Affichage des articles dont le libellé est زمن،. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est زمن،. Afficher tous les articles

mercredi 21 mai 2008

الجسد في الزمن، وفي المدن


نشاط لبناني في التارماك:


أسئلة الزمن والمدينة إذ يعبرهما الجسد
نشرت في ملحق النهار، في تشرين الثاني 2005


شهد مسرح التارماك الباريسي المخصص للفن الفرنكوفوني نشاطاً لبنانياً متميزاً في ختام موسمه الأول بعد إعادة فتحه. ففي معرض استقباله لمسرحية "بيوخرافيا" للينا الصانع و ربيع مروة، والتي سبق عرضها في بيروت، عرض التارماك أيضاً لثلاثة فنانين : "كوارث" لعمر فاخوري، و "طائرات ورقية ـ بيوت" لفلافيا قدسي، و "كتب" لهانيبال سروجي. كما خصص، في 30 تشرين الأول الفائت، يوماً لعدد من أفلام الفيديو اللبنانية، فقدم أفلام "دائرة حول الشمس" لعلي شري، "السقوط الأخير" لنسرين خضر، "لا شيء يهم" لعلي قيس، "حديث نسوان" لدانييل عربيد، "وا" لزياد عنتر و "جيبرالطار" لغسان حلواني.

ثمة تصادٍ خافت بين ثلاثة على الأقل من هذه الأعمال يحيل المرء على أسئلة شائكة إذ تتقاطع فيها خطوط الزمن و المدينة والأطلال، على التباس جميعها بموضوع الجسد الذي يحيا ويعبر وينتهي إلى الخيبة أو اللامبالاة ما لك يتدخل سحر القص ليجعله حجراً فيهنأ، على ما كان تمنى الشاعر الجاهلي.

يفتتح شري فيلمه بصورٍ تبدو كما لو أنها تحمل في طياتها أطرها، فنجد البيوت عارية الأعمدة مثل أضلاعٍ، تتوسطها بقعات نور متسللة من فرجات لا ندري أهي وليدة الاهتراء والإهمال أم وليدة البطء في إتمام البناء. مبانٍ بين عمرين، لكننا نجهل إن كانت تمضي نحو الفتوة أم نحو الاندثار. أما نصه المستوحى من كتاب ميشيما "الشمس و الفولاذ" فيتأرجح بين حدين، حد الجسد الخائب إزاء الأفكار والعاجز عن مجاراتها والتشكل بحسبها والعاجز حتى أن يكون لائقاً بميتة درامية، وحد الأسى لدى إعلان نهاية الحرب لأن المدينة التي يحيا فيها لن تظل تأكل نفسها (أو هو يحسب ذلك)، لكن المصالحة مع الشمس تتم حين ينتبه إلى كونها تعجل بتحويل كل شيء إلى طلل.

في "جيبرالطار"، أو "جبل طارق"، فيلم فيديو و تحريك، لغسان حلواني والذي يعرض قريباً في بيروت، ليست المدينة (باريس) التي تتحول أطلالاً. باريس سلفاً طَلَلٌ مثلها منذ فجر التصوير. لكن ما يغيب ثم يتصخّر هو الوجه، وكذلك حال صور الفيلم التي تتحلل وتتقشر كالإعلانات عن الحيطان أو كجلدٍ محترق من أثر الشمس، و ذلك قبل أن يصير طارق نفسه هو الجبل الذي يظلل المدينة. في هذا الفيلم المستوحى من مسرحية "زنبق والجبل" أثر هائل للغياب، غياب رؤية المسرحية التي لم تكن، إبان الحرب، معروضة للأطفال بل توافرت فقط على الكاسيت. ليست الحرب أو عنفها ما يترك الأثر هنا، بل الصوت وغياب الرؤية، هكذا تتفتح الصور وتتناسل من بعضها كتتالي الدرجات الموسيقية فنجد عالماً معلقاً في دهاليز كيس تشبه نفق أليس التي تلاحق الأرنب الأبيض إلى عالم العجائب.
الغياب يترك بصمته الحارقة على جلد الصورة نفسها. في هذا ربما يقترب "جبل طارق" من فيلم على شري، إذ لا بعود التحول إلى طلل نوعاً من التصخر (الفردي في الأول و المديني في الثاني) بل عملية متواصلة (المدينة تأكل نفسها، الصور تقشر نفسها). لكن أحداً منهما لا يأخذ الطرح إلى مداه الأبعد متسائلا عن أحشاء هذه المعدة التي تقشر وتأكل. تحديداً يقف شري عند شمس ميشيما و لا يتناول الفولاذ الذي هو ربما، مصهوراً متدافعاً كحمم البراكين في فيديو وليد رعد عن السيارات المفخخة، أحشاء المدينة الفعلية، و محرك الصور (موتورها) في عنف شراهتها و نهمها.

طارق العابر في المدينة ـ الطلل يصير الجبل، أما عمر فاخوري فلا يعبر في الأمكنة بل في الأزمنة، أزمنة العنف الدافق. فاخوري سائح يبعث لنا بطاقاته البريدية و ألبوم صوره، "من بيروت مع الحب"، "من رواندا مع الحب"، "من كوسوفو مع الحب"... الخ. وكما يأخذ السياح للسياح الصور واللقطات أمام الأطلال و الأنصاب، تؤخذ صور فاخوري أمام الكوارث. الكوارث أحداث هي أنصاب الزمن و علاماته في رأي فاخوري، لكنها ربما كانت أطلال الأزمنة.

يلعب عمر فاخوري مع الصورة والجسد السينمائي الجيمس بوندي : "من روسيا مع الحب" للعميل 007 ، "من بيروت مع الحب" يرد فاخوري بثيابه السوداء مديراً ظهره مبتعداً عن انفجار السان جورج واضعاً يديه على خصره كأنما لا رادّ لعزم وتصميم رجل الوكالة البريطانية. "زيليغ" لوودي آلن يتلوّن كالحرباء حتى يصير، رغماً عن نفسه، عضواً في الميليشيا النازية، أما فاخوري فهو "من برلين مع الحب" يرسل لنا تمرد جسده يدخن بتلذذ و طرافة سيجارته أمام هتلر الخطيب في جنوده المتراصين لا يهتز لهم جفن... والأمثلة كثيرة، إلا أن كثرتها تبعث على التساؤل عن تساوي الأحداث و الكوارث في عين فاخوري، و عن غياب التفاوت، وهي متفاوتة، في القدرة على إنشاء أزمنتها الخاصة. إلى أن الكثرة والبحث عن الطرافة والدهشة يجعلان علاقة جسد فاخوري بأزمنة الكوارث علاقة متفاوتة أيضاً. فهو حيناً مشارك أو عامل في الكارثة نفسها، وحيناً مجرد إسقاط عليها من الخارج. على النقيض من عمل لينا الصانع و ربيع مروة الساعي في إخراج الجسد من حلبة العرض و في تقويض سلطة الصورة باللغة الناقدة و الساخرة والمفعمة ثقةً و هزءاً، يبدو أن فاخوري يسعى إلى وضع الجسد، جسده الخاص في قلب صورة الكارثة ولحظتها ربما ليمسح بمرهم الفكاهة ذنوبنا جميعاً فيها. بيد أنه ينسى أن لحظة الكارثة هي زمن ميت، بحسب دولوز على الأقل، و أن الجسد في مثل هذه اللحظة جسد معدٌّ للسحق، رغم كل خدع التصوير.

في حين يهرب البعض إلى الطفولة ("وا" لزياد عنتر) أو إلى الباروديا السياسية ("لا شيء يهم" لعلي قيس) أو إلى الحنين (و "طائرات ورقية ـ بيوت" لفلافيا قدسي) أو فقط يراكم البنايات المتكدسة كأكوام النفايات بحيث لا تترك مجالاً للسكان ولا متنفساً (أفلام "دائرة حول الشمس" لعلي شري) وحدهما "جبل طارق" لغسان حلواني و "السقوط الأخير" لنسرين خضر يقدمان جسداً في ماديته الهائلة، في ارتباكه ووهن مفاصله وخجله كما تُظهر خضر في فيلمها القصير جداً الذي يلوح كنثر الجسد في وجه جان فيغو و "سباحته" التي يحيلها قصيدة ملحمية في إعلاء الجسد و الإرادة و الماء المتلألئ.

samedi 5 janvier 2008

أسطورة في حارة: نجيب محفوظ

ملحق النهار الثقافي، أيلول 2006
أسطورة نجيب محفوظ في حارات القاهرة المعزية




الجمالية...

سير حثيث بحثاً عن أسماء، هي تلك التي خلّدها الراحل العظيم في كتاباته: بين القصرين، زقاق المدق، الخرنفش، السكرية...

منها ما تعثر عليه ومنها ما لا يظل سوى صوتاً هاتفاً، لكن ما تراه على أي حال لا يداني حلمك. الجمالية، حيث ولد محفوظ، حارات لا تشبه حارات السينما المصرية ولا حارات الروايات، مجرد تتابع غير مفهوم لطرقات ومبانٍ حديثة (نسبياً) في شبكة متاهة مقفلة. أما خان الخليلي فتكدس طويل وممل لمحلات بيع التذكارات والمجوهرات.

لكن القاهرة المعزّيّة، كما يسميها محفوظ للدلالة على الحدود الفاطمية القديمة للمدينة وأبوابها التي لا يزال بعضها شاهد عظمتها، تنفتح أمامك على حين غرة وحين لا تتوقع، يكفي أن تنعطف دون انتباه خارج مسير السياح، أن تدلف من عطفة تحت قنطرة واطئة لتتفتح لك عوالم أخرى، وترى ذلك العجوز القاعد في "محله"، الذي يوازي مساحة نصيب الفرد من زنزانة في سجن عربي، وتفكر إن لك يكن الرجل الذي يصنع أكياس الخيش منذ عشرات السنين، وربما مئاتها، أحد شخوص قاهرة محفوظ، وإن كان محله الضيق قد شهد سهرات الأنس والتحشيش كالتي تصفها الروايات...

يكفي أن تنعطف من شارع الأزهر إلى سوق الغورية وما يليها في الخيامية أو الدرب الأحمر، أو تختار الدخول من السوق إلى خوش قدم أو حوش آدم، حارة الشيخ إمام، لتنتبه أن الشيخ ونجيّه الفاجومي هما أيضاً من شخوص روايات محفوظ حين يدخلان في أسطورة الحارات التي تعيش حياةً شبه مقفلةٍ على ذاتها في ظلال الباطنية القريبة وإشارات الزمن البطيء وأحجار الجوزة "المخصوصة" وأصداء المآذن المملوكية والفاطمية التي تلف أسحار الحارات المتجاورة...

يكفي أن تزور بيت زينب خاتون في ما وراء الجامع الأزهر، أو أن تسيل في دفق أصحاب الجلابيب البيض في مولد الحسين، حول مسجده، وتسمع "ردح" النسوة لشبانٍ مرتبكين خجلاً حين تتماسّ جماعة من النساء الساعيات حول المسجد بزرافات الرجال الباحثين بين السرادقات عن مجلس طريقتهم وتواشيحها، أو أن تستبشر تهاليلك بالزوايا الصغيرة بأعلامها الخضراء اللون على حدود حارة الدرب الأصفر، قبل أن تأوي إلى هدوء بيت السحيمي حيث تتخيل فيه أحداث روايات محفوظ وتفهم على ضوء هندسته غير المفهومة هندسة بيت سي السيد، لتدرك أنك أنت أيضاً دخلت في أسطورة القاهرة المعزية وسحرها، ودخلت في عالم روايات نادراً ما أتممتها، وأن أمثالك هم التتمة التي كتبها محفوظ، دون تكلف، وهو بين عالمي النوم واليقظة الأبديين، ولتنتبه فجأةً أن محفوظ خلق أسطورتين، أسطورة القاهرة المعزية التي أدرجك فيها، وأسطورته هو، بقهواته وقعداته وقفشاته، التي تشكل فضاء قاهرة القرن العشرين، وأنه آخر الأساطير في مدينة باتت "مصرَ"، وبات كل حي فيها مدينة مستقلة بفضائها وناسها وحكاياتها.

السينما مدخلاً

لكن المرء يتساءل إن كانت الكتابة هي من صنع فضاء الأسطورة. لغة محفوظ اليوم تبدو بعيدة، كلغة لبنانيي القرن التاسع عشر، تكفي مقارنتها بلغة توفيق الحكيم أو مارون عبود ليتبدى أنها أكثر كلاسيكية من مجايليها. لغة جافة إلى حدّ ما ومستهلكة اليوم (أنظر في مطلع ميرامار: نفثة السحاب البيضاء، مهبط الشعاع المغسول بماء السماء، وقلب الذكريات المبللة بالشهد والدموع).

حتى أن نجيب محفوظ، الروائي، لا يتورع في كتابة حواراته، عن إجراء جملة من قبيل "لن يلم الله شعثك على رجل" (في زقاق المدق) على لسان امرأة أمية تتسابّ مع ابنتها بالتبني، وهو أحياناً حين يريد التخلي عن القديم الممجوج يجاور في الجملة الواحدة بين "الكونصول" و"البلابيع" قبل أن يعود إلى "الخوان" (بين القصرين)، في قلق بيّن الدلالة على قلق العربية نفسها حيال أسماء العالم، على ما أوضح أحمد بيضون. غير أن محفوظ هو أيضاً مسيرة تطور بديع (ومؤسف الخاتمة!) للغة ولبناء الرواية ولإيحاءاتها الفنية، من بداياته التي لا تكاد تتخفى فيها اهتماماته الدعوية أو الوطنية (على طريقة ثورة 1919) إلى نصوص أكثر جرأة على الصعيد الفني، وآخرها أحلامه.

والحق أن الدخول في الأسطورة التي صاغها محفوظ يبدو مرتبطاً أكثر بوسيط آخر هو السينما، التي ساهم محفوظ أيضاً في صياغة فضاءها المصري، بكتابة السيناريو أو بمناصبه الرسمية كما بالاقتباسات التي أجريت عن رواياته، وهو نفسه يبدو أحياناً حين يكتب، وفي بعض أفضل نصوصه، وكأنه يكتب للصورة وليس للغة، التي تظل وسيطاً جامداً لديه، ومن غيره يجرؤ أن يقول لقارئه : "فأحمد عاكف ـ كما ترى ـ كان يوماً ما جذاباً" (خان الخليلي). كما ترى؟! لا يكتب محفوظ كتاباً (وسنعود إلى هذا) بل "روايات"، وعلينا ألا ننسى أن الرواية في مصر، بخاصة مطلع القرن العشرين، تعني... "المسرحية"! وهو لا يخاطب مخيلة القارئ، بل يخاطب عينه مباشرة، كما لو أنه يتمنى أن تمحى الكلمات، كي لا تبقى بين العين واللوحة مسافة لوسيط، لا يبدو أن محفوظ تجاوز انتصابه كتلة بينه وبين القارئ إلى اعتباره أفق للمرء، بحسب بارت.

تكاد الروايات تكون متعبة لو لم تسبقها مشاهدة المسلسلات والأفلام، وهي المشاهدة التي نكتشفها طويلاً قبل أن تتملك أغلبنا لذة القراءة، وهي أيضاً التي تقود أشواقنا في الطواف في القاهرة العظيمة. كما أن هذه المشاهدة المسبقة تسمح لنا بالدخول مباشرة إلى فضاء محفوظ الخاص، وإلى عالمه الروائي، بدل التيه أحياناً أو الملل مما يبدو "مواعظ" الحكيم ("موضع الحب من نفوسنا هو مهبط الخلق والإبداع والتجديد. ولذلك خلق الله الإنسان محباً وترك مهمة تعمير الوجود أمانة في رعاية الحب" من زقاق المدق)، وهذه القراءة تنجي من قراءة سائدة في النقد العربي عموماً، والمصري خصوصاً، لأعمال محفوظ، ولم ينج منها الأديب الكبير نفسه أحياناً، تفترض أن الرواية عمل فلسفي، وليس عملاً مرتبطاً بالمجتمع ووجوده وفرادة شخوصه، وتقرؤها على أنها كناية دوماً عن نظرية شبه فلسفية أو سياسية مقنعة. ولئن كان محفوظ نفسه كتب بعض الروايات على هذا النهج (رحلات ابن فطومة مثلاً) إلا أن قراءة "أولاد حارتنا" بها تنفي عن الرواية كل قيمة أدبية، ناهيك عن أنها قادت إلى محاولة اغتياله.

بين "الرواية" و"الكتاب"

من المؤسف أن يغيب عنا نجيب محفوظ، ومن المؤسف أكثر أن يأتي ذلك في اليوم عينه الذي نقرأ فيه عن قضية "المفكر الإسلامي" حسن حنفي، وعودة أشباح التكفير إلى مصر. ومما يزيد بعد في الأسى أن نتذكر أن محفوظ قبل طويلاً بسلطة الأزهر على روايته "أولاد حارتنا" (لا ننسين أنه نفسه كان رقيباً على المصنفات الفنية في فترة من حياته)، وهو حين قبل بنشرها بعد طول امتناع اشترط تقديمها بمقالة للـ"مفكر الإسلامي" د. كمال أبو المجد، لك يخرج فيها هذا الأخير عن ذكر حوار دار بينه وبين محفوظ، مؤداه، من جهة، أن محفوظ يشدد على "الإسلام والعلم" كدعامتين لأي مشروع عربي جديد، وجديد الحديث هو التمييز الخطير الذي يجريه محفوظ، بحسب د. أبو المجد، بين "الرواية" و"الكتاب". فالرواية، على ما جاء في هذه المقالة ـ الحوار، "تركيب أدبي فيه الحقيقة وفيه الرمز، وفيه الواقع وفيه الخيال"، ونموذجها هو... "كليلة ودمنة". أما الكتاب فيفترض أن فيه الحقيقة وعلى أساسها يحاسب الكاتب. على أن المتحاورين يغفلون أن محاولة اغتيال محفوظ كانت تماماً بسبب القراءة الرمزية للكتاب، وليس محاسبة له على تزييف حقائق التاريخ!

الأخطر في الموضوع هو تلخيص المحاورين معاً للكتاب ـ القضية إلى موقف يريد الكاتب إيصاله للقراء، (وهذه نظرة صحافية وليست أدبية للنص)، حيث يصير "الجبلاوي" رمزاً للدين، و"عرفة" رمزاً للعلم، ويكتشف الناس حاجتهم إلى الأول رغم إغراءات الثاني، لأن العلم بغير الدين تحول إلى أداة شر. فتغيب فضاءات الرواية وشخوصها وبنائها لعوالمها الخاصة لمصلحة رواية رأي، فحواها أن فلان = علم وعلتان = دين، وتجري المعادلة ذهنية بحتة باردة. والحق أيضاً أن كتابة محفوظ اتبعت هذه النظرة إلى الرواية، بوصفها إعلاناً موارباً لموقف، في عدد قليل من الروايات، لكن أغلب إنتاجه كان أثرى بما لا يقاس من هذا الإفقار، الذي ربما لجأ إليه مضطراً بين إلزامات السياسة وإكراه الموجات الدينية التي لم تعفّ عن الاعتداء على الرجل الكبير في جسده.

زمن مصر

كان في نتاج محفوظ دوماً نوع من الكلاسيكية المتأنية، التي تشابه في تؤدتها طبيعة الزمن المصري الحريص على ألا يختلّ بغتة أو تسبقه الأحداث، فهو دوماً يمتصها ويلجمها ويعيدها إلى مسارٍ بطيء ريثما تختمر ظروفها بحسب تقديرات هذا الزمن نفسه. ولهذا مثلاً نفهم أن يكون محفوظ هو أديب مصر الأكبر في القرن العشرين، وليس توفيق الحكيم مثلاً، الباريسي النكهة، والقلق المزاج رغم ما يحكى عن تنسكه ونظراته شبه الفلسفية. فالحكيم أصرح في التعبير عن مراده، سياسة واجتماعا وهو في هذه الأحول يقصر "الفن" على قالب يفرغ فيه مراده، دون كناية أو رمز تقريباً (كالحوارات مع العصا أو مع الحمار)، لكن حسه المسرحي العميق جعله لا يخطئ في كتابة الحوارات ومناسبة اللغة والمفردات لمن تجري على لسانه، كما أنه العربي الوحيد الذي كان معاصراً لزمنه، فجبران حين أتى باريس شاهد القرن السابق، في حين أن الحكيم عاصر الدادائية والسريالية ونظريات الفن الحديث وموجاته ما بين الحربين، فكتب وفي ذهنه بعض ما أفاد منها، وفي نفسه خصوصاً توق إلى زرع هذه الغرسات في الفن والأدب العربيين، وإن كانت بعض كتاباته وليدة هذه الرغبة دون عميق اقتناع بالمضمون. وإذا كات الحكيم حاول أن يهز الزمن العربي الراكد وأن يجدد في صيغه وقوالبه ونظراته، فإن محفوظ كان أشد خفراً وتكتماً، وربما كان هذا سبيله ليكون أعمق أثراً في مصر، وربما في العالم العربي.

إذا كان في قدرة الزمن المصري سابقاً أن يجمع الريادة إلى التأني والتجديد إلى الكلاسيكية، فإن المرء ليتساءل، خاصة مع عودة أشباح التكفير والمد الإسلامي السياسي والأصولي، عن قدرة مصر اليوم، لا على ولادة الموهوبين شأن كل الأوطان، على المحافظة على قامة مثل محفوظ، وعلى السمح لها بالوصول إلى التفوق وضمان الحياة والفرادة وتمهيد السبيل أمامها لنشر نتاجها.

ينبغي ربما التذكير أن ريادة مصر أتت أساساً من وضوح "صحنها" الإقليمي، بالمقارنة مع بلاد الشام، وتنوعها الثقافي الداخلي، وصدمة الإجتياح النابليوني الذي هزها وجعل بورجوازيتها تباشر بدايات المراكمة الرأسمالية، ثم كان الطموح الخديوي إلى مجاراة الآستانة وتحويل مصر إلى بلد أوروبي... الخ. أي أن الريادة المصرية كانت على الدوام النقيض من "الحلم" اللبناني، الصناعة لا الخدمات، وضوح الحدود لا ثقوبها الفاغرة، صدمة اجتياح نابليون بدل تعاون تجاري أسبق ووثيق مع إيطاليا أواخر عصر النهضة، تنوع داخلي ثقافي بدل انفتاح دائم ثقافياً على الخارج، السينما والمسلسل لا الفيديو كليب والأغنية القصيرة والخفيفة، الرواية الضخمة والملحمية لا الثورة الشعرية... الخ.

وإذا كان البعض يرى أن الثورة المصرية في 1952 بطموحها العربي والاشتراكي هي التي أوقفت مسيرة مصرية "صميمة" نحو التقدم، (وهو أمر مشكوك به على أي حال بالنظر إلى ما سبق 1952 بعشر سنوات و ما تلا انفتاح السادات)، فإن الأرجح القول أن ما حصل بعد الحرب العالمية الثانية هو أن انقلاباً عالمياً في معايير الميزات والتفاضلات هو الذي حدث، وأن "الثورة" هي التي حفظت لمصر وهجاً كان استمرارها على "صميميتها" (ومعادلة صفر + صفر الشهيرة) ليفقدها إياه. وإذا كانت هذه هي معايير ما قبل الحرب العالمية الثانية التي سمحت لمصر بالريادة وإحداث ثورات كبيرة في عدد من المجالات الفكرية العربية (كل ثورة الموسيقى على المدرسة الخديوية جرت بين 1925 و 1935، الانطلاقة المصرفية والصناعية في الفترة عينها، بدايات الرواية المعاصرة، المسرح الغنائي ...الخ) فإننا لا نكاد نلمح إنجازاً ضخماً في هذا المجال بعد هذه الحرب، والاستثناء الوحيد والكبير هو بالطبع نجيب محفوظ الذي بلغ أوج عطائه بدءً من انتصاف الخمسينات، معتبراً أن الرواية هي شعر الأزمنة الحديثة، وبهذا كان سباقاً بعيد النظر.

لكن التساؤل ملح اليوم، حين يكون عم عبده داغر يعزف منذ عشرين عاماً للحيطان ذاتها في غرفته الصغيرة، بحسب ما يقول، إلى أن يكتشفه الأوروبيون، وحين يظل عازف شاب رائع وهائل القدرة على التجديد مثل حازم شاهين أسير الانتظار إلى أن تتكرم وسائل الإعلام والإنتاج بالخروج من تكرار الإيقاعات المصمّة، وحين يكون عشرات الموهوبين في الغناء والتمثيل والكتابة والفكر مسحوقين في ظل آلة إنتاج ضخمة وسوق استهلاكية ضخمة ترفض أي مذاق جديد لم يسبق للجماهير التي تقصفها هذه الآلات أن علكته واجترته وأدمنت مذاقه، هل تستطيع مصر أن تقدم هي بنفسها اكتشافاتها بدل انتظار الغرب، وأن تقيمهم علاماتٍ على زمنها المتجدد في عصر العولمة، كما سبق أن فعلت مع سلامة حجازي وعبد الوهاب ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وصلاح أبو سيف وغيرهم، وهل يكفي هروب العديد من هؤلاء الموهوبين والمعترضين إلى فضاء الإنترنت دليلاً على إدخالهم مصر في زمن جديد، أم أن ذلك لن يكون إلا مقدمةً لخروجهم المؤسف هم منها؟

وداع نجيب محفوظ هو وداع لحقبة دخلت في الأسطورة، ووداع لقدرة على التطور والاجتهاد في النظر والرأي وبناء النفس، وإن كان محفوظ يقدم نفسه على أنه وليد زواج الحضارة الفرعونية بالحضارة العربية، فإننا، مصريين ولبنانيين وعرباً، في أحوج ما يكون إلى من يعلنون أنهم أبناء زواج جديد لحضارات معاصرة ولأزمنة متداخلة النسيج، بحيث أن فك تداخلها، كما يحلم التائقون إلى صفاء ونقاء بلا حدود، لا يقود إلا إلى الموت أو الجنون وشقاق النفس.

jeudi 3 janvier 2008

لبنان وآفاقه

ملحق النهار الثقافي، كانون الثاني 2007
آفاق لبنانية في صناعات الرأي والقيم والثروة


استشراف المستقبل لنقض حتميته




لم يكد مساء الثلاثاء يحل إلا وكانت الأخبار تزف إلى أصحاب الحماسة والروؤس الحامية أن دماً لبنانياً قد أريق بيدٍ لبنانية. يجدر بقلوب هؤلاء أن تهلع، لو كانت لهم قلوب، أمام هذه التضحية التي لا طائل من ورائها. كان جورج باتاي في كتابه "الشطر الملعون" يعتبر أن التضحية وسيلة للتطهر من فائض الطاقة والثروة كي لا ينفجر المجتمع. لكن على حساب أي فائض قد نضع هذه الدماء المهدورة؟
لا فائض لدينا اليوم سوى فائض الكراهية والتعصب والاعتداد بالذات، وهيهات تبرّد الدماء، المهدورة سدى، رؤوس "مقدمينا" الجهولين، فقد سبقتها سيول من دماء من قضوا حرباً واغتيالاً، دون جدوى.
لا فائض لدينا، بل انكماش اقتصادي حاد. بالمقابل، للتذكير، يتضاعف الاستثمار في إسرائيل من 9,9 مليار دولار في العام 2005، إلى 21 مليار دولار في 2006، بسبب عبقرية أصحاب نظرية تخويف إسرائيل وتهجير سكانها واستدرار العطف عليها من كل حدب وصوب، بدل حصر العمليات بالأهداف العسكرية والامتناع عن ارتكاب جرائم حرب!
لا فائض لدينا، حتى لنظن أننا نتساوى مع جياع الصومال، في الاقتتال على فتات الفتات، لكننا نؤمن أن لدينا دوراً في المنطقة والعالم، وأن لدينا فائضاً من الأمل المتبقي في المستقبل. ولا أحد يستطيع، بالإفراط في القوة، تغيير مسار هذا المستقبل والدور، وحده وعي مساراته قد يسمح بالتأثير فيه. لا يستطيع حزب الله، الذي يلوح وراء عداوته لأميركا الهلع من فكرة لبنان ـ الكباريه، أن يمنع هذا المستقبل، الكاريكاتوري والذكوري والموهوم على أي حال، بالثلث المعطل ولا بالإضراب الإكراهي، الممنوع قانوناً، بل فقط بأن نفهم عوامل هذا المستقبل (في توجهه العام، وفي صناعة القيم والرأي والثروة فيه) لنحاول صوغه أكثر عناية بخصوصيات الأفراد وحياتهم.

الاتكاء على موج اللحظة

في حين ينصرف ساسة العالم إلى إعمار البلاد، ينصرف اللبنانيون منهم إلى "البهورة"، وليس من جيب أحدهم المبلغ الموعود. فحين يعد سماحته بأربع مليارات دولار، فإنما هي من قوت الشعب الإيراني، المجوّع في بلد يعوم على بحيرة نفط سينضب استخراجه، بعد بضع سنوات لا أكثر، لانشغال ساسته بمغامراتهم الخارجية. الحكومة أيضاً موعودة بدعم مماثل، وقد يكون الوعد أصدق لا لشيء غير ملاءة الواعدين.
من أجل المساعدات، قدمت الحكومة ورقة حول إصلاحات رآها أغلب الخبراء غير كافية وإن غير ضرورية. المعارضة تجتاح الشارع مطالبة، دون أن تطرح بديلاً، بالمشاركة... في تطبيق السياسة التي يصنعها من تعارضهم!
لقد كان هنالك، لبرهة قصيرة، ما يشبه، زوراً، النقاش الاقتصادي في لبنان، على خلفية الورقة الإصلاحية. خرج البعض أحياناً بالنغمة المعتادة، حول نسيان دعم الزراعة والصناعة اللبنانيتين والاتكال الكامل على القطاع الثالث، أي على الخدمات. يستحق هذه الموضوع وقفة سريعة للإشارة إلى أن الإنتاج في مجالي الزراعة والصناعة كان في الأصل أيضاً "خدمات"، تتم المقايضة بها (إنتاج أنواع الأطعمة أو الثياب) أو القيام بها شخصياً (التنظيف، الطبخ)، وتم تحويلها إلى نسق إنتاج غير حرفي، أي إنتاج بالجملة، وكان هذا أساساً لحياتنا اليوم منذ إنتاج الخبز، بل والقمح، وحتى الآلات الكهربائية اليومية الاستعمال. يعني ذلك أن مسار الرأسمال والسوق هو دوماً تحويل ما كان في السابق "خدمات" إلى صناعة (من حيث كمية الإنتاج، وانتظامه، وتوحيد مواصفاته). ما يتم إغفاله حالياً هو أن قطاع "الخدمات" أيضاً يتم تحويله إلى صناعة، منذ صناعة الترفيه إلى "بيع الرحلات السياحية" إلى طريقة عمل المصارف... الخ.
طبعاً لا نسعى هنا إلى الدفاع عن مشروع أحد الأطراف، وهو لا يحتاج إلى دفاع ضد من لا يهاجمونه أساساً، بل إلى محاولة استشراف الدور اللبناني المحتمل، والحيوي على اي حال، في المجالات الرئيسية كما تبدو لنا، في المرحلة الحالية من التحول العالمي. أي صناعة الرأي، والقيم، والثروة، في إطار العالم العربي. وهذا يمر عملياً عبر الصحافة، والترفيه، وقطاع الاقتصاد الرقمي، أو اللامادي، أي "صناعتي" التأمين والمصارف.
قبل الالتفات إلى كل من هذه الموضوعات، لا بد من الإشارة إلى أن الدور اللبناني فيها سيكون مشروطاً بالطبع بعدم دخول البلاد في حرب أهلية، تتقاتل فيها الطوائف على فتات دورة اقتصادية تظل هي، ولبنان، خارجها. وهو ما لم يعد يبدو مستبعداً في ظل ما رأيناه من حماسة شبابية للهجوم بالعصي على الجيش من أجل تجاوز عناصره إلى "الأعداء" اللبنانيين المطلوب منهم "الاستسلام التام ".
لكن، حتى في هذه الحال، فإن التأخير الذي ستفرضه الحرب لن يتمكن من مقاومة مسار واضح عالمياً. فخلال الحرب الأهلية المديدة، لم تخرج قطاعات المصارف ولا الترفيه ولا الإعلام أضعف من السابق، وهي استعادت بسرعة دورها العربي. بل من المستبعد، حتى وإن حاول أحد أطراف النزاع اللبناني تحقيق نصر سريع على الآخرين، أن يعرض عليهم خطة مختلفة، تتجاوز سد جزء يسير من الحاجات الغذائية. فهل سيقترح على مناضليه زراعة وسط بيروت أم أن رفضه لتجارة المال (الربا، في حين أن التحقيقات الغربية والأفريقية والأميركية الجنوبية تشير إلى تورطه في التهريب وتبييض الأموال والمخدرات!) سيمنع نزف اللبنانيين المهاجرين؟ أم أننا سننشئ مصانع ثقيلة للسلاح مزودين خبرات رجالنا الأشاوس؟
تستطيع بعض القوى أن تؤخر مجيء حدث ما، لكنها لا تلغيه. في المقابل فإن استعجال المسار، وتسريعه، على ما رأت حنة أرندت في النازية والشيوعية، لا يؤديان إلا إلى الكوارث، وهذا ما نراه أيضاً في العراق اليوم. بدل ذلك، ربما علينا الاستفادة من نظريات الصين في الاستراتيجيا، أي السير في ركاب خطوط القوة الصاعدة في وضع ما، وليس خوض معارك خاسرة ضدها. فبالاتكاء على بداية الحدث يحملنا السيل، ولا رادع يصمد في وجه السيل. في هذا المجال، فإن لبنان الذي يطفو على موج اللحظة منذ إنشائه، ويحيا على قلق وخوف دائمين، قد يكون أكثر المؤهلين للاستفادة من مد عالمي لم يعد يعيش سوى في قلق اللحظة وهاجس الزمن، في حين يترك شأن "الحياة" والصناعات الثقيلة لـ"الخدم" في البلدان النامية التي يترك إليها الغرب القيام بصناعات الصلب والحديد، مصدّراً إليها التصميمات، والتكنولوجيا التي خف حملها وغلا ثمنها، ومصدّراً إليها أيضاً نتائج المضاربات الكارثية.

لماذا ثالوث صناعة، الرأي والقيم والثروة؟ لأن صناعة الرأي قد تحسم بقاء الإنسانية بأكملها في المستقبل في وجه أخطار الحروب والانهيارات البيئية والتقييد المقبل على الحريات الشخصية، ولأن القيم ضرورة للمجتمع كي لا يفقد تماسكه ويتحول إلى إنتاج منتحرين وفارين بكميات صناعية، وأخيراً لأن صناعة الثروة ضرورية كي لا تقوم حروب أهلية خالدة خلود رسالات أهليها. فالحروب الأهلية غالبا ما تقوم حينما يحيا المجتمع على اقتسام الريوع وليس على إنتاج قيمة مضافة، وهذا ما يجري التقاتل عليه في الصومال ولبنان والعراق، وما قد تنجي التحولات في بنية الفكر والاقتصاد الخليجي بلدان الخليج منه إن لم يسبقها إلى النيل من هذه البلدان فيض الصدمة النفطية الجديدة (نظرية باتاي مجدداً)، فالثروة والوفرة السهلة كانت دائماً نقمة على المجتمعات، ووحدها انتصرت تلك المضطرة إلى تجاوز نفسها وطاقاتها الأولى.

الصحافة اللبنانية إلى أين؟

كانت الصحافة اللبنانية تبدو صامدة، وقادرة على المنافسة وتطوير المجال الإعلامي، دون تفريط بالقيم الحيوية لها، قيم الحرية والمصداقية. من هنا، فإن بعض الأقلام تشكل خطراً فعلياً على قدرة الصحافة على الاستمرار على قيد الحياة، ومواجهة الوسائل الأخرى، ذلك لأن هذا البعض، بالكذب المكشوف والتحريض العلني يضرب ما سنرى أنه يشكل العامل الرئيسي في استمرار حاجتنا إلى الصحافة، أي ثقتنا في مصداقيتها. (أمثلة؟ اتهام الحكومة، قبل إحدى المظاهرات المليونية، بالاستعداد للقضاء على حصة المسيحيين من المدراء العامين، أو اتهام فرنسا، قبل يوم "التعطيل الشامل" بتحضير قرار يغير تفويض قوات الأمم المتحدة ويتجاوز دور المجلس النيابي في إقرار اتفاقية المحكمة الدولية).

لم يستطع التلفزيون أن يقضي على الصحافة المكتوبة، ولا استطاعت ذلك شبكة الانترنت حتى الآن. كما أن هذه التقنيات الجديدة لم تقض على الكتاب المطبوع بدوره. لكن ما كان العامل في هذه القدرة على المقاومة، وما ثمنه، وإلى أين تذهب هذه الصحافة في تطورها؟
بدأت الصحافة في الأصل مشروعاً حضارياً، يسعى إلى نشر الحضارة والمعارف في أوساط شرائح ظلت تتوسع بفضل انتشار التعليم. وهذا الدور كان حاضراً في الصحافة العربية منذ تأسيس اللبنانيين لصحفهم في مصر أولاً، ثم في لبنان. ويفترض هذا الدور أيضاً استقبالاً للنخب النشيطة والساعية إلى التجديد، من حيثما أتت، وهذا أيضاً ما شهده لبنان في تاريخه، وكان عاملاً أساسياً في نهضته. كان "الخبر" يحتل مساحة هامشية بالمقارنة مع مساحة "مشروع التنوير".
لهثت الصحافة وراء الخبر، الذي يردده التلفزيون دونما عناء، في تنافسها مع وسائل الاتصال الأخرى، حتى باتت صفحاتها خليطاً مستغرباً من السياسة والعلم وأخبار الرياضة والزفاف والكلمات المتقاطعة، سعياً إلى إغراء كل القراء المحتملين. وافترضت أن وضع المعلومة في أيدي الأفراد كفيل السماح لهم بالقيام بخياراتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية بحرّية. في هذا اللهاث، تخسر الصحافة باستمرار، لكونها لا تستطيع منع الوسائل الأخرى من ترداد المعلومات، ولا تستطيع مجاراتها في السرعة والمتابعة المتواصلة لما يجري. رغم ذلك، لم تمت الصحافة، وظلت إلى حد ما مرهوبة الجانب من الساسة، وضرورية للرأي العام، لأنها خلافاً للوسائل المرئية المسموعة تملك القدرة على الإصرار وعلى الديمومة. الإصرار على فتح الملفات وإثارة القضايا من زوايا مختلفة، وهذا ما لا طاقة للتلفزيون به، وعلى الديمومة في وصفها أيضاً وثيقة وحاملة للوثائق والاتفاقات والتصريحات التي لا تراجع عنها ما دامت قد حُفِظَت، سوداء على بياض الصفحة.
تختلف الصحافة عن وسائل الإعلام الأخرى بقدرتها على تنظيم المعلومات، تبويباً وترتيباً وهيكلة، وفي صدقيتها أمام الناس، خلافاً للتلفزيون وللانترنت إلى الآن، حيث يقوم فيها صحافيون محترفون على التثبت مما يكتب، وصحته ودقته، ويتعرضون للمساءلة لدى نشر الأكاذيب المضللة، أو هذا ما يفترض أن يكون الحال عليه.
أخيراً، تتميز الصحافة عن التلفزيون خصوصاً بقدرتها على إفراد مساحة منتظمة لرأي فردي لهذا الصحافي أو ذاك المفكر. ومع تطور الوسائل الأخرى، بات القراء غالباً يستمعون إلى نشرة الأنباء في الراديو أو التلفزيون، وكثيراً ما يتم ذلك من خلال الانترنت الذي لم ينتج بعد مؤسسات موثوقاً بها، لكنهم يظلون يشترون الجريدة أو يذهبون إلى موقعها الالكتروني ليقرأوا رأي فلان أو فلان في حدث ما.
في هذا الإطار، يبدو مؤسفاً بشدة تحول بعض الصحف اللبنانية منبراً للشائعات والتسريبات الاستخباراتية، أو بوقاً للدعاية لهذا الطرف أو لذاك. لا لأن الإقتناع بفكرة ما يمنع من المساهمة في تشكيل الرأي العام، بل لأن الصحافي، حين يمتنع عن المساءلة واستعراض الآراء والاحتمالات المختلفة، يكون يخاطب حشداً من التابعين، لهذا الفريق أو ذاك، أو يهدد زعيماً أو ينشر تهديده لآخر، وهو بذلك لا يخاطب أفراداً غفلين، لا تسبقهم انتماءات "بيولوجية" أو قَبْلية تدفعهم إلى إغفال المصالح في سبيل انتماء جمعي "مقدس" أو موروث، علماً بأن الرأي العام لا ينتج إلا من خلال تأطير الأفراد في جماعات يتفقون فيها ويضغطون من أجل مصالحهم المباشرة.
رغم ذلك، لا يبدو أن مثل هذه التجارب قادرة على العيش طويلاً، وهي ستنتهي بسرعة مثلما آلت إليه كل أبواق الدعاية الحزبية التي عرف لبنان عدداً منها في السابق.
في المقابل، ستضطر الصحافة اللبنانية الجدية أولاً إلى البحث عن أصداء أوسع لها في العالم العربي. وسيسمح انتشار الانترنت بذلك، بدون تكلفة تقريباً. وستضطر في طبيعة الحال إلى تعميق صلاتها بالانترنت، بحيث لا تقتصر صفحاتها على عرض موضوعاتها المنشورة كما هي، بل ستضيف إليها صلات، وملفات مرئية - مسموعة. وستضطر أكثر فأكثر الى الاعتماد على الشبكة العنكبوتية عينها كمصدر للمعلومات. حصل في فرنسا أخيراً نقاش مشابه حيث أن المعلومات المتعلقة بتسديد المرشحة للرئاسة سيغولين روايال وصديقها الضريبة على الثروة كانت متوافرة ومتداولة على الشبكة قبل بضعة أشهر من تشكليها قضية في الصحافة المكتوبة. المثال هنا مزدوج الأهمية، فالصحافة تلام على تأخرها عن ركب مصادر المعلومات الفعلية التي باتت تشكلها مواقع الانترنت، إلا أن الانترنت بمفردها عاجزة عن تشكيل "قضية" أو فضيحة، ما لم تصنعها الصحافة المكتوبة في الدرجة الأولى، والمرئية في درجة ثانية (بحسب طبيعة القضية، فيديو اعدام صدام حسين شكل فضيحة من خلال التلفزيون وليس الصحافة المكتوبة أولاً).
شيئاً فشيئاً أيضاً، ستضطر الصحافة إلى الاعتماد على القراء أنفسهم في "صياغة الخبر". بين الملفات التي سترفق بالمقال على الانترنت، سيكون هنالك المقابلات والصور التي سيلتقطها أفراد غير محترفين، مدججون كما هي الحال اليوم بآلات التصوير والاتصال، التي سيختزلها نوع متطور من الهاتف الجوال. في صورة مشهورة، كان الحاضرون الذين عاينوا نقل جثمان البابا يوحنا بولس الثاني إلى مدفنه، يراقبون جميعاً شاشات هواتفهم أو كاميراتهم، ناظرين إلى الأعلى حيث يرفعونها، في حين كان الجثمان يعبر أمام وجوهم الملتفتة إلى وجهة أخرى. في المستقبل، وربما كان ذلك قد بدأ فعلاً، لن يلتقط هذه الصورة مصور محترف، بل أحد الموجودين هناك.
لا مفر للصحافة اللبنانية من الانخراط في هذا المسار، مع استمرار تشابك القضايا في العالم العربي، والتقارب الذي تفرضه التكنولوجيا والغاؤها الحدود التقليدية. أخيراً، لن تكون السوق اللبنانية كافية لإنتاج المردود الكافي، وخصوصاً أن الصحافة لن تستطيع الاستمرار في الاعتماد على تمويل سياسي تحت طائلة انهيارها الشامل. أخيراً فإن الفراغ الموجود سيدعوها بطبيعته إلى ملئه، في ظل القيود على حرية التعبير والتطوير التي تخنق الصحافة العربية الأخرى. ما قد نلتفت إليه متأخرين ربما، هو أهمية أسواق المغرب العربي، بدل الاهتمام الدائم والمبالغ فيه بالخليج.
الانخراط في مثل هذا المسار سيغير كثيراً في بنية المهنة نفسها، حيث ستصبح المهمة الرئيسية للصحافي هي في تبويب ملفات يبعث بها أفراد غير محترفين، تاركاً لهم مهمة صياغة الموضوع وابتكار اللغة الجديدة، لغة أفراد معزولين، يبعثون برسائلهم كي يشعروا بأنهم موجودون. أما كاتب الرأي فسيضطر إلى دخول المنافسة، دامجاً في صلب عمله وسائل أخرى غير الكتابة، من ملفات صوتية أو مرئية، وتشكيل غرافيكي لصفحته، إلى حد أن الفوارق ستنحو نحو الامحاء ما بين كتبة الرأي والفنانين.

صناعة الترفيه صناعة القيم

بعدما كانت الدراما المصرية وحيدة في العالم العربي، بدأت تبزغ منافسات لها، في سوريا والخليج، وربما المغرب العربي، لكنها، باستثناء السورية، لا تزال محدودة الانتشار خارج أقاليمها. ولا يبدو أن اللبنانيين سيلعبون دوراً كبيراً في هذا المجال، لا لشيء سوى لأنهم باتوا على ما يبدو خارج الحكايات الجماعية. فأغلب الروايات اللبنانية تقوم على أفراد، وحتى لدى الياس خوري الذي يجمع أطراف الحكايات الفلسطينية واللبنانية وينسجها في فسيفساء رواياتها، فإن من الصعب رؤية حكاية جماعية، اجتماعية وتاريخية، إلا في شظايا مراياه المتكسرة، بما لا يقوم بأود صناعة المسلسلات. ذلك أن الجماعات اللبنانية تجاوزت، في الحروب المختلفة، حكاياها العامة، وانصرف كل امرئ إلى حكايا فردية، من النجاة من الموت، إلى رواية الهجرة والصمت.
لا أحسب أن ملحمة حرب تموز ستغيّر في هذا الواقع شيئاً، ولا ملحمة الدواليب التي يطير مع دخانها آخر أحلام الشباب، وإن بدا من الاستنفار الطائفي الحالي أن هنالك استعداداً لمواصلة ملاحم سابقة وتواريخ للجماعات. فوصول النظام الطائفي إلى حالة الشلل هذه، واضطرار اللبنانيين الآن، تحت طائلة انهيار شامل، إلى الخروج من بوتقة التوظيف بالمحسوبية اقتساماً لما تناله الدولة من هوامش ثروات الآخرين، سيؤدي على الأرجح إلى الخروج النهائي من اعتبار الطائفة انتماء ومآلاً أوحدين، والاتجاه صوب الانتماء إلى المصلحة المباشرة والفردية. قد يكون ما نشهده آخر فصول الحروب بين الطوائف، المتلطية بكنيات ديمقراطية غريبة عنها وعن عقائدها، فغالباً ما تسفر الحرب عن انتصار من لم يخضها.
إذا ما نظرنا الى هذا الجانب الفني، لفاجأتنا المسيرة التي قطعها الفنانون اللبنانيون في هذا المجال. من إخراج الفيديو كليب، إلى صناعة المشاهير، والمغنين، ومنافسة مصر التي تعدّ عشرين مرة عدد اللبنانيين. بل ستكون السينما اللبنانية أيضاً مرشحة، حين يتخلى المخرجون عن دورانهم حول سرّة الحرب نحو رواية أقاصيصهم البيروتية، الى أن تكون "الموجة الجديدة" التي تفرض ذائقة ومعايير جديدة على السينما العربية، حتى وإن ظل إنتاجها كصناعة، مصرياً في الدرجة الأولى.
إضافة إلى ذلك، هنالك صناعة الترفيه التلفزيوني التي برز فيها اللبنانيون، بالجرأة والاقتباس، من دون خوف، كما كانت أمستردام تفعل في أيام عزها مكتفية بإضافة لون إلى منتج مستقدم من مكان آخر، أو بإضافة إشارة إلى أن المنتج هولندي، مستفيدة من فارق السعر الذي تنتجه شهرتها وقدرتها على التسويق.
لا تنافس القنوات اللبنانية قناتَي "الجزيرة" و"العربية" في مجال الأنباء والسياسة. لكنها في المقابل تفرض النموذج اللبناني التلفزيوني، بغض النظر عن مطابقته للواقع، مثالاً يحتذى ويقتدى به في أرجاء المنطقة العربية. مرة جديدة، ستكون السوق المغاربية هي ساحة المستقبل، وقد بدأت بالفعل.
سيجتذب نجاح النموذج اللبناني مجدداً نخب العالم العربي الساعية نحو عيش يليق بإمكاناتها. وفي حين تكتفي دبي بشراء صورة لها، فإن لبنان قادر على إنتاج هذه الصورة.
هنا أيضاً، سيؤثر توحيد شبكات الاتصال (الهاتف، التلفزيون، الانترنت) في جهاز واحد على تقنيات البث وكلفته، وعلى طريقة جني الأرباح، حيث سيضاف إلى أرباح التلفزيونات من الإعلانات نصيب من حصة شركات الاتصالات بالشبكات.
شركات الاتصالات هذه ستتولى هي أيضاً مسألة توزيع الأعمال الموسيقية والفنية الأخرى، حيث أن المستقبل، كما يلاحظ جاك أتالي، ليس لحق الملكية، بل لحق الوصول إلى الملف الموسيقي المنشود. ستتراجع بالتأكيد أرباح شركات الكاسيت والأقراص المدمجة، التي ستتحول إلى شركات لإدارة الحفلات، أو، وهو الغالب، شركات إنتاج تسوّق منتجاتها من خلال شركات الاتصالات وتتلقى من هذه الأخيرة نسبة من عوائدها ومن عوائد الدعايات فيها.
بدل تكديس كميات من الملفات الموسيقية والفيديو كليبات على الأجهزة الخاصة، سيكون ذلك كله مبذولاً على الشبكة. يمكن منذ الآن ملاحظة أن الشبكة باتت تضم، من خلال المنتديات والمواقع المختلفة، معظم ماضينا. وستشكل شيئاً فشيئاً مستقبلنا، في موازاة تطور آخر يقوم على الفرار من التكرار الخانق والذي لا يخطئ للآلة، نحو إعادة الاعتبار الى مفهوم الحفلة في وصفها المكان الذي يتم فيه الخروج على التكرار. سيختفي البلاي باك إذاً، وتعود أهمية الارتجال والتنويع في الغناء.
الموجود على الشبكة يحتاج أعماراً عدة لرؤيته والاستماع إليه. في مواجهة هذا اليأس القاتل، ستزداد مرافقة الموسيقى لنا من المهد إلى اللحد وفي كل مراحل اليوم. فالموسيقى وحدها قادرة على خلخلة الزمن وإحداث ثغر معلّقة في داخله.
الموسيقى أيضاً، والغناء، بالإضافة إلى النموذج التلفزيوني الذي سينتشر، تحمل منذ الآن حكايات فردية، حتى وإن كانت مواقف تتكرر في حياة الكثيرين. في معنى من المعاني، سيكون النموذج هو الإصرار على فردية الفرد، حتى وإن كانت هذه الفردية لا تسمح له بأن يعيش أيّ تمايز فعلي عن الآخرين.
سيقوم الفنانون وصناع مواقع الانترنت، وليس العائلات الآيلة إلى المزيد من اللااستقرار، بصياغة منظومة القيم الجديدة، وتشكيل المثالات، التي ستكون، شاء من شاء وأبى من أبى، فردية تقيم في الحاضر نائية عن الهذيانات الخلاصية الجمعية. في الواقع، هنالك بوادر على ذلك حتى لدى جمهور حزب الله الأخلص، فالمستمتع بالبقاء في وسط بيروت، حيث الحجر رفاهية خارج الزمن، لا يمكن أن يكون مثاله هو شظف العيش والكربلائية والندم الأبديين.
كل هذا يضيف إلى صناعة الترفيه بعداً خطيراً يجعلها الموازي الفعلي لصناعة الحماية من الأخطار (البيئية والإرهابية والكوارثية)، وخصوصاً أن الترفيه (الموسيقى خصوصاً) هو المكمل اللازم للحماية من الأخطار عبر فرض نسيانها والإلهاء عنها.

كلفة الأخطار

لا يحسبن أحد أنه أقوى من القطاع المصرفي في لبنان، فهذا القطاع قادر متى شاء على إركاع الدولة، التي يعيل عجزها ويقرضها ما يقوم بأود موظفيها وأهلها، وعلى نقل أرقامه وثرواته حيث أراد في العالم المعولم.
ولعل من أهم النتائج لهذه المواجهة العنيفة بين الطوائف أنها أخرجت إلى الحيز العام كتلة من المؤسسات والشركات والتجار والجامعات، لن تكتفي في المستقبل بالدعوة إلى العمل، بل ستفرض شروطها على كل المتعاملين معها من كل الطوائف، وعلى الدولة، ولا شيء، سوى تأسيس رأي عام نشط وفاعل، يضمن أن تتوقف شروطها عند حدود شعار "دعوني أعمل بسلام".
ليس من قبيل الصدفة، ولن يكون نافلاً، نشاط القطاع المصرفي اللبناني على المستوى العربي. فهذا القطاع أثبت، خلال الحرب الأهلية وبعدها، قدرته على التطور، ويتطلع نحو توسيع أسواقه، مشرقاً عربياً ومغرباً أيضاً، منطلقاً من نسبة ادخار لا بأس بها في لبنان، بحسب أرقام المصارف، وستضاف إليها أيضاً تقديرات الثروة العقارية في لبنان. بالطبع، لا تحتاج المصارف، ولا المدينون، سوى في وقت الأزمات الكبرى، إلى تسييل الثروة العقارية.
إضافة إلى ذلك، ستضطر المصارف اللبنانية، المنخرطة في منافسة شديدة مع المصارف العالمية على استدرار الثروات العربية، إلى تنويع "خدماتها" وتطوير تسويقها وطرق إدارتها، بحيث تشمل إدارة الثروات، وما يتطلبه هذا من تأمين على الأخطار، من أخطار البورصة إلى أخطار التجارة والكوارث الطبيعية.
سيتولى تحالف المصارف وشركات التأمين، بناء على ذلك، تنظيم المجتمع وطرق إدارة الثروة على أسس جديدة. لكن هذه الإدارة ستكون أيضاً "منتجة" للثروة غير المادية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي اليوم، والتي تتسبب له من جهة أخرى في أزمات دورية أيضاً. تتطلب هذه العملية الإنتاجية، على ما يظهر تاريخ تجارة المال منذ القرون الوسطى، جرأة وتصميماً ورغبة في المغامرة بحثاً عن الثراء. لكنها أيضاً، كما في كل مرة، تغير طريقة العمل في كل المراكز الاقتصادية الأخرى، منذ الصناعة الحرفية، إلى الثورة الصناعية وثورة فورد، وصولاً إلى الاقتصاد الرقمي والأسعار الخيالية لمواقع لم تدخل بعد دولاراً واحداً.
يترافق ذلك مع تقدم في معدل الأعمار، وانقلابات في البنية العمرية للمجتمع، ويؤدي ذلك إلى تشجيع الاستدانة على فترات طويلة، والمراهنة على المستقبل. لكن في المقابل، سيتزايد نفوذ شركات القطاع المالي، التي ستغطي الكلفة الرئيسية لمعظم ما يتخوف منه المرء والمؤسسات، من المرض والشيخوخة إلى انهيار الأسواق وحتى العمليات الإرهابية، مقابل دفعات متفاوتة في القيمة تبعاً لكل وضع. مما سيحتم أيضاً الجمع بين شركات المال والطب من جهة، ومؤسسات قياس الرأي العام من الجهة الأخرى، بحيث يتم فرض رقابة، ذاتية في الغالب، سواء من جانب المرء أو من جانب المؤسسة من أجل التزام معايير موضوعة وأوامر لا مفر منها، في الأكل والصحة والعناية بالصورة والانطباع ومراعاة الذوق العام والرأي العام. في ذلك كله، سيغدو كل امرئ "حراً"، بدليل أنه يُشهر انضواءه في إطار القواعد العامة، ويقبل الخضوع إلى الرقابة. أما المؤسسات العامة فسيجري تفكيكها وإيكالها إلى شبكات خاصة كما نشهد منذ الآن، في التعليم والاستشفاء وتأمين الحاجات الرئيسية كمياه الشفة أو الكهرباء أو الاتصال بالانترنت. سنشهد في الدرجة الأولى صناعتين كبيرتين جديدتين، تصنيع الصحة وتصنيع الصورة والاتصال بالآخر.
في مفارقة كبيرة، لا مفر من اللجوء إلى الدولة للحد مما يحمل هذا التطور في طياته من أخطار كبيرة على الحريات الفردية، رغم أنها قد تجيء في مقابل مساحة أوسع للحرية العامة ولوزن الرأي العام. الدولة التي لم يتم بناؤها بعد، ضرورة للأفراد الذين سنبدأ "انتاجهم" بشكل متزايد، وهي حصننا الأخير الذي نسوّره بمدينة بيروت، وبقدرتها على ضخ الحيوية وانتاج العيش الشهي والبهي.

يستطيع لبنان المساهمة، بالركائز الثلاث من صناعة الرأي والقيم والثروة، في جعل هذا المستقبل أقل قتامة، بل إن هذه المساهمة ربما تكون عماد دوره المستقبلي. في هذا المجال أيضاً، يبدو اللبنانيون، إذا ما اتعظوا، على ما نرجو ولا يبدو، من حروب أهلية تتوجه إليها معظم المجتمعات الأخرى اليوم، أفضل استعداداً، بعكس ما قد نحسب الآن، للمستقبل ولإمكانات الإفادة منه، في حين أن مزيداً من الوعي والاستعداد وحدهما قد يسمحان بتفادي أسوأ ما فيه. وما استشراف المستقبل سوى اعتراض، في الأساس، على حتميته وعلى صدق وعوده.


أبواب للمدن



ملحق النهار الثقافي، تشرين 2007


أبواب للمدن مشرعة على الزمن


باب أول: ليس المقصود طزاجة سياسيينا، بل ذاك الباب الذي كان يلوح للقادمين من الصحارى شاهقاً بديعاً، باب زويلة بمآذنه الفاطمية، أو الأسوار الممتدة بين باب الفتوح وباب النصر. تلك القاهرة كانت، بلا ريب، حلماً يشهق له الآتي دهشة، ولا يسعه إلا التسليم بأن مدينة، ذاك بابها، هي حقاً "أم الدنيا" والمحروسة والقاهرة.

لا يزال باب زويلة، حين ننظر إليه من سوق "الخيامية" باهر الهندسة والروعة. لكن القاهرة التي كان يحرس قلبها امتدت كبقعة زيت في كل اتجاه. لا شك أنه بذل كل جهده لينتصب حارساً هناك، ينافس ربما أبا الهول المدفون في الرمال. لكن الصوت الذي كان ينطلق من المئذنة كان أيضاً يمضي في كل اتجاه، وكان يلاقيه صدى الحياة التي لا تكل في هذه الاتجاهات. الصوت الذي هو أيضاً زمن كان أوسع حيلةً من الحجارة الضخمة المشغولة. لئن بقيت شواهد، فإنه صار فعلاً. ربما أوصد باب زويلة طويلاً في وجه زوابع كثيرة، إبان زمن الفاطميين والمماليك البهي في القاهرة وطرابلس والشام، لكنه كان أعجز من أن يصد أصداء الزمن مثلما نعرف. على باب زويلة، بحسب إحدى الروايات، انتهى ايضاً زمن المماليك مشنوقاً.




للحياة مسالك غريبة ومتعرجة. في الجانب الآخر من الشارع المستقيم نفسه، شارع المعز لدين الله، شريان المدينة الفاطمية، يقف باب آخر، باب الفتوح، منكسراً. نرى أنياب الأسوار المثلومة. قبالة الباب محل يضع يافطته مجسماً صغيراً كرتونياً للباب العريق. الفارق بينهما كالفارق بين البابين. زويلة لا زال وسط أهله، تزحزح فقط من موقع الحارس إلى موقع الالفة. أما النصر والفتوح فباتا باهتين كالاسماء نفسها، أو كلون الحمير التي تعبر جارة وراءها عربات متعبة.

ابتلعت القاهرة أبوابها، ولم تخلعها، مثل باريس التي لا زالت تحتفظ بحفنة أسماء وبضعة أقواس حجرية، أو مثل طرابلس التي تحفظ الأسماء (باب التبانة، باب الرمل، باب الحديد) وتنسى أهلها. في هذه المدن لا زال هنالك خط، ولو اسمي، يقسم المدينة إلى قديمة ومحدثة، ولو أن القاهرة العريقة بها أكثر من مصر قديمة واحدة، ومدن جديدة متنابتة كثيرة. باب المدينة مدخل إلى العلم بها، إلى التيه بها والغرق، لكنه مقصد الغرباء دوماً.

باب ثانٍ: لست أدري إن بقي من أبواب دمشق (وبيروت؟) شيء، أم أن هستيريا التدمير الداخلي مستعرة الأوار. بيوت الشام الشهيرة تتوجه إلى الاقتصار على بيت أو بيتين، يجري تصوير مختلف المسلسلات السورية الرائجة فيها، دون أي تغيير، مثلما يجري تصوير الحارات في ما يسميه التلفزيون "القرية الدمشقية". أوّاه لهذه المدينة، الأقدم تاريخاً في رواية، والتي باتت "قرية".

حول "باب الحارة" أريق حبر كثير، تعرض للاستخدام السياسي للهجة الشامية وقبولها في العالم العربي، معتبراً في ذلك فك حصار للنظام السوري، أو تساءل عن مغزى إقبال الناس على المسلسل، مسقطاً بالطبع عليه أحوال العصر وغياب الزعيم (أو توقنا إليه) والحكيم (أو التشكيك به بعد فقد الأصل). وليس على هذا منعقد الاهتمام، إذا ما أخلّ المرء بالنظر إلى العمل أولاً بوصفه عملاً فنياً يحاكم بمعيار الفن على حسب الخطاب الذي يتبناه زاعماً تصوير ذلك العصر من زاوية الفن لا زاوية التاريخ. إلا أن الفن أيضاً لا يقوم على تزوير التاريخ أو تشويهه والتلاعب به، بطبيعة الحال. لذا قد يكون السؤال عن غياب أي دور عامل للمرأة، خلافاً لما كان عليه الواقع آنذاك، مبرراً تماماً.

يجب أن نضع جانباً الانتقادات اللازمة لرداءة الموسيقى التصويرية وفقر التنويعات (سواء بالعود أو الكمان الفائض البحة أو الأورغ) المقترحة على تيمات القدود الحلبية والشعبيات الشامية، وأن نطرح جانباً ايضاً فقر خيال المخرج في استعماله الرتيب لهندسة المكان، وقلة حيلته حتى عبأ ما لا يقل مجموعه عن بضع حلقات بأسماء المآكل والدعوات إلى تحضيرها. يظل هنالك سؤالان، متفاوتا المستوى، يستحقان ربما الطرح: غياب التوتر الاجتماعي الرئيسي أي السياسي عن الشاشة، وغياب صورة الشر وعلاقتها بنجاح الجزء الثاني من المسلسل.

إذ يبدو، أولاً، من غير المفهوم ألا يحضر المستعمر الفرنسي إلا في وصفه خيلاً، وليس في وصفه أيضا مساراً من المعارف وأنماط الإدارة والأحزاب والبرلمان والثورات المسلحة وغير المسلحة. حضور الآخر والمستوى السياسي في المسلسل هو حضور "براني" تماماً، حضور بارد لا يثير أي تفاعل في عمق المجتمع ولا يخترق حتى قشرته الهشة المبنية على فصل بين مراتب الرجال ومواقع النساء وعلى الداية رسولاً بين العالمين. في هذه الفقاعة المحيدة عن الزمن تبرز قضية فلسطين مسرباً، لكن خيطها واهٍ إلى حد أن فرداً واحداً فقط يمسك به (العقيد) دون أن تطرح القضية على هذا المجتمع مساءلة جدية لنفسه ومواقفه ومنظومة قيمه. وهذا طبعاً مخالف لما كان عليه الواقع، لكنه أيضاً مخالف لأي معطى درامي يفترض به أن يصور، كما في مسلسلات "حارات" القاهرة الأقدم عهداً والأوفر نضجاً (مثل "ليالي الحلمية") تطور المجتمع وتبدله، وتفاعله مع حوادث الزمن ووقائعه، خاصة متى امتد المسلسل على أجزاء متعددة.

لا شك، من جهة أخرى، أن براعة أداء بعض الممثلين وألفة أصوات آخرين كانت عاملاً مهماً في التغلب على مشاكل العمل التي أشرنا إليها، فضلاً عما يثيره المسلسل من حنين إلى تعابير وحركات (تجدر مقارنة حركاتهم في المسلسل بحركاتهم في "العراضة" التي نظمها تلفزيون المنار للتثبت من براعتهم) ومفردات وأسماء لأغراض العالم فقدنا القدرة على الإشارة إليها اليوم بألفاظنا نحن. لكن ذلك لا يفسر نجاح الجزء الثاني الشعبي الباهر في مقابل النجاح المتواضع للجزء الأول الذي هو أفضل منه فنياً بحسب برهان علوية محقاً. أزعم أن سبب هذا التفوق للجزء الثاني هو تحديداً غياب التوتر الدرامي واقفال باب الزمن على لحظة الحلم هذه وتغييب صورة الشر الداخلية المطلقة لصالح شر الخسة أو شر "الغريب". فالمسلسل مطمئن على هذا المستوى، ذلك أن الغريب (الأعمى المزعوم) هو القاتل، وهو ما نعرفه منذ العام الماضي، أما الشر المحلي المطلق الذي مثلته صورة الايدعشري فقد انتهى أيضاً في العام الماضي، ليحل بدلاً من الشرير المتعجرف القوي المحنك، وإن تاب لاحقاً، صورة النمام الخسيس صاحب الثأر القديم كعذر مخفف. هكذا يحل الخارج والغريب في صورة الشر الحقيقي والمكشوف مسبقاً، في حين تنفى عن الداخل قوة الشر لتستبقى خسته.

هذه الحارة لا تحب الغرباء، وهي حين تقابلهم لا تتفاعل معهم، بل تكتفي بالدوران في حلقة أعرافها الداخلية وفي زمنها الدائري التكراري وفي جغرافيتها الواضحة المعالم والحدود والمقسمة حيزاً فحيزاً وفق العرف (لا الدين) والسلطة. إنه، مجدداً، الحلم بأن يتركنا العالم وشأننا، مطمئنين إلى ركود الزمن، هانئين في هامشه. تفوح من المسلسل رائحة الحنين، كقهوة الأم نغمض أعيننا حنيناً إليها. لكن إذاعته على قناة فضائية ليست إلا مفارقة مضحكة.



باب ثالث أو، للدقة، "بين بابين": حين جلست، مع الرفيق ولا ثالث لنا، قبالة درج بيت الشيخ إمام المتهدم وبابه المتهالك، قال لنا صاحب القهوة، الرجل الذي نسمعه صبياً في بعض التسجيلات وبعضها في عيد ميلاده، إن الغرفة تهدمت، وأبو النجوم انتقل إلى تزعم جبهة المساكن الشعبية في المقطم. لكنه لم يتوقف طويلاً في الحديث عن "رجولة" الشاعر الذي كان يضرب امرأته، وفضّل أن يناقشنا طويلاً في عبقرية الشيخ إمام في العزف على العود.

في تلك العطفة من الغورية، قرب باب زويلة ومسجد السلطان الغوري وقبره، وعيت أن ما بقي من الثنائي إمام ـ نجم ليس "الشعر"، مهما نشر الفاجومي من كتب، بل سخرية كثيرة: سخرية الشيخ المغني بطبيعة غنائه، وسخرية نجم الذي ابتلعت شهرتها أسماء من كتبوا أيضاً للشيخ إمام ومنهم الرائع نجيب سرور وأحمد فؤاد قاعود وغيرهما، وسخرية القدر الذي جعل من شيخ ضرير يغني بغناء النصف الأول من القرن وكاتب شبه أمي منارة التقدميين في عصرهما، وسخرية القدر مرة جديدة التي جعلتنا مع صاحب القهوة نتحير في فهم طلبات الحشيش و"رص الحجارة حجراً فحجراً"، وفهم عبقرية ريشة الشيخ إمام، بعد أن فرقت توافه الأمور الصحبة التي وطدتها أيام الحبس والاضطهاد.

لكن يبقى أيضاً من هذا الثنائي أمر أشد أهمية ورسوخاً حتى من السخرية. إنها عدوى الحب. حب ذلك الزقاق في تلك العطفة من تلك الغورية، والتي ألف لها رفيقي أغنية... حب الحاتي وبائع الألبسة والقهوة... حب الباطنية القريبة وأبواب الأزهر المزخرفة... حب الزمالك دون كلابها، والأهلي دون "كباتنه"... حب الصوفية الأليفة والخرق الخضراء المعلقة على القبور، وحب الغرباء في موالد القاهرة يطوفون حول الحسين ومسجده دونما وعي باستحضار صورة الكعبة...

ربما هنا يكمن الفارق بين الثنائي إمام ـ نجم، وبين حجارة السياح أو مسلسلات الحارة السورية. مع صوت الشيخ إمام لا نشعر بالحنين الذي يبتزنا به مغنو الثورة اللبنانيون مطولاً، ولا برغبة في العودة إلى رحم الماضي الشامي البسيط التافه المشاكل، ولا نستحضر عيوناً غير التي لنا كي نرى، بمفعول رجعي، عظمة الأثر ونسجد لصانعيه.

مصر التي تنقل إلينا أغاني الشيخ إمام عدوى حبها لا تختلف البتة عما نراه ونلمسه ونشمه في حي الغورية أو الحسين. ولئن حسبنا أن الزمان قد فات على جزيرة الزمالك وتغيرت، فإن ديواناً ("شغل كايرو" لمحمود عزت) من ضاحية امبابة يعود فيرينا أن الجزيرة لا تزال عسيرة على غير أهلها وإن مدت جسور سريعة فوقها.

أغاني المرحوم إمام ونجم، مد الله في عمره ومنحه الصحة وحب المشاكسة على الدوام، لا تدعونا إلى اغماض العين لنتذوق حلماً متخيلاً عن الماضي، ولا إلى فتحها وراء عدسة الكاميرا التي تلعن وجود الناس في إطارها. إنها ببساطة وحب تصيبنا رغماً عنا بعدوى مقيتة: أن ترى الحال على ما هي عليه، وألا تندب أو تبكي أو تلعن. بل أن تضحك، زاعماً مع دولوز أنه لا محل للأمل أو للخشية، بل فقط لـ"شحذ أسلحة جديدة"، ومحل الاستشهاد هو بالطبع "جدة الأسلحة" أي خروجها عن مألوف ما هو متداول في ساحة الصراع التي لا تفتأ تحول الضحية إلى جلاد بالنصل ذاته، سواء أسميناه عزة ورجولة أو أسميناه ممانعة وصموداً أو حقاً "تاريخياً".

ثمة في تلك الموسيقى عبق "لا تاريخي"، رغم اندراجها في سياق محدد، بين زمنين (زمن النهضة وزمن الانحطاط الجديد)، يجعل منها في كل مرة دعوة إلى العيش في الحاضر وليس الهروب منه، إلى أمام أو إلى خلف وهما في الواقع الواحد نفسه. بين بابين مشرعين على هبوب تيار الزمن، لا موصدين على الحلم، تعبر هذه الموسيقى وتغزلها المودة.

تحديات ما قبل السياسة وما بعدها

ملحق النهار الثقافي، كانون الأول 2007
تحديات ما قبل السياسة وما بعدها
اللبناني بين سندان العيش ومطرقة الزمن



إذا شاء المرء أن يفرض على نفسه تفاؤلاً إلزامياً، قانعاً من الأدلة بالرغبة ومن البصيرة بالتوهم، فقد يأمل في التخلص من براثن عدد من المصائب المحدقة ببلده الصغير "العاجق الكون". قد يرى في ضمير الغيب أن حلاً سحرياً خلص لبنان من قضية توطين الفلسطينيين، وأن الدستور خرج سالماً بمعجزة من أنياب "الاخراج" الذي يتولاه بعض الكتبة فيخرقون الدستور ومواده الملزمة (49 و74 و75 وكذلك 32التي تنص على أولوية التصويت على الموازنة قبل أي عمل آخر في العقد العادي الثاني) وفي ظنهم أن الخرق يحفظ الوحدة في حين أنه يمزق شذراً الجامع العام المدني الأخير. وقد يحسب المرء أنه لمح، في زاوية ما من زوايا المستقبل، أن المسيحيين تمكنوا من التملص من أطروحات عون المسيحية "الوطنية" أي الفيدرالية (التي مؤداها أن الديمقراطية تطبق داخل الطائفة التي هي الوحدة المسيّجة والمسوّرة الداخلة في تكوين لبنان والدولة بدلاً من المواطنين، أما على المستوى الوطني فمجلس أقطاب الطوائف الأحاديين المستثنين كل آخر من "مجتمعهم" عن الطاولة). وقد يأمل الفتى في الشيطان خيراً، على قاعدة أن أسوأ الأمور ما ليس يقع، فيظن أن الصراع بين الخليج العربي والخليج الفارسي، وبين قبائل المسلمين المتحاربة منذ وفاة الرسول، سيستثني الصيغة اللبنانية الفذة من مسارحه، ويتركه واحة استقرار وازدهار وأمان وسلام، فقط كرمى لمناظر بحمدون وصوفر. حسناً، بعد كل ذلك، ماذا سيفعل اللبنانيون ببلدهم؟ هل سيدهشون العالم الذي يبشرونه دوماً بأن مصيره وحوار حضاراته يتقرر بين ظهرانيهم؟

بعد بضع سنوات، إذا لم يتكرر الهاء الشعب بخلافات الساسة، سيتضح للجميع أن الميزة الرئيسية للبنانيين هي انعدام بعد النظر والتبصر والتخطيط، أبعد من احتلالات الشوارع والجري وراء السطوة والسطو على المزابل. كما سيتبين أن الخصوصية اللبنانية تكاد تنحصر في التفنن في إضاعة الفرص على انواعها. ليس هذا جلداً للذات بل دعوة إلى التنبه لمخاطر الاستسهال الدائم في أمور هي أشد خطورة بكثير من النزاع على صلاحيات الرئاسة والمناصفة والمثالثة. أبعد من استمرار تردي المستوى التعليمي، المتفاقم مع افتتاح الطوائف لدكاكين شهاداتها، وأبعد من أزمة اقتصادية حالة في بنية الاقتصاد اللبناني ودون اصلاحها بضع حروب أهلية جديدة، فإن لبنان على ما نحسب عالق بين قيود أساسيات ثلاث تأخذ بخناقه ما لم يضع مواجهتها أولوية تتقدم على مسائل الشعارات البراقة في السياسة والاقتصاد. فلا مفر لهذا البلد الصغير من الاصطدام بأساسيات هي البيئة والطاقة والديموغرافيا، شاء أم أبى اصحاب السماحة، ولكل من هذه الشؤون انعكاسات مباشرة على حياة الشعب النازف باستمرار نتيجة لفهمه لـ"لشطارة" والهوية على أنهما اقامة دائمة على التوالي في الحاضر وفي الأسطورة. لكن حاجة لبنان لا تقتصر على خبراء تقنيين، بل أيضاً على تغيير أساسي للفهم الممنوح للزمن، كأن الزمن هو وسيلة البشر للضغط على الجغرافيا وأقلمتها وشرط ممارسة السياسة بمعناها الحقيقي كمانع لتفكك المجتمع.

البيئة والطاقة: حدود الموارد وحدود العيش

لا يحيا الشعب على أرض من كرامة وسؤدد، وإن كان ربما يدفن فيها. من البديهي أن حياة كل انسان مشروطة بوجود بيئة مؤاتية للحياة، أي أنها تقدم الحد الأدنى الضروري لاستمرار العيش، من ماء وهواء ومأكل. ولئن طارت شهرة المياه اللبنانية غير الاقليمية حتى طمع فيها الجيران، فإن اللبناني لا يزال عاجزاً عن الشرب سوى من القناني المعبئة، التي يقوم بلاستيكها بدوره بتغذية التلوث البيئي. ليس الهدر فحسب بل والتلوث وأحياناً التلويث ما يمنعان لبنان من الاستفادة من هذه الثروة المائية. إلا أن تنامي الكتلة البشرية القاطنة على هذه الرقعة من الأرض سيجعل القرى والبلدات، في عقدين أو ثلاثة على الأكثر، في حالة صراع كدارفور أو الصومال، إذا ما استمر اعتماد المجتمع اللبناني على المبادرات الخاصة وشركات بيع المياه المعبأة. أما تلوث الهواء فلا حاجة لذكره، أو للتوقف عند تكاليفه المالية والاقتصادية الهائلة، مرضاً وأعطالاً. وتنعكس هذه الانهيارات البيئية بشكل مباشر على الزراعة وتربية المواشي، مثلما سبق ان انعكست انهياراً للثروة السمكية.

ثم إن الانهيار المتواصل للبيئة اللبنانية يعني أيضاً تراجع موارد السياحة التي يتغنى بها اللبنانيون، رغم أنها قد لا تدوم إذا ما نزعت أسعار بطاقات الطيران إلى التحليق الخرافي كما هو متوقع في عشرين عاماً. كما يعني ذلك أيضاً تغير علاقة اللبناني ببلده، مثلما كان النزوح الكثيف من القرى إلى المدن أيضاً بادرة تغيير في علاقات الانتماء والسياسة والسلطة.

يضاف إلى هذه الشروط البيولوجية أن النشاط البشري الحديث، على أنواعه، مستهلك نهم للطاقة. ويتزايد هذا النهم مع النمو الاقتصادي المأمول، وزيادة عدد السكان. ويفاقم آثاره السلبية تراجع مصادر الطاقة الأحفورية في العالم، وتوجهها إلى النضوب مما يعني زيادة أسعارها بشكل مرهق للدول الفقيرة التي لا تملك أيضاً تمويل تطوير مصادر بديلة، وللدول الصغرى التي لا تستطيع الحلم بمفاعلات نووية (تأتي بمفاتيحها في اليد بحسب العبارة الفرنسية) ولا استبدال قطيعها التكنولوجي وأدوات نقلها بأخرى متطورة أقل استهلاكاً. أي أن لبنان، ما لم يتنبه أبناؤه مبكراً، آيل إلى استهلاك متنامٍ (ومتفاقم الصعوبة) ومتزايد الكلفة لطاقة متعاظمة التلويث البيئي والأضرار الاجتماعية والاقتصادية.

لن يكون تزايد عدد السكان وحده المسؤول عن هذه المخاطر، بل بالدرجة الأولى غياب الوعي الجماعي بقيامها محاذير تهدد بافراغ بلد الـ 10452 كم مربع من سكانه، مثلما سبق أن انهارت حضارات واسعة كاملة في أميركا قبل وصول الاسبان اليها. بالمقابل، فإن التغييرات الديوغرافية تطرح أيضاً تحديات جدية وجديدة على اللبنانيين، لا تقتصر على تغيير التوازنات الطائفية المختلة أصلاً.

تحديات الديموغرافيا

تتوزع توجهات الجغرافية البشرية اللبنانية على عدة محاور: ارتفاع معدلات الأعمار، تزايد الهجرة الشابة خصوصاً، النزوح نحو الساحل. سيؤدي تراكم هذه العوامل، على نحو متسارع يغتذي من نفسه، إلى مجموعة من المشاكل التي لا تزال تنتظر الانتباه إليها قبل التفكير حتى في معالجتها.

النزوح نحو الساحل يزيد الاكتظاظ السكاني، فضلاً عن استمرار إضراره بالبيئة. سيزيد هذا النزوح، مع سوء البناء، الأضرار الناجمة عن هزة أرضية قوية أو موجة بحرية عملاقة، يجري الحديث عنها بكثرة دون أن يخصها أحد من سماحتهم ونيافتهم ولو بدعوة واحدة إلى الله. كما ان هذا التركز السكاني يزيد الحاجة إلى بنى تحتية واسعة وفعالة، وإلى توافق سياسي، وإلا فإن محاذير الاشتباكات ترتفع بطبيعة الحال، على ما شهدت بيروت بسبب كونها مركز الاستقطاب الساحلي الرئيسي.

بالمقابل، فإن ارتفاع معدلات الأعمار، وتراجع فتوة الشعب اللبناني، بالمقارنة مع سائر الشعوب العربية، وخاصة سوريا، مع استمرار الهجرة وسيلة أساسية لضخ المال إلى الوطن اللبناني، سيؤدي إلى تعاظم تركز مجموعات من الكهلة والآيلين إلى العجز في هذه المدن، وحيدين أو مع صغار ما يزالون دون القدرة على الاهتمام بكبارهم الذين تتزايد أيضاً نفقاتهم الصحية بمقدار انهيار الضمان الاجتماعي. كما سيؤدي إلى استجلاب يد عاملة، رخيصة وفتية، للقيام بأغلب الأعمال البدنية أولاً، الزراعة والبناء والتنظيف، ومن ثم بأعمال الرعاية والعناية، ليس فقط بالأطفال بل أيضاً بالكبار. ليس التوطين إذاً وحده الشر المستطير، بل لربما كان الخزان البشري الفلسطيني عامل دفع مؤقت يمنع انفراط المجتمع اللبناني لفترة قصيرة.

تؤدي الهجرة، وهي على كل حال أشهر المشكلات رغم أن أحداً لا يقترح حلاً لها، إلى افراغ البلد من نخبه الفتية، وإن منحتهم حيوات في المهجر وخبرات وثروات ضرورية للبلد نفسه. إلا ان احد العقبات التي لا تزال تحول دون ايجاد حل لمشكلة الهجرة هي التفسير الاقتصادي الأحادي لها، في حين أن أي حوار مع المغتربين سيشير بوضوح إلى أن هنالك شعوراً حاداً بالضيق أدى في أحوال كثيرة إلى هذه الهجرة: ضيق البلد وامكاناته، والضيق به وباجتماعه المنافق وثقافته الظاهرية وسياسته الكارثية.




الزمن والسياسة

كل ما سبق من مشاكل ليست تثار عادة، إلا على سبيل الفولكلور الحداثي أحياناً، ليست بالضرورة غير قابلة للحل. بل إنها ربما كانت محفزاً لابتكارات جديدة تنهض بالبلد بأفضل مما قد نأمل. فالفلمنكيون في بلجيكا بنوا نهضتهم الحالية الطاغية على ما كان أبرز مقومات ضعفهم، أي صغر المؤسسات والنزعة الفردية، في مقابل الصناعة الوالونية الثقيلة المنقرضة. يمكن لهذه التحديات أن تجبر الوعي اللبناني، إذا ما استيقظ من غفوته وجذب زق الجد إليه، على الابتكار والاستفادة إلى الحد الأقصى من الموارد المتاحة التجديد. ليس ها هنا مجالاً لسرد اقتراحات وحلول لا نملكها، لكن يمكن ملاحظة أن تفادي أزمة المياه يستوجب تطوير موارد الطاقة الهيدروليكية والتنقية وشبكة البنى التحتية العامة، وهو ما بدوره قد ينعكس في شكل إيجابي على تحديات الطاقة والكثافة السكانية. ويمكن أيضاً ملاحظة أن موضوع الطاقة الكهربائية والربط بالشبكة العربية سيستلزم، حكماً، بت مسألة الوجه العربي للبنان وحسم علاقاته بسوريا في اطار التعاون الندي والموضوعي.

بدورها، مسألة الكهولة المتنامية قد تسفر عن تنشيط هذه الفئة العمرية، وعن تدريب الشباب والمراهقين على العناية بالعجائز، وتؤدي إلى تشغيل فائض المقيمين الفلسطينيين إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، وإلى تحسين الجهاز الصحي على قاعدة الوقاية والخدمة المنزلية بدل اكتظاظ المستشفيات.

قضية الهجرة ونزوح الأدمغة قد تفضي إلى دور جديد للبنان، بدل حوار الحضارات المأسوف على شبابه أو محمية المذاهب الآيلة إلى الانقراض، وهو ابراز قدرة مجتمع ما على تنظيم العلاقة بنخب خارج أرضه، واستقطابها في شبكاته من أجل نقل الخبرات والتقنيات والمعارف، وليس فقط تحويل الأموال، وربط المؤسسات اللبنانية بالمؤسسات العالمية انسانيا ومؤسساتياً. فمثل هذا التحدي يطال حتى دولاً عريقة كفرنسا، ناهيك عن دول العالم الثالث كلها.

التجاور الساحلي، وانتظام الاقامة فيه، سيدفع أيضاً إلى تجاوز مرحلة تريّف المدن وغزو الثقافة الريفية لها نحو مرحلة جديدة لسنا نعرف مسبقاً ملامحها. لكنها ربما تؤدي إلى تجاوز المراحل الحالية الخطيرة من علاقات الطوائف بزعمائها وببعضها البعض، وإلى تجاوز الثقافة الحاسدة والحاقدة للفردية والغفل والحرية.

مراد القول إن الكارثة ليست قدراً، وإن التحدي لا يعني الفشل. إلا أن طريق البدء باتجاه تجاوز هذه الصعاب لا تبدأ، في ظننا، من اتباع نصائح الخبراء، رغم أهميتها، ولا من العيش في ثلاجة الهدنة على ما فعل لبنان منذ 1990. تفترض مواجهة التحدي جهداً اجتماعياً عاماً، بالدرجة الأولى، يحضن الخطط والاقتراحات المدروسة. إلا ان ذلك بدوره يقتضي الخروج من فكرة معينة عن الزمن وعن "الخصوصية اللبنانية".

فالزمن الشرقي يصنف عادة على أنه زمن دائري، في مقابل فكرة التقدم الزمني الخطي الغربية. إلا ان زمننا في الواقع ليس حتى دائرياً، لأنه لا يكرر سوى الفراغ، لا الأحداث. فزمننا يشابه دائرة موهومة لكنها تدور حول محور ثابت، هو الزمن الثيولوجي الالهي. فكأنما الأحداث الالهية وحدها تكتسب قدرة على الرسوخ في تفكيرنا، وعلى التكرار. فيتم الاحتفال العارم بعاشوراء وميلاد المسيح وميلاد محمد، إلا أن ميلاد لبنان حدث لا يتذكره أحد، وكذا استقلاله الذي يقتصر على المؤسسة العسكرية وعطل المدارس. الوعود الالهية أيضاً تكتسب قدرة على الجذب والأسر، وأحداث زمن الرسالة تغدو نبراس القراءة لوقائع الحاضر المتغيرة حكماً. فكأنما كل ما هو خارج الله غبار أو رمل صحراء وسرابها. وحدها اللغة الدينية واللسان، اللذين حضنا ابتكار البدوي العربي أو العبري للاله غير المصوّر، يبقيان في وصفهما المعبد الذي تصطف فيه تماثيل الأحداث ونصبها، في حين تكسر فأس اللغة نفسها أصنام الواقع المتغيرة البكماء.

"الشطارة" اللبنانية، التي تعني نجاة المرء بجلده في الآن، لا تعني سوى الاقامة في حاضر قصير الذاكرة، لا تتراكم فيه الأحداث ولا تتخذ مساراً منطقياً من مقدمات إلى نتائج. إنها اقامة في اللحظة، لا تتيسر إلا لمن اقتنع بأن كل من على وجهها فان. ذلك أن خواء الزمن البشري، بالمقارنة مع الزمن الالهي، هي التي تجعل من اللحظة محل اقامة الانسان الوحيد، وتحل له التفلت من أي قيود ولو كان هذا التفلت تضييقا أشد على خناقه. "الشطارة" في هذا المعنى حرب حقيقية فردية يصليها اللبناني ضد نفسه ووطنه وبيئته ومجتمعه. وهل أدل على ذلك من كون حرب المدافع، حرب صيف 2006 مثلاً، اقامة تامة في زمن الحاضر المستديم والعام كما أن الحرق اقامة اللهب المستديمة في الجلد؟ في زمن اللحظة، أي الشطارة، لا محل للعار الذي هو طفو الماضي على صفحة الحاضر، بل للخوف، الذي ليس ذاكرة المستقبل، على ما زعم سيوران، بل هو تمسك بمكاسب الآن ورعب الخروج من الزمن الوحيد الذي يعرفه المرء. في زمن اللحظة أيضاً، أي الشطارة، تتراكب العائلات طوائف، وتتواطؤ الطوائف على نشر الغصن الذي تجلس عليه خوف الغرق.

يبدو من الضروري اليوم الأخذ بما نقله أونفراي عن دولوز حول نقاط الأزمنة المبعثرة والمتصلة لبناء نظرة جديدة إلى الزمن وإلى الجهد الانساني فيه. بل إن ذاك أيضاً ضروري لشرعنة الفعل السياسي بمعناه النبيل. علينا أن نخرج من خانة "الشغل" الضروري للعيش إلى خانة "العمل" الباقي القابل للتراكم وللتحول ارثاً. في سبيل ذلك علينا في الآن عينه أن نبني صلتنا بالماضي والذكرى، الفردية والعامة، وبالارث المشترك، كما علينا أن نصل أجزاءً من ذاك بما نبتغي أملاً. أن نجد مسوغاً في الآتي لتغيير ما نحيا، أو أن نستمد من هوامش الماضي طاقة لنضالات موضعية، لحِرَف بعينها أو لرمز نأبى خسارته، أو لمتع خاصة كالموسيقى القديمة أو الشعر الغنائي لمن شاء. علينا أن نسعى لاستغلال خفة الحاضر للانقلاب، لا على الذات، بل على وطأة الهويات القاتلة، مثلما علينا أن نحارب بثقل العيش خفة الزعامة التي لا تحتمل. ذلك أن مهمة السياسي، في واقع الأمر، ليست "نهش" الحصة الأوفى من الدولة لأتباعه أو لطائفته، بل منع انهيار شبكة المجتمع تحت وطأة المطالب الحالية الآنية المتناقضة للجماهير الهادرة، حالمة أو طامعة. أي أن عليه، في كل مرة، أن يدخل هذه الجماهير ونزواتها وحاجاتها في مسار زمني، يمرحل المطالب ويقوننها ويبلور الأولويات ويوضح حدود الممكنات ويدفع باتجاه تجاوز السدود القائمة. كما يحتاج الإنسان الزمن ليغير في الجغرافيا والمكان، يفتقر المجتمع إلى الزمن واشتباكه ليمنع تغييراته من أن تكون قفزة حاسمة في الفراغ.