Affichage des articles dont le libellé est سينما. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est سينما. Afficher tous les articles

mercredi 21 mai 2008

وودي يفوز


"نقطة المباراة" لوودي آلن
العدالة في ملعب التنس

نشرت في ملحق النهار في تشرين الثاني 2005

مرّة جديدة يُكذّب وودي آلن كل القائلين بنضوب موهبته وخلو جعبته من المفاجآت. ها هو يعود، من لندن هذه المرة لا من نيويورك الأثيرة، ويحقق نجاحاً باهراً، بعد فترة من النجاحات النسبية منذ "احتيالات صغيرة". إلا أن انجازه لا يقتصر على النجاح الجماهيري المستحق، أو على تغيير اللهجة التي اعتدنا عليها في أفلامه. الفيلم مفاجئ في العمق منذ أول نوطة في موسيقى الجنريك وحتى مفاجأة الختام، إلا أنه على خلاف ما حسب البعض، ليس على قطيعة تامة مع ماضي وودي آلن السينمائي، بل على حوار أكيد معه.

ثقافة الأسياد

بذوق الخبير المحنك يختار آلن الأوبرا (بدل الجاز المعتاد) يرافقها حفيف الأسطوانات القديمة، متجنباً نقاء الأقراص المدمجة المعقم. اختيار محنك وهو في الوقت عينه تحذير للآذان التي ألفت قََطْع الموسيقى عن حرارة الحياة لتبتلعها مُغلّفة دائماً بالسيلوفان. منذ البدء، يظهر وودي آلن التمييز إذاً بين اختيارات الخبراء، وبين الاختيار الذي كان أي حديث عهد سيعتمده. وهذا هو التحدي عينه الذي سيحاوله بطله كريس، الذي يعلن محبته للأوبرا في صورة من يتحدى مخاطباً محدثة الأرستقراطي ذا النبرة الساخرة، صهره لاحقاً.
كريس مدرب التنس الذي سيترقى اجتماعياً في لندن بزواجه من فتاة ارستقراطية بعد أن أتى من أصل إيرلندي متواضع لأب اكتشف المسيح بعد أن خسر رجليه كما قال. تحدي كريس أن يثبت أنه يمتلك ثقافة "الأسياد"، أي أنه ليس مجرد قردٍ يقلدهم. لا داعٍ للشك في ذلك حين نستمع إلى حديثه، لكن وودي آلن بخبث خفي سيكشف للمشاهد ما لا يعلمه أحد: كريس مفضلاً قراءة حياة دوستويفسكي على قراءة مؤلفاته. العلامة الأكيدة على حداثة عهده بكل ما يلح على صَبْوه إليه، وإن كانت الثقافة الانكليزية ستتسلل إلى أعماقه كما يُظهِر في الختام المشهد الماكبثي. في المحصلة نفهم لماذا يصعب على كريس احتمال أي خطر يهدد نمط حياته أي، بحسب ما يرينا آلن، الأوبرا والمتاحف والمعارض والخيول...إلخ. لا شك في أن الثقافة تولّد حرصاً عليها يكاد يشبه الجبن، ومثال تسليم باريس خوف دمارها مرتين في الحرب العالمية الثانية خير دليل. غير أن الخطر الذي يهدد كريس له اسم جميل الوقع: نولا، الممثلة الأمريكية المبتدئة وخطيبة صهره المستقبلي توم.
ليس من قطيعة واضحة بين الثقافة وبين الطبيعة، في الفيلم، إلا أن الثقافة تبدو أساساً سلطة ترويض للجسد، وما فشلت فيه العائلة الأرستقراطية حيال نولا، التي سيتركها توم لاحقاً، سينجح إلى فيه إلى أبعد الحدوود حيال كريس، (الانتهازي أم الطموح؟)، وهو ما كانت الأمريكية الجميلة واعية له منذ البداية، كما يطهر من حديثها مع كريس في الحانة، وهو الحوار الذي يلتقط وجه كريس في لقطات قريبة ممنتجة (خلافاً للشائع عن طريقة وودي آلن) كأنما الكاميرا تبحث في وجهه عن قرينة ما، عن دليل على الوجهة التي سوف يتخذها، هو المشغوف صبوة، الذي يغازل بالأسئلة وكأنه هو التلميذ الذي لا يحور جواباً، حيال خبرة نولا وسطوتها وبهائها.

كرة المضرب وكرة الطاولة

يبدأ الفيلم باصطدام كرة المضرب الصفراء بالشباك، فيما صوت من خارج المشهد المتباطئ يشرح أهمية الحظ في الحياة، وهو ما يتمناه توم لوليد كريس في نهاية الفيلم. إلا أن معنى الحظ سيتغير بالنسبة إلى المشاهد في خلال الفيلم، لأن لقطة مماثلة للقطة الكرة ستصور لنا اصطدام خاتم زواج بحافة حديدية قبل النهر. أبعد من تشابه الكرة والخاتم في اللون والاستدارة، ومن السخرية الخفيفة والدائمة لدى وودي آلن من نجاح العلاقات الزوجية، ينجي سقوط الخاتم هذه الجهة أو تلك امرئ من السجن ويدين آخر.الحظ بالطبع!
لكن الجمل تتطاير في الفيلم شأن الكرات أيضاً، لذا تندر في الفيلم المشاهد التي تضم أشخاصاً ثلاثة، ويكثر الشفع (شخصان، أو أربعة يشكلون فريقين) وثمة غالباً فائز وخاسر. وإذ يلعب كريس كرة الطاولة مع نولا (وعلاقتهما ستكون ككرة الطاولة، متفجرة السرعة، لا متمهلة وتصاعدية كالتنس) فإن دخول خطيبها سيحوله سريعاً من خصم إلى حكم يريده توم متواطئاً في الحكم على جمالها. وكما أن للطاولة قواعد وتقنيات مختلفة تماماً عن التنس، فإن كريس خبير التنس ستتجاوزه الأحداث في كل مرة مع نولا التي رسمت الكرة البيضاء الصغيرة نجمة لقائه بها.
ثمة استعارة "رياضية" أخرى هي الشباك، التي تشكل النوافذ رجعاً لها. والعربية التي تقارب بينهما بليغة الدلالة. الشباك هو دوماً الشبكة التي لا يصطدم بها النظر، بل يخترقها، إلا أن الشبك أيضاً حد فاصل بين ملعبين لا يجوز تخطيه. النظرات تتقاطع أحياناً، إلا أن العبور إلى الجهة الأخرى هو دوماً الخطر الذي لا يفلح كريس في تجنبه. والشباك أيضاً عين الروح ودليلها إلى شقق وسيعة ثلجية البياض، وأخرى حميمة دافئة رغم تقلب الفصول. هكذا تؤدي استعارة الشباك نفس الدور الذي كانت تؤديه استعارة العين في فيلم قديم لوودي آلن: "جرائم وجنح" (1989).

جرائم وجنح

الحق أن قصة "نقطة المباراة" كانت متضمنة في "جرائم وجنح": علاقة غرامية تهدد نمط حياة رجل ثري. إلا أن الفيلم الجديد يتخفف من القصة الساخرة الموازية التي كانت تدور حول شخص وودي آلن، المخرج الوثائقي، وغيرته من صهره المنتج الناجح لمسلسلات تافهة. بالمقابل يثري آلن فيلمه بالتفاصيل في صورة الطموح، الراغب في الترقي الإجتماعي، الأبيّ ظاهرياً والذي يريد الدفاع عن نمط حياة ليس هو هدوء العادات الرتيبة، بل هو الثقافة، التي لا تعفي في نهاية الأمر من جبن وتخاذل ولا من ضِعة أو خبث.
كما أن المقارنة بين الفيلمين تؤكد ما كان ذهب إليه غومبروفيتش، في "البورنوغرافيا" خصوصاً، من أن الكبار عاجزون عن القتل إلا بالواسطة، كما فعل جوشوا في "جرائم وجنح"، بعكس الأصغر. في الفيلمين يتحاشى وودي آلن تعقيد المشكلة الأخلاقية (القتل) بمشكلة أخرى (إدانة بريء)، ففي الأول يختفي المجرم وفي الثاني يدان ميت. غير أن الرد على امتعاض البعض من لا أخلاقية غياب العقاب على الجريمة في "نقطة المباراة" يجد جوابه في "جرائم وجنح": في مشهد متخيل، تناقش العائلة غياب العقاب رغم فظاعة الجريمة، وتقول العمة إن الخيار متروك للمجرم، ما لم تمسكه الشرطة، فإما أن يختار عذابه النفسي، وإما أن يعيش متجاوزاً كل ذلك. وهو ما يردده جوشوا في النهاية، رغم تذكيره ببعض نوبات الشعور بالذنب التي تخفت من ثم وتتباعد. إلا أن وودي آلن يجيبه بأن أسوأ مخاوفه هي التي تتحقق في هذه الحالة: العالم دون ضابط، أو معنى، أو مبرر، وهو ما كان يسع العدالة أو قدراً قليلاً منها، أن تشكله.
إذ يعود أمر العدالة إلى الفرد، يتناسى كريس جملة أخرى لدوستويفسكي، هي التي بنى عليها ليفيناس إطيقاه: "الكل مسؤول عن كل شيء وحيال الكل، وأنا أكثر من الجميع".

ليلة سعيدة وحظاً سعيدا



"ليلة سعيدة و حظاً سعيداً" لجورج كلوني"

لماذا لا يستشهد الإعلامي مورو؟


(غير منشورة)


فيلم جورج كلوني الجديد "ليلة سعيدة..وحظاً سعيداً" ليس فقط فيلمه ممثلاً بل أيضاً مخرجاً. في هذا يبدو الممثل الوسيم أذكى من طلّته حين يرسم بالأبيض و الأسود عالم التلفزيون الجديد آنذاك في أميركا منتصف القرن الماضي. لا نملك إلا شكره على تضحيته بألقه و ببطولته المطلقة حيث يلعب الدور الثاني (فرندلي) خلف دافيد ستراتهيم الذي يؤدي ببراعة و صرامة دور مورو، المذيع التلفزيوني الذي أسقط السناتور مكارثي في عز سطوة هذا الأخير و لجنته و محاكم تفتيشه عن "شيوعيي" أميركا المفترضين. تقشف الفيلم في كل شيء و هدوءه الرصين يمنعاننا منذ البدء عن الحماسة و يعصمان منها. منذ البداية نرى مورو في خطاب ما بعد المعارك، ما بعد الفوز أيضاً، في خطاب المتقاعد الذي لا يسعه كتمان ما بقلبه من شجاعة، لكنها شجاعة الفشل المحتوم للمهمة التي اعتقد مورو أن على التلفزيون تأديتها، تنوير الناس وإطلاعهم على حقائق الأمور لا إلهاؤهم و عزلهم عن أنفسهم و عن الآخرين.

ذلك أن مورو الذي نجح في إنهاء سطوة مكارثي، و الفيلم يروي قصة هذا الصراع، ما لبث أن اضطر إلى التراجع عن السير في المواضيع الجدية، ثم تراجع حضوره التلفزيوني، أمام ضغوط شركات الإعلانات التي لم يعجبها هبوط عدد متابعي برنامجه من المشاهدين. اليوم، مورو أسطورة أميركية لا تجارى، بالمعنى الحرفي، أي أن أحداً في التلفزيونات الأميركية لا يعترف بالعجز عن مجاراته في المهنية و المناقبية و المعايير التي وضعها لبرامجه، وأداء هذه التلفزيونات منذ 11 أيلول إلى حرب العراق خير دليل، لكنه في حينه وُضِع خارج ساعات الذروة و همِّش.

لا يسع المشاهد العالمثالثي و اللبناني بخاصة سوى التساؤل: لماذا لم يبعث السناتور أحد رجاله لإسكات مورو بالطريقة المعروفة جيداً لدينا، الترغيب و الترهيب، و القتل في نهاية المطاف؟ لماذا فضّل الظهور على التلفزيون و محاولة تشويه سمعة مورو، ربما على أمل دفعه إلى الإنتحار كما حدث مع إعلامي آخر؟ و لماذا كان النقاش الرئيسي في الفيلم، و هو ما يستغرب أمثالنا بداهة الإجابة عليه، هل ينبغي على التلفزيون أن يكون موضوعياً حيادياً أم يجوز له، في الأحوال الخطيرة، أن يتبنى موقفاً و يدافع عنه؟ و كيف يتأتى للإعلامي أن يصير سلطةً؟ ماذا عن مسؤولي الشبكة الذين لا يظهرون على الشاشة بل يديرون الصفقات المالية و السياسية؟


طبهاً الإجابة عن هذه الأسئلة ليست سهلة، لا سيما خارج إطارها أي الإطار الزماني و الإجتماعي للولايات المتحدة، و إن كان تاريخها في الحريات ليس كله ناصع الإشراق، ولا يكفي تماماً لاعتباره رداً جامعاً مانعاً. ما يحسب لكلوني أن تقشفه الإخراجي و ضيق الأماكن التي اختارها و الايقاع الرتيب المتعمد للأحداث يسمح للمرء بالتنبه لاحتمالات الأسئلة و لا يجبره على اللهاث المتواصل خلف سيل الصور.

يقدم الفيلم عدداً من الإشارات على وجهات محتملة للإجابات أو لبعضها على الأقل: شهرة مورو لا تعصمه من الهجمات على سمعته لكنها بالتأكيد تعصم من القتل ما دام قد أشهر عدوه، لذا لا يكاد مرور يبدو خائفاً سوى من... الإعلام، فيتلهف على قراءة ردود الفعل على حلقته، و يرفض فتح معركة مع صحافي آخر يتهجم عليه و على أصدقائه قائلاً أنه ببساطة لا يستطيع أن يكسب إذا ما استعدى في الوقت عينه السناتور و صاحب الصحيفة. مع الأسف لنا، يبدو أن الأميركيين أضيق مخيلةً من الرد بأن القتل في هذا الوقت بالذات دليل براءة الخصم لشدة ما يبدو بديهياً توجيه الإتهامات إليه!! بحسب هذا الرد، يبدو أن الأميركيين يجهلون الحقيقة وهي أن القتلة لا يقتلون أعداءهم، بل أصدقاءهم، بهدف توجيه الشبهات إلى الأعداء، أي أن الرِيَبَ لا ينبغي أن تتوجه إلا في الأقربين!

من جهة أخرى، يبدو أن من شروط التنطح لمثل مهام مواجهة السياسة بالإعلام أن تسبق شهرته معركته، و ألا يكترث أصحاب الإعلانات بمضمون البرامج التي يعلنون فيها. من وجهة النظر الإقتصادية يفترض للعولمة أن تلعب هذا الدور تحديداً حيث أن المعلن كخريج مدرسة تجارة لن ينظر سوى إلى نسب المشاهدين، و في هذا ضمناً تبرئة لأصحاب الإعلانات و لأصحاب التلفزيونات من التهم المغرضة التي تصمهم بفرض البرامج التافهة على المشاهدين. أليس أن انخفاض المشاهدين هو ما أدى إلى انحسار مورو و ضمور حضوره، و ليس انزعاج المعلنين ولا السياسيين منها من مضمونها؟ أليس إذن أن الإعلامي قادر على الإنتصار على السياسة ولكن ليس على التفاهة العامة التي تستشري؟

لكن الواقع يغاير مثل هذه النظرات المتعجلة. فالواقع أن العولمة بعيدة من أن تعلن نهاية السياسة و الدول أو أن تزدري السياسة كإرث مضرّ متخلف عن عصرها الذي تديره العقلانية الحسابية البحتة. بل إنها تزيد شد الروابط بين شخوص الساسة و بين الشركات، و مثال بوش و تشيني واضح، و أقل منه شهرة تحوّل جاك شيراك بائع طائرات إلى حكام الصين أو روابط اليميني الصاعد ساركوزي وأخوه بأوساط أرباب العمل الفرنسيين، و آثار ذلك على السياسات الدولية جلية من حرب العراق إلى مؤتمرات منظمة التجارة العالمية و حروب اليورو و الدولار ... إلخ.

أما في العالم الثالث واقتصاداتها الذاوية فإن لهذه العلاقة إسماً هو الفساد، فلا يكاد ثمة سياسي بارز فيه ليس مرتبطاً بشبكات فساد و صفقات و علاقاتٍ مشبوهة لا سيما بالأوساط المالية، فالمال عصب السياسة في كل العصور، وما الفساد سوى البديل العصري لمصادرة الأموال و الضرائب التعسفية و الجباة والملتزمين مما لم نكد ننساه. الفارق إذن أن ما كان معتبراً جوراً بات "شطارة" و مصدر سلطة و عزوة. مع تنامي الإقتصاد و تعولمه لم يعد بمقدور أرباب العمل ترك السياسة للنبلاء و الإقطاعيين أو لذوي النسب و الحسب و العمل في صمت على تكوين ثرواتهم على أمل ألا تتعرض للمصادرة، بل بات عليهم في ظل تنامي العروض من كل حدبٍ و صوب إقناع السياسسن ببضاعتهم، أو استخدامهم لترويجها، كطوني بلير يبيع ترشح لندن لعشرات الملياريات التي تشكلها الألعاب الأولمبية.

اليوم، ليس بمقدور أي شبكة تلفزيونية، ولا حتى صحافة الرأي التي تحقق خسائر في كل العالم، النأي بنفسها عن التحالفات السياسية، حتى تلك التي يدفع مستقبلوها اشتراكاتهم، لأنه ما عاد من مسافة فعلية بين المعلنين و بين السياسيين. لذا يجري التفكير في فرنسا مثلاً بمشروع قانون، مستوحى من قانون منع الإحتكار في المطبوعات، يسقط ورقة التوت و يسمح لشخصية قانونية واحدة بامتلاك قناة تلفزيونية على أن يُكافَح الإحتكار لا من خلال فرض الملكية المشتركة بل من خلال مراقبة نسبة مشاهدي القناة و منعها من تجاوز حدٍ معين. الحالة اللبنانية في مثل هذا المعرض غنية عن الشرح لناحية نوعي الإحتكار إذا ما اعتبرنا جمهور كل طائفة لوحده. يبدو أن من الضروري إذن التفكير في إعادة هيكلة هذه القطاعات في لبنان في شكل أكثر شفافية.

لم يكن مورو يطلب من رؤسائه مثل هذه الشفافية بل كان جلّ اهتمامه ألا يفرضوا عليه رقابة، لا يتعفف هو عن فرضها على نفسه، لكنه يدرك جيداً أن الحركة والإعتراض هما وحدهما ما يوسّع دائرة الحركة والإعتراض، و هذه ما قام به عدد من الصحافيين في لبنان منذ مطلع التسعينات وإلا لما تحول الإعلام اللبناني أداة فعّالة إلى هذا الحد. ويعرف مورو أن ثمة مجازفاتٍ لا يمكن الإمتناع عن إرتكابها بدعوى إنتظار الوقت الأنسب و الآمن. ما دام الخوف قد بات في داخل هذه الغرفة، يقول لمساعديه، لا مفر إذن من المواجهة وافتتاح المعركة. هكذا في الفيلم أيضاً يواجه مورو المزيّف (الممثل ستراتهيم) بمشاهد ممثّلة السناتور ماكارثي الحقيقي في مشاهد من الأرشيف، فلا مفر بعد دخول الماكارثية في صيغتها الجديدة إلى كل دار في أميركا بل وفي العالم سوى مواجهتها.

غير أن أسلوب المواجهة بالغ الأهمية. كان في وسع كلوني أن يكون كمايكل مور، أن يسخر من بوش و يكشف علاقاته و أكاذيب تصريحاته و تناقضاته مكتفياً فقط بالأقوال دون حتى التعليق عليها، كما يسع أياً منا أن يقوم بالأمر نفسه حيال مختار الزعماء أو سعادة الشيخ أو مقاوم السيادة أو صخرة طانيوس شاهين أو قديس البربارة أو الهزبر الغضنفر (حسناً ربما ينبغي استثناء هذا الرئبال الأخير ـ الذي لا يبدي أي حس بالنكتة في أي حال ـ عملاً بنصيحة المتنبي الشهيرة حول نيوبه)، لكن فضيحة التناقض فيها ما عادت فضيحة كما في أيام ماكارثي. ما عادت الفضيحة سلاحاً فتاكاً بل إنها اليوم لا تكاد تخدم سوى الأسياد الذين يزدهون بسعة صدرهم و ديمقراطيتهم، قبل أن يستخدموها هم مدمرةً ضد من ليس أمامه مجالاتهم في الكرّ و الفرّ. لذا لم يكن أمام كلوني سوى استدخال الإزدواجية و الغش في نسيج صور الفيلم.

الغشاش في الفيلم هو ذاك الذي لا يمثّل، الصور الخادعة هي المادة الأرشيفية، أما التمثيل، فهو أساساً فاقد للقدرة على الوعظ بضرورة الصدق من حيث أنه محض إيهام على ما كان لاحظ روسو من قبل.

بازدواج الغش وانقسامه على نفسه ربما يعود ثمة محلّ للتفكر في الحقيقة، وحده التفكر، على نقيض الفضيحة، يكشف بوش دون أن يدعم الزرقاوي مثلاً. غير أن ذلك مستحيل من قبل أناس ينفث الخوف أنفاسه الباردة في أعناقهم. في الفيلم يقبل مورو في النهاية أن مكارثي سيحاسب و تُكفّ يده لكنه سيظلّ طليقاً بل وسناتوراً، و ربما كان هذا جوهر النظام الديمقراطي في الواقع. في بلاد الثورات الدموية المستدامة مثل هذه النصيحة من ذهب: ينبغي كشف الحقائق و كف يد الظلم ووضعها خارج دائرة القدرة على الأذى، أما الثأر وسلاسله و رعبه فلا يستولد غير الثأر والعنف.

سينما بيروت



بيروت في ثلاثة أفلام لبنانية من مهرجان باريس السينمائي
نشرت في محلق النهار في تموز 2007

كان لبنان ضيف شرف مهرجان باريس السينمائي الذي اختتم الأسبوع الماضي. لا تسعى هذه المقالة إلى "تغطية" شؤون المهرجان، ولا حتى البرنامج اللبناني فيه، الذي كان وافراً وإن لم يخلُ من نقصٍ كغياب محمد سويد وغيره. قصارى هدفنا هنا، مع الاعتذار الحار من الآخرين، هو مقاربة ثلاثة أفلام لبنانية جديدة يجمعها، إلى جانب الطابع الروائي الطويل، كونها تعرض للمرة الأولى في باريس، وكونها تحاول تشكيل صورة سينمائية لمدينة بيروت، على تفاوت في الأدوات والأساليب والأصوات.

لكن، لا بد أولاً من إزاحة التباسٍ ترددت أصداؤه على صفحات الجرائد اللبنانية وفي الكواليس، ويزيده بلةً، دفاع بعض النقاد عن تمثيل السينمائي لذاته وحدها، وكأنما هي من صنع يديه، على ما كانت أرندت تقول ساخرة من المتفاخرين بلغتهم الجرمانية.

كان خليل جريج وجوانا حاجي توما، بين المكرمين إلى جانب دانييل عربيد والمخرج الشاب وائل نور الدين عن فئة الأفلام القصيرة (ليس خطأ تكريم شبان في أول نتاجهم إلا متى فهمنا التكريم إعلان نهاية، لا دفعاً وتشجيعاً!). لقد أثار هذا الخيار بعض الضجة، مثل كل اختيار في كل مهرجان، حيث تساءل البعض عن سبب اختيار هذا الاسم لا ذاك، وإبراز ذا والتعمية على آخر. والحق أن كل اختيار إشكالي وظرفي، لكننا نحسب أن اختيار الثنائي جريج ـ حاجي توما هو أيضاً تكريم لجيل كامل من الفنانين والسينمائيين والمفكرين، إذ يبدو جلياً في أعمالهما ملامح نقاشاتهما وتفاعلهما مع أعمال غسان سلهب وجلال توفيق ووليد رعد وبلال خبيز ووليد صادق وربيع مروة وغيرهم كثيرون. مثل كل عمل جدي، تحاور أعمال جريج وحاجي توما أعمال مجايليهم وشغفهم بمدينتهم وتتقاطع مع اهتمامات هذا الجيل الذي فتح أمام الفنانين اللبنانيين أبواب مهرجانات العالم ولقاءاته وجمهوره الغفير الذي أمّ صالات باريس في هذا المهرجان الأخير، واعداً بمزيد من الترحيب بالفن اللبناني.

سنتناول إذاً، من بين أعمال هذا الجيل، فيلم السينمائي البارز غسان سلهب "أطلال"، ومن بين الوافدين الجدد فيلمي نادين لبكي "سكر بنات" وميشال كمون "فلافل".

غسان سلهب والغطس في عمق طلل

فيلم "أطلال" ليس الفيلم الأول لسلهب، وليس فيه من تردد أو تلعثم. يعرف سلهب ما يريد، ويملك أن يقدمه في جمال بصري أخاذ واقتراحات بصرية لافتة، مثل المشهد لدى طبيب العيون. وهو بعد أن استنفد أصوات بيروت وتصويرها من زوايا مختلفة (من الأسطح، والسيارات، في الليل والنهار، في سوليدير وفي الآثار المتبقية) في "أرض مجهولة"، يتوجه الآن ليصور بحر بيروت. البحر موقعاً، ومشهداً واستعارة. يمكن للغوص في البحر أن يكون استعارة للبحث في أعماق المرء، الذي يصوره كارلوس شاهين نيابة عن كل منا، مثلما يمكن لصور الأشعة الطبية أن تكون أيضاً استعارة عن الأعماق، وكما يمكن للفلامنكو أن يكون استعارة للكبر والتحدي ورائحة الدم الماثلة في مخيلة الشمس الاسبانية وعين الثيران.الزرقة والشمس والكوريدا المستدعاة، ليس باتاي بالطبع بعيداً. لكن الفيلم ليس مجرد استعارات، بل ربما ليست الاستعارة سوى ما يضيفه المشاهد نفسه على الفيلم، مثلما قد يضفي عليه قراءة سياسية.

نجرؤ على القول إن سلهب أيضاً يصور مادة رؤيته، وليس استعارتها النظرية. فهو لا يتردد فيمنحنا ما يشاهده مصاص الدماء، مثلما يشاهده، زائغاً مشوشاً، وبعد انطلاقة رائعة يتباطأ الفيلم بشكل غريب، لكن أليس التباطؤ أيضاً إدخالا لنا في زمن مصاصي الدماء، الخلود البطيء والممل.

يمكن الزعم أن الفيلم بعيد عن القراءة السياسية، وإن تزامنت جولات مصاص دمائه الخفي عن الكاميرا (لكن إن كان لا يصور، كيف تلتقطه عدسة سلهب؟) مع موجة قتل واغتيالات بيروتية وتنبأ بتحول الأطباء إلى قتلة، كما في بريطانيا. في الواقع، ينجم ابتعاد الفيلم عن الإسقاط السياسي من كون إنتاج مصاص دماء يهدف، برأينا، إلى قتل ندٍ آخر له الطبيعة عينها. هو إذاً عمل انتحاري. صناعة قاتل لقتل الذات.

لماذا مصاص الدماء؟ لماذا الأشباح والدم والقتلى؟ إنه، مرة جديدة، قبول ارث الموت متغلغلاً في نسيج الجماعة، عائداً من الغيب ليقيم لها لحمة وسدى. لا تغيب الجثث في الفيلم غيابها في أعمال جريج وحاجي توما، لكن الحداد أيضاً لا يحضر كما لدى وليد صادق. ما يحضر لدى سلهب هو موت حديث، ليس مرتبطاً بالحرب التي يمكن النظر إليها من هذا الجانب على أنها حرب ريفية، أو حرب ترييف المدينة. إنه موت سائر، سادر في عمله. موت يتطلب موته، يبحث عنه، ويشحذ على مهل السكين التي يأمل أن تأتي لتجز عنقه ككبش أخير.


إنها ظواهر مدينية تلك التي تروي عن مصاصي الدماء، والجرائم الجنسية، والعلاقات المتعددة الطبائع دون أي عقد، و توري عن شخوص دون عائلات، دون إخوة أو آباء ودون أبناء أو زيجات. يصور سلهب إذاً ما يمكن افتراض طابعه المديني بامتياز: فرد في شارع، انحرافات وجرائم، مدينة حبلى بأساطير حديثة.

يمكن بالطبع الطعن في تصوير سلهب لواقع المدينة، بدءاً من حقيقة مصاصي الدماء وجدوى أسطورتهم، وصولاً إلى افتراض أن "مدننا" ليست مدنناً بل كونفيدرالية قرى. لكن ذلك أيضاً مردود،فبيروت لا تني تبتلع مدافنها مثل أي مدينة حديثة، وتفكك النازحين إليها، ببطءٍ ربما ولكن بفعالية أكيدة تثبنها، للمفارقة، الجرائم والفضائح والقدرة على الاهتباء والسعي في هوامشها. لكن السؤال لاذي قد يكون سلهب يطرحه علينا هو عمن يعض، مثل الطبيب خليل ونسائه الفاتنات، ثدي المدينة إن لم تصور نفسها عذراء كوالدة الإله في الأيقونات؟ إنه سؤال كشف الغطاء عن حياء المدينة كي تتقبل العنف والموت الوارف في ثناياها، دون مزاعم عن إلهية هذا العنف أو "برانيته". إنه، في معنى ما، عنف البحر المتأبد كالأمواج في مفتتح الفيلم، لا ينفصل عن المدينة التي تنطوي على مدنٍ كثيرة في طبقات طياتها.

في بيروت فيديو كليب لبكي ودماها الجميلة، وبيروت ليل الشباب والمغامرة والمقامرة في فيلم كمون، هنالك متسع بعد للنضج، للأمل والرغبة. لكن سلهب يزعم أن لا مجال لإغفال عنف المدينة وقسوتها، على أفرادها وفيهم، أو لنسيان ذكر الموت والرغبة في دفع الحيوات والشوارع إلى أعماق سحيقة، لا تعود منها سوى أطلالاً نبني فوقها أحلاماً أخرى ونسياناً كثيراً. ربما ينبع انزعاجنا مع عمل غسان سلهب أننا فعلاً نشعر بطعم الدم تحت نواجذنا وأسناننا. ولسنا نبكي! أليست هذه معجزتنا المؤسفة؟


"سكر بنات": الإشفاق على المشاهد من دموع الدمى المتحركة

لقي فيلم نادين لبكي الذي لم يعرض بعد في لبنان ترحيباً حاراً من قبل بعض النقاد حين عرض في مهرجان كان الفرنسي، لكنه أيضاً قد يلقى اعتراضاً مثيراً للسخرية من قبل رافضي "الاستشراق الذاتي"، الذين قد يرون فيه "شداً" للمشاهدين من خلال استعراض جمال اللبنانيات واختراق تابو المثلية النسائية، على خفر مزعج، وإرضاء للغرب بإظهار مشاكل العذرية والعلاقات "غير الشرعية" فضلاً عن الفرنسي العجوز ومغامرته البيروتية. الاعتراض طبعاً سخيف لأنه لا يرى أن هذه العناصر موجودة في بيروت وليست متوهمة، ولا يكفي أن تكون أجساد النساء أرض الصراع اليوم بين دعاة حقوق الإنسان والأصولية السلفية حتى يكون في تصويرهن استشراق.

لكن الفيلم الذي يقدم تصويراً ناعماً وأنيقاً يعاني دون شك من الفتنا الشديدة بلغته البصرية التي لا تختلف عن فيديو كليبات نادين لبكي السابقة، فيبدو أشبه بفيديو كليب طويل منه بفيلم سينمائي يفترض بأدواته أن تكون أكثر كثافة وأغنى تنوعاً وملاءمة لما يطرحه.

كما أن لبكي، على ما يبدو، تشفق على مشاهديها، فلا تكاد ترد مورد حزن إلا وأشفعته بطرفة أو نكتة، مازجة مطلع الأسى بتواصل السرور. قد تقول لبكي لنا أن هذه هي طبيعتها، ولا شك أن الحياة مزيج منهما معاً، إلا أن منهجية هذا الخلط، فضلاً عن كونها تمنع من تعميق الحالات والمضي إلى أغوارها، تصبح بسبب طابعها التكراري نوعاً من "البرهنة" المسيئة للأعمال الفنية، لا سيما حين تفيض عن الحاجة وعن الواقع، كما في مشهد المحجبة التي لا تنزع حجابها حتى في وسط بناتها!

إلا أن أعمق مشاكل الفيلم، في رأينا، هو كون دماه (والدمى في العربية الغواني الجميلات) تتحرك في فقاعة معزولة عن بيروت التي تهدي لبكي إليها الفيلم! بيروت لبكي صور مسطحة لشوارع قليلة، وحارات مقفلة، تبدو غاطسة في مناخ موسيقي يداني النشاز والتنافر. تمتنع لبكي عن دخول المدينة من باب أصواتها، وتحرك دماها في مناخ معقم، وعقيم، من الكليشيهات الصوتية. إلا أننا نعرف أن المدن لا تؤتى أزمنتها سوى من أصواتها، كما سبق لسلهب أن فعل في "أرض مجهولة" أو رايغاداس في "معركة في السماء". على عكس الفيديو كليب، لا يمكن لفيلم "بيروتي" أن يكون حكاية على غرار حكايا لافونتين أو والت ديزني، أو أرضاً معلومة ومفارقة لبيروت.

سبق للبكي أن خلقت عالمها الفيديو كليبي، إلا أنه بطبيعته ليس سينمائياً لأنه يقوم اساساً على موسيقى لم تصنعها المدينة، بل أنتجت مسطحةً في حواضن اصطناعية معقمة بعيدة عن أصوات المدن (والصوت اللحن) ومشاهد أيامها ووقائع زمنها.

على لبكي أن تخرج من اللوحة التي نسجتها لنانسي وهيفا إذا شاءت أن تدخل إلى عالم ليل وريما ونسرين و"طانط" روز، اللواتي لن تظل حينها دمى متحركة تشفق علينا لبكي من دموعها دون داعٍ حقيقي.




"فلافل" ميشال كمون: بيروت واسعة الليل

لا يهدي كمون فيلمه الروائي الأول إلى بيروت، بل إلى شقيقه الشاب المتوفى روي. رغم ذلك، لا يكتفي كمون بتقديم صورة عن عالم بيروت وشبابها الليلي، بل يثبت أيضاً أن مدينة بيروت ليست تتطابق مع حدودها الإدارية. تصل كاميرا كمون إلى كسروان، لكنها لا تغادر بيروت. بيروت هنا هي زمن عيش، وليل، ومنطق المقامرة والمغامرة، وليست مباني وتقسيمات جغرافية أو دوائر إدارية، وبالتأكيد ليست شعاراً انتخابياً أو سياسياً.

خلافا للبكي أيضاً، يستعمل كمون الصمت وأصوات المدينة الليلية والسيارات، دون أن يتعفف عن استخدام الأغاني الراقصة متى انبعثت من علب الليل أو من مسجلات السيارات والمحال والبيوت. إلى جانب ذلك، لا يمكن إلا التنويه بالشريط الصوتي الذي يستخدمه من موسيقى Soap Kills الالكترونية وغناء ياسمين حمدان المفعم بالمتعة وعيائها وتجارب توفيق فروخ وفرقته في عزف النغمات الشرقية على الآلات النحاسية. المشكلة ربما تظل في حاجة كمون إلى المزيد من التفكر في أحوال القطع والوصل بين هذه المواد الموسيقية.

غير أن الأهم في فيلم كمون، في نظرنا، يتجاوز طرفة الفلافل وبائعها، وإمطار السماء سقف المباني بحباتها الضخمة الشهية، وهي طرفة ظريفة، غير أنها غير مقنعة في تقصيها وتطويرها من ثمّ. ربما كان الجانب الأهم يتبدى في الرغبة في التصوير الليلي، واستعراض مغامراته، العاطفية والجنسية والأمنية والذكورية معاً، وفي مد حدود بيروت إلى كامل مساحة الرغبة الليلية.

يتبدى أيضاً جانب مهم في محورية موقع كازينو لبنان من الفيلم. ليس ذلك أن لبنان كازينو، على ما يحسب بعض مدعي الفضيلة والتعفف والمال الطاهر، بل لأن الكازينو في الفيلم دليل على نمط حياة لبناني يتوسل المقامرة بكل شيء، بالحاضر والمستقبل والمال، في سبيل دواعٍ ليست دائماً مفهومة. بالحظ، تقفز حبة فلافل هاربة من قعر الزيت، وبالحظ أيضاً نجد المال ونشتري به سلاحاً، وحين يخوننا الحظ نقع في الحصر والغيظ. ليس هنالك من تراكم عقلاني مخطط لدينا، هنالك فقط الوعد بالحلم، صادقاً أم كاذباً.

بالحظ ربما تنضج حبة الفلافل الهاربة التي يدعو فادي أبي سمرا إلى أن يكونها ذلك الشاب المفعم بالحيوية والتماع الأعين. إلا أن نضج ما يبدو أقرب إلى جيل من المراهقين، في فيلم كمون، يمر عبر الاعتراف إذاً بأننا "نشخ تحتنا"، بأننا "نشيخ تحتنا" أيضاً دون أن ندري من سيتحملنا في شيخوختنا. الاعتراف بهذه الهشاشة هو إذاً أول شروط النضج الذي يتجلى في التخلي عن مبدأ الثأر والشرف الذي لا يسلم من الأذى ... والحنو على إخوة لنا.

يصور كمون، تحت ستار كوميدي بأبطال كرسوم الكرتون في مراهقة مطولة، مساراً للنضج يدعونا إليه ماداً يد الحنان إلى خد الأخ الغائب. مرة جديدة، يبدو قبول الغياب والموت شرطاً أول للعيش معاً.

معارك السماء، معارك الجلد


"معركة في السماء" لـكارلوس رايغاداس
صراع على الجلد المكسيكي
نسرت في النهار، تشرين الثاني 2005

المعركة ليست فقط في السماء، بل عليها. وعلى جلدها المشدود. في الجلد ينحفر القانون، كما أشار كافكا. في جلد ماركوس، رجل الكولونيل، انحفر القانون وسلطة الدولة. كل يوم يساعد ماركوس الجنود في مراسم رفع العلم وإنزاله. في جلده أيضاً انحفرت الجريمة، حيث مات الطفل الذي خطفه ماركوس بمعاونة زوجته، الضخمة الجثة بقدر ماركوس نفسه. وحين تعود آنا المراهقة، ابنة الكولونيل الذي يعمل ماركوس لديه سائقاً، وحين تذهب إلى "البوتيك"، بيت الدعارة التي تزاولها آنا للتسلية، تنحفر الرغبة أيضاً في جلد ماركوس، الذي لا يتورع المخرج المكسيكي رايغاداس عن استعراضه، كاشفاً بشرة سمراء وبثوراً كثيرة وقبحاً تزيده الكاميرا سطوعاً لأن ضوءها لا يكاد يسيل على هذه البشرة، بل يلتصق بها كغراء قديم مُصْفّر. بل إن رايغاداس لا يتورع عن لجم كاميراه لتسجل صاغرةً بزوغ سوائل الجسد: تقطّر العرق من طرف قميص ماركوس، البول قبل الجريمة الثانية، دموع آنا في نشوة صوفية لفرط تأثرها برعشة ماركوس جراء الجنس الفموي الذي يفتتح في لقطات بديعة الفيلم، ترافقها أصوات التنفس الهادئ والمنتظم.
يبدو لي أن رايغاداس هو أول مخرج يولي كل هذه العناية إلى الصوت في فيلمه. تارة يعزل صوت النَفَس، أو وقع خطوة محددة من بين آلاف يعبرون في مترو مكسيكو، وتارة يترك لزعيق المعلق الرياضي على التلفزيون المجال كله ليصمّنا بتفاهات الدعاوة الرسمية. قبل أصوات الزيّاح الديني، تعلو موسيقى تصويرية هاذية دافقة، لكن امرأة تترجل من سيارة أمام محطة بنزين تطالب بإسكاتها، متساءلة :"من أين تأتي هذه الموسيقى؟".
للمرة الأولى ربما (منذ جاك تاتي الذي كان يخلق طرفاً بديعة من خلال الأصوات الساطعة في برودة الهندسة المعدنية) يخترق أحد البديهة القائلة إن الأذن، بخلاف العين، لا تستطيع عزل تفصيل واحد بين عدة. التزاوج الذكي مع الآلة، ومع شريط الصوت في الفيلم، بات يسمح بإجراء لقطات مقربة "زوم" للأصوات، لا تكتفي بإشاعة مناخات مرغوبة ومحددة، كما هي حال الموسيقى التصويرية عادة، بل بتكوين فيلمٍ موازٍ، يتفاعل مع الصورة دون أن يكتفي بترجمتها، ويحض على التساؤل والتنبه لا على الفهم السهل والبسيط.
إثر جريمته الثانية، ينهار ماركوس ويرتمي على ركبتيه في زيّاح طويل يحج إلى كنيسة سيدة الغوادلوب، يقنّعه أحد ممتهني الحماسة الدينية صارخاً في أذنيه بمكبر الصوت: "لا أثداء بعد اليوم، لا أثداء بعد اليوم..."
بالطبع لن يمتلك ماركوس ثديي آنا بعد اليوم، لأن التناقضات، التي لم تكن سياسية فحسب، كانت ضخمة حد التفجّر: القبح/ الحسن، الكبر/ المراهقة، الهندي/ البيضاء، الفقير/ الثرية، اليائس/ اللعوب، المسحوق/ ابنة الجنرال...إلخ
لكن دمعة آنا التي تفتتح الفيلم وضحكتها التي تختمه تشيران إلى اللحظة الوحيدة التي سمح فيها تقارب بشرتين هائلتي الاختلاف بتجاوز كل الثنائيات السابقة، في سماء الرغبة.
يتمزق ماركوس بين سماوات ثلاث: الوطن، الجنس، والكنيسة. وإن كان الأول يعمل كأداة لتقسيم الزمن وصهره في قوالب ثابتة، وبلهاء، والثاني يعمل كأداة للخروج على كل تقسيم (مثلاً دورة الكاميرا 360 درجة، خارجة من نافذة غرفة آنا، لتعود إليهما في "موتهما الصغير")، فإن حضور الكنيسة يخترق بخاصة علاقة الشخصية الرئيسية بامرأته والجيران، وتتحول الكنيسة إلى الملاذ الأخير، الذي بالطبع يصادر كل احتمالات الخلاص، والذي حين نأوي إليه... نموت.
ربما لن يُعرض فيلم رايغاداس في لبنان، ذلك كي لا يُفسد استمتاع اللبنانيين بلهجتهم المكسيكية ولئلا يستفيقوا على أشياء أخرى تأتي، لا من بلاد العم سام، بل من بلاد العمتين: ماريا مرسيديس وسلمى حايك.

samedi 5 janvier 2008

أسطورة في حارة: نجيب محفوظ

ملحق النهار الثقافي، أيلول 2006
أسطورة نجيب محفوظ في حارات القاهرة المعزية




الجمالية...

سير حثيث بحثاً عن أسماء، هي تلك التي خلّدها الراحل العظيم في كتاباته: بين القصرين، زقاق المدق، الخرنفش، السكرية...

منها ما تعثر عليه ومنها ما لا يظل سوى صوتاً هاتفاً، لكن ما تراه على أي حال لا يداني حلمك. الجمالية، حيث ولد محفوظ، حارات لا تشبه حارات السينما المصرية ولا حارات الروايات، مجرد تتابع غير مفهوم لطرقات ومبانٍ حديثة (نسبياً) في شبكة متاهة مقفلة. أما خان الخليلي فتكدس طويل وممل لمحلات بيع التذكارات والمجوهرات.

لكن القاهرة المعزّيّة، كما يسميها محفوظ للدلالة على الحدود الفاطمية القديمة للمدينة وأبوابها التي لا يزال بعضها شاهد عظمتها، تنفتح أمامك على حين غرة وحين لا تتوقع، يكفي أن تنعطف دون انتباه خارج مسير السياح، أن تدلف من عطفة تحت قنطرة واطئة لتتفتح لك عوالم أخرى، وترى ذلك العجوز القاعد في "محله"، الذي يوازي مساحة نصيب الفرد من زنزانة في سجن عربي، وتفكر إن لك يكن الرجل الذي يصنع أكياس الخيش منذ عشرات السنين، وربما مئاتها، أحد شخوص قاهرة محفوظ، وإن كان محله الضيق قد شهد سهرات الأنس والتحشيش كالتي تصفها الروايات...

يكفي أن تنعطف من شارع الأزهر إلى سوق الغورية وما يليها في الخيامية أو الدرب الأحمر، أو تختار الدخول من السوق إلى خوش قدم أو حوش آدم، حارة الشيخ إمام، لتنتبه أن الشيخ ونجيّه الفاجومي هما أيضاً من شخوص روايات محفوظ حين يدخلان في أسطورة الحارات التي تعيش حياةً شبه مقفلةٍ على ذاتها في ظلال الباطنية القريبة وإشارات الزمن البطيء وأحجار الجوزة "المخصوصة" وأصداء المآذن المملوكية والفاطمية التي تلف أسحار الحارات المتجاورة...

يكفي أن تزور بيت زينب خاتون في ما وراء الجامع الأزهر، أو أن تسيل في دفق أصحاب الجلابيب البيض في مولد الحسين، حول مسجده، وتسمع "ردح" النسوة لشبانٍ مرتبكين خجلاً حين تتماسّ جماعة من النساء الساعيات حول المسجد بزرافات الرجال الباحثين بين السرادقات عن مجلس طريقتهم وتواشيحها، أو أن تستبشر تهاليلك بالزوايا الصغيرة بأعلامها الخضراء اللون على حدود حارة الدرب الأصفر، قبل أن تأوي إلى هدوء بيت السحيمي حيث تتخيل فيه أحداث روايات محفوظ وتفهم على ضوء هندسته غير المفهومة هندسة بيت سي السيد، لتدرك أنك أنت أيضاً دخلت في أسطورة القاهرة المعزية وسحرها، ودخلت في عالم روايات نادراً ما أتممتها، وأن أمثالك هم التتمة التي كتبها محفوظ، دون تكلف، وهو بين عالمي النوم واليقظة الأبديين، ولتنتبه فجأةً أن محفوظ خلق أسطورتين، أسطورة القاهرة المعزية التي أدرجك فيها، وأسطورته هو، بقهواته وقعداته وقفشاته، التي تشكل فضاء قاهرة القرن العشرين، وأنه آخر الأساطير في مدينة باتت "مصرَ"، وبات كل حي فيها مدينة مستقلة بفضائها وناسها وحكاياتها.

السينما مدخلاً

لكن المرء يتساءل إن كانت الكتابة هي من صنع فضاء الأسطورة. لغة محفوظ اليوم تبدو بعيدة، كلغة لبنانيي القرن التاسع عشر، تكفي مقارنتها بلغة توفيق الحكيم أو مارون عبود ليتبدى أنها أكثر كلاسيكية من مجايليها. لغة جافة إلى حدّ ما ومستهلكة اليوم (أنظر في مطلع ميرامار: نفثة السحاب البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع).

حتى أن نجيب محفوظ، الروائي، لا يتورع في كتابة حواراته، عن إجراء جملة من قبيل "لن يلم الله شعثك على رجل" (في زقاق المدق) على لسان امرأة أمية تتسابّ مع ابنتها بالتبني، وهو أحياناً حين يريد التخلي عن القديم الممجوج يجاور في الجملة الواحدة بين "الكونصول" و"البلابيع" قبل أن يعود إلى "الخوان" (بين القصرين)، في قلق بيّن الدلالة على قلق العربية نفسها حيال أسماء العالم، على ما أوضح أحمد بيضون. غير أن محفوظ هو أيضاً مسيرة تطور بديع (ومؤسف الخاتمة!) للغة ولبناء الرواية ولإيحاءاتها الفنية، من بداياته التي لا تكاد تتخفى فيها اهتماماته الدعوية أو الوطنية (على طريقة ثورة 1919) إلى نصوص أكثر جرأة على الصعيد الفني، وآخرها أحلامه.

والحق أن الدخول في الأسطورة التي صاغها محفوظ يبدو مرتبطاً أكثر بوسيط آخر هو السينما، التي ساهم محفوظ أيضاً في صياغة فضاءها المصري، بكتابة السيناريو أو بمناصبه الرسمية كما بالاقتباسات التي أجريت عن رواياته، وهو نفسه يبدو أحياناً حين يكتب، وفي بعض أفضل نصوصه، وكأنه يكتب للصورة وليس للغة، التي تظل وسيطاً جامداً لديه، ومن غيره يجرؤ أن يقول لقارئه : "فأحمد عاكف ـ كما ترى ـ كان يوماً ما جذاباً" (خان الخليلي). كما ترى؟! لا يكتب محفوظ كتاباً (وسنعود إلى هذا) بل "روايات"، وعلينا ألا ننسى أن الرواية في مصر، بخاصة مطلع القرن العشرين، تعني... "المسرحية"! وهو لا يخاطب مخيلة القارئ، بل يخاطب عينه مباشرة، كما لو أنه يتمنى أن تمحى الكلمات، كي لا تبقى بين العين واللوحة مسافة لوسيط، لا يبدو أن محفوظ تجاوز انتصابه كتلة بينه وبين القارئ إلى اعتباره أفق للمرء، بحسب بارت.

تكاد الروايات تكون متعبة لو لم تسبقها مشاهدة المسلسلات والأفلام، وهي المشاهدة التي نكتشفها طويلاً قبل أن تتملك أغلبنا لذة القراءة، وهي أيضاً التي تقود أشواقنا في الطواف في القاهرة العظيمة. كما أن هذه المشاهدة المسبقة تسمح لنا بالدخول مباشرة إلى فضاء محفوظ الخاص، وإلى عالمه الروائي، بدل التيه أحياناً أو الملل مما يبدو "مواعظ" الحكيم ("موضع الحب من نفوسنا هو مهبط الخلق والإبداع والتجديد. ولذلك خلق الله الإنسان محباً وترك مهمة تعمير الوجود أمانة في رعاية الحب" من زقاق المدق)، وهذه القراءة تنجي من قراءة سائدة في النقد العربي عموماً، والمصري خصوصاً، لأعمال محفوظ، ولم ينج منها الأديب الكبير نفسه أحياناً، تفترض أن الرواية عمل فلسفي، وليس عملاً مرتبطاً بالمجتمع ووجوده وفرادة شخوصه، وتقرؤها على أنها كناية دوماً عن نظرية شبه فلسفية أو سياسية مقنعة. ولئن كان محفوظ نفسه كتب بعض الروايات على هذا النهج (رحلات ابن فطومة مثلاً) إلا أن قراءة "أولاد حارتنا" بها تنفي عن الرواية كل قيمة أدبية، ناهيك عن أنها قادت إلى محاولة اغتياله.

بين "الرواية" و"الكتاب"

من المؤسف أن يغيب عنا نجيب محفوظ، ومن المؤسف أكثر أن يأتي ذلك في اليوم عينه الذي نقرأ فيه عن قضية "المفكر الإسلامي" حسن حنفي، وعودة أشباح التكفير إلى مصر. ومما يزيد بعد في الأسى أن نتذكر أن محفوظ قبل طويلاً بسلطة الأزهر على روايته "أولاد حارتنا" (لا ننسين أنه نفسه كان رقيباً على المصنفات الفنية في فترة من حياته)، وهو حين قبل بنشرها بعد طول امتناع اشترط تقديمها بمقالة للـ"مفكر الإسلامي" د. كمال أبو المجد، لك يخرج فيها هذا الأخير عن ذكر حوار دار بينه وبين محفوظ، مؤداه، من جهة، أن محفوظ يشدد على "الإسلام والعلم" كدعامتين لأي مشروع عربي جديد، وجديد الحديث هو التمييز الخطير الذي يجريه محفوظ، بحسب د. أبو المجد، بين "الرواية" و"الكتاب". فالرواية، على ما جاء في هذه المقالة ـ الحوار، "تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال"، ونموذجها هو... "كليلة ودمنة". أما الكتاب فيفترض أن فيه الحقيقة وعلى أساسها يحاسب الكاتب. على أن المتحاورين يغفلون أن محاولة اغتيال محفوظ كانت تماماً بسبب القراءة الرمزية للكتاب، وليس محاسبة له على تزييف حقائق التاريخ!

الأخطر في الموضوع هو تلخيص المحاورين معاً للكتاب ـ القضية إلى موقف يريد الكاتب إيصاله للقراء، (وهذه نظرة صحافية وليست أدبية للنص)، حيث يصير "الجبلاوي" رمزاً للدين، و"عرفة" رمزاً للعلم، ويكتشف الناس حاجتهم إلى الأول رغم إغراءات الثاني، لأن العلم بغير الدين تحول إلى أداة شر. فتغيب فضاءات الرواية وشخوصها وبنائها لعوالمها الخاصة لمصلحة رواية رأي، فحواها أن فلان = علم وعلتان = دين، وتجري المعادلة ذهنية بحتة باردة. والحق أيضاً أن كتابة محفوظ اتبعت هذه النظرة إلى الرواية، بوصفها إعلاناً موارباً لموقف، في عدد قليل من الروايات، لكن أغلب إنتاجه كان أثرى بما لا يقاس من هذا الإفقار، الذي ربما لجأ إليه مضطراً بين إلزامات السياسة وإكراه الموجات الدينية التي لم تعفّ عن الاعتداء على الرجل الكبير في جسده.

زمن مصر

كان في نتاج محفوظ دوماً نوع من الكلاسيكية المتأنية، التي تشابه في تؤدتها طبيعة الزمن المصري الحريص على ألا يختلّ بغتة أو تسبقه الأحداث، فهو دوماً يمتصها ويلجمها ويعيدها إلى مسارٍ بطيء ريثما تختمر ظروفها بحسب تقديرات هذا الزمن نفسه. ولهذا مثلاً نفهم أن يكون محفوظ هو أديب مصر الأكبر في القرن العشرين، وليس توفيق الحكيم مثلاً، الباريسي النكهة، والقلق المزاج رغم ما يحكى عن تنسكه ونظراته شبه الفلسفية. فالحكيم أصرح في التعبير عن مراده، سياسة واجتماعا وهو في هذه الأحول يقصر "الفن" على قالب يفرغ فيه مراده، دون كناية أو رمز تقريباً (كالحوارات مع العصا أو مع الحمار)، لكن حسه المسرحي العميق جعله لا يخطئ في كتابة الحوارات ومناسبة اللغة والمفردات لمن تجري على لسانه، كما أنه العربي الوحيد الذي كان معاصراً لزمنه، فجبران حين أتى باريس شاهد القرن السابق، في حين أن الحكيم عاصر الدادائية والسريالية ونظريات الفن الحديث وموجاته ما بين الحربين، فكتب وفي ذهنه بعض ما أفاد منها، وفي نفسه خصوصاً توق إلى زرع هذه الغرسات في الفن والأدب العربيين، وإن كانت بعض كتاباته وليدة هذه الرغبة دون عميق اقتناع بالمضمون. وإذا كات الحكيم حاول أن يهز الزمن العربي الراكد وأن يجدد في صيغه وقوالبه ونظراته، فإن محفوظ كان أشد خفراً وتكتماً، وربما كان هذا سبيله ليكون أعمق أثراً في مصر، وربما في العالم العربي.

إذا كان في قدرة الزمن المصري سابقاً أن يجمع الريادة إلى التأني والتجديد إلى الكلاسيكية، فإن المرء ليتساءل، خاصة مع عودة أشباح التكفير والمد الإسلامي السياسي والأصولي، عن قدرة مصر اليوم، لا على ولادة الموهوبين شأن كل الأوطان، على المحافظة على قامة مثل محفوظ، وعلى السمح لها بالوصول إلى التفوق وضمان الحياة والفرادة وتمهيد السبيل أمامها لنشر نتاجها.

ينبغي ربما التذكير أن ريادة مصر أتت أساساً من وضوح "صحنها" الإقليمي، بالمقارنة مع بلاد الشام، وتنوعها الثقافي الداخلي، وصدمة الإجتياح النابليوني الذي هزها وجعل بورجوازيتها تباشر بدايات المراكمة الرأسمالية، ثم كان الطموح الخديوي إلى مجاراة الآستانة وتحويل مصر إلى بلد أوروبي... الخ. أي أن الريادة المصرية كانت على الدوام النقيض من "الحلم" اللبناني، الصناعة لا الخدمات، وضوح الحدود لا ثقوبها الفاغرة، صدمة اجتياح نابليون بدل تعاون تجاري أسبق ووثيق مع إيطاليا أواخر عصر النهضة، تنوع داخلي ثقافي بدل انفتاح دائم ثقافياً على الخارج، السينما والمسلسل لا الفيديو كليب والأغنية القصيرة والخفيفة، الرواية الضخمة والملحمية لا الثورة الشعرية... الخ.

وإذا كان البعض يرى أن الثورة المصرية في 1952 بطموحها العربي والاشتراكي هي التي أوقفت مسيرة مصرية "صميمة" نحو التقدم، (وهو أمر مشكوك به على أي حال بالنظر إلى ما سبق 1952 بعشر سنوات و ما تلا انفتاح السادات)، فإن الأرجح القول أن ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية هو أن انقلاباً عالمياً في معايير الميزات والتفاضلات هو الذي حدث، وأن "الثورة" هي التي حفظت لمصر وهجاً كان استمرارها على "صميميتها" (ومعادلة صفر + صفر الشهيرة) ليفقدها إياه. وإذا كانت هذه هي معايير ما قبل الحرب العالمية الثانية التي سمحت لمصر بالريادة وإحداث ثورات كبيرة في عدد من المجالات الفكرية العربية (كل ثورة الموسيقى على المدرسة الخديوية جرت بين 1925 و 1935، الانطلاقة المصرفية والصناعية في الفترة عينها، بدايات الرواية المعاصرة، المسرح الغنائي ...الخ) فإننا لا نكاد نلمح إنجازاً ضخماً في هذا المجال بعد هذه الحرب، والاستثناء الوحيد والكبير هو بالطبع نجيب محفوظ الذي بلغ أوج عطائه بدءً من انتصاف الخمسينات، معتبراً أن الرواية هي شعر الأزمنة الحديثة، وبهذا كان سباقاً بعيد النظر.

لكن التساؤل ملح اليوم، حين يكون عم عبده داغر يعزف منذ عشرين عاماً للحيطان ذاتها في غرفته الصغيرة، بحسب ما يقول، إلى أن يكتشفه الأوروبيون، وحين يظل عازف شاب رائع وهائل القدرة على التجديد مثل حازم شاهين أسير الانتظار إلى أن تتكرم وسائل الإعلام والإنتاج بالخروج من تكرار الإيقاعات المصمّة، وحين يكون عشرات الموهوبين في الغناء والتمثيل والكتابة والفكر مسحوقين في ظل آلة إنتاج ضخمة وسوق استهلاكية ضخمة ترفض أي مذاق جديد لم يسبق للجماهير التي تقصفها هذه الآلات أن علكته واجترته وأدمنت مذاقه، هل تستطيع مصر أن تقدم هي بنفسها اكتشافاتها بدل انتظار الغرب، وأن تقيمهم علاماتٍ على زمنها المتجدد في عصر العولمة، كما سبق أن فعلت مع سلامة حجازي وعبد الوهاب ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وصلاح أبو سيف وغيرهم، وهل يكفي هروب العديد من هؤلاء الموهوبين والمعترضين إلى فضاء الإنترنت دليلاً على إدخالهم مصر في زمن جديد، أم أن ذلك لن يكون إلا مقدمةً لخروجهم المؤسف هم منها؟

وداع نجيب محفوظ هو وداع لحقبة دخلت في الأسطورة، ووداع لقدرة على التطور والاجتهاد في النظر والرأي وبناء النفس، وإن كان محفوظ يقدم نفسه على أنه وليد زواج الحضارة الفرعونية بالحضارة العربية، فإننا، مصريين ولبنانيين وعرباً، في أحوج ما يكون إلى من يعلنون أنهم أبناء زواج جديد لحضارات معاصرة ولأزمنة متداخلة النسيج، بحيث أن فك تداخلها، كما يحلم التائقون إلى صفاء ونقاء بلا حدود، لا يقود إلا إلى الموت أو الجنون وشقاق النفس.

jeudi 3 janvier 2008

برغمان، قارة الوحشة











ملحق النهار الثقافي، 5 آب 2007




انغمار برغمان : قارة الوحشة تعصف بها رياح الحرية والغبطة



فضّل غودار، منذ صعقة البداية، برغمان على فيسكونتي، المبدع المؤلف على المخرج الممتاز، لكن برغمان نفسه كشف، بعد عقود طويلة من المهنة، أنه إنما يفخر بكونه "حرفياً يصنع ما قد يفيد الناس". برغمان، الذي انتقده "أهل الحرفة" طويلاً، أثبت أن تنفس صباحاته وأماسيه وغاباته وجزره ورياحه وممثليه إنما هو معجزة الصنعة والحرفة. وبات معلماً. في هذا، وإن تجاورا في موضوعة اللاتواصل بين البشر وقلق العيش، إلا أن برغمان يتخطى أيضاً أنطونيوني، الفيراري، الذي لم يملك إلا أن يكون إيطالياً، أي رساماً بالألوان للوحات بديعة، (راجع مثلاً الانفجارات في "نقطة زابريسكي" أو مشاهد مدينة فيرارا في "أبعد من الغيم") حتى اعتبره البعض مثل الناقد ألدو تاسوني متحدراً من راسمي عصر النهضة. أما برغمان فكان رساماً للروح نفسها، ولأحوالها. الكتابة عن برغمان قد تتحول مطارحة داخل جمعية سرية أو حزب مغلق، لقصور انتشار أعماله (وأعمال السينما عموماً في لبنان). لذا لا تسعى هذه المقالة إلى استعراض تاريخه وحياته الشخصية، على أهميتها في ولادة أعماله وليس في استقبالها، ولا للجوانب التقنية في لائحة لا تنتهي تعداداً من الأعمال على مدى ستين عاماً. قصارى الهدف هنا هو الاعتراف بالدين الذي يدين به لبرغمان كل من رأى قلق روحه اللامتناهي مصوراً في دقة المشهد، فعاد من غرقه إلى حب الحياة.




كانت الأيام الماضية قاسية على فن السينما. لن نشاهد جديداً لأنطونيوني أو لانغمار برغمان، لكن من يستطيع القول إنه شاهد كل أعمالهما، وهما من أبى إلا الإدلاء بشهادة أخيرة، قبل اغماضة النهاية، أنطونيوني في مشاركته الكلوسوفسكية (نسبة إلى لوحات بيير كلوسوفكي الحية) في "ايروس"، للدقة في ثلث الفيلم، حيث صاغ الجزئين الآخرين تكريماً له سودربرغ ووانغ كار واي، وبرغمان في تحفته الأخيرة "سربند". بالأخص، أعمال برغمان التي لا تنتهي مشاهدتها إلا بالموت، مثل قراءة ألف ليلة وليلة، وفيها أيضاً مثل ألف ليلة وليلة رواة وحواة وسحرة وعشق وفراق وخيانات وأسماء لا تني تتردد وتتكرر وجوهها.

من النافل الحديث عن "الوجوه" واللقطات القريبة لدى برغمان. لكن الغريب ربما أن برغمان، الحالم بفيلم طويل من لقطة واحدة قريبة، لم يكن شغوفاً جداً بالوجوه "الجديدة". مثلما تتكرر أسماء الشخصيات والعائلات في أفلامه، حتى يكاد المرء يرسم لها شجرة عائلة وأنساباً، فهنالك نفس "القطيع"، مثلما كان هيتشكوك يسمي ممثليه، نفس الوجوه التي تعود، "عصابة برغمان" (مثل عصابة فاسبيندر أيضاً): ماكس فون سيدوف، ارلاند جوزفسون، اندريس ايك، وقبلهم بيرغر مالمستين وغونار بيورنستراند، والنساء: هنرييت أندرسن، بيبي أندرسن، انغريد تولين، ليف أولمان وقبلهن ايفا داهلبك وماي بيريت نيلسون.

يناقض هذا تماماً مفهوم روبير بريسون عن شخوص أفلامه، لا يريد لها وجهاً سبق أن ظهر على الشاشة، ويكاد يشترط ألا يظهر الوجه مرة أخرى. إذ من سيصدقه؟ كيف سيكتسب جسداً جديداً ونبرات وحركات أخرى؟ إلا أن برغمان "يشكّل" ممثليه بمخيلة لا تنضب وبحس ايقاعي لا مثيل له، وهو لا يأبه كثيراً لتصديق المشاهد للحكاية. بل إنه لا ينفك يفرض عليه مسافة إضافية، مثل بريخت.


هذه الوجوه إذاً مجرد "أسطح" يسيل عليها الضوء وماء الحياة، وما المسافة التي يضعها برغمان بيننا وبينها سوى تأكيد على دقة المشهد الذي يرسمه مانحاً بذلك هياج المشاعر إطاراً محدداً يجعل الألم محتملاً، والعيش محتملاً، رغم أنه، دون لحظات الحب الضئيلة وسكنه، والتماعات السحر والخيال، يزداد هذا العالم قبحاً وقيحاً، ويظهر الزمن في حقيقته الدفينة: تكات ساعة دون عقارب، تنادي على الشيخوخة والموت والقلق وشياطين الروح. يظل أن عبقرية برغمان تستعصي على تلخيصٍ مخلٍ كهذا، لأنها تظل تعرف كيف تبتكر حريتها وغبطتها الباخية (نسبةً إلى العظيم باخ) والتي يليق أن نصفها بالشعر الخالص.






أسطح سينمائية تطل على مشاهد الروح

يرى تاركوفسكي، ملتبساً بالطبع، في برغمان "سطحاً جديداً ومضموناً تقليديا ـ تقليدياً على الطريقة الاسكندينافية، متأثراً بكيركغارد ـ ما يمنح المجموع رنة خاصة ... مدهشة، وهو هنا، في رأيي، يظهر شيئاً جديداً تماماً". يدرك تماماً أهمية السطح الخارقة. السطح الذي هو بشرة الممثل أو الممثلة، شاشة الصالة أو التلفزيون، خد المرأة الذي لا يطال مثلما لا يطال وجه "الأم" العملاق الذي يلامسه الولد في Persona، الجدار الرابع الذي يقفله برغمان بكاميرا لا تتنزه في العالم، كما لدى جان رنوار، بل تغلق بابه الأخير لتضع المرء أمام شياطينه وأمام تاريخه.

حين يصور برغمان مواجهةً ممثلته الأثيرة ليف أولمان في فيلمه الأخير أليس يصور مواجهته أيضاً مع وجه تاريخه، مع ما تراكم على وجهها من آثار الصور السابقة التي أنتجها، بما في ذلك وجهها "المهروس" و"المجبول" بوجوه أخرى، خاصة مع بيبي أندرسن في
Persona ?
ليس وجهها إذاً سطحاً بكراً، حتى في ذاكرة المشاهد، وهذه إحدى أسباب عدم التماهي مع شخوص برغمان، بالمعنى المألوف، رغم كل جهوده الهائلة في إدارة ممثليه و"تشكيلهم". قد يحلم المرء طويلاً بأن يسمع الكلمات التي يقولها برغمان لممثيله إبان التصوير. لكن إدارة برغمان لهم، بحسب بعض المشاهد التسجيلية، لا تعتمد على الكلمات أو على التوجيهات "النفسانية" (التي كان بونويل أيضاً يستعيذ منها). يدير برغمان ممثليه بالضحكة والثقة، وبحيوية لم تنضب حتى وهو في الرابعة والثمانين من عمره. وهو يحدد لهم غالباً حركاتهم لكنه، بصورة خاصة، يمنحهم الإيقاع، إيقاع الشخصية، تنفسها، بلهاثه ويده الممسكة بنبض الممثلين ومعاصمهم، يطلقهم برغمان من ثم إلى حرية يسجل على وجوههم أماراتها وندوبها.

لا نتماهى كثيراً مع الشخوص، لأن في كلّ منهم بعضاً من برغمان وبعضاً منا، وفي كل منهم ما يتجاوز المرء ويختلف عنه اختلافاً لا لقاء فيه. ولا نتماهى معهم لأنهم شخوصه التي يبتكرها، كما يقول، ليفسر صوره. إنه من القلائل الذين تولد الصورة أولاً لديهم!

هكذا، يدعونا برغمان إلى صندوق "الفرجة"، لنشاهده يحرك شخوصه ودماه (من ينسى "عن حياة الدمى" ؟). وهو لا يفتأ ينبهنا إلى أننا

في السينما، في اللعبة التي نبحث عن قواعدها، سواء من خلال استخدام الـ
voix off


، أو الإعلان "هذه كوميديا للبالغين" (في "درس غرامي")، أو استدخال الحوارات مع الممثلين بأسمائهم الحقيقية في وسط الفيلم في "شغف"، أو في تلك النظرة، الأولى في تاريخ السينما، لهنرييت أندرسن في عين الكاميرا في "مونيكا"، أو في تكرار الأسماء والعائلات
Persona مع اختلافات بسيطة، أو تكرار عنوان الفيلم في منتصفه، أو في
جميعه بكل ما فيه من جرأة على كل شيء وكل قاعدة وكل منطق، بكل ما فيه من حرية.

نتفرج إذاً على "صندوق" برغمان للحكايا. لكن اللوحات التي يقدمها على سطحه تشبه كثيراً زجاجيات الكنائس أو ائتلافات الموسيقى: إنها الرسم الأدق لحالات الروح. هذه المباعدة التي يعتمدها ليست عبثاً، إنها شرط لنا كي نرى اللوحة لوحة، ونرى الألم والعشق والعار والكراهية واليأس والنعمة في أطر دقيقة التكوين.
يمنح برغمان المشاعر "شكلاً"، لا تتمرد عليه. في هذا يمنحنا القدرة على النظر إليها كما قد نرنو إلى جني في فانوس بلوري شفاف. القدرة العارمة للمشاعر على العصف بنا مشروطة بمنظور لانهائيتها وغياب القعر لها. ها هو يقول لنا، على لسان جوزفسون في سربند، "ضئيل أنا إزاء قلقي"، أو يكتب "استطعت أن أربط شياطيني إلى عربتي لتجرها، وإن كانت لا تزال تعذبني في حياتي الخاصة".

بعد مرحلة البدايات، عرف برغمان كيف يطوع اللون، سواء في أفلام بالأبيض والأسود أو بالألوان الحية، ومن ثم الموسيقى و"الصمت"، لا سيما موسيقى باخ الذي "يعزينا عن غياب الإله" على حد قوله، في رسم لوحات المشاعر والأهواء العاصفة هذه. هو الذي لم تفارقه "الغبطة" التي يتحدث عنها باخ (الذي شكر الله على استمرار غبطته، لدى علمه بوفاة امرأته)، كان أيضاً صنو هذا الأخير، في ملء العالم بأصداء غبطته ورنين عزائه، مثلما كان نسيب موزار في عشق الحياة الجارف، وليس فقط في اخراج "المزمار المسحور". لكن هذه الأدوات، التي قلما اكتملت لدى فرد، وضعها برغمان في خدمة اقامة هذه المسافة بيننا وبين "الهدر" الهائل الذي نبدد فيه حيواتنا.

إن كان البعض يعتبر أفلام برغمان محاولته للعلاج من شياطينه الكثيرة، فلا شك أن هذا الدواء هو ايضاً مقدم إلينا، فنحن من يريد برغمان، آخر الأمر، تنبيهه إلى ضآلة الحب وضيق الآمال، وضرورتهما رغم ذلك، ونحن من يمد إليه صوراً ومشاهد كي تنتشله من لجة الأهواء والمشاعر التي لا شكل لها قبل أن يمنحها بلمسته شكلاً وإطاراً ويمنحنا عنها المسافة اللازمة للنظر ولاحتساب الوقت.

لا يملك الكل فصاحة غودار الناقد الخطابية والرومنتيكية آنذاك: "فيلم لبرغمان هو جزء من أربع وعشرين من الثانية يتحول ويتمدد على ساعة ونصف. إنه العالم بين رفتي جفن، الحزن بين نبضتي قلب، غبطة الحياة بين تصفيقين باليد". لكن، لنقل إن برغمان رسام شياطين الروح، لأن في منحها هيئة، كما في منحها أسماء، قدرة سحرية على إعادة الجني إلى القمقم، على منحنا الأمل بأن يكون العالم أكثر احتمالاً لهنيهة.


لحظات حب ضئيلة، حياة أكثر احتمالاً

الأحمر، وبالأحرى النبيذي، لون الروح، لون باطن الجسد، يقول برغمان. لذا لم يخلُ، في سربند، المشهد من لمسة حميراء، حتى في الكنيسة المتشحة بالزرقة الناعمة، مثل ثوب المسيح في اللوحة، فقد ظلت كتب حمراء الغلاف توشح بعض المقاعد، وحملت لوحة المسيح وتلاميذه، نفسها، مثل هذا اللون، كأنما تعبر عن توق لملامسة الروح، بجرعات خفيفة. في الكنيسة أيضاً، في حركة نعمة، سترفع ماريان يديها أمام وجهها، منقبضة كالصلاة. لقد لمسها النور، لكن هذا النور لن يتبدى إلا لاحقاً، في رسالة مجهولة تبعث بها من وراء القبر امرأة محبوبة، آنا، أو ربما انغريد فون روزن، امرأة برغمان الأخيرة التي أهداها فيلمه الأخير.

في رسالتها، تقول آنا إن قلبها كان سكناً لحب زوجها، ملجأ له من عصف الحياة ومن شدة الحب وعلاقة الأبوة أيضاً. ربما كان فيلم برغمان أيضاً رسالة من هذا النوع، وهو حين لم يكن يكف عن إعلان أن بوسعه العيش دون سينما، لكن ليس دون مسرح، اختار السينما للإهداء، تماماً للسبب الذي يجعله يفضل المسرح: المسرح لا يترك أثراً، أما السينما فبلى. يصر الزوج المكلوم إذاً أن يترك عن هذا الحب الأخير أثراً، علامة، لكن الفيلم لن يكون نشيد الهوى، بل رسماً تفصيلياً لثقب الغياب الأسود.

في الجلسة الأولى مع معاونيه، يشرح برغمان أنه مقتنع بأن الموت هو المضي إلى العدم. لكنه يتألم لأن ذلك يعني أنه لن يرى انغريد مجدداً. فيميل إذاً إلى الخيار الثاني، الأمل الطالع من قلب الألم. لكنه في تصويره حياة الأزواج لم يكن يوماً مهادناً أو غنائياً. "سربند" ربما كان، رغم بعض الاختلافات في ثنايا الحكاية، استكمالاً لمسلسل تلفزيوني سابق، خرج فيلماً أيضاً، هو "مشاهد من الحياة الزوجية"، أي أنه مثل سابقه تشريح شديد القسوة والإيلام للعلاقات بين اثنين. لكنه أيضاً مجبول بنور النعمة الأنثوية، في طلة ليف أولمان، التي تنشر حولها ضياءً هي شخصياً، في عمقها، لا تطاله إلا لماماً، في الكنيسة أو في رسالة آنا التي أعادت لأولمان إحساس الأمومة. حب آنا الجارف يمنح بعض لحظات من السكينة والهدوء لكل من حولها، لذا كان من المفهوم أن العالم، بعد غيابها، يغدو غير محتمل بصورة أشد.

كل ارتباط إذاً أليم، لدى برغمان، بل ربما كان الألم مقياس قوة الارتباط، رغم ذلك لا مفر من الوحدة إلا إلى لحظات حب قليلة. ربما كان هذا مغزى الصورة الأخيرة التي تعرضها علينا أولمان، الجالسة إلى مكتبها، في سربند، الصورة المستحيلة في نظر الفيلم: صورتها وارلاند جوزفسون عاريين في السرير في لحظة الشيخوخة الباكية. إنها لحظة نعمة وسكن وارتجاف، لكنها أيضاً، بلونها الرمادي وصخرية أحجامها، صورة من "بومبيي" المترمدة، حجر النعمة والشقاء الإنساني. بعد تلك اللحظة، التي تحجرها الصورة، عادا فافترقا. كأنما القدرة على العيش والحب إنما تأتي فضلاً وكرما، على قول توشيح قديم، للحظة فقط، حين "نمسك بأيدي بعضنا ونتفادى الحديث عما يؤلم". ربما، فقط، نتفادى الحديث، كعجوزي كالفينو في بالومار. لكن أنى للشباب مثل هذه الهناءة؟ يعلم برغمان بإيلام تجربته كم تلي الجراح أحلام الهوى والشباب، وكم تتحول الكلمات والنكات نصالاً تجرح، لا إرادياً، وتسيل نسغ كراهيات متراكمة من لحاء الحب. لكنه يدرك أن لا مفر من هذا الجحيم الدائم سوى إليه، إلى لحظات ضئيلة منه، إلى يدين على رسالة، أو على صفحة خد.

لكن انجاز الفيلم عن الغياب هو أيضاً مصالحة الزوجين الأخيرة، رسالة أخيرة أن لا امرأة بعدها، أي هو ايمان أخير يقدمه إلينا، هو الأمل الذي ظل يشد برغمان طوال حياته إلى الارتماء مجدداً في أحضان العشق والفن، جامعاً بين وهمين ليولد منهما شرارة الحقيقة.


هول العالم وحقيقة الزمن

رغم أهمية السحر والخداع، والأقنعة، والوهم، أي التمثيل آخر الأمر في أفلام برغمان، بوصف الإيمان بالوهم فعل شجاعة يجعل الحوار ممكنا (ضع قناعك كي أعرفك) ويوسع مطرحاً للأمل، إلا أن برغمان أدرك، منذ الصبا، أن لا خداع يستطيع مخاتلة الشيخوخة، التي يظهرها أخيراً عارية، في المشهد الرائع في سربند، حين يتعرى ارلاند جوزفسون وليف أولمان، وفي السرير الضيق يحضنان شيخوختهما الباكية ويحنوان عليها من قبح الحياة وقسوتها وهول العالم، قبل أن يعود تيارها فيجرفهما مجدداً إلى الابتعاد.

منذ "الفراولة البرية"، ومشهد الجد في "درس غرامي" (الكوميديا التي مهدت لـ"الفراولة البرية")، كان برغمان يرسم جيداً مشهد شيخوخة لا يسعها أن تكون ضياءً دون ظلال، أو عتمة دون ذكريات مشرقة. لكنه كان أيضاً يصور الوقت بأقسى ما يمكن: تكات الساعة، وغياب عقاربها في "الفراولة البرية"، أو فقط أبدية الدقيقة التي لا تنتهي، كما في "همس وصراخ" و"سوناتة الخريف" و"سربند".

لكن هنالك، في ظني، مشهد أشد مركزية في قراءة لاحقة لعمله: عقارب الساعة في "صراخ وهمس"، متأرجحةً إلى الأمام، فارتداد بسيط إلى الوراء قبل المضي قدماً. لا يمكن ألا نرى في هذا التصوير المطول علاقته باستخدام الفلاش باك، ومن ثم، في مرحلة أخرى، بتضمين الماضي في قلب الحكاية الراهنة، في توتر درامي هائل بقدر ما هو غير معروض. كأنما يرسم هذا المشهد الفائق البساطة تعقيد الحاضر الذي لا يسير إلا مصحوباً بترجيعات الماضي، دائم التردد.


حرية برغمان وشعره

ينبغي الإصرار على ذلك مجدداً. لا يمكن اختصار برغمان. تعداد أعماله يملأ صفحات، وإحصاء تيماتها عمل لا نهاية له، من العلاقات العاطفية إلى العائلة وعلاقة الأبوة والبنوة، والنسوة فيما بينهن، والصورة والذاكرة والصمت والفن والتوتاليتارية والقسوة والهواجس والوساوس والاله وغيابه والموسيقى والوجوه والأقنعة والحب والزمن والغياب والأيدي والرسائل وشفرات الحوار الجارحة....

ما يمكن أن يختصره، ربما، هو حريته، وجرأته في الخروج على كل القواعد، بما في ذلك ما وضعه بنفسه، والانتقال من الدراما إلى الكوميديا إلى التجريب، ومن حبكات قصص الحب والزواج إلى الفسيفساء العائلية الضخمة، ومن تصوير القسوة إلى توليد الغبطة، كما في في ملحمته "فاني والكسندر" التي تحولت في البلدان الاسكندينافية إلى فيلم الميلاد المفضل. ينبغي أن يضاف إلى ذلك نفس برغمان في الكتابة، كما في كتابه "أبناء الأحد". هنالك دوماً اتكاء ربما على حكاية عائلية، نجهل أين تبدأ حدود مخيلته فيها، لكن برغمان الذي أخفق شاباً في أن يكون روائياً عاد فصار كاتباً كبيراً حين تعلم من السينما حريتها، فكتب بحرية لا حدود لها كتباً لا تكاد تلتزم بنسق واضح، أو براويةٍ ثابت، أو بزمن أكيد. تهبّ الكتابة لدى برغمان مثلما تعصف الريح بجزيرته فارو، حرة طليقة. كل هذا، ولم نقرأه، أو نستمع إلى حواره بلغته الأصلية لتقدير ثراء تنوعه!

إذا كان لا بد من مشهد أو مشهدين يكونان، لا تلخيصاً بل تقديماً لبرغمان، ربما جاز اختيار مشهد الساعة المذكور آنفاً، كأحدهما. أما الآخر، فقد يكون في رأيي ذاك الذي يظهر وجهاً آخر لبرغمان، انغمار الشاعر:


حين تغفين، يستكين وجهك
فمك رخو، وبشع،
تجعيدة شريرة على الجبهة
رائحتك من نعاس ودموع
أرى النبض في عنقك، وندبة تخفينها بالماكياج
اليزابيث
إنه ينادي من جديد،
سأمضي لأرى ما يريد ـ هناك، بعيداً عن وحدتنا.

Persona من فيلم


أي الشخص أو القناع

لا مفر من الغواية والقتل




ملحق النهار الثقافي، تشرين الثاني 2007

بين وودي آلن وسيدني لوميت: لا مفر من الغواية والقتل


في موعده الدقيق، يطل وودي آلن مع كل خريف باريسي بفيلم جديد. ولئن كان يشعر بنقص في الحماسة مؤخراً إلا انه يستمر في إنتاج الأفلام لأن ذاك ما يعرف صنعه. بهذا يغدو آلن، الكئيب من وفاة برغمان، حِرَفياً مثلما كان هذا الأخير أيضاً يصف نفسه.

يملك أصحاب القامات من المخرجين بلا شك ما يقولونه لنا، أو ما يمررونه عبر مشاهد أفلامهم، لكنهم لا يقدمون أنفسهم رؤيويين ولا ملهمين. وهذا أيضاً من فضائل الفن بالمقارنة مع السياسة أو تخيل صنعها بوسائل شعرية ولغوية. لكن السينمائيين الكبار يظلون بطبيعة الحال في قلب السياسة لأنهم لا يتأملون في ذات الإنسان، بل في علاقاته السياسية الأساسية، أي علاقته بآخر ما. وهذا ما يؤكده وودي آلن في فيلمه الأخير "حلم كساندرا" الذي يختتم ثلاثية لندنية يتحول بها (وبفيلمه الاسباني في العام المقبل) المخرج النيويوركي إلى مخرج أوروبي على ما يردد، حين يراود مشكلة دوستويفسكية عن القتل والندم وروابط الدم، كان سبقه بأسابيع قليلة إلى تناولها المخرج الكبير الآخر سيدني لوميت في فيلم حمل في فرنسا عنوان "سبع ساعات وثمانية وخمسين دقيقة، هذا السبت" (العنوان الأميركي كان "قبل أن يعرف الشيطان أنك مت").

نحتاج الأخرين غير مغوين

كساندرا في الأساطير الاغريقية هي نبية طروادة التي لا يصدقها أحد، أي أنها الشاهدة الدائمة على كوارث لا راد لها، لكنها معروفة المآل سلفاً، إلى أن تنتهي كساندرا قتيلة مع ولديها، بعد دمار المدينة ومقتل أغاممنون الذي سباها ثم احبها. "حلم كساندرا" هو اسم المركب الذي يشتريه أخوان بريطانيان، ايان وتيري، لا يملكا قدرة مالية فعلية لتحقيق مثل هذا الحلم. إنها الخطوة الأولى، والخط الأول الذي يرسم به آلن صورتيهما. الحلم والرغبة بما لا ينال. تلي ذلك خطوط أخرى تعمق هذه الصورة، غرام ايان بممثلة ملتهبة جسداً وطموحاً وكذبه عليها كي يمالئ طموحها، وعجز تيري عن كبح جماح حلمه بأموال القمار وصولاً إلى ديون هائلة عليه. إنه دوماً ذلك الحلم وتلك الرغبة بما لا ينال، اللحظة التي نصم فيها آذاننا عن نتائج معروفة وعن نبؤات صارخة. في هذه اللحظة، يبزغ الخال المهاجر إلى أميركا، الثري الكريم مع عائلته، الذي يأتي ليطالب بما يراه حقاً، رغم استعداده لدفع أثمان جديدة، أي التضامن الأسري معه: إزاحة شاهد قد يودي به إلى السجن. ما يلي ذلك، القتل والندم والخاتمة الدموية العامة قد تعني أن الجريمة لا تحقق مراداً، لكن بالإمكان أيضاً قراءتها بأن من يفلت، آخر الأمر، من تبعات الجريمة إنما هو المخطط لها. الكبار الذين يأكلون الحصرم...






هنالك، في ثلاثية وودي آلن اللندنية، خيط ناظم ثابت: القتل. في سكوب، تناول الموضوع بخفة كوميدية، بعدما كان في "نقطة المباراة" قد انتقل من الكوميديا العاطفية إلى الدراما السوداء، التي عاد إليها هذا العام. في الثلاثية أيضاً هنالك حضور إما لتفاوت طبقي، أو لحلم بالوصول إلى مرتبة الطبقة العليا، والخوف أيضاً من للسقوط عنها، بأي ثمن. والثمن طبعاً هو حياة إنسانية. وها إن آلن يرينا أن الحلم له قوة الخوف وثمنه أيضاً. لذا يردد تيري أنه كان في حلم حين خسر تلك المبالغ كلها، أما الحب فهو كما يعرف البشر حلم أقصى.

لكن استراتيجية وودي آلن هذه المرة، حيال مشاهده، مختلفة تماماً. ففي حين كان للضحية وزن كبير في "نقطة المباراة" (حين جسدتها سكارلت جوهانسون)، أو للباحث عن الحقيقة خلف الجريمة (سكارلت أيضاً مع آلن شخصياً في "سكوب") فإن العدسة هذه المرة مصوبة حصراً تقريباً على القاتلين. رغم تفاوت أداء بطلي الفيلم (ايان ماك كروغر وكولين فاريل) بين مشهد وآخر، في مقابل حضور نسائي قصير ولكن لائق بالمدرسة البريطانية العريقة، فإن عدسة آلن شبه الجامدة، رغم اقترابها النادر من وجه فاريل، تضعنا في جلد الشخصيتين بقوة الحكاية التراجيدية وحدها تقريباً (في إطار قدر يقترب بخطى محبوكة لا ترد، أياً كانت "إرادة" المرء، فإن الإحالة المسرحية الاغريقية تصير بارزة و"قدرية" بدورها). لا ننفك نسأل أنفسنا في الفيلم عن متانة أخلاقنا في ما لو كنا في ظروفهما: تحت وطأة دين ضخم لمرابين قساة، أو في خضم حلم بحب امرأة شديدة الطموح تعلم جيداً أن جسدها هو رأسمالها... نهاية الخطأ واضحة، لكن أحداً لا يستطيع أن يضمن لنا بأننا لن نخطئ حين يكون الحلم هو الخطأ.

في "جنون ندم" تيري لاحقاً شيء من دوستيفسكي بالتأكيد، لكن في مضاعفة الموضوع بربطه بواجب انقاذ عائلي، بالوفاء بدين متراكم للخال العزيز، ما قد يبدو مشوشاً لرسالة الفيلم. يقول آلن في حوار حديث معه إن لا معنى للعالم، في مواجهة الموت، إلا أن غياب المعنى لا يعني بالضرورة نهاية الأخلاق، بل على العكس: حيث لا معنى، نحن في حاجة أكثر إلى الآخرين.

لكن الآخرين في الفيلم هم من يدفعوننا، بشتى الاغراءات، إلى الحلم وإلى الجريمة، وأقربهم، أي الخال، لا يتورع عن التحريض على قتل نسيبه. ربما كان الآخرون المقصودون إذاً في قول آلن هم من لا قدرة لهم على الغواية: الأغيار فعلاً وقولاً. أي، في الفيلم، القتيل الذي يوزع لطفاً ساخراً، ونصائح حول البوكر، وزيارات لأمه العجوز، وعلاقة فاترة ربما كانت ببائعة هوى أو "صديقة". ربما كان هؤلاء فعلاً من نحتاجهم كي لا يختل ميزان الكون، وتقع وطأة السماء على ضميرنا.

العودة إلى قسوة المدينة

ينطلق وودي آلن بالطبع من اعلان نيتشه عن "موت الاله"، ولست أدري إن كان هذا أيضاً موقف سيدني لوميت. إلا أن لوميت، بالتأكيد، أكثر توراتية بكثير من آلن. ففي فيلمه الأخير، تنزاح بؤرة الاهتمام تدريجياً من الشقيقين القاتلين، أيضاً، إلى الأب (وهي صورة شبه غائبة عن فيلم، بل عن افلام، وودي آلن). فالأب (ألبرت فيني)، الذي قتلت زوجته، في عملية سرقة متجرهما على يدي الابناء (ايثان هوك والبديع الأداء فيليب سايمور هوفمان)، ينتصب في فيلم لوميت قوة هائلة، إنه المنتقم الغيور الجبار، اله الصواعق والغضب. إنه قبضة العدالة ومطرقتها، وهو آخر الأمر من ينهي، بيده، سلالته.





انزياح بؤرة الفيلم نحو صورة الفيلم يوضح مجموعة اختلافات بين عمل لوميت وعمل آلن: تصوير معمق للعلاقات الأبوية والأسرية مع "تمييع" قضية الحاجة المالية الماسة لدى الأبناء، في مقابل سرعة وسطحية المسألة العائلية لدى آلن مع ترسيخ مسألة المال والحلم. أيضاً، تحتل حياة لندنية، بين الضواحي العمالية والمسارح والمطاعم الفخمة، الموقع الرئيسي لدى آلن، في حين يصور لوميت أباً كان قد فر من المدينة إلى ضاحية أميركية هادئة راقية. في معنى ما، يرسم لوميت في الفيلم، مسار ادراك الأب أن لا فرار من قسوة المدينة وشخصياتها المشبوهة، ومن ثم عودته إلى شوارعها منتقماً قاتلاً شاهداً على فوران الدم المتواصل فيها.

في هذا المعنى، ليست لندن عبثاً بالنسبة إلى آلن، وليست محض قرار فرضته ظروف الانتاج، رغم أهمية هذا العامل. لندن عادت مجدداً مركز الحياة المالية في العالم، قلب البورصة والترف، مع استمرار الطبقة الاريستوقراطية والبورجوازية الكبيرة في تمايزها المعيشي فيها. إنها مجدداً بابل الجشعة التي تولّد أحلام العظمة والبذخ، مثلما تولد الاقصاء والحصر. غير أن لوميت يدلنا أيضاً أن لا مفر، حتى بالانسحاب إلى الضواحي الهادئة، من قوة جاذبية المدينة ولمعان صورها. إنه نمط حياة بالغ القسوة أيضاً، حتى تجاه مدن عريقة مثل باريس، وربما بدرجة أقل نيويورك نفسها، حيث يبدو أن النظام وهناءة الحياة باتا أولى من عظمة الأحلام الفردية وشدة الطموح، وهو ما يزيحهما باطراد من الواجهة. إلا أن المدن، عينها، هي وحدها من يعدنا بملاقاة الأغيار الآخرين، الذين نحتاجهم للعيش والعمل ومشاهدة الأفلام واختبار خشب قسوتنا وطاقة الاشتراك في الألم.

لكل سينماه




ملحق النهار الثقافي، تشرين الثاني 2007

لكل سينماه



على نسق "باريس، أحبك"، احتفل مهرجان كان تحت عنوان "لكل سينماه"، بعيده الستين داعيا نيفاً وثلاثين من المخرجين إلى تناول موضوع صالة السينما في ثلاث دقائق لكل منهم. النتيجة بالطبع غير متعادلة للجميع، وإن كانت طرافة الفكرة تعوض هذا التفاوت بإظهار مكانة الصالة كمكان للحب والحنين والمرح والشجار والجنس والعلاقات العائلية. لكن بعض هذه الأفلام القصيرة يستحق وقفة (قصيرة) أيضاً عنده لأسباب متفاوتة. فهناك "ممثلنا" القومي، الفائز بسعفة كان عن مجمل أعماله، الأستاذ الكبير يوسف شاهين الذي انتقل من رواية سيرة ذاتية ومتخيلة تجتازها أبرز خطوط المعاصرة في المجتمع المصري إلى تمجيد الذات على طريقة بهجاتوس لكن دون السخرية منها في فيلم ينبغي أن يكون عنوانه "أنا وسعفة كان".

بالمقابل، يرسم ايليا سليمان المواقف المحرجة واضعاً نفسه في قلبها، محولاً شخصيته وجسده إلى معادل فلسطيني لكبار الكوميديا الأميركية الصامتة. أما عاموس غيتاي فاستغل المناسبة بشكل انتهازي حقير، مقيماً قياساً بين سينما وارسو، قبل النازي، وسينما حيفا قبل سقوط صواريخ حزب الله، وكأن الفارق الذي يتذرع به الصهاينة دوماً عن عدم امكانية مقارنة أي جرم بالمحرقة النازية يسقط حين يكون ضحية جريمة الحرب اسرائيلياً، أو كأن لا فارق أخلاقياً أو قانونياً بين جرم الإبادة الجماعية وجريمة حرب في خضم المعارك (وإن كان هذا لا يبرر ذاك من جانب حزب الله ولا يبرؤه).

وإذا ما كان حضور رومان بولانسكي مخيباً، فإن أنجيلوبولوس قدم تحية إلى ماستروياني تتراوح، كما هي الحال دوماً لديه، بين ماضٍ لا يمضي وحاضر معلق. والحق أن فيليني بشكل خاص، كان بارز الحضور في هذه المقتطفات الفيلمية، وكذلك كان حال السينما الفرنسية ورموزها الكبار مثل رنوار وتروفو وغودار. لكن ذلك لم يمنع أيضاً من التأكيد على حضور بارز للسينمائيين الآسيويين (لا سيما كيتانو الساخر القسوة) وإن على تفاوت في القدرة على بناء سيناريو في هذا الوقت الضئيل، الامر الذي جعل الكثير من المخرجين يلجؤون إلى التقاط أنواع مختلفة من التوتر (سواء الحنين، أو الانتظار، أو قلق الحرب) وليس إلى السرد. هذا ما يمنح فيلم أكي كوريسماكي "المصهر" سحراً فذاً. هذا الأمر يبرز أيضاً بالنظر إلى تكرار فكرة الضرير، أو الضريرة، في الصالة في عدد من الأعمال.

تصوير كياروستامي للنسوة الباكيات في الصالة ممل جداً لولا جمالهن، في حين أن زانغ جيمو يصور انتظار القرية وحماستها للعرض السينمائي الجوال بمتعة فائقة، موضحاً في الوقت عينه، مثل فيم فندرز في افريقيا، أن السينما أوسع من أن تحصر بصالة سينما خاوية على النمط الغربي الفخم والقديم، أو على النسق الروسي الضخم البارد.




إلا أن مصير الصالات (ومصير اليهود) في عصر التلفزيون والبث الواقعي المباشر بلا انقطاع هو تحديداً موضوع عمل دافيد كروننبرغ البديع، الذي يشكل درة الفيلم بالتأكيد، والمعنون "لدى انتحار آخر يهودي في العالم في آخر صالة سينما في العالم". مصوراً نفسه عن كثب متلاعباً بالمسدس، متخيلاً أفضل أسلوب للانتحار، يستخدم كروننبرغ ببراعة أصوات التعليق التلفزيوني التي بتنا معتادين عليها في التغطيات المباشرة للأحداث ليمرر لنا مستقبلاً افتراضياً يربط فيه ملاحقة اليهود بمنع إقامة صالات للسينما، باعتبار أن اليهود هم من صنع هوليوود، حتى لم يبق من كل منهما سوى ممثل وحيد: صالة متنكرة في هيئة كاراج، يقبع في مرحاضها من سيقوم بانتحار مباشر على الهواء. ببساطة فائقة، ودقة مرعبة، يثير كروننبرغ في هذا الاختصار الكبير أصداء المكارثية الأميركية واللاسامية الأوروبية، وتشاؤم جورج أورويل، ورعبنا المعاصر من عدسات التلفزة التي تعلن في كل مكان الموت والدمار. لكنه أيضاً يتبنى صورة اليهودي الذي، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وجد في العلم والفكر والحرية سبيله إلى الاندماج في مجتمعات أوروبا، فقدمت جاليات ضئيلة العدد نسبياً اسهامات ضخمة (لنتذكر ماركس، وآينشتاينن وفرويد، وكافكا وبنجامين، وغيرهم كثيرون)، قبل أن يأتي الجنون النازي ليقتلع هذا الحلم نهائياً. بالنسبة إلى مشاهد عربي، يثير كروننبرغ تساؤلات ضخمة، لكنها مشروعة، بخلاف استفزاز غيتاي المجاني، لأنه أثناء ربطه اللاسامية بمعاداة الحرية، وهو ما لا يمكن انكاره، يجعل أيضاً من السينما مجالاً لخلخلة سطوة التلفزيون والإبقاء على هامش للحرية والفكر والابداع. وهو، أثناء ذلك، يستفز فينا التنبه إلى إحدى نقاطنا الضمنية العمياء، والتي تبرز بشكل كاريكاتوري طبعاً في تصريحات نجاد، أي رفض الاعتراف بإرث اليهود، العربي والاسلامي والعالمي، مكوناً بين مكوناتنا، رغم أن ثمن ذلك قد يكون أيضاً الخروج من التاريخ ومن القدرة على فهمه.

في معظم هذه الأعمال، صالة السينما شبه خاوية، إن لم تكن خاوية تماماً، عدا في قرى آسيا وافريقيا. ربما كان السينمائيون متشائمون بشأن قدرتهم على تحريك الحشود. إلا أن هذا العجز، الذي شهده الشعر من قبل، قد يكون في المحصلة مفيداً أيضاً، خصوصاً مع تطور التقنية نحو آلات أكثر خفة واقل ثمناً لمن يشاء الابتعاد عن النجوم والمؤثرات الخاصة. "لكل سينماه" هدية من احتفال كان إلى نفسه، لكنها أيضاً تكريم من السينمائيين إلى معابدهم المهجورة (رغم الاقبال الجماهيري الضخم على بعض الأفلام ذات الميزانية الهائلة). "لكل سينماه" ولكل الهه أيضاً، حيث لم يرفض هذا المكان (الصالة) يوماً نزعة انسانية، بل أفسح المجال لأهواء الروح المتنوعة كي تجد لها صوراً باقية رغم هشاشة آلة العرض وشاشته.