mercredi 21 mai 2008

أناقة اللغة الوقحة



عهر البلاغة

نشرت في ملحق النهار، 18 أيار 2008

ـ حين تنتشر شظايا القنابل وشرر الرصاص، يغدو تماسك الخطاب وقحاً إن لم يكن كذابا. ما يبقى من القول إلا كتل يفتتها أدنى لمس امرأة ثكلى، أو طفل خائف.
ـ من يسائل الآن عن منطق قرارات حكومية هوجاء، عن التوقيت وجدول عفن الشرق الأوسط، أو عن تمهل المنتصر، حين تطفح بسمته بثمل النشوة المظفرة، بسكرة السلاح؟ أليس السلاح ما يحرك نفوس حامليه، بحسب بورخيس؟ خفة الدم، في هذا المقام، أو أناقة الاقناع، ليستا غير فرع من شجرة النفاق. عهر فاضح تصير البلاغة حين لا تجهر بأن "الموت يدافع عن الموت" ؟
ـ في صيف 2006، حارب مقاتلو حزب الله مثل أشباح، في أرضهم. هاهم اليوم يطلقون النار على الأشباح. هل اعتراهم الرعب من نقاء صورتهم، أم هو وسواس الدم الخفي المنسي على الأيدي يستدعي دماً أوضح؟
ـ قتلى الحروب الأهلية ليسوا شهداء، بل شهود على الحمق والكبر. دمهم لا يصعد إلى السماء العكرة، بل يظل على الأرض، لا يغسله شيء، ينبت دوماً على جلود الناجين، وفي أعين القتلة كجفن معترض.
ـ حزب الله لم يعد حزباً، بل شعاراً، كالقاعدة، يحمله حتى أعداؤه، شارة في جبينهم. كل مقاتل لبناني في شارع لبناني أصبح مدموغاً به. كل مقاتل اليوم أصبح مقاتلَ الحرب الأهلية المتمادية منذ عقود، أو أكثر، القاتل على الهوية وعلى الثقافة وعلى الاسم، والمقتات من الغنائم والغصب. هل يدرك ذلك من يفرح باحتضان السلاح؟
ـ هناك من يشدد أن النزاع سياسي، وليس حرباً دينية. كي لا تكون الحرب دينية حقاً كان الأولى ألا يتحدث المشايخ والمفتون ونواب الغائبين والمغيبين، وكان يفترض أن يكون المنخرطون فيها سياسيين أو طالبي حق (محتكمين إلى القانون). أي أن يكون ولاء حزب الله لإيران ولاء سياسياً، لا فقهياً، وأن يكون موت الناس قتلاً لا شهادة، وأن يكون المقدس واللاعقلانية والفطرة (أي الغريزة) خارج أسباب الصراع ووسائله وذرائعه.
ـ مثل بثرات مزمنة، تتكرر مشاهد القتل في شوارع لبنان. هل هو غياب العدل الذي يعيد في كل مرة نسف السلم، الذي نقدمه على القصاص؟ من يأتي بالعدل إن لم يكن من غالب، عادل أم لا؟ هل هو غياب الرواية تُسكَب في روح اليافعين كي تكسر حماساتهم إلى الظفر الحربي وتُشكّكهم في وعود الملهمين والنجوم؟ أم أنها فقط ذاكرة مديدة، تسترجع، من حين لآخر، بعض الذكريات، دون أن تحفر في جلود الناس أي وجع؟
ـ قال أحد مشايخ الحزب إن بيروت الغربية لم تعد ذات أكثرية سنية. كم نرجو لو يتحقق هذا القول. كم نرجو أيضاً لو ينطبق نظيره على الضاحية البيروتية الجنوبية، ونرجو لو يسحب الجيش السلاح، بدل طلبه سحب المسلحين إلى يملكون السلطة الفعلية، أي قادة الزعران ومقدميهم، ولو ينتشر في كل المناطق بشكل متوازن، في انتظار انتشار الانماء. عسى أن تكرهوا شيئاً....
ـ الحرب خدعة، لا ريب. المقاتل ليس شجاعاً بل مخادعاً. أطهر الناس من يتمسك بشجاعة العيش الصعبة، لا من يتلمظ باقباله على الموت.
ـ بات الفصل المثلث ضرورياً بين الحزب (الذي بات مستغنياً في التعريف عن المضاف إليه، على جلاله) ومقاتليه وطائفته. لكنه أيضاً بات ناجزاً. الحزب المتطهر لا يلغ في الدم، عكس المقاتلين الذين يموتون ويعيشون في متخثره، أما الطائفة، المزهوة (بدليل الصمت العارم) بحلم القهر الموجه إلى خارجها، فستكون أول من يتنبه إلى كونه مجرد مقدمة لعودة النصل إلى روحها. كسابقاتها، سوف تستدعي، متأخرة، الآخر لينقذها من نفسها، من السرطان المتنامي في نسيجها. حكم الطبابة أن تكون يد حامل المبضع يد الغريب.
ـ طرابلس أيضاً تستأنف ذاكرتها، لأنها حاضرة فخور وليست ضاحية شمالية. مستقبلها لا ينفصم عن أزقتها، والرابط مع العاصمة الحديثة النعمة ليس بأوثق من الرابط مع ما وراء البحار، ما قبل العولمة. رهان وحيد لوقف "عرقنة" البلد؟
ـ بين مايو الفرنسي وأيار الانتصارات، بحسب إعلام الحزب المنتصر سرمداً، أن "المخيلة تنزل إلى الشارع" في باريس، في حين يصعد الشارع إلى المخيلة في بيروت. ربما لم يكن حصاراً، إلا أن شمس الحمراء تلح على مخيلتي كأميرات القصص. بينهما أيضاً أن أيام باريس عيد الأفراد المتحررين، أما أحداث بيروت فطوفان الرغبة في الانحلال في وحدة الجماعة، لذا كان التحرر سابقاً على مايو، في حين أن السلاح مصوب على رأس أيار يستعجله الانقضاء، نحو حزيران الشهير.
ـ لا يصنع من الفسيفساء اللبنانية زرد. المطارق تكسر، ولا تصيغ، والنار تحرق ولا تصهر. رغم ذلك، لا يجد الحزب خياراً سوى اتخاذ اللبنانيين درعاً! ولا يجدر بهم اسقاط مربعاته عنوة أو كرهاً، فاللوحة تتداعى إن لم تكن عناصرها "محشورة" ضلعاً إلى ضلع.
ـ حزب الله لاعب اقليمي، وطموح كوني، أو هكذا يظن. غير أنه لا يحلم بدولة له، تلقى مصير غزة، ولا بحكومة له خارج اقليمه اللبناني. ما قام به ليس غزوة، ولا غارة، بل طلب حار للحماية. يحيا الحزب من كون الطوائف عصية على الاقتلاع، ويموت لأنها ليست، على ساحة الدول، سوى كتل من أذى منتن لا يمس سوى بأعواد الموت القابض. كأنما النصر المحلوم على إسرائيل لن يكون إلا بثمن تحويل المشرق كله خلاء. أليس هذا أيضاً معنى القنبلة النووية الاسرائيلية؟
ـ حولت اسرائيل، رغماً عنها، الأرض اللبنانية موحدة. ها إن الحزب المعادي لسياساتها يحيل، رغماً عن مقارناته المتهافتة، بيروت مفصولة عن بنت جبيل بهوة مقدسة. كم حياة تلزم لردم المقدس؟!
ـ كيف تجيب رصاصة، أو تتحدث مع فوهة رشاش؟ كيف تعود إلى بلد تسأل فيه عن هويتك واسمك ومسقط رأسك (قبل أن يعاود السقوط) من عيون غريرة الشر؟ الخائفون لا يحارون جواباً، لأنهم يركضون، ويخفضون وجوههم. في مواجهة المقنعة وجوههم (للمناسبة، لم يتقنعون إن لم يكن حرصاً على علاقات الغد الذي يغتالون؟)، لا يسع المرء أن يرد إلا بسفور الوجه الهادئ على الرصيف. أن يكرر: لستُ أنت، لستُ أنت.

2 commentaires:

محمد خير a dit…

الرجاء تعديل التاريخ في العنوان

إلى 18 أيار بدلا من 18 آذار

تحياتي

فادي العبد الله a dit…

علم يا فندم
شكراً :)