نشر في موقع الأوان
هل يمكن للأحكام الدينية الإسلامية أن تستحيل قاعدة قانونية؟
شهدت المدونتان المصريتان لعمرو عزت ومحمد الهامي نقاشين من أرقى ما يمكن للانترنت أن يتيحه (رغم بعض المتطفلين البذيئين الذين يتعبون بسرعة)، وكان المذكوران بطليْهما الأبرز، إلى جانب بعض الآخرين. تناول موضوع النقاش الأصلي حكم المحكمة الإدارية العليا المصرية برفض تسجيل كلمة "مسيحي" في خانة المذهب في الأوراق الرسمية لمن عاد إلى المسيحية، اثر اعتناقه للإسلام. وجاء في حكم المحكمة الصادر أواخر شهر أبريل الماضي، أن أصول الدين الإسلامي تمنع الردة عنه، لذا، وعلى الرغم من ضمان الدستور والمواثيق الدولية لحرية المعتقد، فإن هذه الحرية لا تشمل التلاعب والتنقل بين الأديان، لأن في ذلك خروجاً على النظام العام وجماعة المسلمين. لذا، فإن على المسيحي، باعتراف المحكمة نفسها، أن يرتضي بقاءه بالتالي مسلماً، على الورق...
سخر عمرو عزت في مدونته "ما بدا لي" من هذا "الحكم" سخرية بديعة ومريرة. لكن النقاش تحول في سرعة من المجال القانوني الذي ركز عليه عمرو إلى "حكم الردة في الإسلام". والحق أن هذا التحول كان مضمراً في حكم المحكمة نفسه الذي ابتكر قاعدة جديدة، في القانون وفي الفقه، حيث حكم بعقوبة لا أساس قانوني لها، بإيقاع حكم "البقاء على خانة المسلمين" محل "حكم الردة". لذا انتقل النقد من السخرية القانونية إلى التساؤل عن حقيقة حكم الردة في الإسلام وما كان ينبغي للمحكمة أن تحكم به لو أنها تطبق شرع الله، بما أنها زعمت هنا أنها تطبق أحكام أصول الإسلام.
ما نود الالتفات إليه ينقسم إلى نقطتين. الأولى تتعلق بما تكشفه هذه النقاشات حول إمكانية الحوار في شأن القواعد الدينية الإسلامية. والنقطة الثانية هي التساؤل حول شروط استقبال مثل هذه القواعد في المنظومة القانونية للدولة الديمقراطية المرجوة، ذلك أن الإسلاميين، دون شك، سيشكلون ثقلاً كبيراً داخلها، ولما كان القانون انعكاساً للأوزان الاجتماعية فإنهم سيسعون تالياً إلى تضمينه ما يعتبرونه أحكاماً إسلامية. للتبسيط، نتساءل الآن هل يمكن الحوار في موضوع من قبيل "حكم الردة في الإسلام"؟ وهل يمكن في مرحلة لاحقة إدخال مثل هذا الحكم كقاعدة مقننة في دولة "ديمقراطية"، وليس في دول كالسعودية أو إيران، يتمتع فيها الإسلاميون بثقل كبير، إن لم نقل بالأغلبية؟
حوار الصمّ حول الأحكام الإسلامية
يكشف النقاشان السالفا الذكر وجود نماذج للشخصيات التي تدخل في مثل هذا الحوار:
ـ غير المؤمنين الذين لا يرون في الدين أية فائدة أصلاً.
ـ غير المؤمنين، لكن الذين يشددون على الاستفادة من القيم الإنسانية في الدين.
ـ المؤمنون الذين يقدمون العقل والأخلاق قاضياً على فهم الدين نفسه.
ـ المؤمنون الذين يقدمون النص على العقل، ثقة بالحكمة الإلهية المتجاوزة لأفهام البشر. لكن فهم النص لديهم يتم بواسطة مرجع مختص فقيه، قديم أو حي، أو بما يتحصل لديهم من أغلبية بين هؤلاء المراجع.
ـ المؤمنون الذين يقدمون النص على العقل، ولكن بحسب فهمهم الخاص لهذا النص. هذا الفهم على نوعين: فهم النص بحسب حرفية لفظه، أو فهمه وفقاً لبيئته وتاريخه ومقاصده.
في حوار بين أطراف بالغي التعدد كما هي الحال هنا، يصبح من غير المجدي الحوار على أرضية النص نفسه، لوجود شريحة لا تؤمن به أصلاً، ولتناقض النصوص وكثرتها ثانياً، وللخلاف على طريقة فهم النص ثالثاً.
أما الحوار من خارج أرضية النص، أي على أرضية الأخلاق والعقل، فغير مجدٍ أيضاً، بما أن ثمة مؤمنين يعتقدون بتجاوز الحكمة الإلهية لأفهامنا البشرية، وتالياً أن تحييد النص يكون تنطحاً إلى مقارعة العليّ العظيم بأفهام قاصرة. هؤلاء يرفضون الاستغناء عن النص، مهما بدا صادماً للأفكار المعاصرة. أليس هذا، آخر الأمر، ما تسبب في غضبة المفتين بالتبرك ببول الرسول أو برضاعة الكبير؟ بالنسبة لهؤلاء يكفي ثبوت النص، بحسب القواعد المقررة لثبوته قبل ثلاثة عشر قرناً، ليصبح واجباً وحكمة الهية لا تقبل المس بها، فضلاً عن أن أي مس بصحة أي خبر "ثابت" تصبح مساً بأول أسس الدين، أي تواتره، كما ظهر في الغضبة الشهيرة ضد طه حسين حين شكك ببعض الشعر الجاهلي (راجع مقالة أحمد بيضون عنه في كتابه "كلمن")، أو كما أبان وضاح شرارة في معرض تعليقه على أخبار مجنون ليلي في كتابه "أخبار الخبر".
إن لم يكن من الممكن الاتفاق إذن على أرضية أو مسطح للحوار، فكيف يمكن الركون إلى منهاج أو منطق يكون قاضياً عليه ويحكم من فاز به؟
في الأغلب، يتحول الحوار إلى محاولة لكسب المستمعين والمشاهدين، وليس المحاورين أنفسهم لا عناداً منهم أو تكبراً بل لغياب المرجعية الموحدة بينهم.
في الأغلب أيضاً، ستنتهي الأمور إلى محاولة من المؤمنين المنفتحين أو "التلفيقيين" من أجل تأصيل قيم حديثة في الدين، سواء بالتنقيب عن النصوص المتفردة، أو تقديم منهاج جديد لفهمها يسمح بتأويلها بحسب البيئة والتاريخ والاجتماع. على أرضية النصوص، يفوز دوماً الطرف الأكثر تشدداً وتطرفاً، ذلك أن وراءه حصيلة خمسة عشر قرناً منها. وهذا ما يحشر البعض الآخر في زاوية "عدم الالتزام بأحكام الدين" في حين أنهم يدّعون التزامهم التام بها.
هل يعني هذا أن الحوار مع الإسلاميين وبينهم سينتهي دائماً إلى انتشار الفكرة الأكثر تطرفاً؟ ربما. فلطالما كان النقاش بين الماركسيين ينتهي أيضاً لصالح من يجد الجملة الأبلغ لماركس والتي تقطع دابر كل جدال!
لكن أرض الواقع كانت دوماً تثبت، في الوقت عينه، أن الطرف الأقوى في الجدال هو الأقل وزناً في السياسة. ذلك أن مرجعية الجدالات كانت دوماً نصوصاً ثابتة في حين أن المجتمعات تسعى دوماً إلى التكيف مع ظروف جديدة لا يجدي فيها التمسك بأصالة الفكرة وأصلها شيئاً.
رغم هذا الأمل البسيط في أن تظل المجتمعات ترفض أن تجمد في قالب فكرة حجرية، يظل هنالك تساؤل خطير العواقب. هل يمكن للإسلاميين، في حال حلول الديمقراطية بين ظهرانينا كما حصل مع الفلسطينيين، أن يفرضوا قانوناً إسلامياً، بحجة الأكثرية؟ وهل يتوافق مثل هذا القانون مع أسس الديمقراطية نفسها، أي الفرد والقانون. من هنا ينبع سؤالنا عن صفات الأحكام الدينية بالمقارنة مع القاعدة القانونية.
القاعدة القانونية والأحكام الدينية الإسلامية
تحفل كتب المقدمات في علم القانون بالمقارنة بين القاعدة القانونية والقاعدة الدينية أو الأخلاقية، إلا أن هذه المقارنة تنطلق في الأغلب من موازاة بين الدين والمسيحية والأخلاق. فيمكن للبروفيسور هنري مازو القول بأن الفارق بين القاعدة القانونية والقاعدة الأخلاقية أن الأولى تتميز بعامل الإلزام الخارجي، أي بالاستناد إلى قوة خارجية هي قوة الدولة وليس فقط عقوبة أخلاقية داخلية وفردية، كما أن القاعدة الأخلاقية تتميز بالتسامي العالي عن واقع المجتمع وبغياب التحديد الكافي لتفاصيلها الأمر الذي ينعكس سلباً على "الأمن القانوني"، أي معرفة معنى القانون والثقة بالنتيجة الواضحة المرتقبة من تطبيقه. ويبدو جلياً هنا أن الدين الإسلامي، نظراً لكونه تشكل عبر التاريخ ديناً ودولة ليس متسامياً كثيراً عن حاجات المجتمع، بل هو يزعم، أو يزعم أهله، أن الفارق بينه وبين المسيحية هو غياب الحس الواقعي لدى هذه الأخيرة، في أمرها بالمحبة والمسامحة وبذل الذات، وتغييبها لعناصر المجتمع من أنانية ومطالبة بالحق والامتلاك والاستئثار. لذا يصير السؤال هل يكفي منح القاعدة الدينية الإسلامية قوة الإلزام الخارجي المستمدة من الدولة لتصير قاعدة قانونية "مقبولة في المنطق القانوني"؟
إذا اكتفينا بتحديد البروفيسور مازو، لربما كان الجواب بالإيجاب، ذلك أن الدين الإسلامي، خارج قسم العبادات ومعرفة الذات الإلهية، يتضمن جوانب المعاملات والعقود والإرث والحدود (أي القانون الجزائي)، وذلك بتفصيل تفنن فيه فقهاء العصور الغابرة. فهل يمكن لنا استقدام هذه القواعد، وصبها في إطار قانوني، استكمالاً لما بدأت به مجلة الأحكام العثمانية مثلاً، فتصير قواعد قانونية ملزمة، وذلك بغض النظر عن مضمونها؟
لم ينمُ إلى علمنا دراسة تتناول هذا الموضوع، سوى دراسة الدكتور سمير عالية "علم القانون والفقه الإسلامي" التي أفدنا كثيراً من جزء منها منشور على الإنترنت، وله أيضاً كتاب بعنوان "المدخل لدراسة القانون والشريعة".
يحدد الحقوقيون أجمالا سمات القاعدة القانونية بالعموم، أي شمولها الكل، والتجريد، أي عدم ارتباطها بحالة مفردة، والإلزام والعقاب عليها، إضافة إلى كونها قاعدة مفروضة على إرادة الفرد من خارجها بموجب القانون الذي تضبط به الجماعة شؤونها من أجل الصالح العام. وهذه السمات كلها ممكنة التوافر في حالة القاعدة الدينية، من نوع "من ارتد عن الإسلام يعاقب بالقتل"، إذا ما استند تطبيقها إلى قوة الدولة التي تقوننها.
يظل أن هنالك سمتين رئيسيتين، تتفاوت الإشارة إليهما شهرة، وأعني أولاً الاستمرارية، أي بقاء القاعدة القانونية ملزمة حتى إلغائها أو استبدالها أو سقوطها، وثانياً كون القاعدة القانونية لبنة في نظام هرمي تراتبي مترابط، صادر عن الدولة، ومتعلق بدستورها. ويترتب على هذين الملمحين نتائج مهمة بالمقارنة مع القاعدة الدينية الإسلامية.
فالقاعدة الدينية الإسلامية، إذا أسقطنا منها الحساب الأخروي على السرائر وعلاقة الإنسان بربه، تظل ذات أصل إلهي سماوي، وهذا يعني بحسب د. عالية أن قواعد الشرع تميزت "عن غيرها من القواعد الاجتماعية، ومنها قواعد القانون، بموافقتها للعدل والحق والصواب، وبعصمتها من الخطأ والنقص والجور والهوى الشخصي"، كما أن الشرع الإسلامي كما يتضح للدكتور عالية "يحقق في أحكامه العدالة المطلقة، في حين أن القانون الوضعي يكتفي بمجرد تحقيق العدل النسبي".
أي أن القاعدة الإسلامية الدينية، لما كانت معصومة من أي خطأ أو نقص، لا تقبل التعديل، فكيف بالإلغاء أو الاستبدال أو السقوط. ولما كانت القاعدة كاملة، فهي كاملة في ذاتها، تعدل أهميتها أية قاعدة أخرى، ولا ترتبط بغيرها، استثناء أو خضوعاً لمبادئ أعلى واردة في الدستور أو في المعاهدات الدولية.
يعني هذا أن منطق القاعدة الدينية الإسلامية يؤكد عناصر ثلاثة:
ـ خلودها في صورة واحدة ثابتة إلى يوم الدين، ولا يعتدّ في رأي الأكثرية الفقهية بالقول بتغير الأحكام بتغير الأزمان.
ـ فرديتها، فهي مستغنية عن الأخريات وينبغي تطبيقها في ذاتها وهو ما يجعل قضية فرض الحجاب على المذيعات تعادل في الأهمية وقف سفك دماء المؤمنين إن لم تكن تفوقها (انظر نشاط مجموعة "سيوف الحق" الغزاوية!).
ـ وأخيراً تفلتها من التزامات الدولة تجاه جماعة الأمم والمعاهدات التي لا تستطيع تالياً أن تسمو على القاعدة الدينية.
هذه العناصر الثلاثة تعاكس كلياً المنطق القانوني. إذ لما كان القانون تعبيراً عن المعارك الاجتماعية وحاجات المجتمع المتغيرة، كان من الواجب تعديله وتغييره توافقاً مع المتغيرات أو استباقاً لها أو تلبية للحاجات الجديدة. و"تخليد" القاعدة بحجة صدورها عن أصل سماوي يمنع القانون من لعب دوره الحقيقي.
كما أنه لمّا كان القانون صادراً عن الدولة جاز للدولة القيام بواجبات التعديل والتغيير والإلغاء وفقاً لسياستها ولجديد توجهات ساستها، فالسياسة لا تقتصر على النزاهة في صرف المال العام على ما يحسب الإسلاميون، وهم معذورون إذ لا سياسة فعلية في بلداننا! ولا ينبغي في حال قيام الدولة بتعديل القانون الرد على ذلك بثبوت النص على القاعدة ثبوته في موضوع إرضاع الكبير أو بول الرسول، فليس النص هو القاضي على صلاحية القاعدة بل رأي الجماعة في سبل تحقيق مصلحتها. وهذا أول شرط لقبول القاعدة الدينية الإسلامية في المنطق القانوني، أي قبول الإسلاميين بإمكانية التراجع عنها إذا ما شاءت الجماعة ذلك، وإلا وقعنا في ديمقراطية المرة الواحدة والقواعد الخالدة على غرار ما نعرفه من رسائل (ومن أنظمة) تخال نفسها سرمدية.
من جانب آخر، يعني ترابط القواعد القانونية تشكيل القانون لنظام متكامل وتراتبي، يسلط المبادئ الدستورية والمعاهدات الدولية على القواعد الداخلية، ويحدد المبادئ كما يحدد الاستثناءات عليها. فالقواعد القانونية ليست سواسية كأسنان المشط، بل فيها ما يستوجب التقديم والتأخير والتمهل في التطبيق أو حتى تأجيله أحياناً، ومنح سلطة التطبيق لمؤسسات متفاوتة كالقضاء العدلي والإداري والمؤسسات الرقابية المختلفة. فلا تجتمع سلطة التطبيق في يد واحدة. يعني هذا شرطاً ثانياً لقبول القاعدة الدينية في النظام القانوني، ألا وهو خضوع القاعدة الداخلية للمبادئ المتفق عليها في الدستور، وكذلك لالتزامات الدولة على الصعيد الدولي، وهي في أغلب الدساتير تعلو القانون الداخلي. في هذه الحال، يصبح تطبيق الشرعات والمواثيق الدولية مانعاً لأغلب الحدود، بما أنه يمنع القصاص البدني، فضلاً عن أنه يكفل حرية الرأي والمعتقد.
وليس فقط الخضوع لهذه المبادئ المكتوبة، بل أيضاً لمبادئ متفق عليها لكونها تشكل أساس المنطق، أي عدم التناقض، والوضوح في التحديد، والحكم على ظواهر الأمور بالأدلة الثابتة. فلا يمكن تالياً الجمع بين "لا إكراه في الدين" و"من بدل دينه فاقتلوه"، ولا الحكم على النوايا والمضمر. كما لا يمكن، أخيراً، توقيع عقوبة على جرم غير محدد، أو محدد بصورة تمنع تعريفه بدقة. إلا أن المبرّزين في هذا المجال الأخير ليسوا الإسلاميين، بل الأنظمة العربية الحالية، التي لا تتورع عن الحكم على المعارضين بتهم "إضعاف الشعور القومي"! أو "تغيير كيان الدولة الاقتصادي والاجتماعي"! (انظر آخر إبداعات المحاكم الاستثنائية في سوريا، ولا شك أننا لو نظرنا إلى سواها لرأينا أننا كلنا "في الهم شرق").
نخلص إلى القول تالياً أن صدور القانون بصورة شكلية سليمة لا يعني سلامته لناحية المنطق القانوني، كما أشرنا في الحالة السورية. والتعديل الدستوري المصري الذي فرض فيه السادات اعتبار الشريعة مصدراً للتشريع مثال آخر لأنه سليم شكلاً، لكن نتائجه كارثية على صعيد المنطق القانوني، لأنه يضع تشريعين متنافسين، بدل الاكتفاء بالإعلان عن حق الدولة في أن تستمد من الشريعة الأحكام التي تناسبها.
ونخلص إلى القول من ثم إن من الطبيعي أن تستمد المجتمعات أحكامها من إرثها وما ألفته زمناً طويلاً أو مما تعتنقه، لكن إدخال هذا الإرث المألوف، أو المستعاد أو حتى المتخيل، إلى إطار القانون يستوجب إخضاعه لمعالجة جذرية تجعله يقبل بشروط هذا الإطار الجديد ومنطقه. يتطلب هذا من القائلين بأن العودة إلى الإسلام هي الحل أن يتقدموا، ليس فقط بمشاريع قوانين واضحة ومحددة ومقنعة تشير إلى تفاصيل هذا الحل المقترح، لا إلى مصدره السماوي، وأن تسفر عن نشاطهم هذا مراجعة تقودهم إلى القبول بإمكانية التراجع عما يقترحون، حتى بعد إقراره، إذا ما ارتأى المجتمع ذلك، والانتباه أخيراً إلى أن الدولة هي مصدر التشريع، وهي ليست دولة منعزلة على كوكب آخر، بل هي ذات التزامات دولية ينبغي احترامها والتوفيق بينها وبين المشاريع المقترحة على قاعدة مبادئ المنطق العقلي الثابتة، لا الحكمة الإلهية التي لا تُطال ولا تنال، ولا نملك شيئاً حيال مكرها.
lundi 10 mars 2008
أحكام الدين أم قواعد القانون؟
أخذ المكان على محمل الجد
القانون والمكان والمجتمع في إسرائيل المعاصرة
أخذ المكان على محمل الجد
لأسباب كثيرة يفترض بنا دراسة الفكر القانوني وعلاقته بالتنظيم الاجتماعي في اسرائيل، خاصة ونحن على مشارف مفاوضات جديدة قد تفضي، إذا ما أفضت، إلى تقاسم سيادي في بعض المناطق أو تبادل لأخرى، الأمر الذي يطرح قضايا عويصة على الصعيد القانوني والتنظيمي والإداري. إلا أن هذا السؤال ضروري ايضاً وملح، حين نعلم أن لطلب اسرائيل ان يصير الفلسطينيون فنلنديين ديمقراطيين قبل الالتفات إلى التفاوض معهم سوابق في تعاملها مع البدو العرب، ومع اليهود العرب من اهلها. وهذه القيود ستنسحب ايضاً على أي محاولة لاحقة للتفكير في وضع "عرب إسرائيل" في نظر سائر العرب ودولهم التي تبدو مجتمعاتها وكأنها تطالب وتغذ السير للوصول إلى وضع الغيتوات التي فر منها يهود أوروبا ليفرضوها على مجموعات بعينها في داخل دولتهم العتيدة. من بين الأسئلة التي قد يطرحها المرء هذه التالية: لماذا يستمر الفشل الدراسي عالي النسبة في أوساط اليهود من أصول عربية، ولماذا يستمر الفصل في المدارس بينهم وبين اليهود من أصول أوروبية، رغم جهود الحكومة الإسرائيلية؟ ماذا تعني تجمعات بدو النقب وتجاور بؤسهم مع ترف المستوطنات اليهودية القريبة؟ ولماذا تنقسم المحكمة العليا الإسرائيلية حول مطالب اليهود المتطرفين في القدس بإغلاق طريق سريع يمر بين ظهرانيهم احتراماً للسبت؟ وما الجامع بين هذه الأسئلة وبين الايديولوجية الصهيونية المؤسسة لدولة إٍسرائيل؟
يطرح إساشار روزن ـ زفي هذه التساؤلات في كتابه " أخذ المكان على محمل الجد: القانون والمكان والمجتمع في إسرائيل المعاصرة" (دار اش غايت، 2004، بالانكليزية، تجدر الإشارة إلى أننا سنترجم Space بـ "مكان" باستثناء الإشارة إلى "الفضاء السياسي"). ويقول روزن ـ زفي بأن الإجابة عليها تتطلب "صرف الأهمية من المعطى المكاني إلى التنظيم والمعنى المكانيين" بحسب ما ينقل عن ادوارد سوجا، أي العناية بالطريقة التي بها يُبنى المكان ويُتخيل ويُقوّى ويُعارض. فكما يقول ريتشارد فورد فإن "المكان، كما نختبره هو، بطرق عدة، ليس الإطار الثابت، بل النتيجة للتفاعلات الاجتماعية، والمفاهيم الايديولوجية، وبالطبع للعقيدة القانونية وللسياسة العمومية".
يحاول المؤلف إذن لرد على التساؤلات المطروحة بدراسة العلاقة ما بين القانون والمكان في إسرائيل، متابعاً الفصل الذي يجريه فورد حول النظرة القانونية إلى المكان، المتأرجحة بين فهمين خاطئين له: "المكان الشفاف" و"المكان غير الشفاف".
المكان الشفاف: اليهود العرب
بحسب الأرقام التي يوردها المؤلف فإن 16.7% من اليهود ذوي الأصول العربية يتابعون دراسة جامعية مقابل 51% من اليهود ذوي الأصول الأوروبية، و42% يتركون الدراسة قبل نهاية المرحلة لاثانوية مقابل 22% فقط من الأشكيناز. كما يورد أيضاً أن معظم المزراحيم (اليهود ذوي الأصول العربية) يتلقون تعليمهم في مدارس مهيئة "لذوي الاحتياجات الخاصة"، أي أن التعليم فيها يتم على اساس مقررات أبسط وأفقر، مما يؤدي عملياً إلى فصل واضح ما بين المزراحيم (أو السفارديم) والأشكيناز. وبالرغم من أن ردم الهوة ما بين أبناء إسرائيل ـ بحسب رئيس لجنة التربية في الكنيست ـ هدف وطني شديد الأهمية، ورغم أن سياسة الدمج هي السياسة الرسمية المعلنة، إلا أن الفشل المتواصل رغم كل الجهود، قد دفع بالجميع إلى اليأس عملياً، كما يقول روزن ـ زفي.
أسباب الفشل متعددة بالطبع، لكن أهمها، بحسب المؤلف، هو القانون الذي ينظم الدوائر التعليمية ويربطها واقعاً بالسلطات المحلية، وكذلك دور المحكمة العليا الحريصة على تطبيق القانون دون اعتبار للواقع المكاني الذي سيطبق فيه أو عليه.
فالدوائر التعليمية في إسرائيل مرتبطة، إلا استثناءات قليلة، بقاعدة قانونية تقول بإرسال الطالب إلى مدرسة لا تبعد عن منزله أكثر من كيلومترين، وترتفع المسافة المسموح بها إلى ثلاث كيلومترات لطلاب الثانويات.
وإذا ما بدت المحكمة العليا الإسرائيلية طرفاً مناضلاً من أجل إزالة الفصل الدراسي بين المزراحيم والاشكيناز، لا سيما من خلال رفضها طلبات الأشكيناز بالسماح لهم بالدراسة في مدرسة مختلفة عن تلك، المدمجة، التي عينتها لهم الدائرة التعليمية التي يقطنون في إطارها، فذلك، في الواقع، لأن طلباتهم كانت تعارض قاعدة الكيلومترين هذه. فالدور الحقيقي للمحكمة العليا يتبدى في رفضها طلبات أبناء المزراحيم بالانتقال إلى مدرسة جيدة المستوى، مدمجة أو غير مخصصة لذوي الحاجة إلى معاملة خاصة، بالدرجة نفسها. أي رفض أي خرق لقاعدة الكيلومترين.
فالمحكمة تتعامل مع تقسيمات الدوائر التعليمية مكانياً كتعاملها مع تقسيمات إداري بحتة تجري، لأسباب متعلقة بالفعالية ليس إلا، على أرض غير ذات صفة. تقسيمات تحدث في مكان شفاف ومتناسق في كل نقطة منه، مما يجعل الأمكنة المقسمة متساوية تماماً، بالضرورة، ويفقدها أي مبرر لإعادة النظر فيها.
إلا أن الواقع مختلف، فمنذ الهجرة الكثيفة لليهود العرب في الخمسينيات من القرن الماضي، توافقت هذه الهجرة مع حاجة إسرائيل إلى تملك المكان من خلال التواجد السكاني في الشمال (الجليل) والجنوب (النقب)، وحول المدن الاسرائيلية وفي البيوت العربية التي هجّر سكانها. أي أن ثمة فصلاً تاريخياً في الإقامة ما بين المزراحيم، سكان ما سمي بالمدن الجديدة في الشمال والجنوب والضواحي، وبين الاشكيناز، سكان المدن في الأساس ومن ثم سكان الضواحي الجديدة.
وبالتالي، فإن المفاعيل الحقيقة لقرارات المحكمة العليا الإسرائيلية جاءت بعكس سياستها المعلنة، وكانت سيفاً ذا حدين، أدى إلى اغلاق الدوائر التعليمية وفصلها عن بعضها، وأغفلت المحكمة رؤية الرابطة ما بين الفصل في الإقامة والفصل في المدارس. أي أن نظرة المحكمة إلى التقسيمات، في وصفها محض إدارية، تعمل في مكان شفاف، كانت في الواقع تعيد إنتاج الفصل المشكو منه وتعمقه. إلا أن هذه النظرة ليست بديهية، أو متلازمة بالضرورة مع فكرة القانون.
المكان غير الشفاف: البدو العرب
في قضية ساعدة، المتعلقة بقرار وزير الداخلية الإسرائيلية بضم قرية بدوية إلى دائرة قرية أخرى، يقرأ روزن ـ زفي انتقال المحكمة العليا الإسرائيلية من رؤية إلى المكان في وصفه شفافا (وهو ما يستتبع حق وزير الداخلية في تغيير التقسيمات الإدارية حقاً مطلقاً، كما لو أن لا معنى سياسياً واجتماعياً لهذه التقسيمات) إلى المكان في وصفه غير شفاف. فالمحكمة تشرح وتبرر قرارها بذرائع أن القريتين بدويتان، تتشاركان في الخلفية الاجتماعية والثقافية والديموغرافية، مما يسمح في المستقبل بدمج القريتين في واحدة. أي أن المحكمة تبرر قرارها من خلال العودة إلى ما هو دون السياسة والقانون، أو قبلهما، أي ما هو خارج في جميع الأحوال عن نطاق سلطتهما.
يعود المؤلف إلى تاريخ السياسة الإسرائيلية تجاه البدو العرب في النقب. ضمن ألعاب بهلوانية قانونية ما بين القانون العثماني (الذي يعتبر الأرض الموات ملكاً للسلطنة، إلا أنها لمن يحييها) والقانون البريطاني (الذي فرض تسجيل الأراضي في فترة محددة)، استملكت إسرائيل معظم أراضي البدو العرب ونقلتهم منها إلى شرق بئر سبع، داخل منطقة مغلقة عليهم، عادت فاستملكت نصفها. وفرضت عليهم السكن والبناء في بلدات محصورة الأراضي. والحال اليوم، فإن البدو العرب يشكلون 25% من سكان النقب، في حين تبسط سلطاتهم المحلية سيطرتها الإدارية على1.5% فقط من أرض النقب.
تم تفضيل مشروع البلدات هذه على مشروعي القرى الزراعية أو المدينة الكبيرة، لئلا يتمكن البدو من الانفصال عن دورة الاقتصاد الإسرائيلي. وليست سياسة إعادة إسكان البدو سياسة خيرية، تهدف إلى تحسين أوضاعهم، بل هي في الواقع وسيلة لإنشاء طبقة عاملة رخيصة، وهي أيضاً وسيلة، بحسب روزن ـ زفي، لتكوين الذات الإسرائيلية من خلال وضع الذات الأخرى، البدوية الفقيرة المتخلفة، مستقلة بإزائها. فالتقسيمات الإدارية وسيلة لتغطية الفصل العنصري الواضح، ولقسمة البشر مجموعات مغلقة. فالدائرة الإدارية هي، بحسب فورد، وسيلة لفهم العالم الاجتماعي وموقع المرء منه. والتقسيم الإداري يهدف إلى اظهار التعامل غير العادل مع فئة اجتماعية على انه ليس عداءً شخصياً يستهدفها، بما انها تعامل على قدم المساواة مع غيرها، متجاهلاً اختلاف الإمكانات وتفاوتها بين الدوائر. ونجاح هذه السياسة الأقصى يتجلى أساساً في مطالبة كل من الفريقين بالإستقلالية في دائرة خاصة به.
عملياً، نجحت إسرائيل عبر قانون البناء في نقل الصراع من صراع حول الأرض إلى صراع حول شرعية لابناء، ومن نزاع جماعي إلى جماعة من النزاعات الفردية. فالمحكمة تنظر إلى القضية دائماً في اللحظة الراهنة، لا في سياقها التاريخي، ومن نقطة القبول بشرعي القانون نفسه.
كما نجحت الدولة الإسرائيلية في تذرير العشائر البدوية غبر رفع عددها باعتبار كل عائلة موسعة عشيرةً، ما زاد خصوماتها، وعبر فرض إعلان كل فرد عن انتمائه إلى احداها.
كما أن المحكمة أفلحت في تجاهل القانون نفسه عبر التركيز على تفاصيل المهن وأذونات البناء... الخ، وكثيراً ما كانت المحكمة العليا ترى التقدم والحداثة في هذا التمدين القسري وتعاقب البدو على رفضه. صحيح أنها كانت، في حالات نادرة، تعاقب الدولة الإسرائيلية على عدم وفائها بالحد الأدنى من وعودها به، إلا أن ذلك، في الواقع، يهدف إلى اضفاء الشرعية على القوانين والقرارات الأخرى. فعلى ما يقول رونن شامير، فإن مصدر شرعية السلطة، في دولة بيروقراطية حديثة إنما هو وجود نظام قانوني شكلاني يبرر ويعقلن علاقات السيطرة ويخلق ارتضاءً إرادياً بها لدى المحكوم. والمحكمة بإداناتها، القليلة، للحكومة تشرعن قوانين الدولة، وقبلها قراراتها الخاصة التي غالباً ما أتت ترفض طلبات البدو وتدينهم.
تتجلى في هذا الإطار نظرة المحكمة العليا، والقانون في شكل عام، إلى الفضاء السياسي للبدو، (أي المكان بالإضافة إلى السلطة المحلية عليه) في وصفه تعبيراً، لا عن دائرة إدارية موّلدة أو توافقية تنشأ لأسباب منفعية فقط، بل تعبيراً عن دائرة عضوية أصلية، لا تنشئها الدولة بل تكتفي بالاعتراف بها. وتملك هذه الدائرة، بحسب هذه النظرة، القدرة والحق في الدفاع عن نفسها باسم الاستقلالية وحق تقرير المصير والحق في الاختلاف وفي حماية الثقافة الخاصة.
يتبدى عبر ذلك أيضاً خطأ شائع ومنتشر، لا سيما في أوساط اليسار التقدمي، هو المبالغة في إعلاء شأن الاختلاف. فيلاحظ المؤلف أن النظام العشائري البدوي الحالي هو نتيجة لضغط السلطات الإسرائيلية المتواصل عليه، وليس معطى طبيعياً ناجماً عن تطور الثقافة البدوية من تلقاء نفسها. وهو ينقل عن فرانز فانون قوله بأن الاستعمار يغلق تفتّح الثقافة التي كانت حية ومعاشة قبله، ويجمدها في قالب أنظمته بحجة احترام التقليد. وهذه هي المفارقة نفسها التي وقعت فيها المحكمة الإسرائيلية العليا حين كانت ترفض السماح لليهود بشراء الأراضي داخل منطقة البدو المغلقة بحجة المحافظة على ثقافتهم، في الوثت عينه الذي كانت فيه تبرر اجراءات وقوانين الدولة حيالهم بالرغبة في تمدينهم ونفلهم إلى الحداثة، معتبرة هذه الإجراءات مؤقتة إلى حيت اكتمال عملية تحديث البدو.
على ما يلاحظ فورد، إن سياسة إعلان شأن الاختلاف هي استغلال لسمات الاختلاف من أجل "صناعة" الآخر، إذ أن الواقع هو بالطبع شديد الاختلاف عن الصورة المرسومة له.
المكان الملتبس: اليهود المتطرفون
اليهود المتطرفون المتجمعون في القدس وضواحيها، وفي بعض المدن الإسرائيلية الكبرى هم، على ما يلاحظ روزن ـ زفي، منقسمون في ما بينهم في محاولاتهم لإنشاء مجتمع خاص بهم، وحول مسائل الاستفادة من الدولة الإسرائيلية التي يرفضونها، من حيث المبدأ، وحول ضرورة الانقطاع عن الفضاء السياسي والاجتماعي الإسرائيلية. إلا أنهم جماعة في مواجهة غيرهم، وهم غالباً ما يتوسلون العنف سبيلاً لفرض حدود مجتمعهم الخاص، ومن وسائل ذلك إغلاق الطرقات التي تخترق مناطقهم في يوم السبات.
حول قضية اغلاق الطريق يوم السبت، دارت قضية بار إيلان، وهو أوتوستراد عام حيوي طالبوا باقفاله. وقد انقسمت المحكمة العليا الإسرائيلية حول هذه القضية، فكان صوت واحد هو المرجح من أصل سبعة أعضاء. رأي الغالبية، بإيجاز شديد، يقول بأن الاعتبارات الدينية يؤخذ بها كأضرار قانونية وأن على اسرائيل الديمقراطية أن تحمي روح ومشاعر مواطنيها كما تحمي ممتلكاتهم، وأن اسرائيل اليهودية معنية متى تعلق الامر بيوم السبت، كما ان على الدولة أن تضمن حق المواطنين بالتنقل. لذا ينبغي الموازنة بين الحقين: حق التنقل، وحق احترام المشاعر الدينية، وذلك على ثلاث فئات: المتطرفين، والسائقين العابرين، والساكنين بين ظهراني المتطرفين دون ان ينتموا إليهم.
في الموازمة ما بين المتطرفين القاطنين وبين السائقين العابرين، ينبغي مراعاة شعور المتطرفين، لأن أمام السائقين طرقاً بديلة يعبرون منها، ولأن وقت اقفال الطريق قصير نسبياً. لكن حق القاطنين غير المتطرفين ينتفي بالكامل من جراء اقفال هذه الطريق، وله في هذه الحال الأولية. لذا تقبل المحكمة قرار وزير الداخلية باقفال بارايلان يوم السبت بشرط أن يحل مسبقاً مشكلة تنقل القاطنين من غير المتطرفين.
أما رأي الأقلية فكان يقول بأن لا مجال لأخذ ما لا يوجد نص عليه في القانون، كالدين، بعين الاعتبار. ولا نص على الدين في شان الطرقات. ذلك على الأقل في ما يتعلق بالطرق الكبرىـ أما الدروب الثانوية فيمكن للسلطات المحلية أن تأخذ في تنظيمها وضع الجماعة فيها.
يقدم روزن ـ زفي تحليلاً ايديولوجياً لهذه الآراء، فيرى أن رأي الغالبية ينطلق من فكر ليبرالي يقيم فصلاً قاطعاً بين الدولة المحايدة تماماً وبين المجتمع المدني، وينظر إلى المواطن بصفته فرداً دون أن تتوسط المجموعات الاجتماعية بينه وبين الدولة. هكذا كان المتطرفون أفراداً لهم حقوق في مواجهة أفراد سائقين لهم حقوق أخرى. وبحسب دي سوزا سانتوس، فن الزمكان المحلي (شأنه شأن ذاك العابر للأمم) يعتبر غير موجود البتة من جانب النظرية الليبرالية المهيمنة، وهذا ما سمح بأن تصبح الدولة الأمة هي الزمكان الأكثر مركزية بالنسبة للقانون في القرنين الماضيين.
أما الرأي المخالف فينطلق من نوع من الفكر التعددي يقول بأن المر يتحدد، جزئياً على الأقل، بانتمائة إلى مجموعة ما. والمجتمع يتكون من تعدد مجموعات حرة في إطارها، وعلى الدولة التزام الحياد في ما بينها. أي أن هذه النظرية تحل المجموعة محل الفرد في النظرية الليبرالية. وهي (أي النظرية) إذ تقول بالفصل ما بين الحيز العام والحيز الخاص، فإنها تقبل بتوسيع حدود الحيز الخاص أبعد من حدود الفرد. وفي قضية بارإيلان يقول القاضي هيشين في رأيه المخالف إن ثمة حيزاً خاصاً للمتطرفين يشمل الطرقات الصغيرة بين منازلهم إلا أنه لا يشمل أوتوستراداً عاماً يظل ينتمي إلى الحيز العام.
في مفارقة جديدة، تقرر غالبية القضاة الموافقة، المشروطة، على مطالب المتطرفين، رافضةً الاعتراف بهم كجماعة، في حين أن القضاة المخالفين يقرون بوجود المتطرفين كجماعة لها الحق في حيز خاص بها، إلا انهم يرفضون الموافقة على مطالبها. ويخلص الكاتب إلى القول بأن الفكر اللبرالي ينظر إلى المكان شفافاً، في حين يراه الفكر التعددي غير شفاف.
النظرة القانونية إلى المكان والعلاقة مع الفكر الصهيوني
يرى المؤلف أن الصهيونية هي تقاطع خطابين، الأول عملاني ينشد حلاً لمشكلة اليهود عبر البحث عن أرض خالية من السطان، والثاني ثقافي ينشد من اوروبا الشرقية العودة إلى أرض الميعاد. وقد خدم الأول الثاني عبر افراغه ارض فلسطين من سكانها نظرياً قبل أن يصبح ذلك فعلاً. هكذا ينبغي رفض الآخر، المقيم في مكان منقطع عن مكان الذات، قبل أن يتم اقصاؤه وملء الفراغ بالانا المؤسسة جديداً.
هكذا يقع المؤلف، ببساطة مستغربة، على تفسير لتفاوت النظرة القانونية إلى المكان في المسائل التي عرضها، في جدلية بسيطة: الأنا/الآخر، الانوار/الشرق. هكذا ينبغي اقصاء البدو وإنشاء مدن لهم في آن واحد، لعزل الآخر عن الأنا ولنصبه بإزائئها، وهكذا يتم اقصاء العرب من المكان اليهودي حيث لا يمكن القبول بهم إلا بشرط تجريدهم من كل تاريخ واختلاف.
هكذا ايضاً يقع اليهود الاوروبيون القادمون من عصر الأنوار على يهود عرب شرقيين فيرونهم متخلفين، جاهلين ومتوحشين. إلا أن كونهم يهوداً يظل يدفع باتجاه ساتيعابهم وتمثلهم وتحويلهم إلى أوروبيين.
في الوقت الذي كان فيه "الغريب" الفلسطيني يطرد ويطارد ويشجع على تعميق اختلافه، كان السعي إلى تنقية اليهود العرب من عروبتهم وشرقيتهم من اجل استيعابهم داخل الأنا.
إلا أن الحقيقة تظل، بحسب ما يعبر ساندر غيلمان، أنك "كلما شابهتني أكثر، عرفت القيمة الحقيقية لقدرتي، التي تريد نشاركتي بها، وتنبهت أكثر إلى كونك لست سوى مقلّد، مزيّف، دخيل". أو ما يسميه غيلمان، اللعنة المحافظة المهيمنة على المشروع الليبرالي الساعي إلى تمثّل الآخر. في حين يقيم الآخر ـ العدو في مكان منقطع عن مكان الذات، فإن على مكان الذات أن يكون موحداً ومتناسقاً. وهكذا ينظر إلى أي تقسيم له على انه تقسيم بيروقراطي نفعي ليس إلا. وإذ يرفض القانون النظر إلى تاريخ وواقع الفصل في توزيع السكان، فإنه في الواقع يعمق ما يصفه الكاتب بـ"الفصل الاثني"، ويخلقه في آن ماً بالتعاون مع الفصل السابق في الإقامة.
أما التباس الرؤية إلى المكان في قضية اليهود المتطرفين فذلك عائد إلى التباس النظرة إليهم. فهم بالنسبة إلى الصهيونية "غريب" لا يقبل التصنيف النهائي إلى عدو أو صديق. فهم معادون للصهيونية على اعتبار أن الخلاص يكون بتدخل الهي لا بعمل بشري، لكنهم في الوقت عينه "الأنا" اليهودية الأكثر تمسكاً بعنصرها هذا.
يشير المؤلف إلى ان اختلاف الحلول القانونية أدى عملياً في كل الحالات إلى عيش هذه الفئات (العرب المنبوذون ـ اليهود العرب المرغوب في ضمهم ـ اليهود المتطرفون زارعو الحيرة) في مناطق عزل وانقطاع عن سواها. ويقول إن استبدال الأسس الصلبة، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بالأسس الرخوة للرمزي والثقافي في الخطاب التعددي، الذي يدافع في واقع الأمر عن هذا الانفصال السكاني ويبرره بالخصوصيات واحترامها، يؤدي إلى غياب القدرة على تحديد الفئات الخاضعة والفئات المهيمنة في المجتمع.
فالفئات المهيمنة تستفيد من استقلالية دائرتها التي تمنحها نفوذاً وتأثيراً لا تملك وسائلهما الفئات الخاضعة التي يحول الاستقلال دائرتها إلى معتقل. فالمعاملة بالتساوي قد تنتج مفاعيل مختلفة. ويضيف إن النظام الديمقراطي هو في مفاوضة دائمة ما بين وحدة الشعب المدمج وبين احترام وحماية الفئات الاجتماعية والمجموعات ومناطقها. فهل يمكن تجاوز هذه الثنائية؟
إعادة النظر في مفهوم السلطات المحلية
يقول روزن ـ زفي بضرورة تغيير وظيفة الفضاء السياسي ومعناه، عبر اصلاح قانوني، وتغيير المفهوم الاجتماعي للمكان، دون أن يكون في ذلك مس بالضرورة بإقامة أي فرد. وهو يرى ان نزع العزل في الفضاء السياسي سيؤدي على المدى الطويل إلى عملية دمج مكانية، لانتفاء الفائدة من العزل أولاً، ولأن الفضاء السياسي، ثانياً، لا يكتفي بعكس الوقائع كالمرآة بل ينتجها. هكذا فإن أي تغيير في المعنى السياسي للفضاء، بحسب فورد، يؤدي إلى تغيير هوية الجماعة الثقافية نفسها.
بعد دراسة للتقسيم الأداري للسلطات المحلية في إسرائيل وعلاقته بالمكان، شفافاً أو غير شفاف، يخلص المؤلف إلى القول بأن قانون السلطات المحلية يقود، في النهاية، عبر حرمان هذه السلطات من المعنى السياسي باعتبارها محض إدارية، وعبر الإصرار على وجودها المستقل، بل والسابق، معاً وفي آن، يقود كل ذلك إلى إعادة إنتاج تراتبية السلطة والفصل السابقين.
لذا يقترح إعادة نظر في موضوع السلطات المحلية، مستوحياً أعمال فورد (جعل الحدود أقل عزلاً) وفروغ (زيادة القدرة التشريعية للمشرّع المحلي بهدف زيادة المشاركة الديمقراطية) وبخاصة هارفي وبريفو (نظرية الحكم الإقليمي حيث يكون الإقليم نوعاً من سلطة محلية لمنطقة المتروبول وضواحيها، لما في ذلك من اخذ بعين الاعتبار لحقائق النقل اليومي والمساواة في توزيع العناية والخدمات العامة)، مشدداً في الوقت عينه على ضرورة الإبقاء على فكرة الحكم المحلي إذ أن المؤسسات المحلية، كما يقول توكفيل، "هي للحرية كما المدارس الابتدائية للعلوم. إنها تضعها بمتناول الجمهور وتعلمه كيف يستخدمها ويسعد بها".
هكذا، يقترح روزن ـ زفي انشاء حكومات اقليمية قوية حول المناطق المدينية الكبرى، تتمتع بسلطات واسعة، وسلطات محلية يحق لأي مجموعة إنشاؤها دون إذن مسبق من الحكومة التي عليها أن تعترف بها. وهو بذلك يوافق على نظرية فورد بان الحدود التي تصنعها الممارسة هي التي تصنع "المحلي"، لكن روزن ـ زفي يربطها بنظرة أكثر جدلية بماء على حالة المجتمع اليهودي المتطرف السابق على الممارسة الحدودية. فالمهم في نظره هو إعطاء سلطة كافية لحماية المجموعة، لكن ليس السماح لها باقصاء الآخرين ورفضهم.
القانون ومنطقه
إما أن نقول بأن الحدود هي حصيلة مجموعة من الخيارات الفردية، تأتي الدولة بقانونها ومحاكمها لتقبل بها، أو تعدلها، وإما القول بأنها مجرد تقسيم ضروري إدارياً تجريه سلطة حكومية مركزية، لكن لا معنى سياسياً له. أو ان الحدود حصيلة قوى طبيعية (السوق، الطوبوغرافيا، الجماعة)، سابقة على السياسة والقانون العاجزين عن التأثير عليها تالياً.
يشدد روزن ـ زفي على خطأ هذه النظرات إلى المكان والدوائر أولاً، لأنها، بطرق مختلفة، تحمل على الظن بأن الدوائر كلها متساوية (إذ تقوم كلها على مبدأ واحد مما ذكرنا) علماً بأنها لا تملك الوسائل والإمكانات عينها. وثانياً، لأن هذه النظرات تغفل التأثير السياسي والإجتماعي للقرارات القانونية نفسها.
والحق، إن الكاتب يقع في الخطأ الذي ينبه إليه. فإذ يكتب في المقدمة إن هدف دراسته هو تفحص العلاقة بين القانون وبين انتاج المكان وتمثيله في الإطار القانوني، فإنه يعود لينظر إلى القانون وكأنه مجرد انعكاس لنظرة خارجة عنه (الفكرة الصهيونية) يعتبرها الوحيدة المؤثرة، ويؤدي ذلك عملياً إلى حصر الدراسة بكيفية تمثل القانون للمعطيات المكانية والاجتماعية، وهي كيفية مشروطة بالنظرة الصهيونية، في إغفال لدور القانون في انتاج هذه المعطيات منذ البدء، وليس فقط في تعميقها وتأمين استمراريتها. فكأنها القانون مرآة تعكس الفكر الايديولوجي المهيمن فحسب، دون أن يكون له منطقه الخاص. وذلك رغم تذكيره برفض رونن شامير تفسير القانون (حول استملاك اراضي البدو) بجشع الصهيونية إلى الأرض، فقط، أو أي سبب سياسي خارج عنه، وضرورة ربطه بمنطق القانون الداخلي، أي، في حالة إٍسرائيل التي ورثت القانون البريطاني "الحديث"، هوس القانون بالثبات والقدرة على احتساب الأمور والأشياء، بما يفرض "شبكة مفاهيم على المكان ـ مكان سوف يقسّم ويجزّأ، ويسجّل ويقيّد".
هكذا يغفل روزن ـ زفي الإشارة إلى منطق القانون "الحديث"، المختلف عن القانون العثماني اختلافه عن القواعد القانونية لدى القبائل الافريقية أو الجنوب ـ أميركية مثلاً، وصعوبة تطبيقه على مجتمعات ذات رؤية مختلفة إل قضايا الملكية العقارية والإرث والنسب على سبيل المثال.
وغفل أن من منطق القانون "الحديث" الأوروبي، تذرير النزاعات الجماعية إلى نزاعات فردية، وإغراق الحق بمجموعة من القواعد الإجرائية غالباً ما تقود إلى إنكاره. ويغفل طبيعة كتابة القرارات القانونية الصادرة عن المحاكم. فالتبريرات التي تقدمها المحكمة الإسرائيلية العلي (ضرورة الحفاظ على ثقافة البدو ـ ضرورة تمدين البدو ـ النظرات إلى مجال الحيز العام ـ ضرورة ردم الهوة التعليمية في إسرائيل... الخ) ما كانت لتبدو ممكنة في نظام قانوني أوروبي قارّي (كما في فرنسا أو ألمانيا)، حيث أن النظام الأنغلو ـ ساكسوني يسمح للقضاة بتبرير قراراتهم بأسباب متنوعة، بما أن هذه القرارات ستشكل سوابق قانونية، في حين أن النظام القاري يفرض على القضاة تطبيق القانون كما هو، أو تفسيره، واستثناءً استكمال قواعده الناقصة عبر اعلان قواعد قانونية، دون اللجوء إلى استدخال أسباب اجتماعية أو تاريخية أو سوى ذلك (ولا يعني هذا أنها لا تغيب عن نفس القاضي، إلا أنها تدخل أكثر في إطار النقاش العام والأسباب الموجبة للقوانين المكتوبة). في الواقع، القانون ليس مجرد سلاح بيد السلطة، أو مرآة للأيديولوجية، بل هو أيضاً ثقافة في حد ذاتها تملك منطقها المتطور باستمرار.
المواطن العربي ومعاني المكان
ثمة أهمية استثنائية لدراسة العلاقة في إسرائيل تحديداً ما بين القانون والمكان. ليس فقط لأهمية "فكرة" القانون التوراتية في الفكر الأوروبي الذي يشكلنا من جوانب كثيرة. بل أيضاً لأن النزاع على ارض فلسطين، ومسألة القدس تحديدا، فضلاً عن قابلية الدولة الفلسطينية للعيش، مسائل تظرح بشدة ضرورة إعادة النظر في مفاهيم السيادة والأرض والحدود، وتفكيكها.
كما تطرح مفارقة إسرائيل، "قلب أوروبا" بحسب أحد الكتاب الشهيرين، مسألة الحد الذي يمكن ان يبلغه تطور القانون "الأوروبي"، بخاصة في ظل المفارقة التي تربط المواطنة بفكرة المكان والإقامة من جعة، وبالخصوصية الدينية المنتشرة في العالم من جهة أخرى (وهو الموازي الإسرائيلي للتقسيم الفرنسي لانتقال الجنسية بالدم أو بالمكان ولادةً وعيشاً). وكذلك مفارقة إٍسرائيل في الإصرار على يهوديتها وديمقراطيتها معاً وفي آن، وهي المشكلة عينها في العديد من البلدان العربية، وحتى في أوروبا إذا ما وسعنا مفهوم المواطن ليشمل المقيم (وهو مسار جار في داخل الاتحاد الاوروبي).
في شكل ما إذاً، تشكل دولة إسرائيل مختبراً يسمح بطرح واستجواب عدد من المسائل الهامة، التي لا مجال لبحثها هنا. نكتفي إذاً ختاماً بالإشارة إلى نقطتين، الأولى في ما خص "المواطن غير المقيم"، والثانية في ما خص مطالبات الفئات الإجتماعية في بلادنا بالتقسيمات الإدارية ومعانيها السياسية المضمرة.
في شأن النقطة الأولى، يلاحظ إدوارد سعيد إن إسراائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي هي ليست دولة مواطنيها بل دولة اليهود في كل العالم. ذلك بالطبع مفارق مع ما هو معروف من ارتباط اسرائيل الوثيق بمفهوم الأرض. ولكن أليس ذلك أيضاً حال بلد مثل لبنان، حيث لا يهدأ التغني به، أرضاً وجبلاً وبحراً، في حين أن قسماً كبيراً من "المقيمين" فيه محرومون من أبسط الحقوق (راجع أيضاً ما اشارت إليه الصحف من طرد إمارة دبي لأربعة آلاف عامل في قطاع البناء لانهم جرؤوا على الإضراب مطالبين بتحسين ظروف عملها وأجورهم). أيضاً يحلم "بعض" اللبنانيين بأن تكون دولتهم دولة "ملايين اللبنانيين" المنتشرين في العالم، وهم بهم فخورون! وتطرح قضية اقتراع المهاجر في المواسم الانتخابية والمقصود بها فعلياً، إذا ما شئنا حقاً احداث تغيير في الموازين، اقتراع أحفاد المهاجرين ممن لم يعودوا يحملون الجنسية اللبنانية. والسؤال عندئذ يتعلق بمن هو "المواطن"؟ (الهجرة العراقية الكثيفة المستمرة منذ ثلاثين عاماً تطرح الأسئلة عينها وبضخامة أكبر). هل يمكن في واقع الأمر قلب العلاقة ما بين الدولة ذات لاسيادة وبين المواطن، تحديداً عبر التفكير في "ندرة المواطنين" (بخاصة بالمقارنة مع المقيمين من غير حملة الجنسية المحلية) والتساؤل عن مفاعيل هذه الندرة على دولة المواطنين؟
النقطة الثانية على مستويين: الأول إداري هو ضرورة التساؤل عن الخطوط التي ينبغي أن تقود المطالبات باللامركزية الإدارية، بهدف التخفيف من عيوب تمركز السلطات في أنظمة بعيدة عن الشفافية والنزاهة، وذلك في ظل تضاعف حركات النقل اليومية، واستمرار النزوح إلى المدن وتوسع الضواحي و"العشوائيات". والثاني انتخابي يدور حول تقسيم الدوائر الانتخابية وما يطالب به البعض من "أقاليم" وحكم ذاتي. فقد رأينا أن مثل هذه المطالبة تجازف بتحويل أهل "الاقليم" إلى معتقلين، واعاقة تطور ثقافتهم "المفترضة مشتركة" وحرمانهم من الانفتاح والمشاركة وإعادة انتاج التراتبيات والسلطات عينها. يمكن ايضاً ضرب المثل بلبنان، وهو محل ضرب كثير غالباً، حيث تتمسك الطوائف بفكرة القضاء للتمثيل الانتخابي، في حين أنه وسيلة للمطالبة باستقلالية الطائفة والدفاع عنها، بل والمطالبة باستمرار الفصل بينها وبين الأخريات، ويمكن السؤال عن جدوى ذلك حيث أن القضاء ليس معطى طبيعياً بل هو حصيلة تداخلات أبرزها تطابق القانونان الإداري والانتخابي بشكل يمنح "النائب" سلطة إدارية ليست من وظيفته التشريعية في شيء. ثم إن الهدف من كل ذلك إنما هو الاحتماء من الآخر وصيانة الذات منه، إلا ان الآخر هو ايضاً مصنوع بيد هذه الذات وليس معطى طبيعياً بدوره.
ببساطة إذاً يمكن القول بأن المطالبة بهذه التقسيمات الاقليمية أو القضائية، دون مسائلة أو حدود واصحة لتقاسم السلطات بين هذا المستوى من الإدارة وسائر المستويات الأعلى أو الأدنى، إنما هي الدليل الساطع على نجاح سياسات الفصل (التي نشكو منها وننسبها دوماً إلى "الاستعمار" قديماً وجديداً) وعلى رغبة هذه المجتمعات في تجذير سباتها وجمودها وانقساماتها.
بدلاً من ذلك، الا يسعنا أن نحلم بأن يكون تعريف الجماعة هو "تعايش الغرباء"، أي القدرة على العيش في عالم من مختلفين، دون محاولة صياغة اختلافهم أو محوه، بدل ان يكون تعريفها هو تكرار الأنا؟
الفردية تحت شمس الرقابة
نشرت في موقع الأوان
تعقيب على تعقيبين أو ثلاثة:
الفردية تحت شمس رقابة ناقصة
على صفحة هذا الموقع، نقاشات ثرية سواء بين ياسين الحاج صالح وصالح بشير وبلال خبيز، أو بين ياسين الحاج صالح وأبي يعرب المرزوقي، ولئن كان موضوع المثقف والفردية طاغياً في النقاش الأول، في حين تناول الثاني تمريناً ذهنياً اقترحه الحاج صالح حول بناء الدولة على أساس العلمانية أو الأحكام الإسلامية، فإنني أحسب أن هنالك جذراً مشتركاً متقاطعاً في النقاشين، ينطلق من التصور الذي يعتمده كل منهم للتكوين المجتمعي، فئات أم أفراد.
لحسن الحظ، تغني روابط الانترنت عن التلخيص، إلا أن العادات الذهنية تفرض على الكاتب بعضاً منه بالحد الأدنى الذي يغفل بالتالي الكثير من الأفكار. يمكن إذاً التذكير بأن الحاج صالح اقترح علاقة تشطر الدولة كي تتضمن في داخلها اقليماً ذاتي الحكم، إسلامياً إذا كانت الدولة علمانية أو بالعكس. ورأى في نهاية تمرينه أن الناس سيفرون من المنطقة الإسلامية إلى المنطقة العلمانية فرار الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية. وهو ما رد عليه أبو يعرب المرزوقي مستشهداً بآية من القرآن تفيد بأن لكل جعلنا شرعة ومنهاجاً، ولا يمنع من تطبيق شرعات ومناهج مختلفة متفاوتة في الوقت عينه على شعب واحد. طبعاً يظل أن نفهم كيف يكون الظالمون من لا يحكمون بما أنزل الله! إلا إن كان ما أنزله ليس موحداً!
ما يعنينا من النقاش هو ملاحظة أن رهان الحاج صالح قائم على افتراض فردية في أشخاص "الهاربين"، لأنهم يهربون أفراداً، لا جماعات، بحثاً عن حرياتهم وراحتهم، وهو ما لا يثير في الأعم الأغلب حركات شعبية كبرى، لا سيما إذا كان مقصودها الفرار!
بالمقابل، لا ينظر أبو يعرب المرزوقي إلى "الشعب" إلا مكوناً من فئات، تكاد تتقطع سبل الانتقال ما بينها، إلا إن يكن "هداية" إلى الدين القويم الذي عليه الفئة الناجية. وهو حين يقول بتعدد الشرائع والمناهج المطبقة لا يترك للأفراد حرية اختيارها، بل ربما لا يعدو الإشارة إلى قواعد الذمية موسعة لتشمل العلمانيين!
أي أن الخلاف قبل أن يكون مسألة تنافر التعددية في الأحكام على شعب واحد، أو إمكانية تزامنها، هو خلاف في النظرة إلى هذا الشعب بوصفه مكوناً من ذرات أولى هي أفراد لدى أحدهما، وجماعات لدى الآخر. وكما أن تغيير الفرد لانتمائه لا ينزع عنه هذه الصفة، فإن الجماعة لا يمكن ايضاً أن تتغير جوهراً لأنها ليست إلا كناية عن جوهر يتجاوزها ولا يطاله التغيير، ذاك أنه ليس إلا فكرة مجردة.
في هذا الإطار أيضاً ينبغي فهم الالتباس في نقاشهما حول الحرية. إذ لم يزعم الحاج صالح أن الدولة العلمانية هي دولة الحرية المطلقة كما فهم المرزوقي الذي قرر، محقاً، بأن الدولة الدينية مثل الدولة العلمانية تغصان بالتقنينات والتشريعات الملزمة. لكن الفارق الذي يجعل من دولة العلمانية موئلاً للحرية يكمن في أن الحد من الحريات نابع من اختيارات "دنيوية" أو "شعبية" أو حتى "سلطوية"، يمكن تغييرها وتحريكها إن لم يكن هنالك من قبول بها، أما الدولة الدينية فتدعي خلود قواعدها واستقرارها إلى أبد الآبدين شاء من شاء وغُسِل دماغ من أبى إلى أن يقبل أو يموت. لكن تغيير تشريعات الدول الديمقراطية العلمانية، أو فرضها، ينطلقان أساساً من مصالح أفراد معينين ولو انضووا في مجموعات ضغط.
هذا يقودنا إلى النقاش الثاني، أي بين بشير والحاج صالح وخبيز، ومحوره العميق هو فكرة الفردية وإمكان إنتاج أفراد حقاً في المجتمعات. فما دامت الديمقراطية العلمانية في حاجة إلى تكوين مجموعات ضغط فهل يعني ذلك أننا مجدداً أمام نظرة تقسم المجتمع إلى فئات أو طوائف (حتى بالمعنى اللاديني كطوائف الحرفيين)؟
نقرر أولاً ونقر بأن لا مجال لممارسة ديمقراطية من دون تنظيم يجمع الناس على أساس مصالحهم. غير أن الفارق الأساس بين هذه النظرة الديمقراطية وبين النظرة الدينية، حتى المتطورة وفقاً لرؤية المرزوقي، يكمن في تنوع مصالح كل فرد، فقد يكون شاباً وعاطلاً عن العمل ومثلياً ومحباً لاستهلاك سلع خارجية معينة ووريثاً منتظراً لثروة ودارساً للحقوق في آن واحد، فينتمي تالياً على الأقل إلى ست مجموعات ضغط مختلفة إذا ما أراد، ويكون معنياً على الأقل بمصالح ست فئات مختلفة متنوعة ولا تختزل رغم تعددها المجتمع كله. الفارق الثاني هو طبعاً في تغير المصالح، فقد يتحول الشاب كهلاً، ومن وريث إلى ثري، ومن مطالب بفتح نقابة الحقوق أمام الشبان إلى مطالب بإغلاق أبوابها حذراً من المنافسة... الخ. أي أن الانتماء إلى فئات موضوعية، وإلى جماعات ضغط متى شاء، هو انتماء مؤقت دائماً ومتغير حكماً، ومتعلق في مطلق الأحوال بظروف الفرد وأيضاً بخياراته.
ونلاحظ ثانياً ارتباط فكرة مجموعات الضغط بفكرة القانون. إذ أن هدف المجموعة هو تحقيق مطالب ملموسة، وهو ما يتطلب إسدال العباءة القانونية عليها لأنها العباءة الوحيدة التي يمكن للدولة تنفيذ رسومها وتطبيقها. لكن هنالك بعض التبسيط في الزعم بأن القانون، في لحظته الآنية، هو ما يفرض تقسيم الناس إلى مجموعات ضغط أو إلى فئات ذات مصالح موضوعية في لحظة معينة.
في الواقع، يتعامل القانون تعاملاً ثنائي الاتجاه مزدوجاً مع "المواطن". فالمواطنة مفهوم يتضمن فكرة العلاقة المباشرة بين الدولة والفرد، فسيادة الدولة تكون حصيلة سيادات المواطنين الذين هم في نهاية الأمر من حصّل أجزاء السيادة المتناثرة من رأس الحاكم الالهي المقطوعة، وليس العكس. كما أن القوام السياسي للدولة، في مفهومها الديمقراطي، لا ينبع من تحكم قوى الأمر الواقع بسلطة على الآخرين، بل ينبع من اختيار كل فرد، في معزل (حرفياً) عن كل آخر، لطرق السياسة وممثليه فيها. لكن المواطن الفرد في مواجهة آخرين لا يستطيع من دون الحشد والضغط ومجموعاته فرض رؤيته أو بعضها على التوجهات العامة لسياسة دولته.
بالمقابل، إذا كان القانون يتناول الفرد أيضاً بصفته فرداً في المجال الجزائي، حتى لدى تكوين شبكة جرمية إذ يحاكم أفرادها فرداً فرداً دون انتظار القبض على الجميع، فإنه، في المجالات الأخرى، يتوسط بينه وبين المواطن الفرد أجساماً اجتماعية، من مؤسسات وتنظيمات، يتناوله بواسطتها أو من خلال منظورها. من هنا تأتي نقابات الحرف والمهن، وتقسيمات الوظائف أو التجار والقطاعات. فما يطبق على المحامي، أي المنتمي إلى جسد اجتماعي هو النقابة، غير ما يطبق على المهندس أو الطبيب، المنتميان أيضاً إلى أجساد اجتماعية هي نقابتاهما، والحال الضريبية للتاجر مختلفة عن الصناعي أو الموظف... الخ.
قد يكون من السهل الرد على تأكيد خبيز بأن الفردية ليست إلا يوتوبيا الحداثة بالقول إن الانتماء القسري إلى مجموعات بات شديد الندرة، فهو يرتبط إما بالسخرة المسماة خدمة العلم أو التجنيد الإجباري، أو بحالات الكوارث التي تصنف المنكوب فوراً في خانة المنكوبين وجماعتهم. في ما عدا ذلك فإن الانتماء يحمل في طياته صفة الفردية وحرية الاختيار. لكن هذا الرد المستعجل لا يعفي من نقاش عمق الفكرة التي تحسب أن الفردية لا تكون إلا بغياب الفرد عن شاشة كل سلطة مراقبة. لمثل هذا القول نتيجة تؤكد استحالة أن يكون أي مثقف فرداً، لأن المثقف من حيث اختصاصه في أيما حقل يخضع لتقاليد هذا الحقل واختبارات الدخول إليه والفوز بصفة الاختصاص فيه.
في تعريف خبيز للفرد اقرار باستحالة فعلية، وليس حتى بإمكانية نظرية، وإن تحول المرء إلى طيف كسالنجر الذي لا يزال حتماً يدفع الضرائب، لقيام أي فرد وأي فردية. لكن التعريف نفسه يمكن قلبه. الفردية لا تكون إلا بحضور المرء على شاشة السلطة المراقبة، شريطة أن تكون السلطة هذه واحدة من كثر، وأن يحضر المرء على شاشات أخرى أيضاً ويغيب عن غيرها.
المقصود أن تعدد الأجسام الاجتماعية، ولكل منها سلطة رقابتها، لا ينبغي أن يغطي كامل مساحة المجتمع. هنالك دوماً فائض في حسابات الديمقراطية، والتعامل مع هذا الفائض هو في الواقع ما يحدد ديمقراطية السلطة أو شموليتها.
النموذج اللبناني مثال لدولة تدعي الديمقراطية والانتخابات، لكنها شمولية العمق، رغم ضعفها عن تطبيق نزعاتها الشمولية. ذلك أنها حين تقسم الشعب إلى فئات تسع عشرة لا تترك فائضاً، أي أن خريطتها بحجم البلد نفسه، بحسب قصة بورخيس. الدولة الدينية أيضاً لا يسعها إلا أن تكون دولة دون فائض في داخلها، يخلخل الموازين ويدفع دائماً نحو نتائج غير محسوبة سلفاً.
أي إن تجزيء الحداثة نفس المرء، على ما أشار صالح بشير، إنما هو في الصلب من ارتباط الحرية بالديمقراطية، فلا تستنفد الثانية نفسه في الأجسام الاجتماعية التي ترسمها، ولا يستنفد هوى أو معتقد حريته، كما لا يستنفد اختصاص في مجال معين وصفه أو حركته.
إذا كانت معجزة الإغريق تكمن في التنافس بين أحرار، على حد قول دولوز، فإن هذا التنافس كان موزعاً على مجالات شديدة التنوع، ما بين السياسة والمعارف والخطابة والفنون والعشق، بحيث كان الحر من لا يكره على مزاولتها جميعاً. وربما كان المثقف الذي نحلم بأن يوجد في ظهرانينا مثيله هو تحديداً ذاك الذي يختار مجالات صمته.
حقوق الطوائف
البنى الحقوقية والطائفية في المشرق العربي
في كتابه "في أصول لبنان الطائفي، خط اليمين الجماهيري" الصادر قبل شهر واحد من الحرب الأهلية في العام 1975، أخذ وضّاح شرارة على الذين عالجوا المسألة الطائفية في البنى الحقوقية أنهم يحيلون القانون إلى متحف، ويجعلون من البنية القانونية خلقاًَ مستمراً للنظام الطائفي، بحيث يصعب عليهم تحقيبه، بما أنه "العامل الذي يدخل الزمن والديمومة في النظام الطائفي".
إلا أن شرارة أيضاً يقر بأهمية العامل الحقوقي في صوغ العلاقات الاجتماعية، وينقل عن روزا لوكسمبورغ أن المستوى الحقوقي يشكل عامل الممانعة الأول للمجتمعات غير الرأسمالية في وجه الرأسمالية الزاحفة، كما أنه يشير أيضاً في كتابه هذا إلى الثقافة الحقوقية المستقاة من الثورة الفرنسية والواضحة في المطالب التي كانت العاميات اللبنانية ترفعها، منذ أوساط القرن التاسع عشر.
إن كون المستوى الحقوقي عامل ممانعة رئيسي يفسر مطالبة الدروز اللبنانيين العائدين إلى النفوذ، بعد حقبة بشير الثاني، بالعودة إلى العمل بالقواعد السابقة المتعلقة بأحكام الأراضي والجبايات. هذا الارتداد ليس فقط ارتداداً إلى ما يعرفونه وحده، بل أيضاً ارتداد إلى ما يعتبرونه قواعد "النصر". كذلك الأمر، في إنشاء المسيحيين، في فترة سطوع زحلة ودير القمر، في القرن التاسع عشر ايضاً، لقواعد جديدة وغير مألوفة، لحياة المدينة، يشبهها البعض بالحكم الذاتي.
مغزى هذا أن الطائفية قد لا تفسَّر بالمستوى الحقوقي وحده، لكنها لا تقوم ما لم تظهر فيه، ولا ترسخ ما لم يقرّها. لفهم ذلك علينا أولاً أن نحدد المدى الذي نطلق عليه اسم القانون، والدور المناط به، قبل أن نحاول النظر في جدوى الدعاوى الفيدرالية المنتشرة والتي تزعم المداواة بالتي كانت هي الداء.
ليس القانون متحفاً
ليس القانون متحفاً، ذلك أنه تحديداً عنصر فاعل، صياغة للعلاقات وممانعة لمحاولات تغييرها. لكنه ينطوي دوماً على بذور قادمة من التاريخ. يقول أحد الفقهاء الفرنسيين أن القانون يكتب معاهدات وقف المعارك الاجتماعية. أي أنه دوماً نتيجة معركة، وتسوية متأتية عن ميزان قوى اجتماعي واضح في وقت معين. يمكن أحياناً كسب الحرب دون خوضها، وهذه طوبى تعاليم الإستراتيجية الصينية، كما حصل مع السيطرة المارونية على لبنان الكبير لدى إنشائه، فقد كانت موارد هذه الطائفة وتشكيلها أوزن بكثير من اعتراضات الآخرين على سيطرتها، لذا كانت هي من كتب شروط التسوية آنذاك.
من جهة أخرى، ليس القانون مفهوماً شكلياً. حتى خارج المجالس النيابية أو الأحكام السلطانية، تظل هنالك قواعد قانونية معمول بها تشمل التقاليد والأعراف في مجالات محددة، كالتجارة والقيادة العسكرية مثلاً. في هذا التعريف الواسع للقانون، يصبح من السهل تبين الدور الذي يلعبه هذا الأخير كضامن لوضوح مآل العلاقات ونتائجها، وكذلك كضامن لعدم تفكك المجتمع تحت وطأة التغيرات السريعة المتلاحقة لدى كل اختلال في موازين القوى الاجتماعية فيه. لكن هذا الدور لا ينبغي له أن ينسينا أن القانون يلعب أيضاً كعامل صياغة لهذه العناصر الاجتماعية وليس فقط كنقطة توازن بينها.
على سبيل المثال، كان من نتائج استبعاد العثمانيين للمسيحيين عن إدارات الدولة (وهو ما لم تكن الدول الإسلامية تعهده من قبل)، وعن العسكر، أن تحولت النخب المسيحية إلى التجارة والعلاقة مع الغرب. في هذا الاستبعاد تكمن ربما نواة تشكل المسيحية في المشرق العربي كطائفة متشابكة العناصر، وذات وجهة واضحة. أي إن فرض قاعدتين قانونيتين، تحت وطأة قوة العنصر التركي المسلم، حوّل المسيحيين المنتشرين في المشرق العربي منذ قرون من أتباع ديانة إلى طائفة اجتماعية، تكمن جذورها في مفهوم "الذمية"، لكن كان قد تم استيعابها داخل الدولة من قبل أن تعود فتنبذ نخبها.
بالمقابل، يسعى القانون إلى إبطاء الزمن الاجتماعي، وإلى استيعاب التناقضات الناشئة فيه داخل الأطر والمفاهيم التي يحددها، وهو في هذا يشكل إطار ضبط للمجتمع، كي لا ينفجر تحت وطأة التحديث السريع، كما حصل لبعض القبائل الأمازونية. أقصى الطموح القانوني ليس الصلاحية الخالدة، خلافاً للقواعد الفقهية الدينية، بل سلاسة الانتقال الضروري إلى قواعد أخرى، من خلال التأويل والتعديل والاستبدال. ليس الدستور إذاً، في وصفه القانون الأعلى، إلا الإطار الأشمل الذي يسعى إلى استيعاب التناقضات الاجتماعية ومتغيراتها، وتعديله بالتالي اعتراف بخروج هذه التناقضات عن الحصر، لكن كتابة التعديل تقتضي سلفاً أن تكون التسوية الجديدة قد أقرت وباتت واضحة وضوح موازين القوى الجديدة.
كتّاب الدساتير والطوائف
يظل أن عملية كتابة التعديل هذه كانت دوماً تستوجب وجود طبقة من المثقفين التقنيين، القادرين على صوغ التسوية كتابة وقواعد. وكان من حسنات هذا الوجود أن تمتعت الكتابة القانونية دوماً بشيء من الخفر إزاء مسألة الطوائف، فحتى في لبنان الأوضح دستوراً لهذه الناحية لا نجد للطوائف حقوقاً خارج اقتسام الثروة الرمزية التي تشكلها المناصب العليا في الدولة. ويأتي ذلك مشفوعاً بكونه مؤقتاً في انتظار إحلال اللاطائفية الكاملة.
السبب وراء ذلك أن للقانون الحديث منطقاً يتشربه دارسوه وكاتبوه يجعل من فردية الشخص القانونية حجر الأساس في أفكاره التعاقدية، سواء في المعاملات الجارية أو في الرابطة الاجتماعية.
كان يمكن إلى حد ما الرهان على قوة هذا المنطق الذاتية في درء تطرف بعض القوى. لكن المرء قد يتساءل بحسرة على تنامي غياب هذه الثقافة القانونية ومنطقها، وراء انتشار ثقافة فقهية تحل الحلال والحرام محل المشروع والممنوع، وتحل الله في أصل الاجتماع لا الفرد. ويزيد هذه المخاوف ما نشهده من انتشار أيضاً لـ"جامعات" طائفية. أي أن الطوائف التي كانت في ما مضى مفتقرة إلى تقنيين من خارجها يصوغون الاتفاقات، بشكل يتضمن حداً أدنى من المنطق القانوني، باتت اليوم تنتج "تقنييها" ولا ترتضي بغير اجتهاداتهم نصاً على الآخرون الرضوخ له، دون أن يكون لها في الواقع القدرة على الحسم والموارد الكافية لحسم المعركة الاجتماعية. وشواهد ذلك كثيرة في العراق، وفي لبنان، حيث يسعى "تقنيو" حزب الله إلى "ابتداع" أعراف وقواعد قانونية جديدة، يتأولونها تعسفاً من داخل النصوص الحالية (من نوع التمييز بين طوائف صغرى وأخرى كبرى، ولادستورية الحكومة التي يستقيل منها وزراء طائفة كبرى... الخ)، وما ذلك إلا لعجزهم عن حسم الأمر وفرض نصوص جديدة كما يشاؤون، ولرفضهم في الوقت عينه للأطر السابقة.
حين يولد الطفل لطائفته
يكثر المعلقون مؤخراً من استعمال عبارة التكاثر البيولوجي للطوائف. العبارة مستغربة ذلك أن الطوائف لا تورث جينات مخصوصة بعرق أو بنوع. فإذا جاز القول بتكاثر السود أو الصفر في العالم بيولوجياً، فإن افتراض سمة بيولوجية للطائفة، ناهيك عن لاعلميته، يفترض أن الطفل إنما يولد لطائفته، لا لأمه وأبيه، إلا أن كانا بدورهما أيضاً للطائفة مالاً وحالاً.
يغفل هذا الكلام التدقيق اللازم في أصول اندراج المرء في الطائفة، والخيار المتاح له في ذلك، ودور القانون بمفهومه الواسع في ذلك.
لا تتمايز الطوائف في المشرق لغة (باستثناء الأكراد) وثقافة وفنوناً ومعيشة وتركيبة اجتماعية بشكل يسمح بالقول إن ما يتلقنه الطفل في البيت يجعله مختلفاً تماماً عن طفل آخر من طائفة أخرى. كما أن من المعروف أن الكثيرين من الطائفيين المتعصبين ليسوا متدينين البتة، ولا يدخل الدين كمبرر لطائفيتهم.
يفترض بالقانون أن يجعل الطفل يولد لدولة وجنسية، إلا أن الدولة في ربوعنا تقيم من زعماء، يتم اختيارهم والتجديد لهم بناء على آلية طائفية يغذونها بسلطاتهم، وسطاء بينها وبين هذا الطفل. في تقديرنا إذاً، يصبح المرء طائفياً من خلال استرهان الأهل في معاشهم وأرزاقهم لوسطاء طائفيين في دول ريعية مثل سائر دول المشرق، وما يستتبعه ذلك من ولاء لرموز الطائفة والتفاف حولهم.
ليس الولاء الطائفي فطرةً أو غريزة، بل هو نتيجة لاتخاذ الطائفة أساساً لتقاسم الثروات، كما أن ما يغرسه في النفوس هو السماح للطائفة بامتلاك مؤسساتٍ خارج المؤسسات العامة، مدارس ومشافٍ ودور رعاية ومساعدات.
في هذا يتجلى مجدداً الدور الذي يلعبه القانون في صوغ الطائفية. كان يمكن لتقرير التقسيم الطائفي للمناصب أن يكون هامشياً، وأن يشكل فقط طريقة للتعايش. إلا أن غياب الدور الاقتصادي الفاعل للمجتمع المشرقي عموماً، واضطراره الأفراد الدائم للمرور عبر الدولة، إما لاقتسام ريعها (النفطي المباشر، أو غير المباشر كما في لبنان) أو للانتفاع بعقودها أو للتملص من الزاماتها، وتحويل الزعماء الطائفيين، من خلال الأوضاع والأعراف القانونية المعمول بها، إلى البوابة الإجبارية إلى هذه المنافع، كل ذلك يربط الفرد إلى الطائفة وشبكاتها، مثلما تربطه إليها قوانين الأحوال الشخصية الطائفية.
خلاصة القول إن الطوائف ليست قدراً، بل هي أسلوب لتقاسم المنافع والثروة المتأتية من الدولة مصدراً رئيساً. والمدخل الرئيس لتجاوزها هو تجاوز الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد المنتج فعلاً، والبحث عن سبل أخرى لاقتسام الثروة الرمزية في مناصب الدولة، قد تكون على أساس مناطقي (حين لا تكون المناطق "صافية" أو "مصفاّة" طائفياً) أو على أساس قانوني آخر يعتمد المهن ونقاباتها مثلاً، فيفعل دور نقابات المهن الحرة، بالإضافة إلى الأساتذة والقضاة.
أما محاولة درء الاحتراب الأهلي من خلال تقنين الوضع الطائفي فتؤدي إلى منحه إمكانية تجديد نفسه ما طاب له، عدا عن أنها تمهد لحروب قادمة كثيرة كلما أنست طائفة في نفسها القوة لتعديل الموازين المعتمدة في الدستور.
samedi 5 janvier 2008
كلمات! كلمات! كلمات
من الواضح أن ثمة هوساً فعلياً لدينا، كما لدى بوش بإرهابه والإسلامو ـ فاشية، بإلباس الواقع لبوس الكلمات، على حساب الخراب الشامل وعلى حساب قدرة الكلمة على الدلالة، غير أن ذلك يجعل كل خطابٍ شيفرةً سريةً لا تخاطب إلا جماعة تتقاسم "الكود" وأسلوب فك الرموز. وإن كان هذا الأمر يسمح للجماعة ببناء اختلافها عن الأخريات، إلا أنه في شيوعه الحالي يمنع اللغة من تأسيس فضاء سياسي مشترك بين الجميع. كما أن فشو تمويه الواقع باللغة يمنع قيام أي دعوة للتغيير على أسسٍ واضحة، ويترك الناس أمام خيار تكذيب الجميع أو عبادة الأشخاص، أو الإثنين معاً على ما يشهد الواقع اللبناني.
هذا يستوجب التدقيق في استخدام بعض المفردات المرشح يعضها لأن يصير، بأقرب مما نتصور ربما، "الرمز" الجديد للتعارف وللتقاتل بين الجماعات اللبنانية.
الكرامة الوطنية
لا يبدو مفهوم الكرامة مفهوماً سياسياً بالطبع، فهو ليس أكثر من رداءٍ يخلعه السياسيون على قبح سياساتهم وعلى المصالح المخبأة وراءها. غير أن كل استعمال من هذا النوع لهذه المفاهيم إنما يفرغها من محتواها القانوني، ويقوّض بالتالي الأسس التي تواضع عليها الناس مرجعاً لحلّ النزاعات بطريقة غير عنفية. ومن المعلوم بالطبع أن تقويض القانون هو أيضاً تقويض السياسة، لأن القانون هو اللغة الأساسية التي يمكن للمطالب و التسويات السياسية أن تتجسّد فيها. والعمه في هذا الغيّ لا يبعث تالياً سوى على الوثوق بدنوّ النوائب.
هكذا مثلاً، حين يبتكر أحدهم مفهوم الكرامة الوطنية، غير الموجود في القانون الدولي العام، فإنه ينقل الكرامة إلى الوطن، وضمناً إلى الدولة، ومن ثمّ إلى أصحاب النظام فيها، وهو بذلك ينزعها عن المواطن و يمهد لسحقها لديه في الوقت عينه الذي يخرجها عن دائرة القانون. ذلك أن الكرامة، في القانون، مفهوم محصور بالكائن البشري، ومؤخراً تجري محاولات لبلورة مفهوم كرامة الجنس البشري بكامله، انطلاقاً من كرامة الفرد، وذلك بهدف منع ممارسات كالاستنساخ، دون أن تصبح بعد متماسكةً.
على الصعيد السياسي إذن، كان الأولى اشتقاق كرامة الوطن من كرامة المواطن، وليس فرض العكس، أي أن تكون كرامة الوطن في بقاء المواطن في ظل عيشٍ ومعاملةٍ كريمين وفي حريةٍ وأمنٍ في نفسه وأهله وماله ورأيه، وهو ما قلّما عرفه مواطن في أوطاننا الكريمة.
إسترهان لبنان
تتوالى الانتقادات، من أطراف داخلية وخارجية، لحزب الله لاسترهانه لبنان في حربه مع إسرائيل، أي أخذه له رهناً ورهينة. وكان لسان العرب ذكر عن ابن سيده، قال: "الرَّهْنُ ما وُضِعَ عند الإِنسان مـما ينوب مناب ما أُخذ منه".
غير أن مثل هذا الوصف كان يليق بالطبع بالنظام السوري، إن صدق في زعمه أنه يبتغي استعادة الجولان، لا اتخاذ لبنان منه بدلا. أما أن يصدق في حزب الله فموضع شك، لأن الجزء لا يستطيع استرهان الكل، ولا يسع فئة أن تسترهن شعبها دون أن تسترقّ نفسها. كما أن مثل هذا القول مردود لأن ليس من أمر أُخِذ من يد الحزب حتى ينوب لبنان منابه. لا يسع مثل هذا القول أن يكون في محله إذاً إلا إن يقل المرء أن هدف حزب الله لا يزال استرجاع وحدة المسلمين وفرضها دولة واحدة لأمة واحدة، غير أن لا شيء في خطاب الحزب يذهب مثل هذا المذهب.
إذن ليس لبنان رهينة، منذ الانسحابين السوري والإسرائيلي، ولا الحزب يهدد بتقويضه أو يتخذه درعاً (بما أن الخراب واقع أساساً بمنطقة الحزب نفسه) إن لم تنفذ مطالبه في مزارع شبعا واسترجاع الأسرى! بل الحزب يعلن دوماً وصادقاً السعي إلى تجنيبه التقويض والوقوف في وجه ضربات العدو.
وليست المصادرة بأدق تعبيراً، خصوصاً أننا لم نجد لها أثراً في معنى الاستملاك لعينٍ ما، إلا إن يكن أصلها بمعنى الرجوع إلى الأصل الذي صدر العين عنه، أو نقله إلى موقع الصدر والصدارة، وفي المعنيين هذين تقدير فائق للدولة ولموقعها لا نفترض أن الفردانية الليبرالية الصميمة في النظرة اللبنانية للدولة تحتمله. كما أن الاقتطاع أيضاً لفظة غير وافية بالمقصود، إذ أن اقتطاع جزء من الأرض وتسويره لا يشمل القدرة على استجرار الأذى على ما سواه. أما تعبير "الطائفة الإثنية" فيضيف إلى تعقيد وضع الأولى غياب دقة الثانية، إن لم نقل باستحالة العثور عليها في الواقع، ناهيك عن تدافع التعبير وتنافي اللفظتين، إلا إن يكن صاحبه يقصد اختصار "الإثني عشرية"!
تسوير جزء من الأرض واقتطاعه، والقدرة على القتال انطلاقاً منه، على أن يشمل الضرر عن القتال ما ليس في الأرض المقتطعة ولا في أرض العدو، والتعامل مع هذه الأضرار على أنها "أضرار جانبية"، وفي المقابل فإن المطالب التي يرفعها الحزب في وجه الجميع لا تقتصر على استرجاع الأرض والأسرى من العدو، بل على إثبات العدو لنيته في الاستسلام النهائي الذي لا قائمة له بعدها، بما أن طبيعته في الجوهر عدوانية وهذه العدوانية تبرر كل ما سبق من استعدادات: في كل هذا لا يبدو أن الحزب يأخذ لبنان رهينة، بل أنه يتعامل معه فقط كما تتعامل معه إيران أو أميركا، أي على أنه ساحة لم يستطع اقتطاعها كاملة، فاقتطع ما أمكنه، وترك الباقي لوظيفة الساحة. المشكلة ليست في استرهان الحزب لبنان، بل كونه أول طرف لبناني في تاريخ لبنان الحديث يسعى إلى أن يكون لاعباً ـ فعلياً ـ في ـ لبنان ـ الساحة، خلافاً لكل أطراف الحرب اللبنانية الذين كانوا بيادق هنا أو هناك واستفادوا من الساحة دون أن يربطوا وجودهم ببقائها على حالها، إذ أن لبنان المزرعة كان ولا يزال بيئة مؤاتية أيضاً لهم. لكن حزب الله ربط وجوده بقيام الساحة وبقيامه لاعباً "اقليمياً" فيها، في حين بدا أن المال "النظيف" والعقيدة الطاهرة منعاه من استحلاب الدولة، وهو ما يزال مصراً على تجنبه في ما يبدو. تعففاً؟ ربما. لكن ذلك وحده يسمح له بالاستمرار في تسوير "منطقته" ومنع أبنائها من مخالطة الآخرين، في حين أن لعبة الدولة، بما في ذلك المحاصصة، دخول في سراديب لا يسعها إلا أن ترسخ علاقات (وبعضها علاقات فساد بالطبع) تقفز فوق هذا السور.
في هذا المعنى، وحيث أن الساحة هي الباحة، بحسب القاموس المحيط، فإن المشكلة مع حزب الله هي في "استباحة" الوطن اللبناني (في المعنى الدقيق، ولا حكم قيمة فيه، أي اتخاذه باحة)، لا في استرهانه. ونزع ذرائع حزب الله في الاحتفاظ بالسلاح يغدو بالتالي مطلباً هزلياً لأن الذريعة الأولى له، والأصدق والأعمق (فالذريعة في لسان العرب هي الوسيلة، وليست الكذبة)، هي هذه "الاستباحة" والتي لن تعدم مسميات أخرى. ولما كانت "الاستباحة" تحمل شحنة سلبية فإن المفضل ربما نحت تعبير "الإستساحة" (على وزن الإستساغة!) أو استعمال تعبير آخر مثل "إقليمية" الحزب، ما دام كل طرف في هذا الإقليم السعيد يتعامل مع لبنان على أنه ساحة ويرى في نفسه قوة عظمى إقليمية!
إن نزع ذرائع حزب الله في هذا المضمار، مثل نزع سلاحه، لا يمكن لأحد أن يقوم به، سوى الحزب نفسه، وطوعاً ، حين يقتنع الحزب نفسه أن المسميات لا تنضب، ولكن قدرة الجمهور على البقاء خلف السور، وإن يكن حائط برلين أو سور الإتحاد السوفياتي الحديدي، إلى نضوب قريب لا تجدي معه مترادفات اللغة. وحين يدرك، بمساعدة اللبنانيين واحتضانهم له، أنه، مهما كبر، يظل يستظل، وأهله وجمهوره، سماء هذا الوطن ويوارى في ثراه.
اختطاف المجلس النيابي
في المقابل، تبدو مفردة "الاختطاف" المرشحة الأوفر حظاً للرد على أصحاب "الاسترهان"، وتلوح منذورةً لمستقبل باهر. ويعتبر أهلها أن الأغلبية الحالية اختطفت لبنان مستغلة الدموع الشعبية على اغتيال الحريري، وتسعى إلى نقله من موقع إلى موقع آخر. وهكذا يضيف القائلون بالاختطاف هزلية لبنان ـ قطعة الأثاث المتنقلة بين الحجرات، إلى إخراجهم الشعب من سوية اختيار من يريد إلى فرادة الابتزاز العاطفي سلاحاً شهرته قوى 14 آذار على قلوب اللبنانيين المرهفة!
ينكر هؤلاء على الغالبية النيابية صفتها هذه، تارةً بابتكار مصطلح "الأكثرية المؤقتة" (وكل أكثرية في نظام ديمقراطي مؤقتة وينبغي أن تكون كذلك) وأخرى بصك تعبير "الأكثرية الحسابية" أو "الوهمية" (وكل أكثرية في نظام ديمقراطي يقوم على احتساب أصوات الناخبين حسابية بالطبع، ووهمية لأنها لا تقوم على تصويت متواصل بل على تفويض يمنح في لحظة معينة ويفترض، أو يتوهم، القانون استمراره حتى التصويت المقبل)، وطوراً باستمرار احتساب أصوات الناخبين من المسيحيين دون المسلمين (على ما درج عليه صاحب الأغلبية المسيحية، مخالفاً الدستور الذي لا يمنح أوزاناً مختلفة لتصويت الناخب، ولا يفصل بين الناخبين على مثل هذا الأساس)، وطوراً برأي أحد خريجي كليات الحقوق أن تغيير التحالفات الانتخابية يبطل فوز النائب! وأخيراً بافتراض أن لا شرعية للغالبية لأن الناخب كان مكرهاً تحت سلاح الابتزاز العاطفي! ولا رأي لحاقن...ضحكه.
يغفل هؤلاء في محاولاتهم المختلفة أن مبدأ الانتخابات في حد ذاته يقوم على تحمل الناخب، بنفسه، لمسؤولية اختيار ممثليه في لحظة حاسمة لمدة ولاية كاملة. أي أن كل انتخابات تعبر بالضرورة عن مزاج آني، وليس في هذا ما يشينها في حد ذاته، وإن كانت قلة الوعي لدى الشعب، كما تبدت في الانتخابات المشكو منها، تثير الأسف لحال الشعب ولحال طبقته السياسية بأكملها تقريباً. وهذا يضاعف تلقائياً أهمية احترام قواعد الدستور وحقوق الإنسان لأنها وحدها تشكل الثقل الموازي الذي يحد من كوارث أهواء الجماعات المتلاحمة.
إقامة القوة على مبعدة والإقامة في الأمان
هكذا، تاريخياً، فقط بعدما رسخت قواعد القانون العام أصبحت العودة ممكنة إلى القول بسيادة الشعب الذي لا سلطة إلا منه. ذلك أن قواعد القانون العام في هذا المجال إنما تقيّد عسف الجماعة وتقولب طرقها في التعبير والفعل، وتقيم القوة المطلقة على مبعدة، مقيمةً الأفراد في الأمان، حين تُحتَرَم بالطبع. والبعض ربما يسوؤهم الأمر، إلا أن الرد المفحم على عشاق التهاب القلوب بالحماسة، وانصهار الجماهير الذي لا يحتاج إلى قنوات للتعبير عنه، يأتي من حنة أرندت التي رأت بنفاذ بصيرة إن الأنظمة الديموقراطية تقوم على احترام دساتيرها أكثر من احترام قاعدة الأكثرية، في حين أن الجماهير، المنصهرة دون تمايز والمنصبّة سيلاً موحداً، هي عماد الأنظمة التوتاليتارية وركيزتها.
الدساتير، وإن صاغها أفراد في لحظة ما، ليست من وضعهم. إنها، والقوانين، الاتفاقات المعقودة حين تضع الحرب الأهلية، الباردة أو الساخنة، أوزارها. وهي تالياً ليست في معزل عن الشعب أو عن تاريخه، لكنها لا تأخذ بمنطق الهرجات الشعبية، بل تشكل غالباً مناراته وشطآن نجاته. وهذا يضاعف من خطورة تجويف مضامينها وانتهاك لغتها وإفراغ كلماتها من مضامينها الدقيقة، لأن ذلك يعني النكوص عن تقييد القوة الهوجاء وإعادتها، متعسفةً بطبيعة الحال، إلى عقر الدار لتعيث فيها تخريباً وإرهاباً.
jeudi 3 janvier 2008
في ميزان الشر: العدالة والسيادة والفعالية
تمر سنة على نهاية حرب مدمرة. الحصيلة واضحة لكل ذي عينين، لكل هل لنا عينان لنبصر؟ بعد سبع سنوات على التحرير، هل كتب أحد تاريخ عقدين من الاحتلال والتعامل معه والحياة في ظله ومقاومته؟ اسرائيل شر مطلق، حسناً وبعد؟ كيف يمكن للعين أن تبصر الشر، وللغة أن تحتضن العبارة عن تغلغله في نسيج الحياة؟ ثم، إذا كان الشر عادياً، بحسب عبارة أرندت، ويومياً، بحسب تجربة الجنوب اللبناني، فلم لا يزال مستعصياً على العبارة، بل على الفهم؟
تردّ الوفاة المتزامنة لهنري أمورو، المؤرخ الفرنسي لفترة الاحتلال النازي لفرنسا، وراوول هيلبرغ، أكبر المتخصصين في مسألة الهولوكوست وعلاقته بالبيروقراطية الألمانية، المرء إلى هذه الأسئلة، لافتة إياه إلى غياب الذاكرة الكلي لدى أولئك الذين لا يحلمون سوى باستعادة التاريخ الذهبي، جاهلين حتى بتاريخ الشارع والمساجد التي يرثون!
لكن أمورو وهليبرغ ينفيان ميتافيزيقا الشر، ربما وفقاً لطبيعة علمهما التأريخي، في حين يستعصي الشر الإنساني على الفهم، بحسب نورمان مايلر، ما لم نعد إليه طبيعته الميتافيزيقية، وهو ما يفرض بحسب رواية مايلر التي تصدر الخريف المقبل، والتي نشرت لوموند مقتطفات منها، أن يكون الشيطان حاضراً زنا المحارم الذي نتج عنه الطفل أدولف هيتلر، الرد الشيطاني على ولادة يسوع المسيح! أين أولمرت وبيرتس وباراك وبيريز من مثل هذه القامة؟! وأيننا من مثل هذا النقاش و"علمنا" من هذي العلوم؟!
نقاش الشرّ وضحضاح الغائط السياسي اللبناني
اللبناني قد لا يملك ترف هذا النقاش. مهما بلغ شأو التنابذ بالألفاظ بين زعماء "الشعب المتني" (وهو ما سمي شعباً إلا من تشعبه!)، واللبناني عموماً، فإنه لا يتخطى سقف العمالة، ولا يصل إلى "شيطنة" إسرائيل، إلى شرها المطلق والمطبق.
على خلاف المدن الألمانية التي خلفها القصف الأميركي طللاً، لا تترك حروب إسرائيل على أرضنا صوراً!! كل صور المجازر المروعة تلك، هل تم ابتلاعها، قسراً ربما بعد انكشاف بعض التحايل والتذاكي في بعضها القليل؟ أم أنها فقط غير قابلة للاستعمال والصرف الداخليين، فتم إهمالها؟
ربما كانت اللغة هي التي ابتلعتها. لغة النصر لا تملك القبول بعرض هزيمة الوطن والأرض والمواطنين. لذا يظل في الآذان رنين صوت السيد، وشعارات النصر الإلهي والسماوي الطنانة، فيما تغيب صور الشرّ الشيطاني والأرضي عن العيون والذاكرات.
أو ربما أن الشر، أصلاً، مفهوم غير مستقر في الإسلام، بخلاف السوء والغواية. فالاستعاذة من "شر ما خلق"، وليس من شر من خلق، وحرف الـ"ما" أوسع من أن يطلق على الإنسان، فلا تعني هنا سوى السوء والضرر. وقول المنتقم الجبار : "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"، يفيد المعنى نفسه، فهو مرتبط بالخلق الذين ينفضون عن سماع الدعوة وتعقلها ـ وهم قد يرجعون عن غيهم هذا ـ وليس مرتبطاً بماهية مطلقة ومتعالية كالشيطان، الذي يقترن بالغواية والعداوة بصفة مطلقة وسرمدية.
أو ربما، آخر الأمر، أننا لا نملك إبصاراً، لأننا لا نحوز أعيناً منحتها الدربة القدرة على اقتناص التمزق في نسيج الصورة ومتابعته إلى كشفها عما لا يطال بالكلمة، أي عن خواء موقع الإنسان من لوحة الوجود وعن مبدأ ما هو مرئي، بحسب بيار لوجاندر. كما أننا لا نحوز القدرة على توليد الصور من المَشاهد، تلك مهمة آخرين. نحن ألوان الصورة، ننتظر آخرين لمنحنا شبهة معنى. ونحن من يملأ هذا الخواء بدماء وأسماء وسلالات تمتد من نور خلقه الله قبل آدم وقبل السماوات والأرض إلى خلفاء الله في أرضه والمستضعفين فيها، أو نملؤه بالمعنى المسيحاني المهدوي لتاريخ يسير حثيثاً إلى زمن العدل والقيامة.
في شكل أكثر "نثرية"، بحسب العبارة الفرنسية، ربما كان الحق في تناول المطلق والميتافيزيقي، من سلام وشر وشياطين، من حق اللاعبين الإقليميين فحسب. أما اللبنانيون فقصارى شأوهم أن يتناولوا المؤقت والتقني والنسبي، كالهدنة وإعادة الإعمار والتعويضات. تفاهة الصراع السياسي اللبناني وتضخمه اللفظي واللغوي قد تكون كافية لإغراق أي نقاش مطلق في ضحضاح وحلها وغائطها (والضحضاح لغةً القريب القعر من الماء، واستعاره الحديث للنار)، بالمقارنة مع شرف ونقاء الممانعة الأبدية والعداء الأبدي لشياطين الحداثة والغرب والمرأة والحرية. لكن ماذا عن رفعة العدالة والسيادة اللتين بهما يتشدقون؟
العدالة تجاوزاً وجسداً
يحكم القاضي، آخر الأمر، وفق قناعته الخاصة، ويفسر تبعاً لها أحكام القانون، مراعياً في تطبيقها أحوال المتقاضين والمتهمين التي لا يشبه واحدها الآخر. بين الكلمة والحال هوّة مبعثها أساساً انفصال الكلمات عن الأشياء، فكيف للقانون أن يملأها سوى بجسد القاضي البشري المعلق بين اللغة والوجود.
لذا يبدو من المستحيل تحقيق العدالة من خلال تحكيم الكمبيوتر في رقاب الناس. كما يبدو ذلك مستحيلاً أيضاً لاستحالة برمجة الكمبيوتر ليحتسب الأحوال التي لا تحصى للناس. بل فوق ذلك، يبدو مستحيلاً احتساب الأحوال نفسها، لذا يلجأ القاضي إلى قناعته، لا إلى آلة حاسبة أو إلى معيار ثابت مهما بلغت دقته. لذا لا يسع المرء إلا موافقة دريدا، متابعاً دولوز في اهتمامه بالقضاء لا بالتشريع، في إعلانه أن العدالة ليست القانون، فالعدالة غير قابلة للاحتساب والكيل بالميزان، في حين أن القانون دقيق ومحدد وثابت. لكن العدالة ايضاً مستحيلة إلا في وجود الدولة والقانون الذي يصدر عنها، لأنها تحديداً ذلك التأويل الذي يقدمه القاضي وسيطاً بين القاعدة والحالة، أي في تعليق القاعدة في حرفيتها وتطبيقها معاً وفي آن.
العدالة إذاً تتجاوز الميزان الذي علينا ألا نُخْسِرَه، وتتجاوز دفاتر الحسنات والسيئات، وتقدير أعمال العبد مقارنة بنعمة حاسة من الحواس (بأي معيار تمكن مثل هذه المقارنة). أليس أن العدل هو الرحيم؟ وفي التلمود، أن شرح "العين بالعين والسن بالسن" يعني "العين بتعويض عن العين..."، إذ هل تستوي عين أعور وعين أعمى أو بصير بالاثنتين؟ وهل تستوي رجل كسيح برجل أعرج..الخ؟ أي أن قاعدة العدل تتطلب تجاوز فكرة التكافؤ إلى فكرة الرحمة والرأفة وتقبل العوض وإن لم يجزِ أو لم يعد الحال إلى ما كانت عليه.
لكن، حين يكون أفق مساءلة الشر المطلق مغلقاً أو غائباً، أو أسير صورة الآخر فحسب، إلى أين يمكن تجاوز الحساب والتوازن والتكافؤ والمناصفات والمثالثات ونسب التصويت من هذه الطائفة أو تلك لهذا أو ذاك؟ ليس المقصود مساءلة إسرائيل قضائياً، فذاك أمر ميسور إذا ما وافق حزب الله على انتساب لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية التي، للمناسبة، يقاطعها الأميركيون. بل المقصود مساءلة فكرة الشر كأفق إنساني أقصى، للتساؤل عن مغزى سقوط آلاف الشهداء في وحشية يتم الرد عليها باحتساب "ضعف الحكومة الإسرائيلية" و"خدش هيبة جيشها" ومصرع بعض سكانها، عرباً وغير عرب. المقصود التفكر في معنى "الوحشية"، وفي غياب عائلات وقرى وذاكرات وأجساد عن سطح الوجود إلى غياهب عدم يأبى أن يستقبلهم حتى في لغة لا تكون خطابية شمولية الجمع والتسطيح.
تفيد قصة من قصص المأثور العربي أن المدينة العادلة هي تلك التي تضم قبورها في وسطها. تلك حال مدننا اليوم. لكن الفارق هو أن تلك المدينة كانت تجعل الموت حاضراً في كل لحظاتها، أما مقابرنا فقد غابت بدورها عن المدينة، رغم وقوعها في وسطها، حين غابت مساءلتها وباتت زيارتها روتينية، صبيحة العيد كي تنسى بسرعة أكبر، مثلما ينسى بعض الأهلين تزيين الأضرحة بعرق آس! للمقارنة، لا يمكن فهم تأثير المحرقة اليهودية على الضمير الأوروبي إن لم نلتفت إلى حضور الأضرحة والشواهد في المقابر الأوروبية، والباريسية، الكبرى. حضور الضريح، الضريح هو ما يحضر دوماً، صدق ابن جني وقلبه الأكبر! لكن الشبح ليس يأتي ما لم نستحضره.
في غياب كل ذلك، لا شك، بحسب مأثورنا الخاص، أن العدل سيغيب، وأن الجور هو ما يملأ الأرض. والجور ليس سوى تحكيم الأهواء والنفس الأمارة بالسوء التي يغويها الشيطان، لكنه أيضاً قد يكون تطبيق الأحكام بحذافيرها على شتى الحالات المتفاوتة وقد لا يكون أكثر من الثأر فحسب!
في غياب التنبه لضرورة التجاوز ولضرورة حضور الأجساد شرطاً للعدالة، تتحول هذه الكلمة مضغة ومطية في حلوق من لا يتعففون عن استخدام كل عبارة وذريعة وزعم في سبيل تحقيق القدر الأكبر من "المكاسب" المرقومة أو المقننة أو المحتسبة. في ذلك الحين، تكون الشعارات براقة كالسراب، "بحر الشيطان" كما يدعوه الصعايدة، لأنها لا تهدف سوى إلى إدارة الصراع بالقدر الأكبر الممكن من الفعالية.
السيد الذئب
لا يكف أصحابنا عن التشدق بدفاعهم المتطاول عن "السيادة"، سيادة لبنان ورئيسه وسادته. لكن كلاً من المعسكرين يرى تهديد السيادة هذه نابعاً من مصدر واحد أحد، وإن كان له شركاء أو وكلاء أصغر، لذا لا بد من محاربته بكل ما أمكن من حواضر البيت. لذا لجأ البعض إلى استحضار دراسة ادمون رباط عن نصاب جلسة انتخاب الرئيس، مع أن الزمن الفقهي والسياسي قد تجاوز نزعتها "العلمية" إلى تفسير النص من خلال "المصالح الاجتماعية" المفترضة في وصول "رئيس قوي" في نظام ليس فيه شيء بعد من الرئاسية (وكأن المشترع قد لغا، حاشاه، إذ تحدث عن انتخاب بالغالبية المطلقة بعد أن منح أقلية الثلث حق الفيتو على عقد الجلسة الأولى أصلاً). من هنا أيضاً، لجوء البعض الآخر إلى خلط مسألة العدالة بالمحكمة بالثأر بالسيادة بالكرامة، وكأن السيادة ليست في الأصل مفهوماً قانونياً محدداً، قبل أن تكون ممارسة سياسية على الصعيد الدولي.
تعني السيادة في القانون الدولي عدم خضوع الدولة (بافتراض وجودها، من خلال مؤسساتها، بداهةً!) لقاعدة قانونية لم تقبلها، أو لم تقبل بصلاحية واضعها لإقرارها وفرضها عليها. لذا لا معنى، بالطبع، لحديث صاحب البشرى عن علو السيادة الوطنية والقرار الداخلي على القانون الدولي، ما دام ارتضاه! لا معنى أيضاً، بطبيعة الحال، للدفاع عن سيادة دولة غير موجودة بما أن مؤسساتها كلها "وهمية"، "غير دستورية"، "باطلة"، ..الخ.
لكنهم ربما يدافعون عن "سيادتهم" كلّ لشعبه؟ السيادة على الصعيد الداخلي، لا الدولي، مفهوم ملتبس، والأولى، في رأيي، الحديث عن السلطة لا عن سيادة الدولة على شعبها، فالسلطة تكون محكومة بقواعد عملها وحدوده، أما السيادة فتعريفاً مطلقة، كما الشرّ.
في عددها الأخير، تضمنت مجلة Cités
لكن دريدا يتابع هنا مساراً من رموزه الأساسية الألماني شميدت، الذي يرى معيار السيادة في القدرة على فرض حالة الطوارئ، أي تحديداً القدرة على تعليق القانون. مثل هذه السيادة تكون تعريفاً خطيرة. لكن هنالك تراثاً قانونياً آخر، من علاماته النمساوي كلسن، وهَرَم نُظُمه الشهير. لدى كلسن، تولد قوة القاعدة من ترابطها في هرم من النظم، يشكل الدستور أعلاها. يمكن القول حينها أن القدرة على تعليق القانون ستكون هي أيضا، مثلما كانت حال دوفيلبان إبان أزمة الضواحي الفرنسية، مستمدة من الدستور نفسه. ولكن من أين يستمد الدستور نفسه قوته؟ يغمغم كلسن في الجواب، ملمحاً إلى قاعدة ربما تتجاوز الحد الوطني. أي ربما يكون القانون الدولي، رغم كونه في أغلب الدول أدنى من الدستور، هو المتضمن القاعدة الأساسية للقانون. ذلك أنه لا شك أن ما من دولة تستطيع امتلاك هذه الصفة، في أيامنا هذه، دون اعتراف جماعة الدول الأخرى بها.
إذا ما تابعنا هذا الإرث، فإن السيادة هي ملك للشعب، الذي يعبر عنها بالدولة، لكن الدولة ليست "السيدة" في حد ذاتها، (لذا كان الأولى، في رأيي، استعمال كلمة السلطة بدل السيادة الداخلية)، كما أن لا كينونة لها دون الاعتراف الدولي. ولا مجال للقول بالدور، بالمعنى الفلسفي، لأننا نولد دائماً وسط الأمور لا في بدئها، ولأن جماعة الدول أمر واقع! في هذه الحال، ليست القدرة على تعليق القانون سوى إحدى تطبيقات الدستور الذي يحدد قواعد هذه القدرة وأطرها وزمنها وحدودها.
إذا ما كان الدستور، نظرياً، تعبيراً عن إرادة الشعب فإنه، بالنظر لاستحالة كون الشعب جسداً أوحداً، يشكل في الواقع اتفاقية الهدنة بين القوى الاجتماعية المتصارعة، ويفترض به أن يسمح لها بتقنين صراعاتها اللاحقة وتأطيرها في إطار سلمي قابل للتطوير. لكن الخروج في تأويله عن حدّ لغته هو خروج عن الاجتماع البشري، كما كان ابن عربي يقول، وتنطح إلى الربوبية مثل كل خروج عن اللغة.
خروق الدستور التي توالى عليها الأطراف اللبنانيون على مدى سنوات طوال مزقت مظلتنا الحامية من حمم العنف الاجتماعي الفالت. عاد "السيد" هو القادر على تعليق القانون وتعطيله، لا بموجب الدستور بل بقوته العارية. عاد ذئباً يواجه الذئاب الأخرى. لكن بعضاً من خفر، ربما كان مجرد "تأخير"، لا يزال يحول دون هذا العري الإباحي للقوة، ودون تحويل المواجهة صراعاً خالصاً مع "الشر" المتجسد في الآخر المفترس. لذا يكتفي حالياً الساسة اللبنانيون بالتكاذب والافتراء على الدستور والذكاء الآدمي، فضلاً عن الخروج عن الحد الأدنى من التهذيب الإنساني. يكتفون في هذه الأثناء بإدارة الصراع، على ما يهوى أهل الممانعة القول في ظل العجز المزمن عن حسمه.
تقنيات الإدارة وأسئلة الفرد
Dominum Mundi، في عمله الأخير، "ملْكية العالم"
دور القانون، في هذا الإطار، هو أن يكون الصمغ أو الغراء الذي يشد عرى الاقتصاد والتقنية والعلم بعضها إلى بعض، مؤمناً تماسك الهيكل. أما سلاح الإمبراطورية فهو استعمال الصور وتحويل كل سلعة إلى استعراض، إلى وعد بالهناء الذي يتخذ أشكالاً واضحة وضاحكة. انتهى، بحسب لوجاندر، الدور التاريخي للسلالات والأنساب وعلاقات الأبوة وروابط الدم، مفسحاً المجال أمام تحويل Management إمبراطورية الـ
وحده الفرد ليس قابلاً للعولمة لأن ندوب وجهه وعلامات هويته لا تمحى. لكن لوجاندر ينسى أن الفردية أيضاً اختراع غربي، وفهم غربي لآخروية الآخر المصمتة. رغم ذلك، إذا افترضنا قدرة الفرد على رفض عولمة تقنيات الإدارة الحديثة، وتمسكه بطقوسه التي تحفظه من سؤال الحياة والموت، فإن ضآلة نصيبنا من الفردية لا تترك دفاعاً لنا أمام أحلام الفعالية التقنية والإدارية.
بين وساوس الحكومة الاقتصادية وهجسها بالإدارة، وهوس حزب الله التكنولوجي بإحداثيات المواقع والارتباط برؤية "رياضية" للعالم، بحسب ما لاحظ طوني شكر، فضلاً عن نزعته الاستعراضية التي تسلّع حتى الشهداء، المعروضين في هزج الاحتفال بدمائهم، يبدو جلياً تقمصنا لرؤية للعالم ترى القوة صنو الفعالية وجمع الأوراق في يد واحدة، وترى فيهما الهدف الأوحد الذي تتم ملاحقته إلى ما لا نهاية، تماماً مثلما تسعى الشركة في منطقها إلى غزو العالم كله، وتماماً مثلما كانت النازية آلة لا تستطيع إلى المضي إلى الأمام باستمرار، على ما يُظهر هيلبرغ.
Management إمبراطورية الـ
وجه العملة وقفاها: أحلام الفعالية والقوة التي تدير رؤوسنا، وسبحة الفواجع التي نشيح بأعيننا عنها ولا نبصر. تماماً، مثلما نريد استيراد السلعة دون أشباح ذاكرتها، والسلاح دون كوابح عمله، والدستور وسيادة الدولة دون تواطؤ الاجتماع عليهما. هكذا نتأرجح بين بيروقراطية مستنقعة البطء وجيوش لا تني تستورد أحدث أدوات الموت، بين شعارات النصر وجثث القتلى في جحيم الهزائم.
العين التي لا ترى شراً سوى في الآخر المطلق الأخروية والمقطوع الصلة بالذات، الذاكرة التي لا تحفظ سوى طنين الشعارات وسلالات الأنساب بدل ذكرى الألم ووقائع التاريخ والهجنة، حلم القوة والفعالية الذي يسحق الحرية والاختلاف واختلاط النفس البشرية، كل ذلك وعد صادق بعودة عادية الشرّ الذي لا نراه شرّا إلى الأرض اللبنانية التي اختبرته طويلاً، ولم تحفظ له وجهاً أو صورة. إلى أن تبتلعنا جميعاً في زلزالها القادم والمعلن؟