة في لبنان بالتوازي مع بناء الدولة.
يستوجب ذلك اسكات أطفال 14 آذار و8 آذار القاصرين والطائشين، الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويخلقون من التوتر أضعاف ما يبعثون من استهجان، وحصر الخطوات بقرارات قليلة، وواضحة يجري نقاشها فقط في داخل الحكومة اللبنانية والمجلس النيابي، وقيام الدولة تحديداً بالجهد الرئيسي في تقديم المساعدات وإعادة البناء بدل العودة إلى منطق المقاطعجية الذي يزيد من ابتعاد الشعب عن دولته، و تحديد جدول زمني واضح للخطوات العسكرية (الإنتشار في الجنوب، مبادلة الأسري وانتشار قوات الأمم المتحدة في مزارع شبعا التي اكتشف المعلم مؤخراً، دون استشارة حزب الله، أن له حصة فيها!) على أن يليه جدول آخر بالمهمات السياسية والدبلوماسية التي تقوم على شقين، جهود دبلوماسية من أجل إعادة قضية سلاح حزب الله إلى المستوى الداخلي، ونقاش لبناني داخلي على امكانية الاستفادة من التقنيات التي طورها الحزب من أجل تشكيل وحدات من الجيش على مثالها، تمهيداً لاستيعاب الجناح العسكري في حزب الله داخل إطارها، وتحديد المقابل الذي تتطلبه عودة حزب الله إلى لبنانيته وإلى الدولة، على ألا يؤسس ذلك لتقاسم طائفي أو هيمنة جديدة تمنع نشوء الدولة اللبنانية المنشودة.
بالمقابل، من المطلوب من حزب الله عدم منع الدولة اللبنانية من القيام بمهامها وواجباتها في البناء والإعمار والتعويض في "مناطقه" التي هي أرضها، والاقتناع بأن الدخول الذي لا مفر منه إلى الدولة اللبنانية، يعني أيضاً وفي شكل موازٍ دخول الدولة اللبنانية إلى جمهور الطائفة الشيعية الذي يحق له، كما لغيره، أن يكون على علاقة بالدولة مباشرة لا تمر بالطائفة وأجهزتها وزعاماتها. كما أن على حزب الله أن يؤكد موقفاً واضحاً من محاولات الإنقلاب المعلن على الدولة، وذلك من خلال تجديد الثقة بالحكومة، وتحديداً بالرئيس السنيورة الذي أبدى صرامة ونبلاً فائقين في أصعب الظروف السياسية التي كشفت طبيعته كرجل دولة حقيقي. وأخيراً على الحزب توضيح الابتعاد عن سوريا التي أعلن رئيسها الحرب على شركاء الحزب في الحكومة وفي الوطن، وهم شركاؤه شاء أم أبى.
وينبغي أخيراً أن تبدأ الدولة اللبنانية، ورجالها ومؤسساتها، بمخاطبة شعبها من اللبنانيين جميعاً، في وصفهم أشخاصاً غفلين، وكسبهم إلى صفها، وليس مخاطبة الزعيم أو القائد، والتخلي عن "الكولسة" لصالح صناعة الفضاء العام المشترك.
صناعة الفضاء العام
في الفضاء العام السياسي كل فعل مشروط بخطاب إلا أنه خطاب صادر عن معروف إلى غفلين، وإلا بطلت السياسة أن تكون تأسيساً لمساحة حرية (بما في ذلك حرية الانضمام إلى معسكر آخر) وتحولت إلى اتفاقات على تقسيم الكعكة وتقاسمها.
والحق أن حزب الله بمجيئه إلى قلب بيروت في 8 آذار وتحت العلم اللبناني مصحوباً بأطرافٍ عديدة من طوائف أخرى (وإن لم تكن أقوى زعاماتها) إنما كان ترك فضاءه العسكري إلى فضاء عام سياسي بناه الآخرون، إذ أن "الأنا" مستحيلة التركيب إلا في فضاء يبنيه الآخر. غير أن من كانوا على الضفة الأخرى أبَوا، بحكم العادة والتركيبة، أن يروا في خطابه أي شيءٍ إلا طلب حوارٍ واستعراضاً لأوراق القوة. أي أنهم رأوا فيه خطاب الزعيم إلى أنداده لا خطاباً إلى غفلين، ورأوا السياسة طاولة تفاوض لا تأسيساً لفضاء الحرية، وبذلك أسسوا من جديد لتقاسم كعكة الدولة على أسس طائفية. ويخشى أن ترتكب الأطراف نفسها الأخطاء عينها الآن مع إشارات الحزب، بعد اندلاع الحرب الأخيرة، التي تدل على تغليب مكوناته اللبنانية، وضرورات جمهوره اللبناني وأرضه على الرغبات الخارجية.
بالطبع ذلك لا يعفي حزب الله من المسؤولية، ولكن مسؤوليته تشمل أيضاً محاذير أخرى، أشد خطراً ربما لأنها تمسّ أسس الاجتماع السياسي. فحزب الله يستمر في خلط السياسي بالأخلاقي، وفي رصّ الصفوف رصّاً لا نتوء فيه.
ورص الصفوف وصقل النتوءات ربما كان جائزاً في المعارك البدائية، إلا أنه في الاجتماع يعني العودة بالمجتمع إلى مرحلة ما قبل القانون، ذلك أن القانون بطبيعته آلة إنتاج للنتوءات والفروق. فالقانون الذي يحاكم الناس فرادىً إنما يحاكمهم إنما بناء على معايير جماعية وعلى قواعد يصوغها لجماعات ينتجها هو وينتمون إليها، على أسس عمرية أو مهنية أو سواها.
وما خلط السياسي بالأخلاقي إلا تتمة لذلك التراجع لأنه يتخلف عن المضامين المحددة للمطالب الاجتماعية والقانونية التي تشكل قوام السياسة، و يَنكُص عن التحديدات الدقيقة لقيم الجمهورية كالمساواة والتضامن وضمان الحريات نحو مبادئ أخلاقية غائمة التعريف ومتغيرة القوام إلى حد أن لا طائل تحتها سوى التعمية على تبادل المنافع في السر، وهو ما لا يرتجي أمراً سواه من يبتغي المحافظة على مصالحه الوضيعة من خلال وضع الدولة ـ المزرعة ولو كلف ذلك انهيارها الوشيك جداً على رؤوس الجميع.
يوميات الحرب
بضعة أشهر قبل 12 تموز
حلم: السيد حسن نصر الله وأنا في سيارة رينو صغيرة، نسرع باتجاه نفق شكا، على الأوتوستراد، لسبب مجهول نحن مقتنعان بأن عبور النفق سيحمينا من طائرة هليكوبتر اسرائيلية، نرى رأي العين صاروخها. السيد نصر الله فائق اللطف، وأنا على ثقة أن والدي سيرحب به لدينا، وأعرف أن أمي قلقة لشدة حرصها على متوجبات الضيافة. هنالك قوة حنان هائلة في صوت السيد وحديثه الهادئ إلي، ونحن نفر من قنص الهليكوبتر.
ثلاثة أشهر تقريباً قبل 12 تموز
حلم أيضاً: السيد حسن نصر الله وأنا في ما يشبه قبو بيت جدتي القديم في الضيعة. نحاول معاً ضبط جسم غريب، شيء يشبه رجلاً سليخ الجلد، طاقة حمراء متوهجة وحارقة، نحاول إعادته إلى قفصه، وتخبئته عن بقية سكان البيت. العجلة واجبة خصوصاً وأن هذه الطاقة المتوحشة تجأر كالبعير ساعة ذبحه.
الأربعاء 12 تموز
الأنباء الأولى عن قصف يتجدد على مزارع شبعا واشتباكات في هذا القطاع. منذ خطف الجندي شاليط والمرء يصلي أن يلهم الله حزبه ألا يفتعلوا اشتباكات مجدداً، من الواضح أن الجنون الاسرائيلي لا يجد موازياً له سوى في تنصل المجتمع الدولي من دوره كضامن للقواعد التي ترعى وقوع النزاعات وتدرأ مخاطرها وشططها.
حسناً، إن كان الاشتباك في شبعا فقط، فسيكون مجرد رسالة أننا موجودون، وربما لن يفتح الاسرائيليون جبهةَ همجيةٍ جديدة.
الأنباء الآن تفيد بوقوع سبعة قتلى من الجنود الاسرائيليين وبـ"أسر" اثنين (لمَ يستعمل الإعلام كلمة "خطف"؟ هل لأنها من موروثات الجماعات الثورية في الأعوام 1970؟ ولكن أيضاً هل يجوز لغير الدولة أن "تأسر" جندياً من دولة معادية تنطبق عليه المعاهدات الدولية التي تلتزم بها الدول؟). الطامة إذاً وقعت، وزاد الطين بلة أن ذلك لم يجرِ في مزارع شبعا، بل ما وراء الخط الأزرق. لا شك في أن التوقيت يلقي شبهات كثيرة حول ولاء حزب الله للبنان. بالأمس، كان السيد نصر الله يؤكد، بحسب الصحافة اللبنانية، لسعد الحريري أن حزب الله سيهدئ الوضع، حرصاً على موسم الاصطياف. لكن المرء متنازع بين شعورين، كما كان في 11 سبتمبر، يغتبط للأذى اللاحق بالعدو المتغطرس، أم يأسف للقتلى وللدمار الذين يعلم أنهما الرد الأكيد على هذا التجرؤ. بالتأكيد، الوضع اليوم أقل سوءً، لأن قتلى العدو جنود، وليسوا مدنيين. كما لو أن قتل الجنود لا يمر بألم!! إنها ضريبة المهنة ربما، والتواطؤ المشترك على تقديم كبش واحد للفداء (لفداء السياسيين وشركات الأسلحة؟). لكن ليس في عادات اسرائيل احترام هذا التواطؤ العام.
السؤال الوحيد المهم الآن: نتفاءل أم نتشاءم؟
يومان على 12 تموز
بدأت ملامح الرد الاسرائيلي تتبلور. كان خطاب السيد نصر الله في البداية ضيق الأفق: مبادلة الأسرى، ومزاعم عن الوقوف إلى جانب الفلسطينيين. هل من الضروري أن نصعد إلى الجنة بخدين متورمين؟ ألا يكفي خد واحد؟
من يزعم الدفاع عن فلسطين ويهمل أوضاع الفلسطينيين، كيف يطيق خطابه؟ تمجيد المقدس، الأرض أو الشرف، واغفال البشر، الأناس، الضعفاء والمستضعفين، لحم المدافع ووقود البربرية! كان ليفيناس يقول إن الأرض، كائناً ما بلغت قداستها، تعود حجارة وغباراً حين تكون حياة إنسان واحد في خطر. لكن الفيلسوف اليهودي كان يقول ذلك نقداً لاسرائيل، فهل من يقول لنا ذلك باسم الإسلام ونقداً للجماعات الإسلامية.
من حق الحريري أن يشعر أنه طعن في الظهر وأن يوجه نقداً قاسياً إلى حزب الله، ولكن هل سيتحمل البلد؟ ربما! ما زلت أعتقد أن الأمور قد تحل قبل يوم الإثنين المقبل، وإلا فإنها ستطول جداً. فلا يمكن للأميركيين التضحية بحكومة السنيورة، نصرهم الوحيد في المنطقة، ولا يمكن اقتلاع حزب الله من دون تفجير الحكومة، والوضع اللبناني كله. هذه الحرب محكومة بسقف واطئ من الأهداف، رغم جعجعة الاسرائيليين. بالمقابل إذا طالت الحرب هل يكون من مفر من "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" ومن إلزامية التضامن مع حزب الله. نبيل يعتقد أن الأمر مرتبط أيضاً بكيف سيتعامل جنبلاط والحريري مع النازحين الشيعة. استقبالهم كما في 96؟ أم أنهم سيرفضون تسهيل نزوحهم؟ برأيي، الأمر يجري كما لو أننا نكتشف للمرة الأولى، كلبنانيين، أن لبنان أرض واحدة. لقد حاولنا طويلاً بناء بيروت كما لو كان الجنوب في قارة أخرى، وها نحن نتعلم، من جديد، كما في 96 حين ضربت اسرائيل معمل الكهرباء، أننا بلد واحد، أي أولاً وأخيراً أرض واحدة، وصغيرة!
الأرض؟! لست مزارعاً ولا ملاكاً، ولا أجد مبرراً عاقلاً لدفاع الناس الأعمى عنها، سوى ذلك الشعور، الذي يمد عروقه عميقاً في القلب، بوجوب الدفن هناك في الأرض الجرداء والحميراء قليلاً، وإلا فنَثْرُ رمادي في المتوسط.
بضعة أيام على 12 تموز
زيارة دوفيلبان استعراضية جميلة، الصحف الفرنسية تفيض في تأثير شَعْره المتراقص في الهواء البحري، على متن بارجة حربية في خضم أزمة دولية، على استطلاعات الرأي. التحرك في الأزمات ينفخ في أشرعة الشاعر، لكن وزير الخارجية السابق لم يجد هذه المرة الكلمات المناسبة. حتى مع تحسن صورته في استطلاعات الرأي، يظل رئيس وزراء فرنسا ضعيفاً لأنه يخطئ مواقيت الحزم. لا أدري كيف يكتب شعره، لكنه بالتأكيد سيكون كالبياتي لا يدرك أن على القفلة أن تصاغ في اللغة وفي السياسة كما في غناء ثومة.
هل تنتهي هذه المعارك في اليومين القادمين؟ هل ستعرقل إيران وسوريا الصفقة، كما حصل في فلسطين؟ إذا ضاعت الفرصة الآن، فستطول الحرب أكثر مما يحتمل البلد.
ما قدرة البلد على الاحتمال؟ كيف تقاس، وبأي وحدة؟
عشرة أيام على 12 تموز
للمرة الأولى، حياة تبدي إعجاباً بمقال لي، وترى سلاسة وخلواً من التعقيد في الجمل ووضوحاً في الأفكار. قلت لها، ينبغي إذاً أن أمتنع عن الكتابة السياسية، كي أحافظ على الغموض، الذي هو تكثيف الخلود في لحظة. طبعاً، كان ذلك مجرد سخرية، ولكن كيف الخلاص بعد ذلك من انتقادها لمركّب العظمة لدي!
الحديث مع بلال ذكي دائماً، لكنني لا أحب مقاله. كل هذا التشاؤم! أعرف جيداً كيف وصل إلى ذلك، في ظل كل هذا الدمار الذي أسمع عنه، ولا أراه. المقال في النهاية استكمال منطقي وتطبيقي للأفكار السابقة التي اقتنعت بها معه (المدن ووظائفها، شبكات الإتصال المتعددة ودورها في لحمة المجتمع... الخ). ولكن كيف إذن أرفض الخلاصات؟ كيف يمكن أن أوافق على المقدمات وأرفض المترتبات عليها؟ بقوة تفاؤل غريبة، أم بقوة الجهل وعناده؟
ربما على أن أشكر الحظ الذي حرمني في هذا الشهر تحديداً من التلفزيون. في فيلم من قصص قصيرة عن 11 سبتمبر كان أكثر ما لفتني هو تلك القصة الافريقية عن مجتمع لا تلفزيون فيه. 11 سبتمبر خبر إذاعي هناك، وسقوط البرجين بلا صورة، حتى بن لادن لا صورة له، لذا يسهل على أهل القرية الظن بكل ملتحٍ أقل سمرةً منهم.
أهلي في طرابلس، بعيدون عن الخوف اليومي، ولكنهم يختنقون، مثل كل اللبنانيين من هذا الإحساس بالحصار. ربما لا يسمعون صوت القنابل لكنهم بالتأكيد في خضم القصف الإعلامي. أرفض أن أشاهد صور الفظائع الاسرائيلية. لا لأنني أرفض الحقد والكراهية الذي سيشعله ذلك في قلبي، فهو بذلك ملتهب من الآن، ولكن لأنني أشعر أن سيل صور القهر والدم والدموع وسيلة أيضاً لشلّ القدرة على التفكير.
طوني يقول إننا نعيش في زمن الكارثة، في الزمن الذي ينفي سيل الزمن ويجعلنا نقيم في لحظة الحاضر، فقط، حانين على قتلانا، دون قدرة حتى على البكاء أو العويل. وحده الصمت يساوي العيش ـ في ـ الحاضر، لأن كل كلام حيّ يتطلب الاندراج في زمن ينقضي. بالطبع هنالك أيضاً الزمن السوري، أي الزمن الذي يساوي فيه الكلام الصمت لأن الكلام فيه لا يهدف سوى إلى افراغ الكلمة من المعنى، كي يتسنى للنظام أن يعيش إلى الأبد في زمن "التصدي والصمود" (أو الصمود دون التصدي بحسب قراءة مقلوبة لتصريح الحص الشهير). لكن، أليس هذا أيضاً ما تقترحه علينا "المقاومة"؟ الإقامة في زمن لا يمر عليه الزمن، في فعل المقاومة، لا في سعي هذا الفعل إلى الإنقضاء.
نيف وعشرة أيام على 12 تموز
حلم: الجنس مع خنثى! غريب من أين أتى هذا الفانتازم؟ كان هنالك أيضاً كل ثقل الرعب والخجل والخوف من الإنكشاف أمام الآخرين.
غرفتي القديمة في بيتنا السابق! أحلم أن أكون مخرج سينما كي أعيد إحياء هذا العالم الشاسع الذي كنت أراه في بيتنا الضيق، في الممر الدقيق بين المكتبة وغرفتي حيث الخزانة التي تضم مجلات العربي وسوبرمان وجرائد قديمة وأعداد "الملحق" التي تتراكم. وحدها الكاميرا تستطيع، مارّةً على مهل وعلى مستوى منخفض، أن تصوّر الذاكرة. دروس من برغمان بالطبع، ومن مخيلة الطفل الذي لأول مرة يلوح على هذا القدر من البعد. كأنما لم أخسر طفولتي إلا حينما غادر والداي بيتنا القديم.
منذ بدأت هذه الحرب، أصبحت أستخدم دون انتباه الـ "نا"، والـ "نحن"، كما لم أفعل قط من قبل.هذه الحرب تقضي على فرديتي، وأنا البعيد عن ساحتها! لكنني لا أحتمل هذا الإندراج بالرغم مني في خانة "إما... وإما..."، نحن أو هم... أنا الآخَر الآخِر!
أسميت ذهابي إلى الاعتصام في ساحة السوربون "نضالاً"، فأنا آخذ المترو لأذهب كي أناضل وأعود به من ساحة الوغى! لو كان للنضال في العالم الثالث كل هذه المواصلات العامة لتحققت إنجازات "تاريخية" J
كل هذا "النضال" بالكلام وبالشعارات، أليس أيضاً ما ننتقده؟ في النقاش مع خليل وجوانا كان الأمر يزداد وضوحاً، نحن في نهاية الأمر نريد الدفاع عن موقع شخصي فردي، وعن حرية فردية، (هل ذلك ممكن في وقت تتساقط فيه الضحايا؟ أليس أنانية؟ يقولان)، في مواجهة سيل المواقف الثقافية التي تصنف الآخرين إلى عميل/ متقاعس أو إلى مقاوم. كيف تكون المقاومة في الثقافة؟ بل أساساً كيف تكون المقاومة؟ ما هي؟
ما أريده هو مقاومة هذه الثنائية البلهاء التي يسعى الجميع إلى جرنا إليها فنحن إما مع أميركا وإما إرهابيون بحسب الخطاب البوشي، وإما مع حزب الله أو عملاء لاميركا بحسب "المقاومين"، وكل ذلك بذريعة أن "لا صوت يعلو...". كيف أقاوم المنطق الأميركي الهائج كناقة عشواء إن كان أخي لا يدعوني سوى إلى المنطق نفسه؟
أحسب أن مقاومة هذا التسطيح الهائل لا يمكن أن تكون سوى ببناء موقع متميز، لكن كيف يمكن ذلك إن كان الكلام نفسه مصادراً؟ بمناهضة مصادرة الكلام نفسها! برفض مانوية الخطاب البوشي والخطاب الإيراني ـ الحزب اللهي، برفض انتهازية 14 آذار الرخيصة! الرفض وحده لا يكفي: ينبغي تفكيك هذه الخطابات، وإظهار كمية اللا سياسة، والغيبية، والزيف، والعمى الذي تفترضه تعابير وأدوات غير مفهومية وغير سياسية، كالفخر والكرامة والشرف والإباء والإرهاب غير المعرّف وآلام المخاض والنوازع الأصلية لدى شعبٍ ما وطباعه أو مشاريعه اللاتاريخية، وذلك في مجال سياسي يفترض أن تكون المطالب فيه واضحة والأهداف محددة وقابلة للتعيين وللتحقيق، لأن في فشلها أو تحقيقها حياة الناس وأرواحهم وسقف بيتهم ولقمة خبزهم.
الدفاع إذاً عن وجود الدولة، مجدداً وتكراراً، مع التحسب منذ الآن لشططها المحتمل.
في هذا السياق يصير واجباً حماية هذه الدولة ممن يتذرعون بالدفاع عن سيادتها، سواء كانوا دولاً أجنبية أو "شقيقة" (كألم الرأس!) تسعى إلى فرض قرارها على الدولة اللبنانية، أو الجماعات الطائفية التي لا يقوم اجتماعها وكيانها سوى على خرق سلطة الدولة وانتهاك سيادتها وصلاحياتها ما أمكنها ذلك!
المقاومة اللبنانية الباسلة؟ لقد تجلت بدايةً في كل نشاطات المجتمع المدني ومنظماته ومؤسساته كالصليب الأحمر وهيئات الإغاثة، قبل أن تتجلى ثانياً في استبسال المقاتلين اللبنانيين المنتمين إلى حزب الله في التصدي لتوغلات العدو الاسرائيلي في الأراضي والمياه الاقليمية اللبنانية. كل عامل في مجاله مقاوم لأنه يؤسس لمشروع ثالث وحيوي ولمقاومة لمشروعي الموت، الموت قتلاً بأحدث التقنيات أو الموت بالاختناق تخلفاً، وهما المطروحان علينا كقرني حَرَج، (بل كخازوقي حرج) لا يمكن القبول بأن يعلّق أحد، فكم بالحري شعب، على أحدهما.
بعد "النضال"، العشاء. غريب كيف نكتشف فجأة أن الأجوبة التي نقدمها، أكثر بكثير من الأسئلة، يمكن أن تنتهك خصوصية الآخر وأن تعتدي على خفره. الأنباء من لبنان تغدو مكرورة، قصف، دمار، موتى، مقاومة، إنه الروتين يا غبي!
نيف وعشرة أيام على 12 تموز (ب)
الإنقسام اللبناني في باريس منهك ومقزز! كل المظاهرات أزواج تنزل وكل اعتصام سرعان ما يرى قرينه في مكان ثانٍ. بحسب ما رشح عن اجتماع في السفارة لممثلي الأحزاب، لا خلاف جوهري بين الجميع على الحد الأدنى من المطالب. لكن لا أحد يرضى بالظهور إلى جانب الأخر علناً. كلما ناقشنا أحداً يقول، فليتنازلوا هم! كل هذا الدمار العاصف بالبلد لا يهز شعرة في رؤوس من يمشون وفي مؤخرات رؤوسهم مراصد للكاميرات التي يحسبون أنها تلتقط صورهم للخلود!!؟
المناقشات مستمرة مع خليل وجوانا. أجواء الشباب في لبنان تشي بحرب فعلية بين المثقفين هناك: معنا أو ضدنا، دائماً ومجدداً، وكل يراقب الأخر! الكثيرون يرون أن بيان "مثقفي المقاومة" فخ لا ينبغي الوقوع في الرد عليه. لست أرى ذلك. أرى أن الوقت سيكون متأخراً جداً حين تنتهي الأمور، ستكون مصادرة الكلام قد أنجزت. البعض يتخوف أيضاً من عودة الإغتيالات، في حين أن الغثيان يستمر لدى طوني. أحسب أن التحرك ملح وضروري في هذا الإتجاه، فقط لتأكيد الحق في الرأي المخالف، وفي الاستمرار في النقد، وبخاصة نقد القوى التي يفترض أنها تشكل قوى المقاومة الأساسية وعصب مناعة البلد، وذلك تحديداً حرصاً على هذا البلد عينه وعلى تصويب مساره نحو ما يراه كل امرئ أنه الأمثل.
لا بد في هذا من نقاش معنى المقاومة نفسه. اللغة دليلي الأثير، كما دائماً. المقاومة كما توضح اللغة نفسها دفاعية أولاً، دفاع دائماً وبدايةً وأصلاً عن حياة كل فرد، من أيما انتماء، (حتى وإن انتمى للعدو لأن في ذلك مغزى أخلاقية معركتنا)، وعن عيشه وحرياته المنصوص عليها في الدساتير والشرعات الدولية، وعن حقه في المساهمة في إعمار بلده وإغنائه بجهوده في مجاله وبتصويبه بالنقد لكل ما يراه خطأ في مجتمعه. أي أن المقاومة لا يجوز أن تختزل إلى ممانعة مشروع متعسف أو همجي ومتوحش تجري محاولة فرضه، وإن تضمن معناها ذلك تضمن الكل للجزء.
فكرة جوانا الرائعة، عدم الإكتفاء برفض الخطابات المطروحة علينا، وعدم الاكتفاء بالدعوة إلى تحديد معايير الربح والخسارة أو مفهوم المقاومة العامة، بل الإعتراض على زعم البعض حقهم في التصنيف (ولكن ألا يفترض هذا أيضاً إنكار قدرتهم على تصنيف أنفسهم؟ بلى ولكن ذلك طبيعي لأن التصنيف المعتمد ليس محايداً، إنه كتصنيف شعب ما نفسه أنه أرقى الشعوب أو أنه شعب الله سواء أجاء الإختيار منه أم من ربه). أكثر من ذلك: إظهار خطل أسس فكرة الفئة أو التصنيف كلها.
معها حق بالتأكيد. التصنيف إن جاز في القانون لتطبيق قواعد معينة أو جاز في الأنواع الأدبية لتسهيل النقد، فإنه إن طبق على البشر محاولة دائمة لاخراجهم عن حدود المساواة وتمهيد لحرمانهم من الحقوق المترتبة عليها، وأمثلة ذلك أكثر من أن تحصى في كل تواريخ الأقليات المضطهدة.
أتساءل دائماً لماذا أجواء اليسار أظرف في نظري من أجواء أصحاب الإيديولوجيات المتحمسين؟ (بالطبع أجواء اليسار لا تعني الحزب الشيوعي إذ لا أجواء له!). ربما فقط لأنني أشاطرهم الإحساس بانهيار الأحلام، وبضرورة أن يظل العمل ممكناً وواجباً بعد هذا الإنهيار، وربما أيضاً لأن في نبراتهم تلك السخرية التي أهوى، التي تبدأ بالسخرية من النفس، بالخيبة، وبالشجن الناعم المصقول بالحنين إلى ما لم يشهده أحد منا. ربما هذا ما يشكل أساس نفاؤلي الدائم، مثلما كان، برأيي، ما منع شوران (كما يلفظ بالرومانية) من الانتحار. في السهرة ضحكنا كثيراً على عقد باسل لزواج متعة مع فتاة روسية، متساءلين من أين أتى بالتمرات مهراً. تذكرت أنني استغربت تقاربهما، مع علمي بحيائه وتقواه. أوكي، هنيئاً له، إن كان ذلك يحل عقدةً!
العودة على بولفار سان جيرمان، مساءً: ذكريات 1968 لا تزال تعبق في المكان، أم أنه فقط رأسي المثقل بصورة تلك الإنتفاضة؟ كانت هدى أجابت إحدى الفرنسيات عن مدى الإستمرار في الإعتصام: إلى أن يقرر الباريسيون أن يستفيقوا! لكن الباريسيين كما نعلم ينزحون أيضاً موسمياً عن مدينتهم! يظل أن أيار 68، في شكل ما يضفي مشروعية على ادعاء فرنسا تمثيل القيم التي كان صاغها عصر الأنوار الأوروبي وأعلنتها الثورة. باريس وصية على هذا الإعلان، لأنني فيها ولأن في وسعي أن أعلن منها موقفي، ولأن شوارعها المرصوفة تتسع للكثيرين من كل الاتجاهات، حتى المعادية لنا، ولأن السياسة الخارجية لرئيسها أمر يحتسب في تقرير شعبيته!
نيف وعشرة أيام على 12 تموز (ج)
قانا! قانا 06! عرس الدم! من جديد، بعد عشرة أعوام، المأساة عينها. لم أر صوراً، لم أكن لأقوى على ذلك، صوت المذيع في الراديو يلفظ هذين المقطعين كان كافياً، لأشعر. لأحس بدمٍ قانٍ يهطل من العيون، بدمع يتغرغر في الحنجرة!
أريد القيام بأي شيء. ينبغي ضرب المصداقية الأخلاقية لاسرائيل في العالم الغربي. اللجوء إلى الضربات تحت الحزام: المقارنة بالنازية. باريس دشنت منذ أيام حائط "العادلين" الذين أنقذوا أطفال اليهود في فرنسا من أنياب النازية. حسناً فلنطلب نحن أيضاً أن نعثر على عادلين! الفرنسيون خبئوا مؤخراً عن أعين ساركوزي المئات من أبناء المهاجرين غير الشرعيين المهددين بالطرد إلى بلادهم الفقيرة، فليخبئوا أطفالنا عن عيون الطائرات الاسرائيلية التي تتقصدهم وعينها على مقبل الأيام وأجنة الأرحام!
خليل قلق من مخاطر مثل هذه المقاربة. لن يترك الشعبويون من هذا التقريب بين النازية والممارسات الاسرائيلية سوى مماهاة بين جوهرين، وسيغفلون كل ما نود قوله عن ارتباط هذه الوحشية، غير المسبوقة تحديداً، بعلاقة الإنسان بالتقنية، وبالحداثة.
في المظاهرة، في مساء اليوم نفسه، رسم مرفوع عالياً: نجمة داود = صليباً معقوفاً.
التأثير قد يكون تماماً عكس ما نريد، رفضاً مطلقاً لتقريب يلغي المسافة ويشطب منطق العلاقة بين نقطتين. وقد يكون كارثياً على مستوى الرأي العام العالمي.
الرأي العام العالمي؟! أليس علينا أن نيأس من هذا الرهان؟
عشرون يوماً على 12 تموز
هذه الصبية، كل صباح في المترو، كيف أقول لها أنها تشعّ باللا دعة، وأن ذلك يجعلها فاتنةً.
لم يشهد العالم قبل اختراع القطارات امكانية بقاء البشر لمسافات طويلة وجهاً لوجه دون كلام! الآن سماعات الهاتف والـ Ipod تزيد من صعوبة التواصل بين المتواجهين، إلى حد أن الاتصال بلبنان وهو تحت القصف أهون بكثير من مخاطبة الجار في المترو. ألا يصيب هذا العارض أيضاً السياسيين؟
إيه بودلير، هذه الفتاة وانا في الحشد نفسه، لكن التقاء العينين حتى مستحيل. لا الحشد يحملها بعيداً ولا قربها نافع ولا أنا أصبر!
الأغاني في المظاهرة واضحة الانتماء. لكن هنالك بعضها مما لم أسمعه من قبل، لا شك أنه أغاني العونيين. من أول مازورتين، يكشف فقر التوزيع و"الكيتش" اللبناني فيه عن ذلك، وعن افتقار كبير للبحث الفني الذي كان أساس ثراء التجربة اليسارية موسيقياً. ربما لأن اليسار كان يحلم بتغيير عالم، في حين أن العونيين لم يحلموا يوماً ولا يحلمون الآن سوى بالعودة إلى الماضي.
راديو الشرق يستمر في بث المقتطفات عينها من تصريحات الشهيد رفيق الحريري، "الحقيقة ما حدا في يخبيها"! إلى جانب ذلك هنالك العديد من أغاني المناسبات التي أطلقت بمناسبة هذه الحرب. لكن الأبرز هو الإصرار الكبير على أغاني بيروت، بما فيها تلك التي غناها راغب علامة قبل عشرين عاماً (هل هذه هي الإعادة التي وعدت بها الحكومة الاسرائيلية؟). لماذا بيروت؟ في حين أن القصف على الضاحية وفي بعلبك والجنوب. هل قبل البيارتة أخيراً أن الضاحية جزء لا يتجزأ من بيروت، أم أن بيروت تحاول التمدد على مساحة الوطن؟ ها هنالك إشارات جغرافية في أناشيد حزب الله؟
النقاش مع أصحاب الإيديولوجيات يصل دائماً إلى النقطة عينها: في الدين، السؤال عن وجود الله، وفي الصراع اليوم السؤال عن التسيير والتخيير! هل هنالك خيارات سوى السلاح؟ ووراء ذلك السؤال الأعمق، لمن الأولوية لرؤية الواقع والعمل على تغييره، أم للتوق إلى رؤية الإيديولوجية واقعاً؟ لا أستطيع أن أجيب على من يؤكدون انعدام الخيارات، سوى أن ذلك نفي للسياسة. الرد أن العزة والشرف أسمى من السياسة! ينسى هؤلاء أن السياسة هي أساس الاجتماع البشري منذ اختراع اللغة، وهي القدرة تحديداً على رفض القول بالجبر والتسيير!
في النقاش معهم، حتى مع العلمانيين منهم، يظهر العدو الاسرائيلي والأميركي كأنه شيطان لا شيء يثنيه ولا عقل يسيره، ولا تسوية ممكنة للصراع معه. إنه صراع وجود لا حدود، بالطبع بيريز أيضاً قال ذلك. لا أستطيع أن أجيب على ذلك سوى بأن الشيطان أيضاً نفي للسياسة. حتى صراع الوجود يحتاج إلى خطوات عملية، لا يشكل الانتحار الجماعي فاتحة ممكنة نظرياً لها! و"القضية" في الواقع أعقد من أن يحلها التواقون إلى شهوة الالتحام النهائي بالأبد في لحظة.
تذكير: خلق السبت من أجل الإنسان، ولم يخلق الإنسان من أجل السبت!
تذكير ثانٍ: بأي حقٍ أصنفهم أصحاب إيديولوجيات وأغدو أنا "مفكراً حراً"؟ ألا يسع الحرية أيضاً أن تكون ايديولوجية مثلها مثل عبادة الطبقة الوسطى السائدة هذه الأيام والافتراض غير المثبت من أن مصلحة الدولة في أن تمثل هذه الطبقة؟
تذكير ثالث: لبنان يخاف من المحكمة الجزائية الدولية حرصاً على حزب الله. ما ينبغي هو ملاحقة إسرائيل ومجرميها وإن على حساب محاكمة صعبة لبعض عناصر حزب الله، لأن إثبات نيتهم الجرمية سيكون بالغ الصعوبة، ونستطيع أن نكسب لأنهم لا يرتكبون جرائم حرب، بل فقطط يستعملون المتاح لهم، أي أسلحة ضئيلة الدقة، بعكس الإجرام الاسرائيلي بأسلحته الأميركية اللماعة.
نيف وعشرون يوماً على 12 تموز
غريب كيف أن قانا ـ 2 لم تتحول إلى 11 سبتمبر لبناني! هنالك قدرة لبنانية هائلة على الاستمرار في تفتيت الزمن الجامع إلى أزمنة جماعية خاصة ومغلقة. 17 أيار لا يزال أهم من مجزرتي قانا، واختفاء الإمام الصدر أو اغتيال بشير الجميل أشد وقعاً من 22 ت2 أو من 6 أيار! ربما يشكل اغتيال الحريري استثناء في ذلك، ولكن هل كان الأمر بسبب الاجتياح الدولي للزمن اللبناني بعد طول انقطاع، أم بسبب من كون اغتياله كان محاولة اغتيال لاحتمال الدولة اللبنانية، مما جعله أيضاً إعادة تأسيس لها؟ الإثنان دون شك. ولكن ما دمنا لا نذكر التأسيس الأول، فلا شيء يؤكد أننا لن ننسى أيضاً 14 شباط وما تلاه.
تحليل بلال بارع: قوى 14 آذار و 8 آذار لا تملك حتى القدرة على الوعد بشعار، لذا ينحصر وعدها بموعد زمني يفترض أن يقيم تأسيساً، خاوي المعنى، لجماعتها.
المقارنة هنا مع القوانين مفيدة أيضاً. بدأت القوانين بحمل التواريخ فقط، ثم أخذت تحمل إلى التواريخ أسماء وعناوين. كان هذا يعني أن القانون لا يكتفي بتفتيت الزمن الجامع، بل أيضاً يجعل من كل قانون استئنافاً لـ"مجال" محدد، وليس لزمن. هكذا بات لكل موضوع أو مجال أو حرفة سلسلة أزمنتها الخاصة. ما تفعله القوى اللبنانية المعنونة بالتواريخ هو تغييب البحث عن المجال الذي يسع عدداً من اللبنانيين أن يلتقوا فيه، لأن التواطؤ على اللقاء مستحيل من دون اللغة! مجدداً، وحدها اللغة تجعل من أفعال الإنسان سياسة (أرندت)، أما الأرقام والحسابات فلا تؤكد إلا استقلال التقنية برأسها، وابتعاد الإنسان المتزايد عن إدارة شؤونه. هكذا يكتب الكتبة مثلاً أن السلاح يحتاج إلى أسباب لتبرير وجوده، وتصريف وظائفه. السلاح يحتاج، لا حملته! كل هذا الوضع يخرج مباشرة من مخيلة بورخيس المليئة بالمتاهات وباللامتناهيات، أليست هذه أيضاً حال هذه الحرب ـ المتاهة اللانهائية، المتطاولة الخاتمة كأفلام كوستوريتزا اليوغوسلافي !
حلم: آلان جوبيه يتذكر وجه صديقتي ويمتدحه بأناقة، في حين أن شيراك الهارب من امرأته يلتجئ إلى بيتي المتواضع، ليشرب كأساً تحت الدرج. شيراك أيضاً أبوي وحنون غير أنه يمتاز أيضاً بقدرته على محو هيبته ومد الألفة بيننا. يضع يده على كتفي ونمشي سوياً في غسق رمادي.
لاحظت صديقة أنني أكثر من الحديث عن أبي مؤخراً. ربما كان الشوق. وربما، الخوف من أن يشيخ وأنا بعيد. كما هو الخوف من أن يشيخ بلال وطوني ووليد وأنا بعيد وأن ينضم فضل وهادي والآخرون إلى قافلة الأباء النظاميين، في حين أظل أحيا في زمن الفتوة، فقط لأنني بعيد. هكذا أكتب زجلاً مصرياً لفضل في كل مرة حين يتذكرني وهو "يكزدر" على الكورنيش الذي قضينا عليه سهرات متطاولة مصحوبين بصوت الشيخين. فقط لأقول له خوفي من أن يكبر. كل هذا يدفعني لأقرر العودة إلى لبنان قريباً. إن لم أستمع بالطبع إلى صوت العقل، وصوت حياة، وصوت الدمار الذي يكاد ينهي البلد من جذوره!
نيف وعشرون يوماً على 12 تموز (ب)
مناقشات... تعب... قلق... مترو... الدموع مفاجآت على مسار التفاصيل اليومية أو متابعة أخبار الرياضة. الدمع يسفح فجأة، ولا صوت يغني.
اشتقت للعود، لكن الموسيقى العربية لا تعرف مثل حالتي، حالة الإنهاك الأقصى والحزن المتراكم. كلما أمسكت به لأعزف، ألاحظ أن كل هياكله مشيدة على اسم ديونيزيوس، حتى وإن كانت ترجمته العربية الله أو الليل.
الفلاسفة الكذبة مثل غلوكسمان وهنري ليفي ينشرون بذاءاتهم المتذاكية في الصحف الفرنسية، إن كان هؤلاء نجوم الفلسفة السياسية في فرنسا اليوم فلا غرو أن النقاش السياسي فارغ وأن كل التحركات الشعبية الكبرى، من الضواحي إلى الشباب إلى اليسار المنتصر في الانتخابات، عاجزة عن أي تثمير في السياسة! الأسوأ أن افتتاحيات الصحف الفرنسية لا تنتقد "الرد الاسرائيلي غير المتوازن" إلا حرصاً على مصلحة اسرائيل وصورتها! إنها نصيحة الصديق الخلص! لا رفض من حيث المبدأ أو لمصلحة لبنان، بل فقط محاولة لاقناع اسرائيل بأن ما تفعله ليس لمصلحتها. أما الطريف في الأمر فهو أن السيد نصر الله يتبنى في الواقع المنطق عينه الناصح لاسرائيل!
يا للعار! أصبحنا نحمد الله على أن قتلى اسرائيل الإثني عشر من الجنود، لا من المدنيين، لا لشيء بل فقط حرصاً على ألا تمحو مثل هذه المجزرة صورة قانا! يا لبؤس أمة تقيس "إنجازاتها" بدفق سيل المجازر وتحرص على ذلك!
سهرة: رجاء العائدة من لبنان على متن السفينة الفرنسية والتي وجدت في استقبالها في المطار أطباء نفسيين، عثرت أخيراً على هدف لحياتها: جواز سفر فرنسي!
يبدو أن الوضع مخز في تعاطي القنصليات اللبنانية في الخارج، وأن الوضع في داخل لبنان أسوأ مما نحسب، وأن تذمر الشيعة من حزب الله أكبر أيضاً مما نظن. ويبدو أيضاً أن التضامن اللبناني مفروض على الإعلام بقرار واعٍ ورقابة ذاتية صارمة. هل هذا ما نريده من لبنان؟على الدولة أن تبادر فوراً إلى رعاية النازحين بنفسها، إلى جانب عمل الأحزاب والمجتمع المدني، وأن تقوم لاحقاً بنفسها، جهد الإمكان بالطبع، بمد شبكات التعويض وإعادة الإعمار والرعاية الإجتماعية للمتضررين، لا أن تلزّم ذلك لرؤوساء الطوائف كالعادة، وإلا فإن لبنان سيخسر آخر فرصة ربما لأن يصير نواة دولة، لها جمهور يقدمها على زبائنية الطائفة.
مشروع سفر حول العالم: رغبة هائلة في السفر. في الوقت نفسه شعور بأن التكنولوجيا المعاصرة تمنع مرتين مغزى السفر. المرة الأولى حين لا ينظر أحد إلى مرور جثمان البابا يوحنا بولس الثاني أمام ناظريه لأن ناظريه منشغلان بشاشة الكاميرا أو الهاتف الرقميين، والمرة الثانية لأن هذه التكنولوجيا تمنع المرء من توديع أهله وصحبه والمضي وحيداً صوب الإكتشاف، لأنهم سيصاحبونه في كل خطوة وفي كل دقيقة إن شاؤوا.
في أفلام تاتي دائماً حنين منكسر يغدر بنا دون سابق انذار، في وسط الضحك. ربما كان ذلك تعريف لبنان، لو أنه الآن في وسط النيران. لكننا محكومون بالبقاء، وطناً صعباً (جداً)، أما الأمل فعلى الله...
نيف و...
وطن كاليدوسكوبي
كنا نقرأ ونسمع صغاراً أن الأعياد كالأماسي، أوقات لفحص الضمير واحتساب محصلة ما أتاه المرء وما اقترفه، لكن مرور السنين يخرجنا، كما رأى تروفو، من عالم الطفولة، الذي هو عالم من الممنوعات ومن الحساب والجزاء، إلى عالم الكبار، حيث كل شيء مسموح، وحيث لا يعني العيد سوى تغييب السؤال في المتعة وتذويب الإنصات إلى النفس في فيض الاختلاط.
وربما كان هذا أفضل، لا سيما في بلد قد يكون العيد هذا العام عيده الأخير، حين يبشرنا المبشرون بأن انتهاءه يعني فتح أبواب جهنم، التي قيدتهم في أصفادها أيامُ رمضان السابق، حتى لنتمنى أن تكون كل أيامنا أعيادا وصوماً، لا لنتمتع بها، بل ليظلوا يرسفون في القيود والأغلال.
غريبة ومتعبة هي هشاشة هذا الوطن الذي نبيت لا نعلم إن كنا سنصبح عليه، أم على آخر. لكنها أيضاً هشاشة خادعة، كهشاشة الكلمات.
هشاشة الوطن الحماسية
يبدو لبنان البلد الوحيد الذي يترك المغادرون مطاره وفي قلبهم، لا غصة الفراق، والخوف من المجهول المقبل أمامهم، بل خوف على المجهول الذي يخلفون. ولعل هذا يدمغهم بطابع العيش على حافة البركان، أو في أرض الزلازل. فلا معنى للعمارة في أرض مهددة إلى هذا الحد، ويكفي فيها أن يعب المرء الحياة عباً، لأنه لا يدري ما تراه يكسب غداً.
ولهذا أيضاً يخاف المغتربون، هؤلاء اللبنانيون غير القلقين على أنفسهم ما داموا يعيشون في بلاد الله الراسخة الأرضين، على لبنان، فوق ما يخاف أهله المستغرقون في لذات الحماسة. ليس الجهل في زمن الانترنت ما يدفعهم إلى الخوف على الغائب، بل خمود الحماسة للحياة، وبدء العيش الفعلي، وسكونه النسبي مقارنة بأحلام عب الحياة من مناهلها المختلفة.
أم لعله العمر؟ يدرك المرء أنه اكتهل، مبكراً، حين يعي أن حسم مصير الأمة لا يقرره حسمه خياراته السياسية، ولا مقدار تعلقه بهذه الفكرة أو تلك. يبدو هذا الاكتهال، أو النضج إن وددنا مراعاة أهليه، حين يدركون صغر حجهم ووزنهم في مثقال العالم، وحين تدركهم السخرية المريرة، لا سيما من السياسة والساسة، على وجهين، ينزع الأول إلى التساؤل عن تفاهة الانسان في الكون الهائل التعقيد والمخيف الاتساع والجم الموارد والمتع، التي يحصرها السياسي في مد ابتسامته على جثة الخصم في مساحة لا تزيد عن المتر المربع. أما الثاني فيقود إلى التساؤل، لا عن التفاهة، بل عن أهمية ما وراء الصورة في تشكيلها، عن الوزن الحقيقي لهؤلاء الذين لا يقودوننا سوى إلى هاوية ذواتهم، في ميزان علاقات القوى الفعلي، وعن تكلف نبراتهم وخطاباتهم المحمومة، إلا إذا افترضنا أن سبب الحمى إمساك في المعدة!
رغم ذلك لا يكف اللبنانيون عن الحماسة، التي هي مدعاة حيثما حلت للاقتتال الخارجي، أو للتناحر الداخلي. وليس في ادعاء بعضهم حب الموت إلى المغالاة في عب الحياة، وصولاً إلى ضمان ما بعدها، وبجرعات إضافية إذا أمكن من الجنة.
معنى لبنان في قلقه
يرث المرء في هذا ضعف لبنان التكويني.إذ لا مبرر لوجود بلد، يعتبر نفسه ملجأ الأقليات والمضطهدين، سوى مجاورته للطامعين الأقوياء والجشعين. أي أن سبب تشكيل هذا "الوطن"، مرهون بوقوعه على خط الزلازل والاستبداد. ولا ننسين أيضاً أن هذا الوقوع هو أيضاً سبب رئيسي في إشعاعه الفكري، بالمقارنة مع الثقوب السوداء المحاصرة له، وفي ازدهاره الاقتصادي النسبي، حين تسنح له فرصة الازدهار.
تطارد أشباح الاضطهاد والأقلية والاستبداد شطوراً وافرة من اللبنانيين لكنها بدل، أن توحدهم، تقيمهم في مواقع متغيرة وتنصبهم بيادق في معارك تتجاوزهم. ذلك أن الاتفاق لم يجر على تحصين هذا الملجأ، ولا يزال اللبنانيون إلى اليوم يكرهون الملاجئ، إلى حد عدم بناء أي منها، حتى على خطوط المواجهة.
ومثل هذا الاتفاق لا يكون إلا سياسياً في الأصل. أي أن الميثاق الفعلي المطلوب من الطبقة السياسية اللبنانية هو الاتفاق على تحصين البلد من كل استتباع للخارج، ليظل محافظاً على مغزى وجوده، ولا يختلف في هذا المجال استتباع لصديق عن مثيله لشقيق أو نسيب. ذلك أن كل استتباع قاصر عن طمأنة هواجس كل اللبنانيين، وهي بالتالي عامل على اقامتهم في خنادق متواجهة، وفي استتباع مواز.
ولما كان اللبنانيون قد جربوا في السابق ويلات الاستقواء بالخارج، فإن عبقرية بعضهم تفتقت اليوم عن تجربة بناء قوة ذاتية، منفردة عن شركائه في الوطن، ولا يظنن أحد أن ويلات القوة الذاتية ستختلف عن سابقاتها، أو أنها ستلقى إجماعا على الحمد بها.
في ظل غياب هذا الميثاق الأصلي، الذي يشكل الضامن الوحيد لمعنى لبنان، أي في ظل استمرار كل فريق لبناني في بناء علاقات مع أطراف خارجية، من خارج إطار جامع يفترض بالدولة أن تشكله، فإن حلم القفز فوق لبنان يصطدم دائماً بحقيقة أن لا أحد أعلى من السماء التي تظله، ولا أوسع من الزقاق الذي يأويه، ولا من مساحة القبر الذي سيثوي فيه.
نقيم في الهشاشة ما ظننا أننا أكبر من الوطن، بدل أن نقول أننا نكبر به.
صمود الكاليدوسكوب
غير أن هشاشة لبنان خادعة، لأنه لا يصل إلى الانكسار الفعلي، لا لصغر مساحته، فهنالك دويلات أصغر، وأكثر استقراراً، بل لأنه في الواقع مركب من نويات لا تربطها علاقات فعلية في ما بينها. لبنان، كالكاليدوسكوب، لا تنكسر صورته حين تهزه، بل فقط تعاود التشكل بالعناصر ذاتها، بانية علاقات جديدة، بالغة الشكلية، بحيث أنها لا نقاوم أي صدمة، ولكن لا صدمة تكسرها.
رسمت صحيفة لوموند مؤخراً صورة لتشكل التحالفات اللبنانية، منذ 1975 إلى اليوم، والنتيجة بالطبع مذهلة، فباستثناء حركة أمل التي لم تقف يوماً في صف مناهض للتدخل السوري، فإن الجميع قد تقلب في كل التحالفات الداخلية المتخيلة. كان يكفي أدنى حادث في منطقة الشرق الأوسط، كي تنقلب الصورة والألوان في لبنان من نقيض إلى نقيض، وكي تتمدد الخنادق بين شارعين، إلى مجارٍ بين أخرى، حتى عمت الخنادق، والمجارير، كل الشوارع، وأصبح لدينا الوطن الوحيد في الدنيا الذي تساوي مساحته مساحة انقساماته.
إنها الهشاشة عينها التي تسمح، اقتصادياً، بعدم التأثر سلباً بأي أزمة اقتصادية عالمية أو بأي انهيار في الأسواق، من الشرق الأقصى إلى أميركا. نحن محصنون لأننا لم نبنِ ما قد يتضرر. وإذ نحيا فإنما نحيا من الإبحار على موج اللحظة، لا من الكد في الإنتاج المستدام.
صحيح أن لبنان يعيش أزمة اقتصادية خانقة، لكنه كان يعيشها منذ وعود الحريري الربيعية، ويداويها بحقنات كبيرة من الأمل. وصحيح أنه يعيش أزمة هجرة فادحة، لكنه لم يعرف سواها منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى، وربما ينبغي أن نرى في سوى أزمة العمل مبرراً لها.
لا يغادر المغادرون فقط بحثاً عن عمل، بل بحثاً عن سكون، وعن رسوخ في أرض راسخة، وعن حرية فردية، وعن طبقة وسطى لا تتشكل تعريفاً من بحبوحة مادية نسبية بل من تغيير فعلي في العلاقات الاجتماعية وفي طريقة النظر إليها. لذا تراهم كالإنسان على القمر، قادراً عضلياً على القفز والارتفاع عالياً، لكن ذلك يعكس أيضاً فقدان الوزن. ومثله أيضاً لا تفارق عيناهم وجه مسقطهم. إنها لعنة لبنان مجدداً.
حصاد العام: تقويض كل مكونات الوطن
لم يقم العام الماضي، 2006، أي عام ما بعد زلزالي اغتيال الحريري وانسحاب الفرق العسكرية السورية، سوى برسم هذه الخطوط بالأحمر، وببدء إعادة الحفر فيها تمهيداً لملئها مجدداً بالدماء.
لئن لم يكن للوطن ذات لتحسب ما عاد به عليه حصاد العام، فليكن لنا أن نبحث في ما أتى عليه.
إن كان الوطن، أرضاً وشعباً ومؤسسات، فقد بتنا اليوم، بحمد الله ونعمته ومنته علينا، في شعوب وقبائل تأبى التعارف وتهوى الاستعداد لتفحّص الهويات واختبارات الدم. كما أننا أبينا أن يوحد العدوان الإسرائيلي الغاشم، حرباً وحصاراً، أرضنا، كما فعل في 34 يوماً، حين طال القصف كل المناطق والجيش، الجامع تعريفاً، وخنق الحصار كل الأراضي، بما فيها تلك التي سبق أن خنقها أيضاً إقفال المعابر السورية. لذا أصررنا على أن نعاود تقسيم الأرض اللبنانية أراضٍ، بل وعلى احتلال بعضنا بعضاً، إذ ما يمنع من أن يقرر تيار المستقبل غداً دعوة أهل طرابلس، التي يتم التعامل معها على أنها الضاحية السنية، إلى الاعتصام في المربع الأمني للحزب اللاهي؟
أما عن المؤسسات، فقد تم الرد على غيبوبة الرئاسة، بشلّ الحكومة، ومنع المجلس النيابي، المنعقد حكماً ودستوراً في دورة عادية، من الاجتماع. بل إن التحضير جارٍ، كما تقول زلات لسان صاحب إحدى الحكومتين، للعودة إلى تجربته السابقة، في حين يذبل خصمه السابق متأسفاً لدور المال السياسي، وكأنما إقطاع الجنوب والضاحية لحزب الله وأمل لم ينتج عن المال السياسي أيضاً وأيضاً.
وقاكم الله شر الاختراع والخيال
المحصلة إذاً أننا أمام تهديد يطال في وقتٍ واحدٍ معنى الوطن، ومقوماته. ولئن بات استعمال مفردات الخيال، السياسي، والتخييل والاختراع، سارياً اليوم على كل شفة ولسان، فإننا نسأل المولى أن يقين شر الاختراع (وهو في لسان الرعب الخيانة وأخذ المال، والكسر والشق) ومن شر الخراعة (الرخاوة، والدلاعة وهي الدعارة) والخُراع (الجنون) والنساء الخُرّع (الناعمات مع فجور)، ثم إننا نعلم أن أصل الاختراع في اللغة الإفرنجية إنما هو من "الوقوع على"، فعسانا لا نقع على خيال، ولا على خازوق وقاكم الله، ولسنا في ما نخترع سوى واقعين على ما كنا فيه ونعلمه.
ذلك أن الخيال الذي نحن مدعوون للتهويم فيه، ليس سوى وسيلة للوساطة بما لا يمس الواقع الأصلي. إنه مجرد هزّ لصورة الكاليدوسكوب، لكنه لا يمس أسس انتثار العلاقات اللبنانية، ولا يعالج انكسار معنى الوطن، ولا تصدع مكوناته الأس.
حدود المقاومة
رغم ذلك، نستطيع القول بأن العام الفائت أتى، رغم فداحة التضحية وفظاعة المجازر الإسرائيلية، بفائدة وحيدة، لا تزال تنتظر استغلالها، ذلك انه فتح الباب أمام نقد جذري لفكرة المقاومة (وليست المقاومة الإسلامية الشيعية للحزب اللاهي محتكرة التوصيف)، وعلينا أن نلج من هذا الباب إن شئنا ألا تكون كل العذابات قد راحت هباء.
ليس ها هنا، ولا في آن العيد، مجال للتوسع في هذه الفكرة، لكن الإشارة السريعة إليها تستوجب توضيحاً. ليس المقصود نفي شرعية مقاومة المحتل، بل المقصود أن علينا التفكر جدياً في أوان المقاومة، وحدودها، وجدوى أساليبها ومشروعيتها، وكيفية الاحتياط لانعكاساتها، وأخيراً كيفية الخروج من زمنها.
لقد رأينا أن المقاومة الجزائرية قدمت مليون شهيد، وفي المناهج الجزائرية يتضاعف العدد، في حين أن عشر هذا الرقم كان كافياً لتحرير أفريقيا كاملة، لكن الأخطر أن المقاومة بنيت واستمرت على أساس من الإقصاء المتواصل، ومن التصفيات الداخلية. كما أسست لحكم عسكري متواصل أفضى بالبلاد إلى حرب أهلية مديدة. مثال ذلك كثير في تاريخ حركات التحرر، لكنه ليس حاسماً. فقد عرف السود في جنوب أفريقيا، وفي الولايات المتحدة، كيف يتحررون من دون دفع البلاد إلى الدماء، وألقت المقاومة الفرنسية سلاحها أمام بناء الدولة، وانتهى الاستعمار في معظم أنحاء العالم، دون أن يخلف بالضرورة حروباً أهلية لا تفتر همتها.
كما أننا نرى رأي العين أن ما يسميه البعض مقاومة، وإسلامية، في العراق، ينتهي إلى حرب أهلية شديدة النهم إلى دماء الأبرياء، وإلى عنف مجنون لا عقال له، ولا عقل.
لذا بعد أن زال المحرم حول السلاح، ولم يبق سوى في بعض تصريحات مجانينه مقدساً وإلهيا، وهو ما ابتكر وصنع في معامل أحد الشيطانين، الأصغر أو الأكبر، أو مقلديهم، من الضروري، بناء إصلاء فكرة المقاومة نقداً فكرياً وسياسياً، يبت المشروع منها من المشوه المسيء، ويقرر مدى ارتباط المقاومة بمشروع فكري من جهة وبالعمل العسكري، وبغياب آفاق العمل السلمي والدبلوماسي مم الجهة الأخرى، ويعطي الأولوية للسلم على الحرب، ولا يكتفي بتقرير أن عشق السلاح انعكاس للخوف على الذكورة من الخصاء، ويشير إلى أن مشروعية أساليب العمل العسكري، بعد ذلك، محدودة بوجود إجماع وطني عليها، وليس بانحصارها في عصبية، لا سيما مذهبية، تستفز الأخريات، وفي اندراجها تحت سقف مشاريع الوطن، وألا يصبح اعتمادها على دعم خارجي مجلبة لاحتلال آخر أو وصاية جديدة، وأن تكون عملياتها فعلية، لا يجوز لها استخدام أساليب الإعلانات عن عمليات دعائية و "تذكيرية"، بشرط أن يتحسب الوطن كله، إذا ما ظل الوطن، لانعكاساتها. وأخيراً، ينبغي الفهم بأن المقاومة والسلاح ليسا أشرف، تعريفاً ولا أطهر ولا أنزه من الاجتماع ولا حتى من السياسة، بدليل تصفيات الحركات المقاومة بعضها البعض. لذا فإن على السلاح أن يلقى، لا أن يخفى عن الأنظار، حين يعرقل السياسة والاجتماع الوطنيين.
التوله بالشعوب وبملح الرجال
والحق أن أكبر ما يعرقل شرف السياسة وضرورتها هو الشعبوية من جهة، وفشو الكذب، ملح الرجال، من الأخرى. وليس أخطر منهما سوى رفض القول بحقوق فردية قانونية سابقة على تنظيمات الدولة كان دوماً ديدن الدول الكلانية التوتاليتارية على ما أشار ليو ستروس في كتابه "الحق الطبيعي والتاريخ".
ومن المعروف المشهور الواضح غرامنا، شعباً وساسة، بهاتين الخصلتين، أما الثالثة فهي في صلب تكوين دولتنا التي لا تنزع بنفسها إلى الكلانية، بل تمنح هذه الصفة للعصبيات الطائفية.
ولئن كانت، نظرياً، قواعد القانون العام لا تزال تقيم على مبعدة، حين تُحتَرَم بالطبع، قوة وعسف والجماعة التي ورثت سلطة الملك. (والبعض ربما يسوؤهم الأمر، كالحصيف روسو الذي كتب:"الشعب الإنكليزي يحسب نفسه حراً، مخطئ هو كثيراً: إنه ليس حراً إلا وقت انتخاب أعضاء البرلمان; ما إن ينتهي الانتخاب حتى يكون عبداً، لا شيء" قبل أن يضيف مرير السخرية: "في لحظات حريته القصيرة، طريقة استعماله لها تجعله حقيقاً بفقدها")، إلا أننا في مأمن من عسف الدولة اللبنانية، حتى الآن، في ظل تهافتها، لكننا لا نزال نأمل قواعد تقينا عسف الجماعات. ولا يتحججن أحد لا ببدعة "الديمقراطية الطائفية التوافقية"، التي تعني استدخال وصي أجنبي دائم كما يقول أحمد بيضون، أو التعطل المديد للحياة بقضها وقضيضها كما تظهر الأزمة الحالية، ولا بجموع الشعوب الهادرة في الشوارع المتناقضة (ما دامت لم ولن تصبح شعباً واحداً، ولا مجموعة "أفراد" ذات مطالب سياسية واضحة وقابلة للتحصيل قانوناً وواقعاً). فكما يلاحظ دوغي والعميد جيز أيضاً، إن لفكرة القانون الذي هو منبثقٌ عن الإرادة الشعبية طابعاً أسطورياً، وإن كان في صلب رؤيتنا الحالية للأمور. ويقول دوغي إن القوة الإلزامية في قانوننا الوضعي متأتية في الواقع من موافقتها للمبادئ الموضوعة أكثر مما هي ناجمة عن الإرادة الشعبية. إلا أن الرد المفحم على عشاق الإرادة اللحظية للشعوب و مفعولها الذي لا يقهر ولا يحتاج إلى قنوات للتعبير عنه، يأتي من حنة أرندت التي رأت بنفاذ بصيرة إن الأنظمة الديموقراطية تقوم على احترام دساتيرها أكثر من احترام قاعدة الأكثرية العددية، في حين أن الجماهير، غير المتمايزة و المنصبّة سيلاً موحداً، هي عماد الأنظمة الكلانية التوتاليتارية و ركيزتها.
أما فشو الكذب، ولنا في وعود الصادقين، وخطابات السياديين من كل الجبهات السيادية، وكل المتواجهين صراعاً على الوحدة، نماذج أكثر من أن تحصى، فإنه يمنع اللغة من أن تكون تواصلاً، فكيف يبنى التواصل؟ وكيف يبنى الرأي؟ وكيف يدعى الناس إلى الاجتماع على قولٍ أو قرار؟ فشو الكذب يمنع وجوباً إنشاء فضاء سياسي عام، لا لأن كل فضاء عام صادق بالضرورة، بل لأن فشو الكذب يمنع السياسة من أن تكون، كما ينبغي لها، دعوة إلى الغفلين من الناس إلى تقديم خيارات وتأخير أخرى، وبناءً للأولويات، وشرحاً للمخاطر وللمنجزات، ويحولها، كما نرى، شيفرات سرية ورسائل دموية بين أطراف تعرف بعضها البعض، وينكر كل منهم لأتباعه صفة غير صفة القطيع الذي يضبطه إما بالعصي أو باستنهاض أدنى الغرائز و العصبيات.
الأولوية الآن للغواية
الحفاظ على اللغة وفضح طريقة التشفير هذه تشكل ربما الوظيفة الأولى للمثقفين، وليست وظيفتهم تأويل خطابات المتخاطبين والشرح على شروح هوامشها بما يمنحها غلاف الهدية المسمومة المشع، كالبولونيوم، ولا وظيفتهم أن ينقلوا الرسائل على صفحات الجرائد. وإنه لمما يدعو إلى الخشية أشد الخوف على الصحافة وعلى الوطن كله أن تتكاثر، كما نشهد في هذه الأيام، أقلام الكتبة، الناقلين عن مصادر أو المطلعين على أسرار، لا يعلمها إلا الراسخون في وحول القذارة السياسية والاستخباراتية الحالية، بالإضافة إلى أولئك المقدمين غير المقدامين، الذين يقولون في مقالاتهم شيئاً، وفي جلساتهم الخاصة نقيضه.
إلا أن فضح التشفير وفرض حد أدنى من نقاء اللغة، لا سيما الدستورية منها والتي كثيراً ما أشرنا إلى أن انتهاكها إنما يفضي إلى دنو النوائب والحروب العارية، لا يستنفد مهمة المثقفين. إذ أن المثقفين، لا سيما في بلادنا، ليسوا سلطة ولا هم بقادرين على حشد الحشود، ولا حتى على الفوز في انتخابات نيابية بالغة النزاهة. وليس هذا من مهامهم على أي حال. لذا فإن عليهم أن يسألوا أنفسهم، عن فائدة الكلام إن لم يكن له صدى، أو قارئ مستعد للنقاش، في زمن بات لكل فريق أبواقه، ولكل قارئ متحزب ما يرضي فخره الذاتي وكرهه لشريكه في الوطن. لذا لا تنحصر مهام المثقفين في الذكاء، ولا في الكتابة للخارج، ما دام لا داخل يكتبون له، بل إن أولها هو صوغ هذا الداخل، بإنشاء مساحة لنمط مختلف من الحياة والتفاعل والانفتاح والنقاش.
صحيح أن المثقفين والفنانين اللبنانيين حاولوا صياغة نمط من العيش مختلف، لكنه كان، في الأغلب، نمطاً طارداً للآخرين، متشاوفاً و"خارجياً" إلى حد ما في اهتماماته. المطلوب مختلف تماماً.
يستغرب رئيس تحرير إحدى الصفحات والملاحق الثقافية في صحيفة لبنانية وجود عشرات النشرات ودور النشر والمطابع في الضاحية، قبل تسويتها بالأرض. لكن الواجب الاستغراب ليس وجود هذا العالم الثقافي الذي غاب عن بال أستاذنا، بل في أن هذا العالم الثقافي لم يعتبر أن عليه أن يحظى بالاعتراف، أو على الأقل أن يطلع الآخرين، على نتاجه. المرعب في الأمر أن الثقافة الظاهرة والمعلنة لا تمارس الغواية على من هم خارجها، بل الغرور. من مهامنا الأهم، والأكثر أولوية في الوقت الراهن، أن نكون مغوين، نتاجاً وعيشاً. حينها فقط قد نجد من يهتم لهذا النتاج، ومن يستمع للقول فيختار أحسنه، ومن يبني الأسس لمجتمع مدني (أي مضاد تعريفاً للأهلي)، نستطيع فيه أن نلتقي على سوى الغرائز وشهوات تدمير الآخر. .
jeudi 3 janvier 2008
لبنان وآفاقه
استشراف المستقبل لنقض حتميته
لم يكد مساء الثلاثاء يحل إلا وكانت الأخبار تزف إلى أصحاب الحماسة والروؤس الحامية أن دماً لبنانياً قد أريق بيدٍ لبنانية. يجدر بقلوب هؤلاء أن تهلع، لو كانت لهم قلوب، أمام هذه التضحية التي لا طائل من ورائها. كان جورج باتاي في كتابه "الشطر الملعون" يعتبر أن التضحية وسيلة للتطهر من فائض الطاقة والثروة كي لا ينفجر المجتمع. لكن على حساب أي فائض قد نضع هذه الدماء المهدورة؟
لا فائض لدينا اليوم سوى فائض الكراهية والتعصب والاعتداد بالذات، وهيهات تبرّد الدماء، المهدورة سدى، رؤوس "مقدمينا" الجهولين، فقد سبقتها سيول من دماء من قضوا حرباً واغتيالاً، دون جدوى.
لا فائض لدينا، بل انكماش اقتصادي حاد. بالمقابل، للتذكير، يتضاعف الاستثمار في إسرائيل من 9,9 مليار دولار في العام 2005، إلى 21 مليار دولار في 2006، بسبب عبقرية أصحاب نظرية تخويف إسرائيل وتهجير سكانها واستدرار العطف عليها من كل حدب وصوب، بدل حصر العمليات بالأهداف العسكرية والامتناع عن ارتكاب جرائم حرب!
لا فائض لدينا، حتى لنظن أننا نتساوى مع جياع الصومال، في الاقتتال على فتات الفتات، لكننا نؤمن أن لدينا دوراً في المنطقة والعالم، وأن لدينا فائضاً من الأمل المتبقي في المستقبل. ولا أحد يستطيع، بالإفراط في القوة، تغيير مسار هذا المستقبل والدور، وحده وعي مساراته قد يسمح بالتأثير فيه. لا يستطيع حزب الله، الذي يلوح وراء عداوته لأميركا الهلع من فكرة لبنان ـ الكباريه، أن يمنع هذا المستقبل، الكاريكاتوري والذكوري والموهوم على أي حال، بالثلث المعطل ولا بالإضراب الإكراهي، الممنوع قانوناً، بل فقط بأن نفهم عوامل هذا المستقبل (في توجهه العام، وفي صناعة القيم والرأي والثروة فيه) لنحاول صوغه أكثر عناية بخصوصيات الأفراد وحياتهم.
الاتكاء على موج اللحظة
في حين ينصرف ساسة العالم إلى إعمار البلاد، ينصرف اللبنانيون منهم إلى "البهورة"، وليس من جيب أحدهم المبلغ الموعود. فحين يعد سماحته بأربع مليارات دولار، فإنما هي من قوت الشعب الإيراني، المجوّع في بلد يعوم على بحيرة نفط سينضب استخراجه، بعد بضع سنوات لا أكثر، لانشغال ساسته بمغامراتهم الخارجية. الحكومة أيضاً موعودة بدعم مماثل، وقد يكون الوعد أصدق لا لشيء غير ملاءة الواعدين.
من أجل المساعدات، قدمت الحكومة ورقة حول إصلاحات رآها أغلب الخبراء غير كافية وإن غير ضرورية. المعارضة تجتاح الشارع مطالبة، دون أن تطرح بديلاً، بالمشاركة... في تطبيق السياسة التي يصنعها من تعارضهم!
لقد كان هنالك، لبرهة قصيرة، ما يشبه، زوراً، النقاش الاقتصادي في لبنان، على خلفية الورقة الإصلاحية. خرج البعض أحياناً بالنغمة المعتادة، حول نسيان دعم الزراعة والصناعة اللبنانيتين والاتكال الكامل على القطاع الثالث، أي على الخدمات. يستحق هذه الموضوع وقفة سريعة للإشارة إلى أن الإنتاج في مجالي الزراعة والصناعة كان في الأصل أيضاً "خدمات"، تتم المقايضة بها (إنتاج أنواع الأطعمة أو الثياب) أو القيام بها شخصياً (التنظيف، الطبخ)، وتم تحويلها إلى نسق إنتاج غير حرفي، أي إنتاج بالجملة، وكان هذا أساساً لحياتنا اليوم منذ إنتاج الخبز، بل والقمح، وحتى الآلات الكهربائية اليومية الاستعمال. يعني ذلك أن مسار الرأسمال والسوق هو دوماً تحويل ما كان في السابق "خدمات" إلى صناعة (من حيث كمية الإنتاج، وانتظامه، وتوحيد مواصفاته). ما يتم إغفاله حالياً هو أن قطاع "الخدمات" أيضاً يتم تحويله إلى صناعة، منذ صناعة الترفيه إلى "بيع الرحلات السياحية" إلى طريقة عمل المصارف... الخ.
طبعاً لا نسعى هنا إلى الدفاع عن مشروع أحد الأطراف، وهو لا يحتاج إلى دفاع ضد من لا يهاجمونه أساساً، بل إلى محاولة استشراف الدور اللبناني المحتمل، والحيوي على اي حال، في المجالات الرئيسية كما تبدو لنا، في المرحلة الحالية من التحول العالمي. أي صناعة الرأي، والقيم، والثروة، في إطار العالم العربي. وهذا يمر عملياً عبر الصحافة، والترفيه، وقطاع الاقتصاد الرقمي، أو اللامادي، أي "صناعتي" التأمين والمصارف.
قبل الالتفات إلى كل من هذه الموضوعات، لا بد من الإشارة إلى أن الدور اللبناني فيها سيكون مشروطاً بالطبع بعدم دخول البلاد في حرب أهلية، تتقاتل فيها الطوائف على فتات دورة اقتصادية تظل هي، ولبنان، خارجها. وهو ما لم يعد يبدو مستبعداً في ظل ما رأيناه من حماسة شبابية للهجوم بالعصي على الجيش من أجل تجاوز عناصره إلى "الأعداء" اللبنانيين المطلوب منهم "الاستسلام التام ".
لكن، حتى في هذه الحال، فإن التأخير الذي ستفرضه الحرب لن يتمكن من مقاومة مسار واضح عالمياً. فخلال الحرب الأهلية المديدة، لم تخرج قطاعات المصارف ولا الترفيه ولا الإعلام أضعف من السابق، وهي استعادت بسرعة دورها العربي. بل من المستبعد، حتى وإن حاول أحد أطراف النزاع اللبناني تحقيق نصر سريع على الآخرين، أن يعرض عليهم خطة مختلفة، تتجاوز سد جزء يسير من الحاجات الغذائية. فهل سيقترح على مناضليه زراعة وسط بيروت أم أن رفضه لتجارة المال (الربا، في حين أن التحقيقات الغربية والأفريقية والأميركية الجنوبية تشير إلى تورطه في التهريب وتبييض الأموال والمخدرات!) سيمنع نزف اللبنانيين المهاجرين؟ أم أننا سننشئ مصانع ثقيلة للسلاح مزودين خبرات رجالنا الأشاوس؟
تستطيع بعض القوى أن تؤخر مجيء حدث ما، لكنها لا تلغيه. في المقابل فإن استعجال المسار، وتسريعه، على ما رأت حنة أرندت في النازية والشيوعية، لا يؤديان إلا إلى الكوارث، وهذا ما نراه أيضاً في العراق اليوم. بدل ذلك، ربما علينا الاستفادة من نظريات الصين في الاستراتيجيا، أي السير في ركاب خطوط القوة الصاعدة في وضع ما، وليس خوض معارك خاسرة ضدها. فبالاتكاء على بداية الحدث يحملنا السيل، ولا رادع يصمد في وجه السيل. في هذا المجال، فإن لبنان الذي يطفو على موج اللحظة منذ إنشائه، ويحيا على قلق وخوف دائمين، قد يكون أكثر المؤهلين للاستفادة من مد عالمي لم يعد يعيش سوى في قلق اللحظة وهاجس الزمن، في حين يترك شأن "الحياة" والصناعات الثقيلة لـ"الخدم" في البلدان النامية التي يترك إليها الغرب القيام بصناعات الصلب والحديد، مصدّراً إليها التصميمات، والتكنولوجيا التي خف حملها وغلا ثمنها، ومصدّراً إليها أيضاً نتائج المضاربات الكارثية.
لماذا ثالوث صناعة، الرأي والقيم والثروة؟ لأن صناعة الرأي قد تحسم بقاء الإنسانية بأكملها في المستقبل في وجه أخطار الحروب والانهيارات البيئية والتقييد المقبل على الحريات الشخصية، ولأن القيم ضرورة للمجتمع كي لا يفقد تماسكه ويتحول إلى إنتاج منتحرين وفارين بكميات صناعية، وأخيراً لأن صناعة الثروة ضرورية كي لا تقوم حروب أهلية خالدة خلود رسالات أهليها. فالحروب الأهلية غالبا ما تقوم حينما يحيا المجتمع على اقتسام الريوع وليس على إنتاج قيمة مضافة، وهذا ما يجري التقاتل عليه في الصومال ولبنان والعراق، وما قد تنجي التحولات في بنية الفكر والاقتصاد الخليجي بلدان الخليج منه إن لم يسبقها إلى النيل من هذه البلدان فيض الصدمة النفطية الجديدة (نظرية باتاي مجدداً)، فالثروة والوفرة السهلة كانت دائماً نقمة على المجتمعات، ووحدها انتصرت تلك المضطرة إلى تجاوز نفسها وطاقاتها الأولى.
الصحافة اللبنانية إلى أين؟
كانت الصحافة اللبنانية تبدو صامدة، وقادرة على المنافسة وتطوير المجال الإعلامي، دون تفريط بالقيم الحيوية لها، قيم الحرية والمصداقية. من هنا، فإن بعض الأقلام تشكل خطراً فعلياً على قدرة الصحافة على الاستمرار على قيد الحياة، ومواجهة الوسائل الأخرى، ذلك لأن هذا البعض، بالكذب المكشوف والتحريض العلني يضرب ما سنرى أنه يشكل العامل الرئيسي في استمرار حاجتنا إلى الصحافة، أي ثقتنا في مصداقيتها. (أمثلة؟ اتهام الحكومة، قبل إحدى المظاهرات المليونية، بالاستعداد للقضاء على حصة المسيحيين من المدراء العامين، أو اتهام فرنسا، قبل يوم "التعطيل الشامل" بتحضير قرار يغير تفويض قوات الأمم المتحدة ويتجاوز دور المجلس النيابي في إقرار اتفاقية المحكمة الدولية).
لم يستطع التلفزيون أن يقضي على الصحافة المكتوبة، ولا استطاعت ذلك شبكة الانترنت حتى الآن. كما أن هذه التقنيات الجديدة لم تقض على الكتاب المطبوع بدوره. لكن ما كان العامل في هذه القدرة على المقاومة، وما ثمنه، وإلى أين تذهب هذه الصحافة في تطورها؟
بدأت الصحافة في الأصل مشروعاً حضارياً، يسعى إلى نشر الحضارة والمعارف في أوساط شرائح ظلت تتوسع بفضل انتشار التعليم. وهذا الدور كان حاضراً في الصحافة العربية منذ تأسيس اللبنانيين لصحفهم في مصر أولاً، ثم في لبنان. ويفترض هذا الدور أيضاً استقبالاً للنخب النشيطة والساعية إلى التجديد، من حيثما أتت، وهذا أيضاً ما شهده لبنان في تاريخه، وكان عاملاً أساسياً في نهضته. كان "الخبر" يحتل مساحة هامشية بالمقارنة مع مساحة "مشروع التنوير".
لهثت الصحافة وراء الخبر، الذي يردده التلفزيون دونما عناء، في تنافسها مع وسائل الاتصال الأخرى، حتى باتت صفحاتها خليطاً مستغرباً من السياسة والعلم وأخبار الرياضة والزفاف والكلمات المتقاطعة، سعياً إلى إغراء كل القراء المحتملين. وافترضت أن وضع المعلومة في أيدي الأفراد كفيل السماح لهم بالقيام بخياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية بحرّية. في هذا اللهاث، تخسر الصحافة باستمرار، لكونها لا تستطيع منع الوسائل الأخرى من ترداد المعلومات، ولا تستطيع مجاراتها في السرعة والمتابعة المتواصلة لما يجري. رغم ذلك، لم تمت الصحافة، وظلت إلى حد ما مرهوبة الجانب من الساسة، وضرورية للرأي العام، لأنها خلافاً للوسائل المرئية المسموعة تملك القدرة على الإصرار وعلى الديمومة. الإصرار على فتح الملفات وإثارة القضايا من زوايا مختلفة، وهذا ما لا طاقة للتلفزيون به، وعلى الديمومة في وصفها أيضاً وثيقة وحاملة للوثائق والاتفاقات والتصريحات التي لا تراجع عنها ما دامت قد حُفِظَت، سوداء على بياض الصفحة.
تختلف الصحافة عن وسائل الإعلام الأخرى بقدرتها على تنظيم المعلومات، تبويباً وترتيباً وهيكلة، وفي صدقيتها أمام الناس، خلافاً للتلفزيون وللانترنت إلى الآن، حيث يقوم فيها صحافيون محترفون على التثبت مما يكتب، وصحته ودقته، ويتعرضون للمساءلة لدى نشر الأكاذيب المضللة، أو هذا ما يفترض أن يكون الحال عليه.
أخيراً، تتميز الصحافة عن التلفزيون خصوصاً بقدرتها على إفراد مساحة منتظمة لرأي فردي لهذا الصحافي أو ذاك المفكر. ومع تطور الوسائل الأخرى، بات القراء غالباً يستمعون إلى نشرة الأنباء في الراديو أو التلفزيون، وكثيراً ما يتم ذلك من خلال الانترنت الذي لم ينتج بعد مؤسسات موثوقاً بها، لكنهم يظلون يشترون الجريدة أو يذهبون إلى موقعها الالكتروني ليقرأوا رأي فلان أو فلان في حدث ما.
في هذا الإطار، يبدو مؤسفاً بشدة تحول بعض الصحف اللبنانية منبراً للشائعات والتسريبات الاستخباراتية، أو بوقاً للدعاية لهذا الطرف أو لذاك. لا لأن الإقتناع بفكرة ما يمنع من المساهمة في تشكيل الرأي العام، بل لأن الصحافي، حين يمتنع عن المساءلة واستعراض الآراء والاحتمالات المختلفة، يكون يخاطب حشداً من التابعين، لهذا الفريق أو ذاك، أو يهدد زعيماً أو ينشر تهديده لآخر، وهو بذلك لا يخاطب أفراداً غفلين، لا تسبقهم انتماءات "بيولوجية" أو قَبْلية تدفعهم إلى إغفال المصالح في سبيل انتماء جمعي "مقدس" أو موروث، علماً بأن الرأي العام لا ينتج إلا من خلال تأطير الأفراد في جماعات يتفقون فيها ويضغطون من أجل مصالحهم المباشرة.
رغم ذلك، لا يبدو أن مثل هذه التجارب قادرة على العيش طويلاً، وهي ستنتهي بسرعة مثلما آلت إليه كل أبواق الدعاية الحزبية التي عرف لبنان عدداً منها في السابق.
في المقابل، ستضطر الصحافة اللبنانية الجدية أولاً إلى البحث عن أصداء أوسع لها في العالم العربي. وسيسمح انتشار الانترنت بذلك، بدون تكلفة تقريباً. وستضطر في طبيعة الحال إلى تعميق صلاتها بالانترنت، بحيث لا تقتصر صفحاتها على عرض موضوعاتها المنشورة كما هي، بل ستضيف إليها صلات، وملفات مرئية - مسموعة. وستضطر أكثر فأكثر الى الاعتماد على الشبكة العنكبوتية عينها كمصدر للمعلومات. حصل في فرنسا أخيراً نقاش مشابه حيث أن المعلومات المتعلقة بتسديد المرشحة للرئاسة سيغولين روايال وصديقها الضريبة على الثروة كانت متوافرة ومتداولة على الشبكة قبل بضعة أشهر من تشكليها قضية في الصحافة المكتوبة. المثال هنا مزدوج الأهمية، فالصحافة تلام على تأخرها عن ركب مصادر المعلومات الفعلية التي باتت تشكلها مواقع الانترنت، إلا أن الانترنت بمفردها عاجزة عن تشكيل "قضية" أو فضيحة، ما لم تصنعها الصحافة المكتوبة في الدرجة الأولى، والمرئية في درجة ثانية (بحسب طبيعة القضية، فيديو اعدام صدام حسين شكل فضيحة من خلال التلفزيون وليس الصحافة المكتوبة أولاً).
شيئاً فشيئاً أيضاً، ستضطر الصحافة إلى الاعتماد على القراء أنفسهم في "صياغة الخبر". بين الملفات التي سترفق بالمقال على الانترنت، سيكون هنالك المقابلات والصور التي سيلتقطها أفراد غير محترفين، مدججون كما هي الحال اليوم بآلات التصوير والاتصال، التي سيختزلها نوع متطور من الهاتف الجوال. في صورة مشهورة، كان الحاضرون الذين عاينوا نقل جثمان البابا يوحنا بولس الثاني إلى مدفنه، يراقبون جميعاً شاشات هواتفهم أو كاميراتهم، ناظرين إلى الأعلى حيث يرفعونها، في حين كان الجثمان يعبر أمام وجوهم الملتفتة إلى وجهة أخرى. في المستقبل، وربما كان ذلك قد بدأ فعلاً، لن يلتقط هذه الصورة مصور محترف، بل أحد الموجودين هناك.
لا مفر للصحافة اللبنانية من الانخراط في هذا المسار، مع استمرار تشابك القضايا في العالم العربي، والتقارب الذي تفرضه التكنولوجيا والغاؤها الحدود التقليدية. أخيراً، لن تكون السوق اللبنانية كافية لإنتاج المردود الكافي، وخصوصاً أن الصحافة لن تستطيع الاستمرار في الاعتماد على تمويل سياسي تحت طائلة انهيارها الشامل. أخيراً فإن الفراغ الموجود سيدعوها بطبيعته إلى ملئه، في ظل القيود على حرية التعبير والتطوير التي تخنق الصحافة العربية الأخرى. ما قد نلتفت إليه متأخرين ربما، هو أهمية أسواق المغرب العربي، بدل الاهتمام الدائم والمبالغ فيه بالخليج.
الانخراط في مثل هذا المسار سيغير كثيراً في بنية المهنة نفسها، حيث ستصبح المهمة الرئيسية للصحافي هي في تبويب ملفات يبعث بها أفراد غير محترفين، تاركاً لهم مهمة صياغة الموضوع وابتكار اللغة الجديدة، لغة أفراد معزولين، يبعثون برسائلهم كي يشعروا بأنهم موجودون. أما كاتب الرأي فسيضطر إلى دخول المنافسة، دامجاً في صلب عمله وسائل أخرى غير الكتابة، من ملفات صوتية أو مرئية، وتشكيل غرافيكي لصفحته، إلى حد أن الفوارق ستنحو نحو الامحاء ما بين كتبة الرأي والفنانين.
صناعة الترفيه صناعة القيم
بعدما كانت الدراما المصرية وحيدة في العالم العربي، بدأت تبزغ منافسات لها، في سوريا والخليج، وربما المغرب العربي، لكنها، باستثناء السورية، لا تزال محدودة الانتشار خارج أقاليمها. ولا يبدو أن اللبنانيين سيلعبون دوراً كبيراً في هذا المجال، لا لشيء سوى لأنهم باتوا على ما يبدو خارج الحكايات الجماعية. فأغلب الروايات اللبنانية تقوم على أفراد، وحتى لدى الياس خوري الذي يجمع أطراف الحكايات الفلسطينية واللبنانية وينسجها في فسيفساء رواياتها، فإن من الصعب رؤية حكاية جماعية، اجتماعية وتاريخية، إلا في شظايا مراياه المتكسرة، بما لا يقوم بأود صناعة المسلسلات. ذلك أن الجماعات اللبنانية تجاوزت، في الحروب المختلفة، حكاياها العامة، وانصرف كل امرئ إلى حكايا فردية، من النجاة من الموت، إلى رواية الهجرة والصمت.
لا أحسب أن ملحمة حرب تموز ستغيّر في هذا الواقع شيئاً، ولا ملحمة الدواليب التي يطير مع دخانها آخر أحلام الشباب، وإن بدا من الاستنفار الطائفي الحالي أن هنالك استعداداً لمواصلة ملاحم سابقة وتواريخ للجماعات. فوصول النظام الطائفي إلى حالة الشلل هذه، واضطرار اللبنانيين الآن، تحت طائلة انهيار شامل، إلى الخروج من بوتقة التوظيف بالمحسوبية اقتساماً لما تناله الدولة من هوامش ثروات الآخرين، سيؤدي على الأرجح إلى الخروج النهائي من اعتبار الطائفة انتماء ومآلاً أوحدين، والاتجاه صوب الانتماء إلى المصلحة المباشرة والفردية. قد يكون ما نشهده آخر فصول الحروب بين الطوائف، المتلطية بكنيات ديمقراطية غريبة عنها وعن عقائدها، فغالباً ما تسفر الحرب عن انتصار من لم يخضها.
إذا ما نظرنا الى هذا الجانب الفني، لفاجأتنا المسيرة التي قطعها الفنانون اللبنانيون في هذا المجال. من إخراج الفيديو كليب، إلى صناعة المشاهير، والمغنين، ومنافسة مصر التي تعدّ عشرين مرة عدد اللبنانيين. بل ستكون السينما اللبنانية أيضاً مرشحة، حين يتخلى المخرجون عن دورانهم حول سرّة الحرب نحو رواية أقاصيصهم البيروتية، الى أن تكون "الموجة الجديدة" التي تفرض ذائقة ومعايير جديدة على السينما العربية، حتى وإن ظل إنتاجها كصناعة، مصرياً في الدرجة الأولى.
إضافة إلى ذلك، هنالك صناعة الترفيه التلفزيوني التي برز فيها اللبنانيون، بالجرأة والاقتباس، من دون خوف، كما كانت أمستردام تفعل في أيام عزها مكتفية بإضافة لون إلى منتج مستقدم من مكان آخر، أو بإضافة إشارة إلى أن المنتج هولندي، مستفيدة من فارق السعر الذي تنتجه شهرتها وقدرتها على التسويق.
لا تنافس القنوات اللبنانية قناتَي "الجزيرة" و"العربية" في مجال الأنباء والسياسة. لكنها في المقابل تفرض النموذج اللبناني التلفزيوني، بغض النظر عن مطابقته للواقع، مثالاً يحتذى ويقتدى به في أرجاء المنطقة العربية. مرة جديدة، ستكون السوق المغاربية هي ساحة المستقبل، وقد بدأت بالفعل.
سيجتذب نجاح النموذج اللبناني مجدداً نخب العالم العربي الساعية نحو عيش يليق بإمكاناتها. وفي حين تكتفي دبي بشراء صورة لها، فإن لبنان قادر على إنتاج هذه الصورة.
هنا أيضاً، سيؤثر توحيد شبكات الاتصال (الهاتف، التلفزيون، الانترنت) في جهاز واحد على تقنيات البث وكلفته، وعلى طريقة جني الأرباح، حيث سيضاف إلى أرباح التلفزيونات من الإعلانات نصيب من حصة شركات الاتصالات بالشبكات.
شركات الاتصالات هذه ستتولى هي أيضاً مسألة توزيع الأعمال الموسيقية والفنية الأخرى، حيث أن المستقبل، كما يلاحظ جاك أتالي، ليس لحق الملكية، بل لحق الوصول إلى الملف الموسيقي المنشود. ستتراجع بالتأكيد أرباح شركات الكاسيت والأقراص المدمجة، التي ستتحول إلى شركات لإدارة الحفلات، أو، وهو الغالب، شركات إنتاج تسوّق منتجاتها من خلال شركات الاتصالات وتتلقى من هذه الأخيرة نسبة من عوائدها ومن عوائد الدعايات فيها.
بدل تكديس كميات من الملفات الموسيقية والفيديو كليبات على الأجهزة الخاصة، سيكون ذلك كله مبذولاً على الشبكة. يمكن منذ الآن ملاحظة أن الشبكة باتت تضم، من خلال المنتديات والمواقع المختلفة، معظم ماضينا. وستشكل شيئاً فشيئاً مستقبلنا، في موازاة تطور آخر يقوم على الفرار من التكرار الخانق والذي لا يخطئ للآلة، نحو إعادة الاعتبار الى مفهوم الحفلة في وصفها المكان الذي يتم فيه الخروج على التكرار. سيختفي البلاي باك إذاً، وتعود أهمية الارتجال والتنويع في الغناء.
الموجود على الشبكة يحتاج أعماراً عدة لرؤيته والاستماع إليه. في مواجهة هذا اليأس القاتل، ستزداد مرافقة الموسيقى لنا من المهد إلى اللحد وفي كل مراحل اليوم. فالموسيقى وحدها قادرة على خلخلة الزمن وإحداث ثغر معلّقة في داخله.
الموسيقى أيضاً، والغناء، بالإضافة إلى النموذج التلفزيوني الذي سينتشر، تحمل منذ الآن حكايات فردية، حتى وإن كانت مواقف تتكرر في حياة الكثيرين. في معنى من المعاني، سيكون النموذج هو الإصرار على فردية الفرد، حتى وإن كانت هذه الفردية لا تسمح له بأن يعيش أيّ تمايز فعلي عن الآخرين.
سيقوم الفنانون وصناع مواقع الانترنت، وليس العائلات الآيلة إلى المزيد من اللااستقرار، بصياغة منظومة القيم الجديدة، وتشكيل المثالات، التي ستكون، شاء من شاء وأبى من أبى، فردية تقيم في الحاضر نائية عن الهذيانات الخلاصية الجمعية. في الواقع، هنالك بوادر على ذلك حتى لدى جمهور حزب الله الأخلص، فالمستمتع بالبقاء في وسط بيروت، حيث الحجر رفاهية خارج الزمن، لا يمكن أن يكون مثاله هو شظف العيش والكربلائية والندم الأبديين.
كل هذا يضيف إلى صناعة الترفيه بعداً خطيراً يجعلها الموازي الفعلي لصناعة الحماية من الأخطار (البيئية والإرهابية والكوارثية)، وخصوصاً أن الترفيه (الموسيقى خصوصاً) هو المكمل اللازم للحماية من الأخطار عبر فرض نسيانها والإلهاء عنها.
كلفة الأخطار
لا يحسبن أحد أنه أقوى من القطاع المصرفي في لبنان، فهذا القطاع قادر متى شاء على إركاع الدولة، التي يعيل عجزها ويقرضها ما يقوم بأود موظفيها وأهلها، وعلى نقل أرقامه وثرواته حيث أراد في العالم المعولم.
ولعل من أهم النتائج لهذه المواجهة العنيفة بين الطوائف أنها أخرجت إلى الحيز العام كتلة من المؤسسات والشركات والتجار والجامعات، لن تكتفي في المستقبل بالدعوة إلى العمل، بل ستفرض شروطها على كل المتعاملين معها من كل الطوائف، وعلى الدولة، ولا شيء، سوى تأسيس رأي عام نشط وفاعل، يضمن أن تتوقف شروطها عند حدود شعار "دعوني أعمل بسلام".
ليس من قبيل الصدفة، ولن يكون نافلاً، نشاط القطاع المصرفي اللبناني على المستوى العربي. فهذا القطاع أثبت، خلال الحرب الأهلية وبعدها، قدرته على التطور، ويتطلع نحو توسيع أسواقه، مشرقاً عربياً ومغرباً أيضاً، منطلقاً من نسبة ادخار لا بأس بها في لبنان، بحسب أرقام المصارف، وستضاف إليها أيضاً تقديرات الثروة العقارية في لبنان. بالطبع، لا تحتاج المصارف، ولا المدينون، سوى في وقت الأزمات الكبرى، إلى تسييل الثروة العقارية.
إضافة إلى ذلك، ستضطر المصارف اللبنانية، المنخرطة في منافسة شديدة مع المصارف العالمية على استدرار الثروات العربية، إلى تنويع "خدماتها" وتطوير تسويقها وطرق إدارتها، بحيث تشمل إدارة الثروات، وما يتطلبه هذا من تأمين على الأخطار، من أخطار البورصة إلى أخطار التجارة والكوارث الطبيعية.
سيتولى تحالف المصارف وشركات التأمين، بناء على ذلك، تنظيم المجتمع وطرق إدارة الثروة على أسس جديدة. لكن هذه الإدارة ستكون أيضاً "منتجة" للثروة غير المادية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي اليوم، والتي تتسبب له من جهة أخرى في أزمات دورية أيضاً. تتطلب هذه العملية الإنتاجية، على ما يظهر تاريخ تجارة المال منذ القرون الوسطى، جرأة وتصميماً ورغبة في المغامرة بحثاً عن الثراء. لكنها أيضاً، كما في كل مرة، تغير طريقة العمل في كل المراكز الاقتصادية الأخرى، منذ الصناعة الحرفية، إلى الثورة الصناعية وثورة فورد، وصولاً إلى الاقتصاد الرقمي والأسعار الخيالية لمواقع لم تدخل بعد دولاراً واحداً.
يترافق ذلك مع تقدم في معدل الأعمار، وانقلابات في البنية العمرية للمجتمع، ويؤدي ذلك إلى تشجيع الاستدانة على فترات طويلة، والمراهنة على المستقبل. لكن في المقابل، سيتزايد نفوذ شركات القطاع المالي، التي ستغطي الكلفة الرئيسية لمعظم ما يتخوف منه المرء والمؤسسات، من المرض والشيخوخة إلى انهيار الأسواق وحتى العمليات الإرهابية، مقابل دفعات متفاوتة في القيمة تبعاً لكل وضع. مما سيحتم أيضاً الجمع بين شركات المال والطب من جهة، ومؤسسات قياس الرأي العام من الجهة الأخرى، بحيث يتم فرض رقابة، ذاتية في الغالب، سواء من جانب المرء أو من جانب المؤسسة من أجل التزام معايير موضوعة وأوامر لا مفر منها، في الأكل والصحة والعناية بالصورة والانطباع ومراعاة الذوق العام والرأي العام. في ذلك كله، سيغدو كل امرئ "حراً"، بدليل أنه يُشهر انضواءه في إطار القواعد العامة، ويقبل الخضوع إلى الرقابة. أما المؤسسات العامة فسيجري تفكيكها وإيكالها إلى شبكات خاصة كما نشهد منذ الآن، في التعليم والاستشفاء وتأمين الحاجات الرئيسية كمياه الشفة أو الكهرباء أو الاتصال بالانترنت. سنشهد في الدرجة الأولى صناعتين كبيرتين جديدتين، تصنيع الصحة وتصنيع الصورة والاتصال بالآخر.
في مفارقة كبيرة، لا مفر من اللجوء إلى الدولة للحد مما يحمل هذا التطور في طياته من أخطار كبيرة على الحريات الفردية، رغم أنها قد تجيء في مقابل مساحة أوسع للحرية العامة ولوزن الرأي العام. الدولة التي لم يتم بناؤها بعد، ضرورة للأفراد الذين سنبدأ "انتاجهم" بشكل متزايد، وهي حصننا الأخير الذي نسوّره بمدينة بيروت، وبقدرتها على ضخ الحيوية وانتاج العيش الشهي والبهي.
يستطيع لبنان المساهمة، بالركائز الثلاث من صناعة الرأي والقيم والثروة، في جعل هذا المستقبل أقل قتامة، بل إن هذه المساهمة ربما تكون عماد دوره المستقبلي. في هذا المجال أيضاً، يبدو اللبنانيون، إذا ما اتعظوا، على ما نرجو ولا يبدو، من حروب أهلية تتوجه إليها معظم المجتمعات الأخرى اليوم، أفضل استعداداً، بعكس ما قد نحسب الآن، للمستقبل ولإمكانات الإفادة منه، في حين أن مزيداً من الوعي والاستعداد وحدهما قد يسمحان بتفادي أسوأ ما فيه. وما استشراف المستقبل سوى اعتراض، في الأساس، على حتميته وعلى صدق وعوده.
في خواء ديمقراطية الطوائف
على مشارف انتخابات الرئاسة، واثر الإعلان عن مبادرة بري ظهرت بعض الأصوات التي انتقدت رئيس حركة أمل على "تفريطه" بالإطار التوافقي الحقيقي، أي حكومة بثلث معطل، مقابل حوار ليس ما يضمن نجاحه، في ما اعتبرته أصوات أخرى أنه يتنازل عما ليس يملك أيضاً بعد فشل الموالين لسوريا في إزاحة أخصامها من سدة الحكومة. لكن المثير في الاعتراض هذا هو اعتبار الحكومة ذات الأثلاث والأثافي أهم توافقيةً من منصب الرئاسة. ذلك أن فهم "الديمقراطية التوافقية" كما فسره أحد منظّري السياسة يقوم على حقوق فيتو متبادلة، فضلاً عن توسيع مروحة التوزير، واعتماد النسبية، وترك الجماعات المكونة للبلد تدير شؤونها الداخلية بنفسها. ولما كان منصب الرئاسة منصباً على قياس فرد ليس في جسده ما يتقاسم أثلاثاً وفيتوات، لم يستطع أحد من القائلين بهذه الديمقراطية التوافقية تقديمه على الاشتراك المعطل للحكومة وفيها.
لكن المرء ليتساءل فعلياً عن مفهوم موقع الرئاسة، على مارونيته، في ظل مثل هذه الديمقراطية التي يبشروننا بها اختراعاً لبنانياً جديداً، بعد الأبجدية وصوت فيروز، سيغزو العالم. الحق أن تناول موضوع الرئاسة في هذا الإطار يبعث حكماً على ملاحظة افتراض مضمر لدى اللبنانيين، لقصر نظرهم، هو استقرار معسكري الانقسام على حالهم إلى الأبد، فلا ذا يسعى لأن يكون أكثرية ولا ذاك يرضى بأن يتراجع يوماً إلى موقع المعارضة، لذا فإنهم قد يحسبون خطأ في موقع الرئاسة حكماً، غير محايد، يساند خطهم السياسي. إلا أن ذلك يجعله في الواقع بلا جدوى.
بدلاً من ذلك، يجب أن ينطلق البحث في موضوع الرئاسة، من وجهة نظرنا، من زيادة شحنة التواضع اللبناني المفقود حول رسالته الكونية المزعومة وتصدره مرحلة حوار الحضارات أو حروبها. ما على اللبنانيين في الوقت الحاضر إلا أن يجهدوا لإرساء صيغة تجيز تغيير نفسها تكيفاً مع الأحداث دون أن نشرف في كل مرة على حرب أهلية، وهذا يكون إما بإرساء التداول سنةً ثابتة مقدرة على مواقع معلومة، أو بالعثور على صيغة رجراجة من داخلها وهي ما قد ندعوه بالديمقراطية القلقة.
الرئاسة الجوفاء في ديمقراطية توافقية
للديمقراطية التوافقية في رأي دعاتها سمات ثابتة على ما أسلفنا: الائتلاف الموسع وحقوق النقض المتبادلة والتمثيل النسبي وحرية الجماعات في إدارة شؤونها الداخلية.
يمكن أن نلاحظ سريعاً أن التمثيل النسبي يسعى في المبدأ إلى إتاحة الفرص للجماعات الصغيرة، المعترضة عادة على الأحزاب الكبيرة، في الحصول على فرصة في التمثيل السياسي. فهل يتوافق حق النقض لكل طرف مع تمثيل جميع الأطراف الصغرى؟ ناهيك بكون افتراض الديمقراطية التوافقية الضمني ينطلق من تصور أن الطوائف هي الجماعات المكونة للوطن، وليس المواطنون وآراؤهم وتحزباتهم وجمعياتهم. في مثل هذا التصور لا شك أن حق النقض إنما يعود إلى الطائفة، في تمثيلها الصارم، وليس إلى المنشقين عنها! إلا إذا افترضنا أن التمثيل النسبي يعني توزيع مغانم الدولة على الزعامات الطائفية الحصرية بنسبة عدد أبناء هذه الطائفة أو تلك، وهذا افتراض يبدو مريباً إذا صدر من شيعي أو سني، وغبياً إذا صدر من ماروني أو ما هو أقل من ذلك عددياً.
كما أن الدستور والمنطق لا يقران تمييزاً على الصعيد الأفهومي والقانوني بين طوائف صغرى وطوائف كبرى، طوائف مكونة وطوائف متأخرة عن الانصهار، فهل يفترض أن يشمل الإئتلاف الحاكم الموسع الطوائف جميعها مانحاً إياها جميعاً حق الفيتو. ثم ما الحاجة إلى الأثلاث المعطلة إذا كان الأمر، على ما بين اعتصام حزب الله المتطاول، يقضي بشل البلد كلما ارتأت طائفة متوسطة ذلك مهددة باشعال الحرب الأهلية مجدداً.
الخلاصة أن أفكار الائتلاف الموسع وحقوق النقض المتبادلة والتمثيل النسبي متناقضة في ما بينها، فإذا أضفنا إليها حرية الجماعات في إدارة شؤونها الداخلية لا يظل ينبغي إلا أن نعدل الدستور فيغدو رئيس الجمهورية رمز تفكك الوطن إلى "مكوناته" المزعومة الأولى بدل أن يكون رمز وحدته.
ذلك أن رئيس الجمهورية في مثل هذه الديمقراطية، وعلى افتراض أنه لم يكن "توافقياً" بالطبع أو بالتطبع، لا يجد أي امتياز أنطولوجي على أي من زعامات الطوائف، بل هو غالباً، ما لم يستقوِ بأشقائه، أضعف الجميع. ففي حين تظل للطائفة المارونية حريتها في إدارة شؤونها الداخلية، فإن الرئيس الماروني لن يستطيع، كونه ممثلاً للدولة، التدخل حتى في هذه الشؤون المارونية بصفته رئيساً للدولة التي تتعهد باحترام تفكك الوطن إلى مكوناته. كما أنه بطبيعة الحال لا يملك امتيازاً داخل الحكومة على وزير أصغر طائفة كريمة لأنهم جميعاً يمتلكون حقوق النقض والنكث والانتكاس، في حين أنه على أحسن التقديرات لا ينال الثلث المعطل إلا من ضمن حصة لغيره شطرها.
ما هي تالياً وظيفة هذا الرئيس؟ إنه بعد الطائف ليس حاكماً، فالسلطة التنفيذية منوطة بمجلس حكومي، وهو ليس حكماً لأن لا امتياز له على سواه. وقد برهنت التجارب أن لحود لم يكن ذا وزن في المعادلة السياسية، بعد التمديد، إلا حين قرر حزب الله الذود عن حياضه مكافأة على "وفائه لسوريا". أي أن الرئيس لا يملك من منصبه السلطة. لكنه إذا ما كان توافقياً فليس يملكها أيضاً من شعبيته أو حزبه المخصوص.
في دستور الطائف لا يملك رئيس الجمهورية قدرة تعطيلية، بل فقط قدرة تأجيلية للمراسيم والقوانين. فإذا جمعنا الطائف إلى توافق الطوائف تحولت القدرة التأجيلية إلى انتظار رتيب (ما لم تقع حروب أهلية طبعاً) طويل الأجل في قصر بعبدا.
لا تراجع... لا استلام
يضمر القول بالديمقراطية التوافقية مبدأ ثبات الجماعات على "هوياتها" الجزئية، وحرصها على ألا يسمها سوء أو تغيير أو ـ لا سمح الله ـ تطور وتحديث. وهو يفترض أن الترابط الوطني معقود بناء على اتفاق بين جماعات دينية، لا على عقد اجتماعي بين الأفراد. غير أن هذا التنظير يتناسى بالطبع السؤال عن سر ترابط الجماعة الدينية نفسها والعقد الذي يربطها.
إلا أن القول بهذه الديمقراطية، حين يصير الموضوع موقع الرئاسة، يستبطن فكرة أكثر رسوخاً، هي ثبات أحلاف هذه الجماعات. إذ أن هذا المنطق يعرف غياب القدرة على السير بالإجماع في كل مرة، لذا يفترض وجوب حماية الأقلية من طغيان الأكثرية. إلا أنه لا يرى وسيلة لهذه الحماية إلا الدفاع بحق النقض، وليس القدرة على التحول إلى أكثرية.
أي أن الديمقراطية التوافقية تستبطن بقاء الأكثرية (التي هي تحالف عددي بين جماعتين أو أكثر من الطوائف) على حالها، اللهم إلا استبدال السنة بالشيعة أو الموارنة بالأرمن، لكن دون مساس في عمق العلاقة وطبيعتها بين كتلة أكثرية وكتلة أقلوية على نسبة لا تتعدل (الثلثان مثلاً؟). لذا تضيف هذه النظرية، ودعاويها اللبنانية الكثيرة، حقوق النقض إلى التعايش المشترك وتعلي ذلك فوق ضرورات اتخاذ القرارات وحسمها وفوق أحكام القانون والدستور في فرض أنصبة لإقرار الانتخاب أو القانون وليس ابتكار وسائل لتعطيله.
فكأن النزاع إنما يتم بين طرفين جوهرهما لا يتغير، يرفض أولهما التراجع إلى مقاعد المعارضة في حين يرفض الثاني استلام الحكم مدركاً أن العجز نصيب كل من يجلس على هذا الكرسي أو ذاك. وإذا ما كان الزميل الراحل جوزف سماحة يرى أن الأفضل أن نسير معاً ببطء على أن يركض بعضنا دون بعض، فإنه ربما غفل عن أن لا مناص في لبنان من أن يظل المرء لصق الآخر، إذ هما في سربال واحد، أو في أرض واحدة رغم جهود إسرائيل في رسم خرائط داخلية فيدرالية لها. لذا فإن الوضع في الديمقراطية التوافقية سيكون أشبه برجلين موثقين واحدهما إلى الآخر، ولما كان أحدهما يريد التوجه شمالاً بينما الآخر يغذ الجهد جنوبا، فإنهما في النهاية لا يتحركان إلا إلى الخلف.
إذا كان الرئيس حقاً رمز وحدة الوطن والساهر على دستوره ووحده شعبه وأراضيه فإنه يكون في مثل هذه الحال إحدى فتلات الوثاق الذي يجمع رجلينا، الموالي والمعارض. لكنه ليس أكثر من ذلك. فهو ليس في موقع القادر على دفع المسيرة باتجاه هذا أو ذاك، بقدرته الذاتية. لذا فإن أحلام المعارضة والموالاة في استغلال موقع الرئاسة لن تتمخض في النهاية عن شيء.
إذا لم نشأ التنظير لإلغاء منصب رئاسة الدولة وتحويله إلى منصب شرفي بالكامل (نمنحه للبطريرك مثلاً أو لأحد المعمرين أو لمن تختاره مجلة فوربس مثلا)، وهو يدنو من ذلك، لا بد من النجاة بعيداً عن الصيغ التوافقية إذا ما شئنا حداً أدنى من الفاعلية في إدارة الدولة ورئاستها. لكن ذلك يستتبع حكماً تغييراً في معنى لبنان ورسالته.
رئاسة لبنان ورسالته
لهذا البلد الصغير مزاعم طموحة وسرابية. فهو يدعي رسالة كونية في اثبات القدرة على تعايش الديانات في سلام ووئام. إلا أن تاريخه الطويل من الحروب التي تفصلها فترات هدنة متفاوتة المدة، لا يبرز أبداً طابعاً سلمياً في تعايش هذه الجماعات.
وهو يدعي رسالة قومية في تجسير المسافة بين الشرق والغرب، غير أنه، فضلاً عن وجود الطائرات والانترنت الذين يسمحان لكل راغب في عبور هذه المسافة التي باتت أقرب من الطريق بين طرابلس والناقورة، يمكننا ملاحظة أن الجسر لا يعبر الجسر، بل يظل مكانه يدوسه الآخرون بعجلات سياراتهم الفارهة.
وهو يدعي رسالة مسيحية في الشرق المسلم، إلا أن هذه الدعاوة، فضلاً عن الشكوك فيها قبل الحرب، انهارت تماماً خلال الحرب وتراجع الدور الماروني وصولاً إلى ما نلحظه اليوم، رغم "عجقة" الزيارات البطركية والفاتيكانية العائدة بأخفاف حنين، من تراجع مطرد للوزن الماروني في الدولة والوطن، سياسة وأداء واجتماعاً وثروة ومعرفة. أو يدعي كونه موئلاً للأقليات، فإذا بها جميعاً تتنافس في الكِبَر وتتسارع إلى الإبادة إن لم يسبق أبناؤها إلى الهجرة.
العجز الماروني الذي تبدى جلياً في زيارة البطريرك صفير إلى الفاتيكان، وإخفاق محاولة "تنصير" الانتخاب الرئاسي، يجعل من التشبث البطركي بموقع الرئاسة أمراً مفهوماً، لكنه لا يؤدي في الواقع إلا إلى زيادة عجز الطائفة، لأنه يرهن اختيار هذه الرئاسة بقرار الآخرين، على ما كتب أحد المعلقين، وهو يجعل المعركة تجري "على بكركي" كما كتب أحد الزملاء، وليست من بكركي تدار ولا الصرح طرف فيها، وفي هذا ما يشرفه في واقع الأمر.
لذا على لبنان أن يتواضع قليلاً، مثلما على طوائفه وزعمائها المنتفخين زهواً و/أو جيوباً. لم يعد عليه حتى أن يكون معلم العرب العلمانية، فالنظام التونسي أعرق باعاً وأكثر استقراراً، ولا أن يعلم الشرقيين الديمقراطية فهاكم النموذج التركي الذي لا يكف البعض عن امتداحه ليل نهار والإشادة بدور وساطته بين أوروبا والإسلام. ولا أن يكون القدوة في ابتكار أساليب الحرب الأهلية، فالعراق فعّال والحبل ربما على الجرار.
على لبنان مهمة واحدة فقط في عصرنا هذا: أن يظهر أنه قادر على التعلم من كيس عذاباته. اختبار الرئاسة في هذا المحل ربما يكون أساسياً، لكن أحداً لا يبدي وعياً بذلك.
فاستحقاق الرئاسة نابع، بعد ثلاثة أعوام من التمديد القسري، من رغبة في حفظ صورية الدستور، وحده الجنرال السابق اميل لحود يجرؤ على الإعلان عن خروجه عليها. أي أنه ينبع من رغبة في عدم المساس بالحد الأدنى الشكلاني من الاجتماع اللبناني، رغم تجويفه من كامل معانيه.
قد يكون استحقاق الرئاسة إذاً مدخلاً جيداً لإعادة بناء الحد الدستوري الأدنى لهذا الاجتماع، وإظهار أن اللبنانيين تعلموا الدرس من أن تجويف الدستور يعني، كما قال أحد العسكريين السابقين، الاحتكام إلى القوة العارية. قد تكون مقولته خاطئة أو مصيبة في احتساب قوته، وهو اعتاد الخطأ، إلا أن إدراك العلاقة بين الدستور وعري القوة ربما كان أول دروسنا. أما الدرس الثاني فينبغي أن يكون في اختيار الرئيس نفسه لينظّر لغياب هذا المنصب عن الحقل الطائفي كخطوة أولى أمام إلغاء الطائفية السياسية وإقرار صيغة مختلفة عن تلك الفريدة الشهيرة.
نحو صيغة قلقة
رأى أحمد بيضون في ختام دراسة هامة عن حروب اللبنانيين في القرن التاسع عشر وبطنها الولود، أن تصور الأطراف اللبنانيين لثبات أصولها "من ألف سنة أو نحوها"، ودفاعها عن ثبات الصيغ المؤقتة التي تم التوصل إليها اثر الحروب، إنما هو في أصل تكرار هذه الحروب نفسها. ويتساءل بيضون عن قدرة مثل هذه الأطراف على صياغة عقد جديد يسمح بتغيير المواثيق اللبنانية وفقاً لتغير ملامح الحال والعالم وتوازناتهما. لكنه، وهو الحصيف كما نعلم، لا يوازي تماماً بين "الأطراف" وبين "الجماعات الطائفية" إذ أنه لا يغفل عن سياق نشأة الطائفة عصباً وجسداً سياسياً، ولا عن تفاوت حظوظ الطوائف من "التطيف" ومؤسساته. وبالتالي فإنه لا يقفل أيضاً الباب في وجه احتمال نزع التطيف عنها، خصوصاً وأن "الشر المستطير" في تحويل الثبات وتقديمه على الحياة إنما يضعنا ربما أمام نزع الكيان اللبناني وسكراته الأخيرة.
في هذا المعنى يمكن القول بأن في وسع اللبنانيين، والموارنة تحديداً، ضرب مثال على قدرة عربية مشكوك فيها، ألا وهي الاعتبار بالماضي ودروسه، وذلك بالبدء بالإعلان عن أن منصب الرئاسة لم يعد، بحكم الأمر الواقع وليس بحكم عرف دستوري يتم انتهاكه، موقعاً مارونياً بل بات موقعاً وطنياً ولبنانياً، وذلك بغض النظر عن مذهب شاغله. ليس هذا كرماً وأريحية بالطبع، ولا حتى تنازلاً، بل إن مثل هذا الإعلان سيكون الحجة الوحيدة التي تتيح للبنانيين من شتى الطوائف والموارنة في مقدمهم، القول بأن المجلس الحكومي مجتمعاً، وليس رئيسه، هو أيضاً موقع وطني، وأن المجلس النيابي كذلك، وليس يملك رئيس مجلس النواب إغلاق هذا البيت الوطني، كما لا يملك رئيس الجمهورية رفض التوقيع على ما يلزمه به الدستور مكتفياً باستخدام صيغة المضارع (يصدر، يوقع، ينشر... الخ) إلا حين يمنحه صراحة حق رد النص للمراجعة، والأمر كذلك في الحكومة كما في المجلس النيابي الذين يجب أن يتم تعديل أنظمة عملهما لمنع القدرة على التعطيل في ما لا نص واضح في شأنه في الدستور.
نزع التطيف عن الطائفة مقدمة وشرط لحياة أبنائها حياة كريمة كمواطنين في الوطن، وليس كقطعان لهم من المرعى حصة مرقومة. كذلك نزع التطيف عن مؤسسات الدولة، وهو شأن مستقل عن مذهب الشاغلين كما أسلفنا إذ يتعلق بقرار الاختيار وليس بالمرشح، هو الأمر الوحيد الذي يمنع تحولها إلى مثل هذا المرعى وتحول مهماتها إلى كلأ وفيء. ولا يمكن أن ينطلق ذلك إلا من إيمان عميق بالسياسة من حيث هي رفض للدفاع عن الثوابت ولسجن المواطنين مسبقاً في أقفاص من شتى الألوان، بل هي فن الممكن وفضاء الحرية وحاجة المجتمع إلى تكييف ذاته مع عوامله الداخلية وشواغله الخارجية.
يشترط تالياً لقيام مثل هذه الصيغة التي تقدم التكيف على الثبات، فضلاً عن شرط الإيمان بسياسة هذه صفتها، انتباه لضرورة "كتابة" الصيغة دستورياً، وليس إعلانها المضمر كالميثاق الشهير. وذلك مع فتح المجال لإمكان تعديل هذه الكتابة بوسائل دستورية أقل تعقيداً من الموجودة حالياً. أي أن تعديلاً للدستور ينبغي أن يأتي بعد انتخابات الرئاسة وليس قبلها.
أما مضمون الصيغة فلا شك أن احتمالاته كثيرة، لكن في ذهننا منها اثنين يفيان، على ما نحسب، بشروط التغير المستمر. فالأول من الاحتمالات هو تثبيت التداول صيغة، فيرفض تخصيص هذا المنصب بتلك الطائفة وهذا الموقع بأخرى، وتقر "سلة مناصب" واسعة جداً لتلائم توزيعاً طائفياً لا يغفل الطوائف "الصغرى" من خارج تلك التي لا ندري لم حصروها بست. يفترض بهذا التغيير المتواصل مع إتاحة المجال أمام الطوائف الصغرى أن يعوّد الجماعات على الانصراف عن الدفاع عن "محمياتها" غير الطبيعية وعلى الإيمان بكفاءات متنوعة من شتى الانتماءات. على أن هذه الصيغة تظل محكومة في بنيتها بالرؤية إلى الطوائف كواسطة أو كجسد يتم الاختيار من بين أعضائه حتى وإن لم يعد هذا الاختيار محكوماً برغبة الطائفة نفسها.
أما الاحتمال الآخر فهو ما نسميه بالديمقراطية القلقة الرجراجة، وهي هي الديمقراطية الأكثرية اللاطائفية واللاإجماعية، بتمثيل نسبي وبتبسيط شروط التعديلات الدستورية. وسر قلقها وعدم استقرارها أن رياح استطلاعات الرأي وغوائل الزمن الطائفي تظل تحتها وتتهددها. لكنها الوحيدة التي قد تؤسس فعلاً لتجاوز ارتباط علاقة المواطن بالدولة بمروره الحصري بالطائفة. تستبطن مثل هذه الصيغة أيضاً إيماناً باحتمال الانقلابات الكبرى في المجتمع، وتغيير التحالفات، وبروز التشققات في ما يبدو في لحطة استقطاب أجساداً صماء وجلاميد صخر لا تفتأ تنحط، ذلك أن الصخور، ما يظهر في معابد بعلبك، لا تشال إلا من تشققاتها، طبيعية كانت أو محفورة، ولا يجري ماء المعنى إلا بين فرجات اللغة.
مراسي الطبيعة وثوابت الدستور
لكن هل نقوى على العيش دون ثوابت ونحن من لا يبارح ألفة الأزل والخلود والله؟ أو بثوابت بالحد الأدنى؟ ربما يستحق الأمر أن نجري يوماً ما ثبتاً بثوابتنا لنرى مدى عمقها الحقيقي. في الانتظار، ليس من ثوابت متفق عليها خارج ما يكتبه الدستور نفسه، أو خارج ما تفرضه الطبيعة ولنلاحظ شبههما في المادة الأولى من الدستور رغم غرابة تعريفها للحدود الجنوبية التي تظل مشرعة على مدى فلسطيني أصلاً:
لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تام. أما حدوده فهي التي تحده حالياً.شمالاً: من مصب النهر الكبير على خط يرافق مجرى النهر إلى نقطة اجتماعه بوادي خالد الصاب فيه على علو جسر القمر.
شرقاً: خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي (اورنت) ماراً بقرى معيصرة ـ حربعاتة ـ هيت ـ ابش ـ فيصان على علو قريتي برينا ومطربا، وهذا الخط تابع حدود قضاء بعلبك الشمالية من الجهة الشمالية الشرقية والجهة الجنوبية الشرقية ثم حدود أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا الشرقية.
جنوباً: حدود قضائي صور ومرجعيون الجنوبية الحالية.
غرباً: البحر المتوسط.
لنضف إلى ذلك جيرة سوريا الدائمة، وإسرائيل إلى أمد غير منظور، وغياب موارد في باطن الأرض اللبنانية، لنفهم أننا مشرعون دائماً لغواية البحر ونداء الصحراء، وأن ضيق هذه الأرض يجعل الزراعة فولكلوراً ويجعل من العيش على سطح الأرض اللبنانية، لا في أنفاقها ولا في غيتوهات، الخيار الأوحد الذي يستحق أن يسيل له عرق الجباه وعصارة الأدمغة. في مثل هذا فليتنافس المتنافسون وعلى أساسه سيحق لنا أن نفكر بدور ما للبنان ورسالة متواضعة دون أن تغفل الطموح.