jeudi 3 janvier 2008

الآنسة أم كلثوم

نشرت في ملحق النهار الثقافي، 18 شباط 2007، واستعادتها أخبار الأدب المصرية في زاوية "جسر الحنين" في 4 آذار 2007
كيف نقرأ "الآنسة أم كلثوم" اليوم؟
فادي العبد الله



ما بين "التعبير" و "التطريب" و "الغناء الطربيّ" و "الغناء" في صورة عامة، نلاحظ اختلاطاً في المفاهيم و قلقاً في المنظور الذي يسعنا منه تقييم حال الغناء و الموسيقى في أيامنا هذه. من أجل التمييز بين المعايير المختلفة لا بد من وضعها في سياقها الفني و التاريخي واستقراء ولاداتها و تشكّلاتها الأول، و هذا ما تسعى إليه هذه المقالة، متخذةً لها بؤرةً بحثيةً من فترة بدايات أم كلثوم، التي نحيي في هذه الأيام الذكرى الثانية والثلاثين لغيابها (في 3 شباط 1975). نهدف إذا إلى التدقيق في دورها البارز، والملتبس و المنسي، في صياغة وبلورة هذه العوامل على الوجه الذي نعرفه اليوم. في هذا المعنى فإن مساءلة وضع الموسيقى اليوم لا تنفصل عن مساءلة نظرتنا إليها و تاريخ تشكّل هذه النظرة، لذا فإن المساءلة تبدأ لا مناص من التدقيق في طبيعة قراءتنا لمن هي المطربة الأبرز في موسيقانا الغنائية: كيف نستمع أو، للدقة، نقرأ اليوم أم كلثوم؟

ثمة من يقرأ اليوم، كما بالأمس، أم كلثوم اكتمالاً ما بعده كمال، وطرباً لا يجاوزه آخر، وابتداعاً لم يسبقه أحد إلى مناهله. هكذا تعلو أم كلثوم عن النقد و عن التحليل معاً، فلا يطالها سوى التسبيح المرفوع إليها. و هكذا أيضاً تخلد أم كلثوم أيقونةً بلا وظيفة، لا نستعيدها إلا لماماً وفي صورها الأكثر شيوعاً و الأقل تطلباً لأي جهد منا، فتخلد صورةً وتمحى شيئاً فشيئاُ صوتاً ومشروعاً وجهداً وتاريخاً معاشاً لا أسطورياً. اللهم إلا أن تكون وظيفتها تحديداً التنزه عن كل عيب و شائبة. وإذ ذاك نفهم تشابه مفارقة الخلود والامحاء المشار إليها مع مفارقات العروبة و الوطنية و القومية و الإسلامية حيث أيضاً نرى ماضياً تُمَجَّد صورته و يمنع كل بحث في تفهم حقيقته و جهوده ومعاشه. مثل هذه القراءة، التي يصمها حازم صاغية عن حقٍ بالنرجسية، تنطلق من المماهاة بين صورة أم كلثوم و صورة الذات عن نفسها (سواء كانت هذه الذات مصرية أم عروبية أم مزيجاً من الإثنين)، فتتنزه أم كلثوم عن كل عيب كتنزه العروبة من كل شائبة أو وضر، و تزهو مصر بصوتها كالنتاج الأتم و الأكمل للمصرية الصميمة…الخ.

في مقابل التهويم النرجسي هذا يقدم حازم صاغية في "الهوى دون أهله" قراءة تسعى إلى نقض الأولى وفضحها، في "النص" الكلثومي ذاته، فيبحث صاغية فيه عن عناصر التطابق، العظامي والجنوني، بين المطربة والذات العربية، ساعياً من وراء ذلك إلى إثبات العلاقة بين الطرب عموماً وبين الصوفية، بين أم كلثوم والناصرية، وبين الكلثومية وتريّف الحياة العربية وانطواء عهد المدينة الكوزموبوليتية. في سبيل ذلك، يعتمد صاغية اعتماداً هائلاً على مضمون "بعض" النصوص التي أدتها أم كلثوم ( فيسقط مثلاً كل الأغاني الوطنية وكل أغاني المناسبات). ولكي يجيز لنفسه مثل هذا الاعتماد فإنه يفترض تقدم الكلام على اللحن في فن الطرب، و تماهي المطرب مع الكلمة، ثم تماهي المستمع في وحدةٍ حلولية مع المطرب، حيث أن الطرب "التكراري" بحسبه لا يترك للمستمع مسافة و استقلالاً عن الغناء تسمح له بالإعجاب الواعي والمقدّر، على خلاف ما يفترضه في الغناء الغربي. في مثل هذا الإطار يغدو من السهل إذن القول بغياب الدلالات وشيوع الكلام الإلهي واللا تاريخي في النص الكلثومي، و غياب السيرة الحقيقية لها، بالمقارنة مع بياف وبيلي هالليداي، و نصوصهما.

لكن أليس ما يفعله صاغية هو عين ما ينتقده؟ أي المماهاة بين أم كلثوم و صورة معينة سابقة التشكل عن الذات، بحيث لا يتم في ما بعد سوى اسقاط نقد الصورة في حالته (أو لا نقدها في حالة النرجسيين) على أم كلثوم نفسها.

هكذا يرى اكتمال الكلثومية في العهد الناصري في حين أنه هو نفسه يرصد تفكك النموذج الكلثومي في الفترة نفسها، و يحسب أن نظام توحيد الأذواق الناصري أيضاً ألغى إمكانية منافسة أم كلثوم، في حين أن ذلك قد تم في الواقع قبل عشرين عاماً على الأقل، منذ بدء الحفلات الشهرية في 1935 وحتى قبل ذلك بالنسبة الى "السمّيعة". و يستشهد بمقطع من "أهل الهوى" دليلاً على الليل الكلثومي، الليل الزمني و الدنيوي في مقابل الدين الصارم في النهار، ليل غياب الحبيب و حضور الحياة الحسية في مقابل خواء اللقاء معه، في حين أن المقطع التالي من الأغنية عينها ينقض مقولته. هكذا أيضاً يجري مقارنة مع مغنيات غربيات من خارج السياق الاجتماعي والفني المختلف. أما الإسقاط، غير المشروع، الأبرز فهو أن يرى في نجاح أم كلثوم دليلاً على انتصار الريف على المدينة الكوزموبوليتية، وهو ما يراه في المشروع الناصري و في الحياة العربية عموماً، في حين أن أم كلثوم باتت منذ منتصف الأربعينات على الأقل وحيدةً معزولةً في مشروعها، في ظلّ نهم عبد الوهاب و فريد الأطرش، وحتى السنباطي في غير كلثومياته، ثم عبد الحليم و ملحنيه لاحقاً ، للسامبا و الرومبا و الايقاعات و الآلات الغربية، وصولاً إلى أيامنا التي تضع أم كلثوم في خانة الذكريات المجيدة في حين تستمع إلى آخر المنقولات عن الفلامنكو و الآر أن بي معرّبةً! فلم لا يرى في ذلك انتصاراً لعبد الوهاب القاهري و للمدينة على الريف الذي لم تبقَ منه سوى امرأة وحيدة مهما بلغت قوتها في ساحة الغناء؟

والحق أننا لا نجادل في مدى دقة توصيف صاغية للسياق التاريخي العربي السياسي والاجتماعي في القرن العشرين، لكننا نرى أن قراءته ذلك في "النص" الكلثومي قراءة مغلوطة و مفخخة من الداخل بالعديد من التناقضات كما رأينا. ففيما عدا نقد كتاب سيرة أم كلثوم، و هم أغلبهم بلا شك مداحون أكثر منهم كتاباً مدققين، لا يسمح "الهوى دون أهله" بنقد الفن الكلثومي نفسه. نظن أن أساس التناقض في كتاب صاغية هو في اتخاذ "النص" دليلاً، و في قراءة عمل أم كلثوم انطلاقاً منه، بمعزل عن اللحن و عن سائر العوامل المتداخلة في انتاج الأغنية الكلثومية. في هذا المنظور، لا سيما افتراض المماهاة بين المغني و النص، و افتراض غياب المسافة الواعية بين المستمع وغناء الطرب "التكراري"، نلمح فكرة عن الطرب هي فكرتنا اليوم عنه، أي الطرب ما بعد أم كلثوم وعبد الوهاب، وهي فكرة تخلط أيضاً ما بين الطرب كنوع من أنواع الغناء وبين الغناء ككلّ كما ورثنا نموذجه (الذي بات اليوم شبه أوحد) من الفترة الحليمية و النجاتية والفيروزية. مثل هذا الاختلاط في النظرة لا بد أن يخلق اشكالاتٍ كثيرة في الرؤية إلى أم كلثوم و في محاولة قراءة جهدها و مشروعها، لا سيما جهد البدايات الذي لا يجوز إسقاط رؤية اليوم عليه دونما تدقيق، بل ينبغي أن نحاول وضعه في سياقه الأصلي. لذا نجد أن لا مناص من التفكر في مفهوم الطرب و أحوال أهل الغناء ما قبل أم كلثوم، تمهيداً لمحاولة تحليل بعض عناصر مشروعها و بداياته.

الطرب، و أهله

الطرب في لسان العرب و في الصحاح وفي مقاييس اللغة خفة تعتري المرء من سرور أو حزن. أما الطرب في الموسيقى العربية فهو في الحقيقة الخفة نفسها. خفة العازف أو المغني وخفة المستمع. لذا كان التطريب لغةً هو مدّ الصوت وتزيينه و كان الطرب بالتالي الإعجاب بهذا التزيين. يخطئ كثيراً من يظن أن الطرب "التكراري" يعمل وفق نفس نظام الزار أو الهارد روك، أو لطم عاشوراء، أي التكرار الإيقاعي العنيف الذي يسري في نفس المشارك فيه حتى الذهول و الغيبوبة عن النفس. مثل هذا الافتراض لا يشبه في شيء حقيقة الطرب. ففي نماذج الموشحات، وهي من أبدع إنجازات الموسيقى و أكثرها تطريباً، نجد إيقاعات بالغة الطول بحيث يعجز عن فهمها من لم يتخصص بها، مثل هذا الطول كفيل بأن يخلق تفاوتاً داخلياً في الإيقاع بحيث لا يسري، ظاهرياً، على الأقل، في شكل رتيبٍ متكرر، وهذا الطول يمنع التأثير البيولوجي لتكرار الإيقاع العنيف، ثم ماذا نقول عن طرب الموال حيث لا إيقاع مصاحباً أبداً؟ كما يخطئ من يحسب أن الطرب ينبع من تماهي المطرب مع نصه و من تماهي المستمع مع الإثنين. فنصوص الموشحات تكاد تكون أحياناً مستغلقة الفهم لغةً، و نصوص الأدوار القديمة بالغة السطحية إلى حد أن التماهي معها لا يغني المرء شيئاً ولا طرباً. ثم إن من المعروف المشهور أن من الآلات من هو كالعود سلطان الطرب، و الطرب للعازفين كثيراً ما يفوق الطرب للمغنين. بل إن سطوة اللغة في العربية هي تحديداً أحد أسباب تحريم الموسيقى و الغناء، و ضعف الموسيقى البحتة طويلاً و أحد أسباب غياب القصائد الكبرى عن الغناء، ذلك أن الموسيقى و اللحن بالغا القوة إلى حد أن كل كلام سيكون لهما تابعاً و مسحوقاً أمام مضاء الجملة اللحنية و تقطيعاتها، و كثيرة هي نماذج تقطيع الكلمة و تكرار أحرف أو مقاطع منها في الغناء القديم.

الطرب هو خفة اللحظة لا ثقل كثافة الفكرة. الطرب هو إعجاب المستمع بقدرة العازف أو المغني على تطويع آلته، وعلى قدرتهما على اللعب مع الإيقاع والزمن والتحايل عليه والإلتفاف على صرامته، وعلى قدرتهما على مفاجأته في الإنعطافات المقامية (التي تحدسها الأذن حتى غير المتخصصة) وما تستتبعه من اختلاف مفاجئ في "نكهة" الصوت أو النوتة، و هو أخيراً الإعجاب بالقدرة على الزخرفة و التنويع (لذا كان التكرار مطلوباً في البداية لترسيخ الهيكل الأساسي الذي سيتم التنويع عليه). في مطلق الأحوال، الطرب يتطلب انتباهاً عالياً، لا "ذوباناً و غياباً"، و استقلالية ناقدة للمستمع، و هو بهذا يتنافى كلياً مع التماهي مع المغني، إذ يتطلب من المغني أن يدهش سامعه في اللحظة، ومن هنا ارتباطه بالمسرح، لا أن يهدهده. الطرب دعوة مستمرة من المؤدي ومن المستمع ـ الذي ليس أبداً متلقياً سلبياً ـ إلى لعب ممتد إلى ما لا نهاية كالخطوط الهندسية المجردة للزخرفات العربية.

ذلك لا يعني أن التعبير لم يدخل من بعد كقيمة في الموسيقى العربية لكنه دخل كقيمة مختلفة عن الطرب، قد تضاف إليه أحياناً (في أدوار سيد درويش مثلاً) و قد تستقل عنه (في الكثير من أعمال القصبجي مثلاً)، إلا أنها ليست جزءً من عناصره الأصلية. ومن الملاحظ في هذا الإطار أن المشايخ من أهل الغناء، بحكم نشأتهم في تجويد القرآن وتصوير معانيه، كما حلم بذلك مثلاً الشيخ سيد درويش، أكثر اهتماماً بالكلمة و تعبيرها من المطربين ممن لم يتمشيخوا، و هذا بادٍ مثلاً بالمقارنة بين ألحان المشايخ، وألحان عبده الحمولي ومحمد عثمان وداود حسني مثلاً. كما أن هذا الإختلاف يتضاعف في حالة المطربات ما قبل أم كلثوم، العوالم، اللواتي كونّ ذوقاً خاصاً يعتمد على خفة الطقطوقة وإيحاءاتها، وابتعدن غالباً، لضعف ثقافتهن اللغوية و الموسيقية، عن الأدوار والموشحات، باستثناء قلائل مثل منيرة المهدية التي سجلت بضعة أدوار، و التي يروى أنها كانت تغني الطقطوقة فحسب في "الحريم"، و تغني الطقطوقة و الدور أمام الرجال. في هذا السياق شكل سيد درويش جسر انتقال فعلي من قرن الحمولي و عثمان إلى القرن العشرين. ليس هنا بالطبع المجال لتفصيل الجوانب الثرية في عمل وثورة سيد درويش، لكن تنبغي الإشارة بإيجاز إلى ثورته في مجالي الأغنية الوطنية و الأغنية المسرحية، في حين أن المسرح الغنائي قبله كان أغنيات منفصلة تقريباً تغنى أثناء عرض المسرحية. وفي المجالين كان التركيز على الكلمة و تعبيرها أساسياً، أياً يكن القالب المعتمد، و كذلك التعبير عن جو المشهد و طبيعة الشخصيات و انتماءاتهم و لهجاتهم. بالطبع أغلب كلمات أغاني سيد درويش المرتبطة بهذا اللهجات غير مفهومة للمستمع العادي اليوم، كما أن الجانب الإجتماعي من مشروعه انتهى تماماً مع موته، غير أن رشاقة الجملة التي فرضها و قيامها بذاتها منذ تلحينها و بمعزل عن الصوت الفردي ـ وهذا أيضاً أثر من ضرورات المسرح ـ وتخففها من ضرورة اللجوء إلى الزخرفة لملئها، كل ذلك عوامل أصبحت مؤسسة لطريقة التلحين مذذاك، مثلها مثل الاستدخال الواسع للتعبير، والرغبة في التفاعل مع الموسيقى الغربية وليس تجاهلها. في هذا الإطار الذي رسمناه سريعاً يمكن فهم الخصوصية الكلثومية التي سمحت لها بفرض مشروعٍ مغاير عن السابق على الغناء، منذ بدايتها و صعودها القاهري السريع.

الشيخة أم كلثوم

كنا فكرنا في "الآنسة أم كلثوم" عنواناً لهذا اللقاء، تدليلاً على رغبتنا في البحث في بدايات أم كلثوم. ثم لاحظنا أن عدداً من التسجيلات القديمة يبدأ بتعريف "الست أم كلثوم" التي لم تكن تبلغ الخامسة و العشرين. يروى أن سبب هذه الغرابة هو رغبة منيرة المهدية بالإنفراد بلقب "الأسطى" و بحرمان أم كلثوم منه مما جعل الشركة تسعى إلى لقبٍ آخر. ثم بالتنقيب أكثر عثرنا في كتاب نعمات فؤاد على لقبين أقدم بعد، يعودان للفترة التي كانت أم كلثوم فيها لا تزال في قريتها طماي الزهايرة، و هما بارزان خطياً في مراسلاتها: "مقرئة السيرة النبوية الشريفة"، و قبله "الشيخة أم كلثوم".

الشيخة أم كلثوم ابنة الشيخ ابرهيم البلتاجي، منشد المدائح النبوية، مغايرة إذن تكويناً ونشأةً عن العوالم، إذ أنها بدأت على غرار المشايخ، الذكور حصرياً، في حضن القراءة القرآنية و الغناء الفصيح الذكوري، قبل أن تتم مع أبو العلا محمد ثم صبري النجريدي والقصبجي تمرسها في الغناء الدنيوي من أدوار و طقاطيق وقصائد. فسبق وصول أم كلثوم إلى القاهرة حصولها على تنشئة و ثقافة لم تكن متاحة لمنافساتها من الإناث، مما جعلها تصبح، وبسرعة فائقة، الصوت الذي يحمل مشاريع الفنانين الطموحين في حين اكتفت الأخريات بتكرار ما يعرفونه، من الطقاطيق خصوصاً.

هكذا كانت الشيخة أم كلثوم تغني في البداية أغاني الذكور، الأصعب و الأكثر تطلباُ، وكان هذا متناسباً مع حضور عائلتها حولها و طبيعة جمهورها الرئيسي آنذاك، أي شبكة الوجهاء الريفيين و أذواقهم المتقشفة نسبة إلى "الخلاعة و الدلاعة" القاهرية (وهذا عنوان أغنية غنتها أم كلثوم و لاقت سخط مستمعيها). من المفيد بالطبع الإشارة إلى أن هؤلاء الوجهاء المحليين هم أنفسهم من سيشكل حلقة الإتصال التي ستؤمن لأم كلثوم علاقة بالأرستقراطية القاهرية، إلا أنها على خلاف عبد الوهاب القاهري ستتصل بالأرستقراطية ذات الجذور والإرتباطات الريفية القوية، لا سيما آل عبد الرازق، و من الطبيعي القول بأن هذه الجذور وهذه الإرتباطات تركت أثراً واضحاً على ذوق هذه الشريحة، التي شكلت دعامة رئيسية لحضور أم كلثوم في القاهرة، فتشكل هذا الذوق من رغبة في التحديث والتطوير تحدياً للمحتل، و على ترسيخ معطيات التراث المحلي تحدياً له أيضاً، و على تقشفٍ و تعففٍ و رصانةٍ بالغة الأهمية لدى أناس مثل علي عبد الرازق و إخوته. هذه العلاقات مع نمطٍ معين من الأرستقراطية شكلت عامل تطور أيضاً في ذوق أم كلثوم وحضورها في المسرح و في الحياة العامة، كمثل دور شوقي في تكوين عبد الوهاب. وهذا ما سمح لها بعد سنتين فقط من وصولها إلى القاهرة بأن تمتلك جمهورها و بلاطها، و حضوراً طاغياً في الحفلات الحية، ونوعاً من أناقةٍ محافظة لم تتخل عنها يوماً.

السنوات القاهرية الأولى

السؤال الذي تطرحه، بدقة، فيرجينيا دانيلسون في "صوت مصر" هو عن كيفية تقاطع ثقافة نخبة مع الغناء الريفي الكلثومي في بداياته. إلا أن ذلك يتوضح بالتأكيد متى انتبهنا إلى اشتراك الاثنين في ثقافة موسيقية دينية واحدة، من القرآن و المدائح. حتى بإزاء العامة، ورغم بعض المساومات و التنازلات التي قدمتها تحت ضغط شريحة من الجمهور، إلا أن أم كلثوم في النهاية نجحت أيضاً في استغلال هذه القاعدة الثقافية واللغوية المشتركة مع العامة أيضاً في سبيل إنجاح غناء القصائد، لا سيما الدينية. من بين هذه التسويات بالطبع غناء أم كلثوم لآخرين أكثر شهرة منها آنذاك، إلا أن ذلك سمح لها أيضاً، لمحاسن الصدف، بِلِقاء من سيصنعان لها وفي فترة قصيرة صاعقة الانقلاب الأخطر في غناءها و في أسس الغناء كما نعرفه اليوم، أي أحمد رامي الذي قابلها بعد أن غنت قصيدته من ألحان أبو العلا محمد "الصب تفضحه عيونه"، ومحمد القصبجي الذي قابلها بعد أن غنت، دون إذنه، لحنه لنعيمة المصرية "قال ايه حلف ما يكلمنيش".

في 1926 على ما يروى كان التغيير الكبير في غناء أم كلثوم بمصاحبة التخت بدل الإنشاد بمصاحبة عائلتها وهو ما كان تسبب لها في انتقادات كثيرة، وصاحب ذلك تغيير في المظهر و في العناية بالحضور على المسرح، وفي التفكير الموسيقي الذي بدأ محمد القصبجي يخطط له مستفيداً من رومنطيقية رامي وموضوعاته. في تلك الفترة أيضاً بدأت أم كلثوم تقوّي علاقتها بأصحاب النفوذ والمشاريع، وتفرض شروطها على الشركات المنتجة للأسطوانات وعلى متعهدي الحفلات وكانت أم كلثوم في تلك الفترة أيضاً حريصة على أن تنال أعلى الأجور عن أسطواناتها مقارنة بمنافساتها ومنافسيها، منيرة المهدية وفتحية أحمد وعبد الوهاب، معتبرة ذلك دليلاً على كونها الأولى بينهم ما دامت الأولى في الأجر.

والحق إن انتشار أم كلثوم و نجاح اسطواناتها يعود لأسباب متعددة، منها إنشاؤها لشبكة ريفية من المستمعين الذين غنت في مناسباتهم و أفراحهم والمتباهين بأسطوانة تخرج للفتاة التي غنت صغيرة في دارهم، ومنها الأسعار المخفضة التي بيعت بها أسطواناتها الأولى كي تتمكن من المنافسة، ومنها ابتداء انخفاض أسعار الغرامافونات في تلك الفترة بعد أن كانت حكراً فقط على الوجهاء. بالإضافة بالطبع إلى صوت أم كلثوم و جديدها المتناسب مع حاجة ذلك الزمن إلى جديدٍ يجمع ما يعتبر أصيلاً أو صميماً مع التطوير والانضباط الضروري في التحديث. وفي الواقع فإن انهيار المسرح في أواخر العشرينات، وتلازم ذلك مع الأزمة الاقتصادية، أنهى هيمنة منيرة المهدية على الغناء الأنثوي، بعد منافسة قاسيةٍ مع أم كلثوم، التي لم تعمل في المسرح الغنائي أبداً، أما فتحية أحمد فقد انحصرت في لونها مفتخرة بالتأثيرات الشامية والتركية في غناءها مما حد من قدرتها على الانتشار وإن حفظ لها معجبيها. هكذا باتت أم كلثوم بلا منازع تقريباً منذ مطلع الثلاثينات، وهي الفترة التي بطل فيها ظهور منافسات لأم كلثوم، سوى المرور الخاطف لأسمهان، وبدأ فيها ظهور ما يسميه كمال النجمي بأمهات كلثوم، أي المتشبهات بها أو بجزءٍ من تكوينها وسماتها، وتكرست أم كلثوم مذذاك مدرسةً في الغناء لا مناص لكل مطربة من بعدها أن تتهذب بذوقها و تتمرس بتقنياتها كي تعد من المطربات. شيئاً فشيئاً اختزلت أم كلثوم الطرب إلى مدرستها حتى تنبأ عبد الوهاب بانقراضه بعدها وهو ما لم يبخل الزمان بإثبات صحته.

أم كلثوم و أسس الغناء كما نعرفه اليوم

ثمة افتراض بالغ الشيوع والخطأ في القول بأن أبو العلا و سيد درويش ثم القصبجي خلصوا الغناء العربي من عجمته في حين أنهم في الواقع تفاعلوا مع زمنهم وتأثيراته (كالحضور الكبير للموسيقى الكلاسيكية و للأوبرا في القاهرة آنذاك) و قدموا جديداً نحسبه اليوم جوهراً. ليس من عودة إلى الخلف إذن، إلى نقاء مفترض، بل إضافة وتأسيس جديد. في هذا، يشكل عمل الشيخ أبو العلا محمد، أستاذ أم كلثوم، الخطوة الأولى في تطوير القصيدة. فرغم إلقائه كل بيت منفرداً، إلا أنه كان حريصاً على متانة البنيان العام و على وحدة المناخ الموسيقي في العمل، وكما أشرنا من قبل فإن تكوينه المشايخي يجعله يستدخل عنصر تصوير المعنى أو جوه في اللحن. وإن كان الدكتور صبري النجريدي، ملحن أم كلثوم الخاص الأول، مجرد مقلدٍ بارع في القصائد، إلا أن عمله في المونولوجات (الحب كان) و الطقاطيق (الفل و الياسمين و الورد) كان أيضاً أساسياً في شهرة أم كلثوم في البداية. هذه الخطوة الأولى في القصائد ستشكل الأساس الذي سيبني عليه السنباطي، الذي كان شغوفاً (كما يبدو من مقالٍ لخيري بشارة عنه) بمقارنة اللحن بالبنيان و العمارة، قصائده اللاحقة، بعد نحو عشرين عاماً على وفاة أبي العلا، في عودة نحو ضرب من الرصانة والإيقاعات العريضة والجمل الدرامية، بعدما كان عبد الوهاب قد انتقل بين 1928 و 1933 في سنواتٍ تعد على أصابع اليد الواحدة من "يا جارة الوادي" إلى "جفنه علّم الغزل".

بموازاة تطوير عبد الوهاب لقالب الموال الذي لم تغنه أم كلثوم (باستثناء نموذجين لا يشيع فيهما جو الموال فعلاً)، ساهمت أم كلثوم في تطوير القصبجي لقالب المونولوج المعروف قبله، ولكن الذي لم يكتسب خصوصيته إلا معه. فالمونولوج الكلثومي، مستوحى من الآريا الأوبرالية، دون التخلي عن نمط الغناء العربي المثقل بالزخرفة الصوتية المتوالية. وقد أضاف القصبجي، المتضلع من الموسيقى الشرقية و المطلع على الغربية، نفحةً دراميةً تنسجم مع رومنطيقية رامي الموروثة من فرنسا القرن التاسع عشر. هذا المزيج سمح للمونولوج بأن يحقق نجاحاتٍ خيالية (إن كنت أسامح) لكن إجهاده المتواصل للمطرب و للمستمع، ثمّ تغير نمط ووسائط غناء أم كلثوم لاحقاً أنهى هذا القالب تقريباً الذي كان قد تمكّن قبل ذلك من إنهاء هيمنة الدور كالشكل الأكثر تطوراً و علماً (كما يقال الموسيقى العالمة)، على الرغم أن أم كلثوم كانت غنت ما بين 1930 إلى 1932 عشرة أدوار لداود حسني وأن أدوارها الجميلة مع زكريا أحمد لاقت نجاحاً إلا أن هذه الأدوار التسع تناثرت على سنواتٍ تسع أيضاً ما بين 1931 و 1939.

لزكريا أحمد أيضاً كان الفضل في تطوير قالب الطقطوقة، بالتنويع في الألحان والإيقاعات، بدل التكرار الرتيب للأغصان.كما كان لزكريا أيضاً الفضل في الحفاظ على نوعٍ من الأغنية الجماعية، والحوارية المرحة، المأخوذة من المسرح الدرويشي، وفي تطعيم السينما الكلثومية منذ أواسط الثلاثينات بها وبمرحها وإيقاعاتها العربية وجملها الخفيفة، بالتوازي مع جهود االقصبجي، وتلميذه آنذاك، و إن على سلاسة أكبر بلا منازع، السنباطي، في الأغنية السينمائية الأوبرالية وفي تطوير التخت إلى فرقة أوركسترالية بالتعاون مع الموزع، والمؤلف الموسيقي العائد من أوروبا، ابرهيم حجاج. يتساءل المرء لماذا تأخر تعاون أم كلثوم مع زكريا أحمد، إلى العام 1931، في حين أنه يعرفها منذ 1919 وكان صاحب اسهام كبير في التحضير لانتقالها إلى القاهرة، ويبدو لبعض المؤرخين أن السبب هو انغماس زكريا في المسرح الغنائي، مستكملاً إرث سيد درويش. فيكون انهيار المسرح مع الأزمة الاقتصادية وصعود الكباريه كصالةٍ تقدم عروضاً متنوعة لفنانين كثر في السهرة الواحدة، هو ما أتى بزكريا نحو أم كلثوم التي ستقدم معه أعمالاً هي من أجمل ما قدمت و أمتعه، و لكن هذا الانهيار هو أيضاً ما سيمحو كل أنواع الغناء سوى الغناء الفردي العاطفي، سيقطع من الإرث الدرويشي جانبه المصور للفئات الاجتماعية، ويأسر الغناء العربي في الأغنية الفردية، العاطفية غالباً.

في الفترة عينها كان للانتشار الكبير للأسطوانة، التي لم تكن مدتها تتجاوز دقائق معدودة، أثر كبير في تقنين الحرية الارتجالية للمطرب و للتخت، وفي دفع الأغنية القصيرة إلى البروز كالشكل الأهم في صناعة الموسيقى و اقتصادها، إلى حين تنبه أم كلثوم، بعد عشر سنوات من الغناء الحي المنقول على الإذاعة، إلى إمكانيات الإذاعة في التسجيل غير المحدود زمناً للأغنية، وتنبهها إلى طبيعة الحضور الكلثومي على المسرح و صورتها، في الأربعينات، كالمطربة الأفضل في التنويع و الزخرفة و الإعادة في مقاطع الأغنية، مما جعلها تتجه مع السنباطي و زكريا إلى الأغنية الطويلة. وهذا ما يجعل تطريبها مرتبطاً جداً بوقوفها على المسرح وعلاقتها بجمهورها. ويشير البعض هنا إلى أن توجه أم كلثوم نحو السنباطي وزكريا مرتبط بتغيير في الذوق العام ناتج عن الخيبة من آمال التطوير والعودة نحو هويةٍ انغلاقية مضادة للمستعمر وفنونه، وذلك منذ بداية الأربعينات إلا أن هذا القول في نظرنا لا يصمد للتدقيق، إذ أن أم كلثوم واصلت التعاون مع القصبجي، خلافاً للشائع، بعد "رق الحبيب" في أغاني الأفلام (فاطمة)، كما أن عبد الوهاب و فريد الأطرش كانا يحققان نجاحاتٍ كبيرة مستعملين إيقاعاتٍ و آلاتٍ غربية ومتنافسين في ادعاء السبق إليها، ومثل ذلك كان أيضاً في أساس نجاح عبد الحليم في الخمسينات. حتى ليلوح أن أم كلثوم في توجهها الجديد نحو زكريا والسنباطي كانت تبتعد عن الجو العام آنذاك لا بل تسير عكسه. النموذج الكلثومي هنا ليس المؤشر الأفضل إلى حراك المجتمع، وإن كان تمسك الناس وتمثلهم به دليلاً على صورة هذا المجتمع في عيون نفسه، لا على واقعه. لذا يلوح لنا أن سبب التوجه الكلثومي هذا يعود إلى أسبابٍ فنية في الأصل، هي سعي أم كلثوم إلى التفرد بلون لا يشبه الآخرين، وإلى التخفف من إجهاد تلحين القصبجي لها وللمستمع ومن ضبطه الصارم لها في أسر الشبكة اللحنية و التوزيع الأوركسترالي، ثم إلى رغبتها بالخروج من طراز أحمد رامي في الكلمات، وذلك في اتجاهين، الكلام المباشر والشعبي دون أن يكون شعبوياً مع بيرم التونسي، والشعر الفصيح قديماً و حديثاً ولكن بشروط قدرته على التأقلم مع غنائها على المسرح، أي أن تكون قادرة على التكرار والتقطيع والإعادة فيه، وهذه هي الشروط التي يبرر فيها صلاح جاهين أسباب ابتعاد أم كلثوم عن القصائد بالعامية لـ"والد الشعراء" فؤاد حداد. ويمكن القول، بعد أن كانت الأسطوانة قد أنهت مفهوم الوصلة المتتالية المقاطع (مقدمة آلية من المأثور و تقاسيم و ليالي و موشح ثم دور أو قصيدة) وفككته، أن الأغنية الطويلة شكلت عودة إلى وصلةٍ من طرازٍ جديد.

صاحب كل هذه الجهود، جهد مماثل في تهذيب الغناء، على طريقة أم كلثوم وبحسب ذوقها وأناقتها وحبها للقفلة، وفي تهذيب العزف. فبدل التمهيد الموسيقي بالدواليب والتقاسيم والسماعيات، أنجز القصبجي ورفاقه بدايات إدخال الموسيقى البحتة في نسيج الأغنية، سواءً في المقدمات، القصيرة في البدء قبل أن تطول في الأغاني المصنوعة للأمسية الكلثومية، وفي اللوازم الموسيقية بين الكلمات أو بين المقاطع المغناة. هذا التطوير، وضرورة ضبط زمن الأغنية في الأسطوانة القصيرة وكذلك عمل القصبجي وتفكيره في الانتقال بالتخت إلى الفرقة الأوركسترالية ومحاولاته الهارمونية والبوليفونية البارزة، أدى كل ذلك إلى تغيير في طريقة العزف نحو انضباط كبير و تضييق هامش الحرية الارتجالية للعازف وحصر، إن لم يكن انهاء، الرنين الهيتيروفوني الناتج عن هذه الحريات، ونحو توحيدٍ لأساليب العزف. كما كان لكل ذلك أيضاً أثر، يضاف إلى أثر الإعداد في المعاهد و حضور الموسيقى الغربية في القاهرة، في تغيير أبعاد بعض السلالم العربية البالغة الدقة وفي انقراض الكثير منها.

الطرب و الغناء بعد أم كلثوم و عبد الوهاب

ختاماً، نحسب أن الدلالات لا تُقْرأ إذن في "النص" المغنى، بخاصةٍ في ثقافةٍ مجبولة بالدين لطالما خافت من غياب النص في الموسيقى أو انسحاقه في مواجهتها، بل تقرأ في تطور العلاقات بين العوامل المختلفة، العلاقات بين الكلمة و اللحن، العلاقات الاقتصادية مع الشركات و الوكلاء، العلاقة مع التطور التقني واختلاف الوسائط الناقلة للعمل الفني... الخ. وهذا ما حاولنا بإيجاز الإشارة إليه في معرض هذا التفكر في الأعمال الأولى، التأسيسية، لأم كلثوم.

على الصعيد الفني، ربما يجوز الافتراض مع عبد الوهاب أن الطرب انتهى بعد أم كلثوم. ولكن للدقة فإن ما انتهى معها هو نمطٌ معين من الغناء (طرب بطيء، جمل و إيقاعات عريضة، تأتي هي لتصوغها، وذلك بالمقارنة مع الطرب الأسبق عليها حيث الزخرفة المتواصلة، و ضعف الجملة اللحنية مجردة من الصوت، وسيطرة الهنك و الرنك أي الترديد و الترجيع في الحوار مع الكورس... الخ)، ساهمت هي و ملحنوها في شكل رئيسي في تشكيله وفي احتلاله مكان الطرب القديم الذي كان صالح عبد الحي آخر المدافعين عن استمراره، والذي أصبح اليوم نوعاً من الفن المتحفي الذي تقدم فرق التراث أو بعض المطربين النادرين نسخة معدلة بالتأكيد عن صورته الأصلية. وبدوره انتهى الطرب الكلثومي أيضاً إلى نسخٍ معدلة و معدة للاستهلاك السريع في خواتيم الحفلات الراقصة، أو للتباهي في بعض المهرجانات. في مقابل ذلك لا يزال خصوصاً في الموسيقى البحتة وعازفيها، من يطرح صوراً متعددةً و متجددةً و حيةً نضيرةً للطرب والتطريب كالجزائري علا (بتشديد اللام) والمغربي سعيد الشرايبي والمصري عبده داغر، أمد الله في أعمارهم. لا يعني ذلك أن أحداً لا يحاول أن يغني الطرب الكلثومي بحسب قواعده، و لكنهم يكتفون بتكراره و لا يتكفلون باستمراره حياً أي فناً قابلاً بموارده على التجدد. هكذا بدا و كأن أم كلثوم كانت خاتمة المطربين بعد أن استجمعت ذوقاً وقدراتٍ كل موارد هذا الفن العظيم. أما النموذج الوهابي المعتمد على أناقة الجملة ورشاقتها فقد تطور في اكتماله الحليمي والنجاتي والفيروزي إلى ما نسميه اليوم التماهي وإلغاء المسافة بين الشاعر والمغني والمستمع، وهو ما يجد آخر معاقله في تشبث المطربين الذكور به وبرومانسيته في مقابل موجة عارضات الأزياء القادمات إلى غناء (أشبه بالصامت من شدة جهد مهندسي الصوت في إخفائه) بجمالٍ لا يوازيه في الإدهاش إلا قراءاتنا حول تطور الطب التجميلي ونجاحاته!


برغمان، قارة الوحشة











ملحق النهار الثقافي، 5 آب 2007




انغمار برغمان : قارة الوحشة تعصف بها رياح الحرية والغبطة



فضّل غودار، منذ صعقة البداية، برغمان على فيسكونتي، المبدع المؤلف على المخرج الممتاز، لكن برغمان نفسه كشف، بعد عقود طويلة من المهنة، أنه إنما يفخر بكونه "حرفياً يصنع ما قد يفيد الناس". برغمان، الذي انتقده "أهل الحرفة" طويلاً، أثبت أن تنفس صباحاته وأماسيه وغاباته وجزره ورياحه وممثليه إنما هو معجزة الصنعة والحرفة. وبات معلماً. في هذا، وإن تجاورا في موضوعة اللاتواصل بين البشر وقلق العيش، إلا أن برغمان يتخطى أيضاً أنطونيوني، الفيراري، الذي لم يملك إلا أن يكون إيطالياً، أي رساماً بالألوان للوحات بديعة، (راجع مثلاً الانفجارات في "نقطة زابريسكي" أو مشاهد مدينة فيرارا في "أبعد من الغيم") حتى اعتبره البعض مثل الناقد ألدو تاسوني متحدراً من راسمي عصر النهضة. أما برغمان فكان رساماً للروح نفسها، ولأحوالها. الكتابة عن برغمان قد تتحول مطارحة داخل جمعية سرية أو حزب مغلق، لقصور انتشار أعماله (وأعمال السينما عموماً في لبنان). لذا لا تسعى هذه المقالة إلى استعراض تاريخه وحياته الشخصية، على أهميتها في ولادة أعماله وليس في استقبالها، ولا للجوانب التقنية في لائحة لا تنتهي تعداداً من الأعمال على مدى ستين عاماً. قصارى الهدف هنا هو الاعتراف بالدين الذي يدين به لبرغمان كل من رأى قلق روحه اللامتناهي مصوراً في دقة المشهد، فعاد من غرقه إلى حب الحياة.




كانت الأيام الماضية قاسية على فن السينما. لن نشاهد جديداً لأنطونيوني أو لانغمار برغمان، لكن من يستطيع القول إنه شاهد كل أعمالهما، وهما من أبى إلا الإدلاء بشهادة أخيرة، قبل اغماضة النهاية، أنطونيوني في مشاركته الكلوسوفسكية (نسبة إلى لوحات بيير كلوسوفكي الحية) في "ايروس"، للدقة في ثلث الفيلم، حيث صاغ الجزئين الآخرين تكريماً له سودربرغ ووانغ كار واي، وبرغمان في تحفته الأخيرة "سربند". بالأخص، أعمال برغمان التي لا تنتهي مشاهدتها إلا بالموت، مثل قراءة ألف ليلة وليلة، وفيها أيضاً مثل ألف ليلة وليلة رواة وحواة وسحرة وعشق وفراق وخيانات وأسماء لا تني تتردد وتتكرر وجوهها.

من النافل الحديث عن "الوجوه" واللقطات القريبة لدى برغمان. لكن الغريب ربما أن برغمان، الحالم بفيلم طويل من لقطة واحدة قريبة، لم يكن شغوفاً جداً بالوجوه "الجديدة". مثلما تتكرر أسماء الشخصيات والعائلات في أفلامه، حتى يكاد المرء يرسم لها شجرة عائلة وأنساباً، فهنالك نفس "القطيع"، مثلما كان هيتشكوك يسمي ممثليه، نفس الوجوه التي تعود، "عصابة برغمان" (مثل عصابة فاسبيندر أيضاً): ماكس فون سيدوف، ارلاند جوزفسون، اندريس ايك، وقبلهم بيرغر مالمستين وغونار بيورنستراند، والنساء: هنرييت أندرسن، بيبي أندرسن، انغريد تولين، ليف أولمان وقبلهن ايفا داهلبك وماي بيريت نيلسون.

يناقض هذا تماماً مفهوم روبير بريسون عن شخوص أفلامه، لا يريد لها وجهاً سبق أن ظهر على الشاشة، ويكاد يشترط ألا يظهر الوجه مرة أخرى. إذ من سيصدقه؟ كيف سيكتسب جسداً جديداً ونبرات وحركات أخرى؟ إلا أن برغمان "يشكّل" ممثليه بمخيلة لا تنضب وبحس ايقاعي لا مثيل له، وهو لا يأبه كثيراً لتصديق المشاهد للحكاية. بل إنه لا ينفك يفرض عليه مسافة إضافية، مثل بريخت.


هذه الوجوه إذاً مجرد "أسطح" يسيل عليها الضوء وماء الحياة، وما المسافة التي يضعها برغمان بيننا وبينها سوى تأكيد على دقة المشهد الذي يرسمه مانحاً بذلك هياج المشاعر إطاراً محدداً يجعل الألم محتملاً، والعيش محتملاً، رغم أنه، دون لحظات الحب الضئيلة وسكنه، والتماعات السحر والخيال، يزداد هذا العالم قبحاً وقيحاً، ويظهر الزمن في حقيقته الدفينة: تكات ساعة دون عقارب، تنادي على الشيخوخة والموت والقلق وشياطين الروح. يظل أن عبقرية برغمان تستعصي على تلخيصٍ مخلٍ كهذا، لأنها تظل تعرف كيف تبتكر حريتها وغبطتها الباخية (نسبةً إلى العظيم باخ) والتي يليق أن نصفها بالشعر الخالص.






أسطح سينمائية تطل على مشاهد الروح

يرى تاركوفسكي، ملتبساً بالطبع، في برغمان "سطحاً جديداً ومضموناً تقليديا ـ تقليدياً على الطريقة الاسكندينافية، متأثراً بكيركغارد ـ ما يمنح المجموع رنة خاصة ... مدهشة، وهو هنا، في رأيي، يظهر شيئاً جديداً تماماً". يدرك تماماً أهمية السطح الخارقة. السطح الذي هو بشرة الممثل أو الممثلة، شاشة الصالة أو التلفزيون، خد المرأة الذي لا يطال مثلما لا يطال وجه "الأم" العملاق الذي يلامسه الولد في Persona، الجدار الرابع الذي يقفله برغمان بكاميرا لا تتنزه في العالم، كما لدى جان رنوار، بل تغلق بابه الأخير لتضع المرء أمام شياطينه وأمام تاريخه.

حين يصور برغمان مواجهةً ممثلته الأثيرة ليف أولمان في فيلمه الأخير أليس يصور مواجهته أيضاً مع وجه تاريخه، مع ما تراكم على وجهها من آثار الصور السابقة التي أنتجها، بما في ذلك وجهها "المهروس" و"المجبول" بوجوه أخرى، خاصة مع بيبي أندرسن في
Persona ?
ليس وجهها إذاً سطحاً بكراً، حتى في ذاكرة المشاهد، وهذه إحدى أسباب عدم التماهي مع شخوص برغمان، بالمعنى المألوف، رغم كل جهوده الهائلة في إدارة ممثليه و"تشكيلهم". قد يحلم المرء طويلاً بأن يسمع الكلمات التي يقولها برغمان لممثيله إبان التصوير. لكن إدارة برغمان لهم، بحسب بعض المشاهد التسجيلية، لا تعتمد على الكلمات أو على التوجيهات "النفسانية" (التي كان بونويل أيضاً يستعيذ منها). يدير برغمان ممثليه بالضحكة والثقة، وبحيوية لم تنضب حتى وهو في الرابعة والثمانين من عمره. وهو يحدد لهم غالباً حركاتهم لكنه، بصورة خاصة، يمنحهم الإيقاع، إيقاع الشخصية، تنفسها، بلهاثه ويده الممسكة بنبض الممثلين ومعاصمهم، يطلقهم برغمان من ثم إلى حرية يسجل على وجوههم أماراتها وندوبها.

لا نتماهى كثيراً مع الشخوص، لأن في كلّ منهم بعضاً من برغمان وبعضاً منا، وفي كل منهم ما يتجاوز المرء ويختلف عنه اختلافاً لا لقاء فيه. ولا نتماهى معهم لأنهم شخوصه التي يبتكرها، كما يقول، ليفسر صوره. إنه من القلائل الذين تولد الصورة أولاً لديهم!

هكذا، يدعونا برغمان إلى صندوق "الفرجة"، لنشاهده يحرك شخوصه ودماه (من ينسى "عن حياة الدمى" ؟). وهو لا يفتأ ينبهنا إلى أننا

في السينما، في اللعبة التي نبحث عن قواعدها، سواء من خلال استخدام الـ
voix off


، أو الإعلان "هذه كوميديا للبالغين" (في "درس غرامي")، أو استدخال الحوارات مع الممثلين بأسمائهم الحقيقية في وسط الفيلم في "شغف"، أو في تلك النظرة، الأولى في تاريخ السينما، لهنرييت أندرسن في عين الكاميرا في "مونيكا"، أو في تكرار الأسماء والعائلات
Persona مع اختلافات بسيطة، أو تكرار عنوان الفيلم في منتصفه، أو في
جميعه بكل ما فيه من جرأة على كل شيء وكل قاعدة وكل منطق، بكل ما فيه من حرية.

نتفرج إذاً على "صندوق" برغمان للحكايا. لكن اللوحات التي يقدمها على سطحه تشبه كثيراً زجاجيات الكنائس أو ائتلافات الموسيقى: إنها الرسم الأدق لحالات الروح. هذه المباعدة التي يعتمدها ليست عبثاً، إنها شرط لنا كي نرى اللوحة لوحة، ونرى الألم والعشق والعار والكراهية واليأس والنعمة في أطر دقيقة التكوين.
يمنح برغمان المشاعر "شكلاً"، لا تتمرد عليه. في هذا يمنحنا القدرة على النظر إليها كما قد نرنو إلى جني في فانوس بلوري شفاف. القدرة العارمة للمشاعر على العصف بنا مشروطة بمنظور لانهائيتها وغياب القعر لها. ها هو يقول لنا، على لسان جوزفسون في سربند، "ضئيل أنا إزاء قلقي"، أو يكتب "استطعت أن أربط شياطيني إلى عربتي لتجرها، وإن كانت لا تزال تعذبني في حياتي الخاصة".

بعد مرحلة البدايات، عرف برغمان كيف يطوع اللون، سواء في أفلام بالأبيض والأسود أو بالألوان الحية، ومن ثم الموسيقى و"الصمت"، لا سيما موسيقى باخ الذي "يعزينا عن غياب الإله" على حد قوله، في رسم لوحات المشاعر والأهواء العاصفة هذه. هو الذي لم تفارقه "الغبطة" التي يتحدث عنها باخ (الذي شكر الله على استمرار غبطته، لدى علمه بوفاة امرأته)، كان أيضاً صنو هذا الأخير، في ملء العالم بأصداء غبطته ورنين عزائه، مثلما كان نسيب موزار في عشق الحياة الجارف، وليس فقط في اخراج "المزمار المسحور". لكن هذه الأدوات، التي قلما اكتملت لدى فرد، وضعها برغمان في خدمة اقامة هذه المسافة بيننا وبين "الهدر" الهائل الذي نبدد فيه حيواتنا.

إن كان البعض يعتبر أفلام برغمان محاولته للعلاج من شياطينه الكثيرة، فلا شك أن هذا الدواء هو ايضاً مقدم إلينا، فنحن من يريد برغمان، آخر الأمر، تنبيهه إلى ضآلة الحب وضيق الآمال، وضرورتهما رغم ذلك، ونحن من يمد إليه صوراً ومشاهد كي تنتشله من لجة الأهواء والمشاعر التي لا شكل لها قبل أن يمنحها بلمسته شكلاً وإطاراً ويمنحنا عنها المسافة اللازمة للنظر ولاحتساب الوقت.

لا يملك الكل فصاحة غودار الناقد الخطابية والرومنتيكية آنذاك: "فيلم لبرغمان هو جزء من أربع وعشرين من الثانية يتحول ويتمدد على ساعة ونصف. إنه العالم بين رفتي جفن، الحزن بين نبضتي قلب، غبطة الحياة بين تصفيقين باليد". لكن، لنقل إن برغمان رسام شياطين الروح، لأن في منحها هيئة، كما في منحها أسماء، قدرة سحرية على إعادة الجني إلى القمقم، على منحنا الأمل بأن يكون العالم أكثر احتمالاً لهنيهة.


لحظات حب ضئيلة، حياة أكثر احتمالاً

الأحمر، وبالأحرى النبيذي، لون الروح، لون باطن الجسد، يقول برغمان. لذا لم يخلُ، في سربند، المشهد من لمسة حميراء، حتى في الكنيسة المتشحة بالزرقة الناعمة، مثل ثوب المسيح في اللوحة، فقد ظلت كتب حمراء الغلاف توشح بعض المقاعد، وحملت لوحة المسيح وتلاميذه، نفسها، مثل هذا اللون، كأنما تعبر عن توق لملامسة الروح، بجرعات خفيفة. في الكنيسة أيضاً، في حركة نعمة، سترفع ماريان يديها أمام وجهها، منقبضة كالصلاة. لقد لمسها النور، لكن هذا النور لن يتبدى إلا لاحقاً، في رسالة مجهولة تبعث بها من وراء القبر امرأة محبوبة، آنا، أو ربما انغريد فون روزن، امرأة برغمان الأخيرة التي أهداها فيلمه الأخير.

في رسالتها، تقول آنا إن قلبها كان سكناً لحب زوجها، ملجأ له من عصف الحياة ومن شدة الحب وعلاقة الأبوة أيضاً. ربما كان فيلم برغمان أيضاً رسالة من هذا النوع، وهو حين لم يكن يكف عن إعلان أن بوسعه العيش دون سينما، لكن ليس دون مسرح، اختار السينما للإهداء، تماماً للسبب الذي يجعله يفضل المسرح: المسرح لا يترك أثراً، أما السينما فبلى. يصر الزوج المكلوم إذاً أن يترك عن هذا الحب الأخير أثراً، علامة، لكن الفيلم لن يكون نشيد الهوى، بل رسماً تفصيلياً لثقب الغياب الأسود.

في الجلسة الأولى مع معاونيه، يشرح برغمان أنه مقتنع بأن الموت هو المضي إلى العدم. لكنه يتألم لأن ذلك يعني أنه لن يرى انغريد مجدداً. فيميل إذاً إلى الخيار الثاني، الأمل الطالع من قلب الألم. لكنه في تصويره حياة الأزواج لم يكن يوماً مهادناً أو غنائياً. "سربند" ربما كان، رغم بعض الاختلافات في ثنايا الحكاية، استكمالاً لمسلسل تلفزيوني سابق، خرج فيلماً أيضاً، هو "مشاهد من الحياة الزوجية"، أي أنه مثل سابقه تشريح شديد القسوة والإيلام للعلاقات بين اثنين. لكنه أيضاً مجبول بنور النعمة الأنثوية، في طلة ليف أولمان، التي تنشر حولها ضياءً هي شخصياً، في عمقها، لا تطاله إلا لماماً، في الكنيسة أو في رسالة آنا التي أعادت لأولمان إحساس الأمومة. حب آنا الجارف يمنح بعض لحظات من السكينة والهدوء لكل من حولها، لذا كان من المفهوم أن العالم، بعد غيابها، يغدو غير محتمل بصورة أشد.

كل ارتباط إذاً أليم، لدى برغمان، بل ربما كان الألم مقياس قوة الارتباط، رغم ذلك لا مفر من الوحدة إلا إلى لحظات حب قليلة. ربما كان هذا مغزى الصورة الأخيرة التي تعرضها علينا أولمان، الجالسة إلى مكتبها، في سربند، الصورة المستحيلة في نظر الفيلم: صورتها وارلاند جوزفسون عاريين في السرير في لحظة الشيخوخة الباكية. إنها لحظة نعمة وسكن وارتجاف، لكنها أيضاً، بلونها الرمادي وصخرية أحجامها، صورة من "بومبيي" المترمدة، حجر النعمة والشقاء الإنساني. بعد تلك اللحظة، التي تحجرها الصورة، عادا فافترقا. كأنما القدرة على العيش والحب إنما تأتي فضلاً وكرما، على قول توشيح قديم، للحظة فقط، حين "نمسك بأيدي بعضنا ونتفادى الحديث عما يؤلم". ربما، فقط، نتفادى الحديث، كعجوزي كالفينو في بالومار. لكن أنى للشباب مثل هذه الهناءة؟ يعلم برغمان بإيلام تجربته كم تلي الجراح أحلام الهوى والشباب، وكم تتحول الكلمات والنكات نصالاً تجرح، لا إرادياً، وتسيل نسغ كراهيات متراكمة من لحاء الحب. لكنه يدرك أن لا مفر من هذا الجحيم الدائم سوى إليه، إلى لحظات ضئيلة منه، إلى يدين على رسالة، أو على صفحة خد.

لكن انجاز الفيلم عن الغياب هو أيضاً مصالحة الزوجين الأخيرة، رسالة أخيرة أن لا امرأة بعدها، أي هو ايمان أخير يقدمه إلينا، هو الأمل الذي ظل يشد برغمان طوال حياته إلى الارتماء مجدداً في أحضان العشق والفن، جامعاً بين وهمين ليولد منهما شرارة الحقيقة.


هول العالم وحقيقة الزمن

رغم أهمية السحر والخداع، والأقنعة، والوهم، أي التمثيل آخر الأمر في أفلام برغمان، بوصف الإيمان بالوهم فعل شجاعة يجعل الحوار ممكنا (ضع قناعك كي أعرفك) ويوسع مطرحاً للأمل، إلا أن برغمان أدرك، منذ الصبا، أن لا خداع يستطيع مخاتلة الشيخوخة، التي يظهرها أخيراً عارية، في المشهد الرائع في سربند، حين يتعرى ارلاند جوزفسون وليف أولمان، وفي السرير الضيق يحضنان شيخوختهما الباكية ويحنوان عليها من قبح الحياة وقسوتها وهول العالم، قبل أن يعود تيارها فيجرفهما مجدداً إلى الابتعاد.

منذ "الفراولة البرية"، ومشهد الجد في "درس غرامي" (الكوميديا التي مهدت لـ"الفراولة البرية")، كان برغمان يرسم جيداً مشهد شيخوخة لا يسعها أن تكون ضياءً دون ظلال، أو عتمة دون ذكريات مشرقة. لكنه كان أيضاً يصور الوقت بأقسى ما يمكن: تكات الساعة، وغياب عقاربها في "الفراولة البرية"، أو فقط أبدية الدقيقة التي لا تنتهي، كما في "همس وصراخ" و"سوناتة الخريف" و"سربند".

لكن هنالك، في ظني، مشهد أشد مركزية في قراءة لاحقة لعمله: عقارب الساعة في "صراخ وهمس"، متأرجحةً إلى الأمام، فارتداد بسيط إلى الوراء قبل المضي قدماً. لا يمكن ألا نرى في هذا التصوير المطول علاقته باستخدام الفلاش باك، ومن ثم، في مرحلة أخرى، بتضمين الماضي في قلب الحكاية الراهنة، في توتر درامي هائل بقدر ما هو غير معروض. كأنما يرسم هذا المشهد الفائق البساطة تعقيد الحاضر الذي لا يسير إلا مصحوباً بترجيعات الماضي، دائم التردد.


حرية برغمان وشعره

ينبغي الإصرار على ذلك مجدداً. لا يمكن اختصار برغمان. تعداد أعماله يملأ صفحات، وإحصاء تيماتها عمل لا نهاية له، من العلاقات العاطفية إلى العائلة وعلاقة الأبوة والبنوة، والنسوة فيما بينهن، والصورة والذاكرة والصمت والفن والتوتاليتارية والقسوة والهواجس والوساوس والاله وغيابه والموسيقى والوجوه والأقنعة والحب والزمن والغياب والأيدي والرسائل وشفرات الحوار الجارحة....

ما يمكن أن يختصره، ربما، هو حريته، وجرأته في الخروج على كل القواعد، بما في ذلك ما وضعه بنفسه، والانتقال من الدراما إلى الكوميديا إلى التجريب، ومن حبكات قصص الحب والزواج إلى الفسيفساء العائلية الضخمة، ومن تصوير القسوة إلى توليد الغبطة، كما في في ملحمته "فاني والكسندر" التي تحولت في البلدان الاسكندينافية إلى فيلم الميلاد المفضل. ينبغي أن يضاف إلى ذلك نفس برغمان في الكتابة، كما في كتابه "أبناء الأحد". هنالك دوماً اتكاء ربما على حكاية عائلية، نجهل أين تبدأ حدود مخيلته فيها، لكن برغمان الذي أخفق شاباً في أن يكون روائياً عاد فصار كاتباً كبيراً حين تعلم من السينما حريتها، فكتب بحرية لا حدود لها كتباً لا تكاد تلتزم بنسق واضح، أو براويةٍ ثابت، أو بزمن أكيد. تهبّ الكتابة لدى برغمان مثلما تعصف الريح بجزيرته فارو، حرة طليقة. كل هذا، ولم نقرأه، أو نستمع إلى حواره بلغته الأصلية لتقدير ثراء تنوعه!

إذا كان لا بد من مشهد أو مشهدين يكونان، لا تلخيصاً بل تقديماً لبرغمان، ربما جاز اختيار مشهد الساعة المذكور آنفاً، كأحدهما. أما الآخر، فقد يكون في رأيي ذاك الذي يظهر وجهاً آخر لبرغمان، انغمار الشاعر:


حين تغفين، يستكين وجهك
فمك رخو، وبشع،
تجعيدة شريرة على الجبهة
رائحتك من نعاس ودموع
أرى النبض في عنقك، وندبة تخفينها بالماكياج
اليزابيث
إنه ينادي من جديد،
سأمضي لأرى ما يريد ـ هناك، بعيداً عن وحدتنا.

Persona من فيلم


أي الشخص أو القناع

لا مفر من الغواية والقتل




ملحق النهار الثقافي، تشرين الثاني 2007

بين وودي آلن وسيدني لوميت: لا مفر من الغواية والقتل


في موعده الدقيق، يطل وودي آلن مع كل خريف باريسي بفيلم جديد. ولئن كان يشعر بنقص في الحماسة مؤخراً إلا انه يستمر في إنتاج الأفلام لأن ذاك ما يعرف صنعه. بهذا يغدو آلن، الكئيب من وفاة برغمان، حِرَفياً مثلما كان هذا الأخير أيضاً يصف نفسه.

يملك أصحاب القامات من المخرجين بلا شك ما يقولونه لنا، أو ما يمررونه عبر مشاهد أفلامهم، لكنهم لا يقدمون أنفسهم رؤيويين ولا ملهمين. وهذا أيضاً من فضائل الفن بالمقارنة مع السياسة أو تخيل صنعها بوسائل شعرية ولغوية. لكن السينمائيين الكبار يظلون بطبيعة الحال في قلب السياسة لأنهم لا يتأملون في ذات الإنسان، بل في علاقاته السياسية الأساسية، أي علاقته بآخر ما. وهذا ما يؤكده وودي آلن في فيلمه الأخير "حلم كساندرا" الذي يختتم ثلاثية لندنية يتحول بها (وبفيلمه الاسباني في العام المقبل) المخرج النيويوركي إلى مخرج أوروبي على ما يردد، حين يراود مشكلة دوستويفسكية عن القتل والندم وروابط الدم، كان سبقه بأسابيع قليلة إلى تناولها المخرج الكبير الآخر سيدني لوميت في فيلم حمل في فرنسا عنوان "سبع ساعات وثمانية وخمسين دقيقة، هذا السبت" (العنوان الأميركي كان "قبل أن يعرف الشيطان أنك مت").

نحتاج الأخرين غير مغوين

كساندرا في الأساطير الاغريقية هي نبية طروادة التي لا يصدقها أحد، أي أنها الشاهدة الدائمة على كوارث لا راد لها، لكنها معروفة المآل سلفاً، إلى أن تنتهي كساندرا قتيلة مع ولديها، بعد دمار المدينة ومقتل أغاممنون الذي سباها ثم احبها. "حلم كساندرا" هو اسم المركب الذي يشتريه أخوان بريطانيان، ايان وتيري، لا يملكا قدرة مالية فعلية لتحقيق مثل هذا الحلم. إنها الخطوة الأولى، والخط الأول الذي يرسم به آلن صورتيهما. الحلم والرغبة بما لا ينال. تلي ذلك خطوط أخرى تعمق هذه الصورة، غرام ايان بممثلة ملتهبة جسداً وطموحاً وكذبه عليها كي يمالئ طموحها، وعجز تيري عن كبح جماح حلمه بأموال القمار وصولاً إلى ديون هائلة عليه. إنه دوماً ذلك الحلم وتلك الرغبة بما لا ينال، اللحظة التي نصم فيها آذاننا عن نتائج معروفة وعن نبؤات صارخة. في هذه اللحظة، يبزغ الخال المهاجر إلى أميركا، الثري الكريم مع عائلته، الذي يأتي ليطالب بما يراه حقاً، رغم استعداده لدفع أثمان جديدة، أي التضامن الأسري معه: إزاحة شاهد قد يودي به إلى السجن. ما يلي ذلك، القتل والندم والخاتمة الدموية العامة قد تعني أن الجريمة لا تحقق مراداً، لكن بالإمكان أيضاً قراءتها بأن من يفلت، آخر الأمر، من تبعات الجريمة إنما هو المخطط لها. الكبار الذين يأكلون الحصرم...






هنالك، في ثلاثية وودي آلن اللندنية، خيط ناظم ثابت: القتل. في سكوب، تناول الموضوع بخفة كوميدية، بعدما كان في "نقطة المباراة" قد انتقل من الكوميديا العاطفية إلى الدراما السوداء، التي عاد إليها هذا العام. في الثلاثية أيضاً هنالك حضور إما لتفاوت طبقي، أو لحلم بالوصول إلى مرتبة الطبقة العليا، والخوف أيضاً من للسقوط عنها، بأي ثمن. والثمن طبعاً هو حياة إنسانية. وها إن آلن يرينا أن الحلم له قوة الخوف وثمنه أيضاً. لذا يردد تيري أنه كان في حلم حين خسر تلك المبالغ كلها، أما الحب فهو كما يعرف البشر حلم أقصى.

لكن استراتيجية وودي آلن هذه المرة، حيال مشاهده، مختلفة تماماً. ففي حين كان للضحية وزن كبير في "نقطة المباراة" (حين جسدتها سكارلت جوهانسون)، أو للباحث عن الحقيقة خلف الجريمة (سكارلت أيضاً مع آلن شخصياً في "سكوب") فإن العدسة هذه المرة مصوبة حصراً تقريباً على القاتلين. رغم تفاوت أداء بطلي الفيلم (ايان ماك كروغر وكولين فاريل) بين مشهد وآخر، في مقابل حضور نسائي قصير ولكن لائق بالمدرسة البريطانية العريقة، فإن عدسة آلن شبه الجامدة، رغم اقترابها النادر من وجه فاريل، تضعنا في جلد الشخصيتين بقوة الحكاية التراجيدية وحدها تقريباً (في إطار قدر يقترب بخطى محبوكة لا ترد، أياً كانت "إرادة" المرء، فإن الإحالة المسرحية الاغريقية تصير بارزة و"قدرية" بدورها). لا ننفك نسأل أنفسنا في الفيلم عن متانة أخلاقنا في ما لو كنا في ظروفهما: تحت وطأة دين ضخم لمرابين قساة، أو في خضم حلم بحب امرأة شديدة الطموح تعلم جيداً أن جسدها هو رأسمالها... نهاية الخطأ واضحة، لكن أحداً لا يستطيع أن يضمن لنا بأننا لن نخطئ حين يكون الحلم هو الخطأ.

في "جنون ندم" تيري لاحقاً شيء من دوستيفسكي بالتأكيد، لكن في مضاعفة الموضوع بربطه بواجب انقاذ عائلي، بالوفاء بدين متراكم للخال العزيز، ما قد يبدو مشوشاً لرسالة الفيلم. يقول آلن في حوار حديث معه إن لا معنى للعالم، في مواجهة الموت، إلا أن غياب المعنى لا يعني بالضرورة نهاية الأخلاق، بل على العكس: حيث لا معنى، نحن في حاجة أكثر إلى الآخرين.

لكن الآخرين في الفيلم هم من يدفعوننا، بشتى الاغراءات، إلى الحلم وإلى الجريمة، وأقربهم، أي الخال، لا يتورع عن التحريض على قتل نسيبه. ربما كان الآخرون المقصودون إذاً في قول آلن هم من لا قدرة لهم على الغواية: الأغيار فعلاً وقولاً. أي، في الفيلم، القتيل الذي يوزع لطفاً ساخراً، ونصائح حول البوكر، وزيارات لأمه العجوز، وعلاقة فاترة ربما كانت ببائعة هوى أو "صديقة". ربما كان هؤلاء فعلاً من نحتاجهم كي لا يختل ميزان الكون، وتقع وطأة السماء على ضميرنا.

العودة إلى قسوة المدينة

ينطلق وودي آلن بالطبع من اعلان نيتشه عن "موت الاله"، ولست أدري إن كان هذا أيضاً موقف سيدني لوميت. إلا أن لوميت، بالتأكيد، أكثر توراتية بكثير من آلن. ففي فيلمه الأخير، تنزاح بؤرة الاهتمام تدريجياً من الشقيقين القاتلين، أيضاً، إلى الأب (وهي صورة شبه غائبة عن فيلم، بل عن افلام، وودي آلن). فالأب (ألبرت فيني)، الذي قتلت زوجته، في عملية سرقة متجرهما على يدي الابناء (ايثان هوك والبديع الأداء فيليب سايمور هوفمان)، ينتصب في فيلم لوميت قوة هائلة، إنه المنتقم الغيور الجبار، اله الصواعق والغضب. إنه قبضة العدالة ومطرقتها، وهو آخر الأمر من ينهي، بيده، سلالته.





انزياح بؤرة الفيلم نحو صورة الفيلم يوضح مجموعة اختلافات بين عمل لوميت وعمل آلن: تصوير معمق للعلاقات الأبوية والأسرية مع "تمييع" قضية الحاجة المالية الماسة لدى الأبناء، في مقابل سرعة وسطحية المسألة العائلية لدى آلن مع ترسيخ مسألة المال والحلم. أيضاً، تحتل حياة لندنية، بين الضواحي العمالية والمسارح والمطاعم الفخمة، الموقع الرئيسي لدى آلن، في حين يصور لوميت أباً كان قد فر من المدينة إلى ضاحية أميركية هادئة راقية. في معنى ما، يرسم لوميت في الفيلم، مسار ادراك الأب أن لا فرار من قسوة المدينة وشخصياتها المشبوهة، ومن ثم عودته إلى شوارعها منتقماً قاتلاً شاهداً على فوران الدم المتواصل فيها.

في هذا المعنى، ليست لندن عبثاً بالنسبة إلى آلن، وليست محض قرار فرضته ظروف الانتاج، رغم أهمية هذا العامل. لندن عادت مجدداً مركز الحياة المالية في العالم، قلب البورصة والترف، مع استمرار الطبقة الاريستوقراطية والبورجوازية الكبيرة في تمايزها المعيشي فيها. إنها مجدداً بابل الجشعة التي تولّد أحلام العظمة والبذخ، مثلما تولد الاقصاء والحصر. غير أن لوميت يدلنا أيضاً أن لا مفر، حتى بالانسحاب إلى الضواحي الهادئة، من قوة جاذبية المدينة ولمعان صورها. إنه نمط حياة بالغ القسوة أيضاً، حتى تجاه مدن عريقة مثل باريس، وربما بدرجة أقل نيويورك نفسها، حيث يبدو أن النظام وهناءة الحياة باتا أولى من عظمة الأحلام الفردية وشدة الطموح، وهو ما يزيحهما باطراد من الواجهة. إلا أن المدن، عينها، هي وحدها من يعدنا بملاقاة الأغيار الآخرين، الذين نحتاجهم للعيش والعمل ومشاهدة الأفلام واختبار خشب قسوتنا وطاقة الاشتراك في الألم.

لكل سينماه




ملحق النهار الثقافي، تشرين الثاني 2007

لكل سينماه



على نسق "باريس، أحبك"، احتفل مهرجان كان تحت عنوان "لكل سينماه"، بعيده الستين داعيا نيفاً وثلاثين من المخرجين إلى تناول موضوع صالة السينما في ثلاث دقائق لكل منهم. النتيجة بالطبع غير متعادلة للجميع، وإن كانت طرافة الفكرة تعوض هذا التفاوت بإظهار مكانة الصالة كمكان للحب والحنين والمرح والشجار والجنس والعلاقات العائلية. لكن بعض هذه الأفلام القصيرة يستحق وقفة (قصيرة) أيضاً عنده لأسباب متفاوتة. فهناك "ممثلنا" القومي، الفائز بسعفة كان عن مجمل أعماله، الأستاذ الكبير يوسف شاهين الذي انتقل من رواية سيرة ذاتية ومتخيلة تجتازها أبرز خطوط المعاصرة في المجتمع المصري إلى تمجيد الذات على طريقة بهجاتوس لكن دون السخرية منها في فيلم ينبغي أن يكون عنوانه "أنا وسعفة كان".

بالمقابل، يرسم ايليا سليمان المواقف المحرجة واضعاً نفسه في قلبها، محولاً شخصيته وجسده إلى معادل فلسطيني لكبار الكوميديا الأميركية الصامتة. أما عاموس غيتاي فاستغل المناسبة بشكل انتهازي حقير، مقيماً قياساً بين سينما وارسو، قبل النازي، وسينما حيفا قبل سقوط صواريخ حزب الله، وكأن الفارق الذي يتذرع به الصهاينة دوماً عن عدم امكانية مقارنة أي جرم بالمحرقة النازية يسقط حين يكون ضحية جريمة الحرب اسرائيلياً، أو كأن لا فارق أخلاقياً أو قانونياً بين جرم الإبادة الجماعية وجريمة حرب في خضم المعارك (وإن كان هذا لا يبرر ذاك من جانب حزب الله ولا يبرؤه).

وإذا ما كان حضور رومان بولانسكي مخيباً، فإن أنجيلوبولوس قدم تحية إلى ماستروياني تتراوح، كما هي الحال دوماً لديه، بين ماضٍ لا يمضي وحاضر معلق. والحق أن فيليني بشكل خاص، كان بارز الحضور في هذه المقتطفات الفيلمية، وكذلك كان حال السينما الفرنسية ورموزها الكبار مثل رنوار وتروفو وغودار. لكن ذلك لم يمنع أيضاً من التأكيد على حضور بارز للسينمائيين الآسيويين (لا سيما كيتانو الساخر القسوة) وإن على تفاوت في القدرة على بناء سيناريو في هذا الوقت الضئيل، الامر الذي جعل الكثير من المخرجين يلجؤون إلى التقاط أنواع مختلفة من التوتر (سواء الحنين، أو الانتظار، أو قلق الحرب) وليس إلى السرد. هذا ما يمنح فيلم أكي كوريسماكي "المصهر" سحراً فذاً. هذا الأمر يبرز أيضاً بالنظر إلى تكرار فكرة الضرير، أو الضريرة، في الصالة في عدد من الأعمال.

تصوير كياروستامي للنسوة الباكيات في الصالة ممل جداً لولا جمالهن، في حين أن زانغ جيمو يصور انتظار القرية وحماستها للعرض السينمائي الجوال بمتعة فائقة، موضحاً في الوقت عينه، مثل فيم فندرز في افريقيا، أن السينما أوسع من أن تحصر بصالة سينما خاوية على النمط الغربي الفخم والقديم، أو على النسق الروسي الضخم البارد.




إلا أن مصير الصالات (ومصير اليهود) في عصر التلفزيون والبث الواقعي المباشر بلا انقطاع هو تحديداً موضوع عمل دافيد كروننبرغ البديع، الذي يشكل درة الفيلم بالتأكيد، والمعنون "لدى انتحار آخر يهودي في العالم في آخر صالة سينما في العالم". مصوراً نفسه عن كثب متلاعباً بالمسدس، متخيلاً أفضل أسلوب للانتحار، يستخدم كروننبرغ ببراعة أصوات التعليق التلفزيوني التي بتنا معتادين عليها في التغطيات المباشرة للأحداث ليمرر لنا مستقبلاً افتراضياً يربط فيه ملاحقة اليهود بمنع إقامة صالات للسينما، باعتبار أن اليهود هم من صنع هوليوود، حتى لم يبق من كل منهما سوى ممثل وحيد: صالة متنكرة في هيئة كاراج، يقبع في مرحاضها من سيقوم بانتحار مباشر على الهواء. ببساطة فائقة، ودقة مرعبة، يثير كروننبرغ في هذا الاختصار الكبير أصداء المكارثية الأميركية واللاسامية الأوروبية، وتشاؤم جورج أورويل، ورعبنا المعاصر من عدسات التلفزة التي تعلن في كل مكان الموت والدمار. لكنه أيضاً يتبنى صورة اليهودي الذي، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وجد في العلم والفكر والحرية سبيله إلى الاندماج في مجتمعات أوروبا، فقدمت جاليات ضئيلة العدد نسبياً اسهامات ضخمة (لنتذكر ماركس، وآينشتاينن وفرويد، وكافكا وبنجامين، وغيرهم كثيرون)، قبل أن يأتي الجنون النازي ليقتلع هذا الحلم نهائياً. بالنسبة إلى مشاهد عربي، يثير كروننبرغ تساؤلات ضخمة، لكنها مشروعة، بخلاف استفزاز غيتاي المجاني، لأنه أثناء ربطه اللاسامية بمعاداة الحرية، وهو ما لا يمكن انكاره، يجعل أيضاً من السينما مجالاً لخلخلة سطوة التلفزيون والإبقاء على هامش للحرية والفكر والابداع. وهو، أثناء ذلك، يستفز فينا التنبه إلى إحدى نقاطنا الضمنية العمياء، والتي تبرز بشكل كاريكاتوري طبعاً في تصريحات نجاد، أي رفض الاعتراف بإرث اليهود، العربي والاسلامي والعالمي، مكوناً بين مكوناتنا، رغم أن ثمن ذلك قد يكون أيضاً الخروج من التاريخ ومن القدرة على فهمه.

في معظم هذه الأعمال، صالة السينما شبه خاوية، إن لم تكن خاوية تماماً، عدا في قرى آسيا وافريقيا. ربما كان السينمائيون متشائمون بشأن قدرتهم على تحريك الحشود. إلا أن هذا العجز، الذي شهده الشعر من قبل، قد يكون في المحصلة مفيداً أيضاً، خصوصاً مع تطور التقنية نحو آلات أكثر خفة واقل ثمناً لمن يشاء الابتعاد عن النجوم والمؤثرات الخاصة. "لكل سينماه" هدية من احتفال كان إلى نفسه، لكنها أيضاً تكريم من السينمائيين إلى معابدهم المهجورة (رغم الاقبال الجماهيري الضخم على بعض الأفلام ذات الميزانية الهائلة). "لكل سينماه" ولكل الهه أيضاً، حيث لم يرفض هذا المكان (الصالة) يوماً نزعة انسانية، بل أفسح المجال لأهواء الروح المتنوعة كي تجد لها صوراً باقية رغم هشاشة آلة العرض وشاشته.

في خواء ديمقراطية الطوائف

ملحق النهار الثقافي، أيلول 2007
نزع الطائفية الرئاسية مدخلاً إلى تواضع لبناني


على مشارف انتخابات الرئاسة، واثر الإعلان عن مبادرة بري ظهرت بعض الأصوات التي انتقدت رئيس حركة أمل على "تفريطه" بالإطار التوافقي الحقيقي، أي حكومة بثلث معطل، مقابل حوار ليس ما يضمن نجاحه، في ما اعتبرته أصوات أخرى أنه يتنازل عما ليس يملك أيضاً بعد فشل الموالين لسوريا في إزاحة أخصامها من سدة الحكومة. لكن المثير في الاعتراض هذا هو اعتبار الحكومة ذات الأثلاث والأثافي أهم توافقيةً من منصب الرئاسة. ذلك أن فهم "الديمقراطية التوافقية" كما فسره أحد منظّري السياسة يقوم على حقوق فيتو متبادلة، فضلاً عن توسيع مروحة التوزير، واعتماد النسبية، وترك الجماعات المكونة للبلد تدير شؤونها الداخلية بنفسها. ولما كان منصب الرئاسة منصباً على قياس فرد ليس في جسده ما يتقاسم أثلاثاً وفيتوات، لم يستطع أحد من القائلين بهذه الديمقراطية التوافقية تقديمه على الاشتراك المعطل للحكومة وفيها.

لكن المرء ليتساءل فعلياً عن مفهوم موقع الرئاسة، على مارونيته، في ظل مثل هذه الديمقراطية التي يبشروننا بها اختراعاً لبنانياً جديداً، بعد الأبجدية وصوت فيروز، سيغزو العالم. الحق أن تناول موضوع الرئاسة في هذا الإطار يبعث حكماً على ملاحظة افتراض مضمر لدى اللبنانيين، لقصر نظرهم، هو استقرار معسكري الانقسام على حالهم إلى الأبد، فلا ذا يسعى لأن يكون أكثرية ولا ذاك يرضى بأن يتراجع يوماً إلى موقع المعارضة، لذا فإنهم قد يحسبون خطأ في موقع الرئاسة حكماً، غير محايد، يساند خطهم السياسي. إلا أن ذلك يجعله في الواقع بلا جدوى.

بدلاً من ذلك، يجب أن ينطلق البحث في موضوع الرئاسة، من وجهة نظرنا، من زيادة شحنة التواضع اللبناني المفقود حول رسالته الكونية المزعومة وتصدره مرحلة حوار الحضارات أو حروبها. ما على اللبنانيين في الوقت الحاضر إلا أن يجهدوا لإرساء صيغة تجيز تغيير نفسها تكيفاً مع الأحداث دون أن نشرف في كل مرة على حرب أهلية، وهذا يكون إما بإرساء التداول سنةً ثابتة مقدرة على مواقع معلومة، أو بالعثور على صيغة رجراجة من داخلها وهي ما قد ندعوه بالديمقراطية القلقة.


الرئاسة الجوفاء في ديمقراطية توافقية

للديمقراطية التوافقية في رأي دعاتها سمات ثابتة على ما أسلفنا: الائتلاف الموسع وحقوق النقض المتبادلة والتمثيل النسبي وحرية الجماعات في إدارة شؤونها الداخلية.

يمكن أن نلاحظ سريعاً أن التمثيل النسبي يسعى في المبدأ إلى إتاحة الفرص للجماعات الصغيرة، المعترضة عادة على الأحزاب الكبيرة، في الحصول على فرصة في التمثيل السياسي. فهل يتوافق حق النقض لكل طرف مع تمثيل جميع الأطراف الصغرى؟ ناهيك بكون افتراض الديمقراطية التوافقية الضمني ينطلق من تصور أن الطوائف هي الجماعات المكونة للوطن، وليس المواطنون وآراؤهم وتحزباتهم وجمعياتهم. في مثل هذا التصور لا شك أن حق النقض إنما يعود إلى الطائفة، في تمثيلها الصارم، وليس إلى المنشقين عنها! إلا إذا افترضنا أن التمثيل النسبي يعني توزيع مغانم الدولة على الزعامات الطائفية الحصرية بنسبة عدد أبناء هذه الطائفة أو تلك، وهذا افتراض يبدو مريباً إذا صدر من شيعي أو سني، وغبياً إذا صدر من ماروني أو ما هو أقل من ذلك عددياً.

كما أن الدستور والمنطق لا يقران تمييزاً على الصعيد الأفهومي والقانوني بين طوائف صغرى وطوائف كبرى، طوائف مكونة وطوائف متأخرة عن الانصهار، فهل يفترض أن يشمل الإئتلاف الحاكم الموسع الطوائف جميعها مانحاً إياها جميعاً حق الفيتو. ثم ما الحاجة إلى الأثلاث المعطلة إذا كان الأمر، على ما بين اعتصام حزب الله المتطاول، يقضي بشل البلد كلما ارتأت طائفة متوسطة ذلك مهددة باشعال الحرب الأهلية مجدداً.

الخلاصة أن أفكار الائتلاف الموسع وحقوق النقض المتبادلة والتمثيل النسبي متناقضة في ما بينها، فإذا أضفنا إليها حرية الجماعات في إدارة شؤونها الداخلية لا يظل ينبغي إلا أن نعدل الدستور فيغدو رئيس الجمهورية رمز تفكك الوطن إلى "مكوناته" المزعومة الأولى بدل أن يكون رمز وحدته.

ذلك أن رئيس الجمهورية في مثل هذه الديمقراطية، وعلى افتراض أنه لم يكن "توافقياً" بالطبع أو بالتطبع، لا يجد أي امتياز أنطولوجي على أي من زعامات الطوائف، بل هو غالباً، ما لم يستقوِ بأشقائه، أضعف الجميع. ففي حين تظل للطائفة المارونية حريتها في إدارة شؤونها الداخلية، فإن الرئيس الماروني لن يستطيع، كونه ممثلاً للدولة، التدخل حتى في هذه الشؤون المارونية بصفته رئيساً للدولة التي تتعهد باحترام تفكك الوطن إلى مكوناته. كما أنه بطبيعة الحال لا يملك امتيازاً داخل الحكومة على وزير أصغر طائفة كريمة لأنهم جميعاً يمتلكون حقوق النقض والنكث والانتكاس، في حين أنه على أحسن التقديرات لا ينال الثلث المعطل إلا من ضمن حصة لغيره شطرها.

ما هي تالياً وظيفة هذا الرئيس؟ إنه بعد الطائف ليس حاكماً، فالسلطة التنفيذية منوطة بمجلس حكومي، وهو ليس حكماً لأن لا امتياز له على سواه. وقد برهنت التجارب أن لحود لم يكن ذا وزن في المعادلة السياسية، بعد التمديد، إلا حين قرر حزب الله الذود عن حياضه مكافأة على "وفائه لسوريا". أي أن الرئيس لا يملك من منصبه السلطة. لكنه إذا ما كان توافقياً فليس يملكها أيضاً من شعبيته أو حزبه المخصوص.

في دستور الطائف لا يملك رئيس الجمهورية قدرة تعطيلية، بل فقط قدرة تأجيلية للمراسيم والقوانين. فإذا جمعنا الطائف إلى توافق الطوائف تحولت القدرة التأجيلية إلى انتظار رتيب (ما لم تقع حروب أهلية طبعاً) طويل الأجل في قصر بعبدا.

لا تراجع... لا استلام

يضمر القول بالديمقراطية التوافقية مبدأ ثبات الجماعات على "هوياتها" الجزئية، وحرصها على ألا يسمها سوء أو تغيير أو ـ لا سمح الله ـ تطور وتحديث. وهو يفترض أن الترابط الوطني معقود بناء على اتفاق بين جماعات دينية، لا على عقد اجتماعي بين الأفراد. غير أن هذا التنظير يتناسى بالطبع السؤال عن سر ترابط الجماعة الدينية نفسها والعقد الذي يربطها.

إلا أن القول بهذه الديمقراطية، حين يصير الموضوع موقع الرئاسة، يستبطن فكرة أكثر رسوخاً، هي ثبات أحلاف هذه الجماعات. إذ أن هذا المنطق يعرف غياب القدرة على السير بالإجماع في كل مرة، لذا يفترض وجوب حماية الأقلية من طغيان الأكثرية. إلا أنه لا يرى وسيلة لهذه الحماية إلا الدفاع بحق النقض، وليس القدرة على التحول إلى أكثرية.

أي أن الديمقراطية التوافقية تستبطن بقاء الأكثرية (التي هي تحالف عددي بين جماعتين أو أكثر من الطوائف) على حالها، اللهم إلا استبدال السنة بالشيعة أو الموارنة بالأرمن، لكن دون مساس في عمق العلاقة وطبيعتها بين كتلة أكثرية وكتلة أقلوية على نسبة لا تتعدل (الثلثان مثلاً؟). لذا تضيف هذه النظرية، ودعاويها اللبنانية الكثيرة، حقوق النقض إلى التعايش المشترك وتعلي ذلك فوق ضرورات اتخاذ القرارات وحسمها وفوق أحكام القانون والدستور في فرض أنصبة لإقرار الانتخاب أو القانون وليس ابتكار وسائل لتعطيله.

فكأن النزاع إنما يتم بين طرفين جوهرهما لا يتغير، يرفض أولهما التراجع إلى مقاعد المعارضة في حين يرفض الثاني استلام الحكم مدركاً أن العجز نصيب كل من يجلس على هذا الكرسي أو ذاك. وإذا ما كان الزميل الراحل جوزف سماحة يرى أن الأفضل أن نسير معاً ببطء على أن يركض بعضنا دون بعض، فإنه ربما غفل عن أن لا مناص في لبنان من أن يظل المرء لصق الآخر، إذ هما في سربال واحد، أو في أرض واحدة رغم جهود إسرائيل في رسم خرائط داخلية فيدرالية لها. لذا فإن الوضع في الديمقراطية التوافقية سيكون أشبه برجلين موثقين واحدهما إلى الآخر، ولما كان أحدهما يريد التوجه شمالاً بينما الآخر يغذ الجهد جنوبا، فإنهما في النهاية لا يتحركان إلا إلى الخلف.

إذا كان الرئيس حقاً رمز وحدة الوطن والساهر على دستوره ووحده شعبه وأراضيه فإنه يكون في مثل هذه الحال إحدى فتلات الوثاق الذي يجمع رجلينا، الموالي والمعارض. لكنه ليس أكثر من ذلك. فهو ليس في موقع القادر على دفع المسيرة باتجاه هذا أو ذاك، بقدرته الذاتية. لذا فإن أحلام المعارضة والموالاة في استغلال موقع الرئاسة لن تتمخض في النهاية عن شيء.

إذا لم نشأ التنظير لإلغاء منصب رئاسة الدولة وتحويله إلى منصب شرفي بالكامل (نمنحه للبطريرك مثلاً أو لأحد المعمرين أو لمن تختاره مجلة فوربس مثلا)، وهو يدنو من ذلك، لا بد من النجاة بعيداً عن الصيغ التوافقية إذا ما شئنا حداً أدنى من الفاعلية في إدارة الدولة ورئاستها. لكن ذلك يستتبع حكماً تغييراً في معنى لبنان ورسالته.

رئاسة لبنان ورسالته

لهذا البلد الصغير مزاعم طموحة وسرابية. فهو يدعي رسالة كونية في اثبات القدرة على تعايش الديانات في سلام ووئام. إلا أن تاريخه الطويل من الحروب التي تفصلها فترات هدنة متفاوتة المدة، لا يبرز أبداً طابعاً سلمياً في تعايش هذه الجماعات.

وهو يدعي رسالة قومية في تجسير المسافة بين الشرق والغرب، غير أنه، فضلاً عن وجود الطائرات والانترنت الذين يسمحان لكل راغب في عبور هذه المسافة التي باتت أقرب من الطريق بين طرابلس والناقورة، يمكننا ملاحظة أن الجسر لا يعبر الجسر، بل يظل مكانه يدوسه الآخرون بعجلات سياراتهم الفارهة.

وهو يدعي رسالة مسيحية في الشرق المسلم، إلا أن هذه الدعاوة، فضلاً عن الشكوك فيها قبل الحرب، انهارت تماماً خلال الحرب وتراجع الدور الماروني وصولاً إلى ما نلحظه اليوم، رغم "عجقة" الزيارات البطركية والفاتيكانية العائدة بأخفاف حنين، من تراجع مطرد للوزن الماروني في الدولة والوطن، سياسة وأداء واجتماعاً وثروة ومعرفة. أو يدعي كونه موئلاً للأقليات، فإذا بها جميعاً تتنافس في الكِبَر وتتسارع إلى الإبادة إن لم يسبق أبناؤها إلى الهجرة.

العجز الماروني الذي تبدى جلياً في زيارة البطريرك صفير إلى الفاتيكان، وإخفاق محاولة "تنصير" الانتخاب الرئاسي، يجعل من التشبث البطركي بموقع الرئاسة أمراً مفهوماً، لكنه لا يؤدي في الواقع إلا إلى زيادة عجز الطائفة، لأنه يرهن اختيار هذه الرئاسة بقرار الآخرين، على ما كتب أحد المعلقين، وهو يجعل المعركة تجري "على بكركي" كما كتب أحد الزملاء، وليست من بكركي تدار ولا الصرح طرف فيها، وفي هذا ما يشرفه في واقع الأمر.

لذا على لبنان أن يتواضع قليلاً، مثلما على طوائفه وزعمائها المنتفخين زهواً و/أو جيوباً. لم يعد عليه حتى أن يكون معلم العرب العلمانية، فالنظام التونسي أعرق باعاً وأكثر استقراراً، ولا أن يعلم الشرقيين الديمقراطية فهاكم النموذج التركي الذي لا يكف البعض عن امتداحه ليل نهار والإشادة بدور وساطته بين أوروبا والإسلام. ولا أن يكون القدوة في ابتكار أساليب الحرب الأهلية، فالعراق فعّال والحبل ربما على الجرار.

على لبنان مهمة واحدة فقط في عصرنا هذا: أن يظهر أنه قادر على التعلم من كيس عذاباته. اختبار الرئاسة في هذا المحل ربما يكون أساسياً، لكن أحداً لا يبدي وعياً بذلك.

فاستحقاق الرئاسة نابع، بعد ثلاثة أعوام من التمديد القسري، من رغبة في حفظ صورية الدستور، وحده الجنرال السابق اميل لحود يجرؤ على الإعلان عن خروجه عليها. أي أنه ينبع من رغبة في عدم المساس بالحد الأدنى الشكلاني من الاجتماع اللبناني، رغم تجويفه من كامل معانيه.

قد يكون استحقاق الرئاسة إذاً مدخلاً جيداً لإعادة بناء الحد الدستوري الأدنى لهذا الاجتماع، وإظهار أن اللبنانيين تعلموا الدرس من أن تجويف الدستور يعني، كما قال أحد العسكريين السابقين، الاحتكام إلى القوة العارية. قد تكون مقولته خاطئة أو مصيبة في احتساب قوته، وهو اعتاد الخطأ، إلا أن إدراك العلاقة بين الدستور وعري القوة ربما كان أول دروسنا. أما الدرس الثاني فينبغي أن يكون في اختيار الرئيس نفسه لينظّر لغياب هذا المنصب عن الحقل الطائفي كخطوة أولى أمام إلغاء الطائفية السياسية وإقرار صيغة مختلفة عن تلك الفريدة الشهيرة.

نحو صيغة قلقة

رأى أحمد بيضون في ختام دراسة هامة عن حروب اللبنانيين في القرن التاسع عشر وبطنها الولود، أن تصور الأطراف اللبنانيين لثبات أصولها "من ألف سنة أو نحوها"، ودفاعها عن ثبات الصيغ المؤقتة التي تم التوصل إليها اثر الحروب، إنما هو في أصل تكرار هذه الحروب نفسها. ويتساءل بيضون عن قدرة مثل هذه الأطراف على صياغة عقد جديد يسمح بتغيير المواثيق اللبنانية وفقاً لتغير ملامح الحال والعالم وتوازناتهما. لكنه، وهو الحصيف كما نعلم، لا يوازي تماماً بين "الأطراف" وبين "الجماعات الطائفية" إذ أنه لا يغفل عن سياق نشأة الطائفة عصباً وجسداً سياسياً، ولا عن تفاوت حظوظ الطوائف من "التطيف" ومؤسساته. وبالتالي فإنه لا يقفل أيضاً الباب في وجه احتمال نزع التطيف عنها، خصوصاً وأن "الشر المستطير" في تحويل الثبات وتقديمه على الحياة إنما يضعنا ربما أمام نزع الكيان اللبناني وسكراته الأخيرة.

في هذا المعنى يمكن القول بأن في وسع اللبنانيين، والموارنة تحديداً، ضرب مثال على قدرة عربية مشكوك فيها، ألا وهي الاعتبار بالماضي ودروسه، وذلك بالبدء بالإعلان عن أن منصب الرئاسة لم يعد، بحكم الأمر الواقع وليس بحكم عرف دستوري يتم انتهاكه، موقعاً مارونياً بل بات موقعاً وطنياً ولبنانياً، وذلك بغض النظر عن مذهب شاغله. ليس هذا كرماً وأريحية بالطبع، ولا حتى تنازلاً، بل إن مثل هذا الإعلان سيكون الحجة الوحيدة التي تتيح للبنانيين من شتى الطوائف والموارنة في مقدمهم، القول بأن المجلس الحكومي مجتمعاً، وليس رئيسه، هو أيضاً موقع وطني، وأن المجلس النيابي كذلك، وليس يملك رئيس مجلس النواب إغلاق هذا البيت الوطني، كما لا يملك رئيس الجمهورية رفض التوقيع على ما يلزمه به الدستور مكتفياً باستخدام صيغة المضارع (يصدر، يوقع، ينشر... الخ) إلا حين يمنحه صراحة حق رد النص للمراجعة، والأمر كذلك في الحكومة كما في المجلس النيابي الذين يجب أن يتم تعديل أنظمة عملهما لمنع القدرة على التعطيل في ما لا نص واضح في شأنه في الدستور.

نزع التطيف عن الطائفة مقدمة وشرط لحياة أبنائها حياة كريمة كمواطنين في الوطن، وليس كقطعان لهم من المرعى حصة مرقومة. كذلك نزع التطيف عن مؤسسات الدولة، وهو شأن مستقل عن مذهب الشاغلين كما أسلفنا إذ يتعلق بقرار الاختيار وليس بالمرشح، هو الأمر الوحيد الذي يمنع تحولها إلى مثل هذا المرعى وتحول مهماتها إلى كلأ وفيء. ولا يمكن أن ينطلق ذلك إلا من إيمان عميق بالسياسة من حيث هي رفض للدفاع عن الثوابت ولسجن المواطنين مسبقاً في أقفاص من شتى الألوان، بل هي فن الممكن وفضاء الحرية وحاجة المجتمع إلى تكييف ذاته مع عوامله الداخلية وشواغله الخارجية.

يشترط تالياً لقيام مثل هذه الصيغة التي تقدم التكيف على الثبات، فضلاً عن شرط الإيمان بسياسة هذه صفتها، انتباه لضرورة "كتابة" الصيغة دستورياً، وليس إعلانها المضمر كالميثاق الشهير. وذلك مع فتح المجال لإمكان تعديل هذه الكتابة بوسائل دستورية أقل تعقيداً من الموجودة حالياً. أي أن تعديلاً للدستور ينبغي أن يأتي بعد انتخابات الرئاسة وليس قبلها.

أما مضمون الصيغة فلا شك أن احتمالاته كثيرة، لكن في ذهننا منها اثنين يفيان، على ما نحسب، بشروط التغير المستمر. فالأول من الاحتمالات هو تثبيت التداول صيغة، فيرفض تخصيص هذا المنصب بتلك الطائفة وهذا الموقع بأخرى، وتقر "سلة مناصب" واسعة جداً لتلائم توزيعاً طائفياً لا يغفل الطوائف "الصغرى" من خارج تلك التي لا ندري لم حصروها بست. يفترض بهذا التغيير المتواصل مع إتاحة المجال أمام الطوائف الصغرى أن يعوّد الجماعات على الانصراف عن الدفاع عن "محمياتها" غير الطبيعية وعلى الإيمان بكفاءات متنوعة من شتى الانتماءات. على أن هذه الصيغة تظل محكومة في بنيتها بالرؤية إلى الطوائف كواسطة أو كجسد يتم الاختيار من بين أعضائه حتى وإن لم يعد هذا الاختيار محكوماً برغبة الطائفة نفسها.

أما الاحتمال الآخر فهو ما نسميه بالديمقراطية القلقة الرجراجة، وهي هي الديمقراطية الأكثرية اللاطائفية واللاإجماعية، بتمثيل نسبي وبتبسيط شروط التعديلات الدستورية. وسر قلقها وعدم استقرارها أن رياح استطلاعات الرأي وغوائل الزمن الطائفي تظل تحتها وتتهددها. لكنها الوحيدة التي قد تؤسس فعلاً لتجاوز ارتباط علاقة المواطن بالدولة بمروره الحصري بالطائفة. تستبطن مثل هذه الصيغة أيضاً إيماناً باحتمال الانقلابات الكبرى في المجتمع، وتغيير التحالفات، وبروز التشققات في ما يبدو في لحطة استقطاب أجساداً صماء وجلاميد صخر لا تفتأ تنحط، ذلك أن الصخور، ما يظهر في معابد بعلبك، لا تشال إلا من تشققاتها، طبيعية كانت أو محفورة، ولا يجري ماء المعنى إلا بين فرجات اللغة.

مراسي الطبيعة وثوابت الدستور

لكن هل نقوى على العيش دون ثوابت ونحن من لا يبارح ألفة الأزل والخلود والله؟ أو بثوابت بالحد الأدنى؟ ربما يستحق الأمر أن نجري يوماً ما ثبتاً بثوابتنا لنرى مدى عمقها الحقيقي. في الانتظار، ليس من ثوابت متفق عليها خارج ما يكتبه الدستور نفسه، أو خارج ما تفرضه الطبيعة ولنلاحظ شبههما في المادة الأولى من الدستور رغم غرابة تعريفها للحدود الجنوبية التي تظل مشرعة على مدى فلسطيني أصلاً:

لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تام. أما حدوده فهي التي تحده حالياً.شمالاً: من مصب النهر الكبير على خط يرافق مجرى النهر إلى نقطة اجتماعه بوادي خالد الصاب فيه على علو جسر القمر.
شرقاً: خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي (اورنت) ماراً بقرى معيصرة ـ حربعاتة ـ هيت ـ ابش ـ فيصان على علو قريتي برينا ومطربا، وهذا الخط تابع حدود قضاء بعلبك الشمالية من الجهة الشمالية الشرقية والجهة الجنوبية الشرقية ثم حدود أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا الشرقية.
جنوباً: حدود قضائي صور ومرجعيون الجنوبية الحالية.
غرباً: البحر المتوسط.

لنضف إلى ذلك جيرة سوريا الدائمة، وإسرائيل إلى أمد غير منظور، وغياب موارد في باطن الأرض اللبنانية، لنفهم أننا مشرعون دائماً لغواية البحر ونداء الصحراء، وأن ضيق هذه الأرض يجعل الزراعة فولكلوراً ويجعل من العيش على سطح الأرض اللبنانية، لا في أنفاقها ولا في غيتوهات، الخيار الأوحد الذي يستحق أن يسيل له عرق الجباه وعصارة الأدمغة. في مثل هذا فليتنافس المتنافسون وعلى أساسه سيحق لنا أن نفكر بدور ما للبنان ورسالة متواضعة دون أن تغفل الطموح.

أبواب للمدن



ملحق النهار الثقافي، تشرين 2007


أبواب للمدن مشرعة على الزمن


باب أول: ليس المقصود طزاجة سياسيينا، بل ذاك الباب الذي كان يلوح للقادمين من الصحارى شاهقاً بديعاً، باب زويلة بمآذنه الفاطمية، أو الأسوار الممتدة بين باب الفتوح وباب النصر. تلك القاهرة كانت، بلا ريب، حلماً يشهق له الآتي دهشة، ولا يسعه إلا التسليم بأن مدينة، ذاك بابها، هي حقاً "أم الدنيا" والمحروسة والقاهرة.

لا يزال باب زويلة، حين ننظر إليه من سوق "الخيامية" باهر الهندسة والروعة. لكن القاهرة التي كان يحرس قلبها امتدت كبقعة زيت في كل اتجاه. لا شك أنه بذل كل جهده لينتصب حارساً هناك، ينافس ربما أبا الهول المدفون في الرمال. لكن الصوت الذي كان ينطلق من المئذنة كان أيضاً يمضي في كل اتجاه، وكان يلاقيه صدى الحياة التي لا تكل في هذه الاتجاهات. الصوت الذي هو أيضاً زمن كان أوسع حيلةً من الحجارة الضخمة المشغولة. لئن بقيت شواهد، فإنه صار فعلاً. ربما أوصد باب زويلة طويلاً في وجه زوابع كثيرة، إبان زمن الفاطميين والمماليك البهي في القاهرة وطرابلس والشام، لكنه كان أعجز من أن يصد أصداء الزمن مثلما نعرف. على باب زويلة، بحسب إحدى الروايات، انتهى ايضاً زمن المماليك مشنوقاً.




للحياة مسالك غريبة ومتعرجة. في الجانب الآخر من الشارع المستقيم نفسه، شارع المعز لدين الله، شريان المدينة الفاطمية، يقف باب آخر، باب الفتوح، منكسراً. نرى أنياب الأسوار المثلومة. قبالة الباب محل يضع يافطته مجسماً صغيراً كرتونياً للباب العريق. الفارق بينهما كالفارق بين البابين. زويلة لا زال وسط أهله، تزحزح فقط من موقع الحارس إلى موقع الالفة. أما النصر والفتوح فباتا باهتين كالاسماء نفسها، أو كلون الحمير التي تعبر جارة وراءها عربات متعبة.

ابتلعت القاهرة أبوابها، ولم تخلعها، مثل باريس التي لا زالت تحتفظ بحفنة أسماء وبضعة أقواس حجرية، أو مثل طرابلس التي تحفظ الأسماء (باب التبانة، باب الرمل، باب الحديد) وتنسى أهلها. في هذه المدن لا زال هنالك خط، ولو اسمي، يقسم المدينة إلى قديمة ومحدثة، ولو أن القاهرة العريقة بها أكثر من مصر قديمة واحدة، ومدن جديدة متنابتة كثيرة. باب المدينة مدخل إلى العلم بها، إلى التيه بها والغرق، لكنه مقصد الغرباء دوماً.

باب ثانٍ: لست أدري إن بقي من أبواب دمشق (وبيروت؟) شيء، أم أن هستيريا التدمير الداخلي مستعرة الأوار. بيوت الشام الشهيرة تتوجه إلى الاقتصار على بيت أو بيتين، يجري تصوير مختلف المسلسلات السورية الرائجة فيها، دون أي تغيير، مثلما يجري تصوير الحارات في ما يسميه التلفزيون "القرية الدمشقية". أوّاه لهذه المدينة، الأقدم تاريخاً في رواية، والتي باتت "قرية".

حول "باب الحارة" أريق حبر كثير، تعرض للاستخدام السياسي للهجة الشامية وقبولها في العالم العربي، معتبراً في ذلك فك حصار للنظام السوري، أو تساءل عن مغزى إقبال الناس على المسلسل، مسقطاً بالطبع عليه أحوال العصر وغياب الزعيم (أو توقنا إليه) والحكيم (أو التشكيك به بعد فقد الأصل). وليس على هذا منعقد الاهتمام، إذا ما أخلّ المرء بالنظر إلى العمل أولاً بوصفه عملاً فنياً يحاكم بمعيار الفن على حسب الخطاب الذي يتبناه زاعماً تصوير ذلك العصر من زاوية الفن لا زاوية التاريخ. إلا أن الفن أيضاً لا يقوم على تزوير التاريخ أو تشويهه والتلاعب به، بطبيعة الحال. لذا قد يكون السؤال عن غياب أي دور عامل للمرأة، خلافاً لما كان عليه الواقع آنذاك، مبرراً تماماً.

يجب أن نضع جانباً الانتقادات اللازمة لرداءة الموسيقى التصويرية وفقر التنويعات (سواء بالعود أو الكمان الفائض البحة أو الأورغ) المقترحة على تيمات القدود الحلبية والشعبيات الشامية، وأن نطرح جانباً ايضاً فقر خيال المخرج في استعماله الرتيب لهندسة المكان، وقلة حيلته حتى عبأ ما لا يقل مجموعه عن بضع حلقات بأسماء المآكل والدعوات إلى تحضيرها. يظل هنالك سؤالان، متفاوتا المستوى، يستحقان ربما الطرح: غياب التوتر الاجتماعي الرئيسي أي السياسي عن الشاشة، وغياب صورة الشر وعلاقتها بنجاح الجزء الثاني من المسلسل.

إذ يبدو، أولاً، من غير المفهوم ألا يحضر المستعمر الفرنسي إلا في وصفه خيلاً، وليس في وصفه أيضا مساراً من المعارف وأنماط الإدارة والأحزاب والبرلمان والثورات المسلحة وغير المسلحة. حضور الآخر والمستوى السياسي في المسلسل هو حضور "براني" تماماً، حضور بارد لا يثير أي تفاعل في عمق المجتمع ولا يخترق حتى قشرته الهشة المبنية على فصل بين مراتب الرجال ومواقع النساء وعلى الداية رسولاً بين العالمين. في هذه الفقاعة المحيدة عن الزمن تبرز قضية فلسطين مسرباً، لكن خيطها واهٍ إلى حد أن فرداً واحداً فقط يمسك به (العقيد) دون أن تطرح القضية على هذا المجتمع مساءلة جدية لنفسه ومواقفه ومنظومة قيمه. وهذا طبعاً مخالف لما كان عليه الواقع، لكنه أيضاً مخالف لأي معطى درامي يفترض به أن يصور، كما في مسلسلات "حارات" القاهرة الأقدم عهداً والأوفر نضجاً (مثل "ليالي الحلمية") تطور المجتمع وتبدله، وتفاعله مع حوادث الزمن ووقائعه، خاصة متى امتد المسلسل على أجزاء متعددة.

لا شك، من جهة أخرى، أن براعة أداء بعض الممثلين وألفة أصوات آخرين كانت عاملاً مهماً في التغلب على مشاكل العمل التي أشرنا إليها، فضلاً عما يثيره المسلسل من حنين إلى تعابير وحركات (تجدر مقارنة حركاتهم في المسلسل بحركاتهم في "العراضة" التي نظمها تلفزيون المنار للتثبت من براعتهم) ومفردات وأسماء لأغراض العالم فقدنا القدرة على الإشارة إليها اليوم بألفاظنا نحن. لكن ذلك لا يفسر نجاح الجزء الثاني الشعبي الباهر في مقابل النجاح المتواضع للجزء الأول الذي هو أفضل منه فنياً بحسب برهان علوية محقاً. أزعم أن سبب هذا التفوق للجزء الثاني هو تحديداً غياب التوتر الدرامي واقفال باب الزمن على لحظة الحلم هذه وتغييب صورة الشر الداخلية المطلقة لصالح شر الخسة أو شر "الغريب". فالمسلسل مطمئن على هذا المستوى، ذلك أن الغريب (الأعمى المزعوم) هو القاتل، وهو ما نعرفه منذ العام الماضي، أما الشر المحلي المطلق الذي مثلته صورة الايدعشري فقد انتهى أيضاً في العام الماضي، ليحل بدلاً من الشرير المتعجرف القوي المحنك، وإن تاب لاحقاً، صورة النمام الخسيس صاحب الثأر القديم كعذر مخفف. هكذا يحل الخارج والغريب في صورة الشر الحقيقي والمكشوف مسبقاً، في حين تنفى عن الداخل قوة الشر لتستبقى خسته.

هذه الحارة لا تحب الغرباء، وهي حين تقابلهم لا تتفاعل معهم، بل تكتفي بالدوران في حلقة أعرافها الداخلية وفي زمنها الدائري التكراري وفي جغرافيتها الواضحة المعالم والحدود والمقسمة حيزاً فحيزاً وفق العرف (لا الدين) والسلطة. إنه، مجدداً، الحلم بأن يتركنا العالم وشأننا، مطمئنين إلى ركود الزمن، هانئين في هامشه. تفوح من المسلسل رائحة الحنين، كقهوة الأم نغمض أعيننا حنيناً إليها. لكن إذاعته على قناة فضائية ليست إلا مفارقة مضحكة.



باب ثالث أو، للدقة، "بين بابين": حين جلست، مع الرفيق ولا ثالث لنا، قبالة درج بيت الشيخ إمام المتهدم وبابه المتهالك، قال لنا صاحب القهوة، الرجل الذي نسمعه صبياً في بعض التسجيلات وبعضها في عيد ميلاده، إن الغرفة تهدمت، وأبو النجوم انتقل إلى تزعم جبهة المساكن الشعبية في المقطم. لكنه لم يتوقف طويلاً في الحديث عن "رجولة" الشاعر الذي كان يضرب امرأته، وفضّل أن يناقشنا طويلاً في عبقرية الشيخ إمام في العزف على العود.

في تلك العطفة من الغورية، قرب باب زويلة ومسجد السلطان الغوري وقبره، وعيت أن ما بقي من الثنائي إمام ـ نجم ليس "الشعر"، مهما نشر الفاجومي من كتب، بل سخرية كثيرة: سخرية الشيخ المغني بطبيعة غنائه، وسخرية نجم الذي ابتلعت شهرتها أسماء من كتبوا أيضاً للشيخ إمام ومنهم الرائع نجيب سرور وأحمد فؤاد قاعود وغيرهما، وسخرية القدر الذي جعل من شيخ ضرير يغني بغناء النصف الأول من القرن وكاتب شبه أمي منارة التقدميين في عصرهما، وسخرية القدر مرة جديدة التي جعلتنا مع صاحب القهوة نتحير في فهم طلبات الحشيش و"رص الحجارة حجراً فحجراً"، وفهم عبقرية ريشة الشيخ إمام، بعد أن فرقت توافه الأمور الصحبة التي وطدتها أيام الحبس والاضطهاد.

لكن يبقى أيضاً من هذا الثنائي أمر أشد أهمية ورسوخاً حتى من السخرية. إنها عدوى الحب. حب ذلك الزقاق في تلك العطفة من تلك الغورية، والتي ألف لها رفيقي أغنية... حب الحاتي وبائع الألبسة والقهوة... حب الباطنية القريبة وأبواب الأزهر المزخرفة... حب الزمالك دون كلابها، والأهلي دون "كباتنه"... حب الصوفية الأليفة والخرق الخضراء المعلقة على القبور، وحب الغرباء في موالد القاهرة يطوفون حول الحسين ومسجده دونما وعي باستحضار صورة الكعبة...

ربما هنا يكمن الفارق بين الثنائي إمام ـ نجم، وبين حجارة السياح أو مسلسلات الحارة السورية. مع صوت الشيخ إمام لا نشعر بالحنين الذي يبتزنا به مغنو الثورة اللبنانيون مطولاً، ولا برغبة في العودة إلى رحم الماضي الشامي البسيط التافه المشاكل، ولا نستحضر عيوناً غير التي لنا كي نرى، بمفعول رجعي، عظمة الأثر ونسجد لصانعيه.

مصر التي تنقل إلينا أغاني الشيخ إمام عدوى حبها لا تختلف البتة عما نراه ونلمسه ونشمه في حي الغورية أو الحسين. ولئن حسبنا أن الزمان قد فات على جزيرة الزمالك وتغيرت، فإن ديواناً ("شغل كايرو" لمحمود عزت) من ضاحية امبابة يعود فيرينا أن الجزيرة لا تزال عسيرة على غير أهلها وإن مدت جسور سريعة فوقها.

أغاني المرحوم إمام ونجم، مد الله في عمره ومنحه الصحة وحب المشاكسة على الدوام، لا تدعونا إلى اغماض العين لنتذوق حلماً متخيلاً عن الماضي، ولا إلى فتحها وراء عدسة الكاميرا التي تلعن وجود الناس في إطارها. إنها ببساطة وحب تصيبنا رغماً عنا بعدوى مقيتة: أن ترى الحال على ما هي عليه، وألا تندب أو تبكي أو تلعن. بل أن تضحك، زاعماً مع دولوز أنه لا محل للأمل أو للخشية، بل فقط لـ"شحذ أسلحة جديدة"، ومحل الاستشهاد هو بالطبع "جدة الأسلحة" أي خروجها عن مألوف ما هو متداول في ساحة الصراع التي لا تفتأ تحول الضحية إلى جلاد بالنصل ذاته، سواء أسميناه عزة ورجولة أو أسميناه ممانعة وصموداً أو حقاً "تاريخياً".

ثمة في تلك الموسيقى عبق "لا تاريخي"، رغم اندراجها في سياق محدد، بين زمنين (زمن النهضة وزمن الانحطاط الجديد)، يجعل منها في كل مرة دعوة إلى العيش في الحاضر وليس الهروب منه، إلى أمام أو إلى خلف وهما في الواقع الواحد نفسه. بين بابين مشرعين على هبوب تيار الزمن، لا موصدين على الحلم، تعبر هذه الموسيقى وتغزلها المودة.

في ميزان الشر: العدالة والسيادة والفعالية

ملحق النهار الثقافي، آب 2007
في ميزان الشرّ: العدالة والسيادة والفعالية


تمر سنة على نهاية حرب مدمرة. الحصيلة واضحة لكل ذي عينين، لكل هل لنا عينان لنبصر؟ بعد سبع سنوات على التحرير، هل كتب أحد تاريخ عقدين من الاحتلال والتعامل معه والحياة في ظله ومقاومته؟ اسرائيل شر مطلق، حسناً وبعد؟ كيف يمكن للعين أن تبصر الشر، وللغة أن تحتضن العبارة عن تغلغله في نسيج الحياة؟ ثم، إذا كان الشر عادياً، بحسب عبارة أرندت، ويومياً، بحسب تجربة الجنوب اللبناني، فلم لا يزال مستعصياً على العبارة، بل على الفهم؟

تردّ الوفاة المتزامنة لهنري أمورو، المؤرخ الفرنسي لفترة الاحتلال النازي لفرنسا، وراوول هيلبرغ، أكبر المتخصصين في مسألة الهولوكوست وعلاقته بالبيروقراطية الألمانية، المرء إلى هذه الأسئلة، لافتة إياه إلى غياب الذاكرة الكلي لدى أولئك الذين لا يحلمون سوى باستعادة التاريخ الذهبي، جاهلين حتى بتاريخ الشارع والمساجد التي يرثون!

لكن أمورو وهليبرغ ينفيان ميتافيزيقا الشر، ربما وفقاً لطبيعة علمهما التأريخي، في حين يستعصي الشر الإنساني على الفهم، بحسب نورمان مايلر، ما لم نعد إليه طبيعته الميتافيزيقية، وهو ما يفرض بحسب رواية مايلر التي تصدر الخريف المقبل، والتي نشرت لوموند مقتطفات منها، أن يكون الشيطان حاضراً زنا المحارم الذي نتج عنه الطفل أدولف هيتلر، الرد الشيطاني على ولادة يسوع المسيح! أين أولمرت وبيرتس وباراك وبيريز من مثل هذه القامة؟! وأيننا من مثل هذا النقاش و"علمنا" من هذي العلوم؟!


نقاش الشرّ وضحضاح الغائط السياسي اللبناني

اللبناني قد لا يملك ترف هذا النقاش. مهما بلغ شأو التنابذ بالألفاظ بين زعماء "الشعب المتني" (وهو ما سمي شعباً إلا من تشعبه!)، واللبناني عموماً، فإنه لا يتخطى سقف العمالة، ولا يصل إلى "شيطنة" إسرائيل، إلى شرها المطلق والمطبق.

على خلاف المدن الألمانية التي خلفها القصف الأميركي طللاً، لا تترك حروب إسرائيل على أرضنا صوراً!! كل صور المجازر المروعة تلك، هل تم ابتلاعها، قسراً ربما بعد انكشاف بعض التحايل والتذاكي في بعضها القليل؟ أم أنها فقط غير قابلة للاستعمال والصرف الداخليين، فتم إهمالها؟

ربما كانت اللغة هي التي ابتلعتها. لغة النصر لا تملك القبول بعرض هزيمة الوطن والأرض والمواطنين. لذا يظل في الآذان رنين صوت السيد، وشعارات النصر الإلهي والسماوي الطنانة، فيما تغيب صور الشرّ الشيطاني والأرضي عن العيون والذاكرات.

أو ربما أن الشر، أصلاً، مفهوم غير مستقر في الإسلام، بخلاف السوء والغواية. فالاستعاذة من "شر ما خلق"، وليس من شر من خلق، وحرف الـ"ما" أوسع من أن يطلق على الإنسان، فلا تعني هنا سوى السوء والضرر. وقول المنتقم الجبار : "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون"، يفيد المعنى نفسه، فهو مرتبط بالخلق الذين ينفضون عن سماع الدعوة وتعقلها ـ وهم قد يرجعون عن غيهم هذا ـ وليس مرتبطاً بماهية مطلقة ومتعالية كالشيطان، الذي يقترن بالغواية والعداوة بصفة مطلقة وسرمدية.

أو ربما، آخر الأمر، أننا لا نملك إبصاراً، لأننا لا نحوز أعيناً منحتها الدربة القدرة على اقتناص التمزق في نسيج الصورة ومتابعته إلى كشفها عما لا يطال بالكلمة، أي عن خواء موقع الإنسان من لوحة الوجود وعن مبدأ ما هو مرئي، بحسب بيار لوجاندر. كما أننا لا نحوز القدرة على توليد الصور من المَشاهد، تلك مهمة آخرين. نحن ألوان الصورة، ننتظر آخرين لمنحنا شبهة معنى. ونحن من يملأ هذا الخواء بدماء وأسماء وسلالات تمتد من نور خلقه الله قبل آدم وقبل السماوات والأرض إلى خلفاء الله في أرضه والمستضعفين فيها، أو نملؤه بالمعنى المسيحاني المهدوي لتاريخ يسير حثيثاً إلى زمن العدل والقيامة.

في شكل أكثر "نثرية"، بحسب العبارة الفرنسية، ربما كان الحق في تناول المطلق والميتافيزيقي، من سلام وشر وشياطين، من حق اللاعبين الإقليميين فحسب. أما اللبنانيون فقصارى شأوهم أن يتناولوا المؤقت والتقني والنسبي، كالهدنة وإعادة الإعمار والتعويضات. تفاهة الصراع السياسي اللبناني وتضخمه اللفظي واللغوي قد تكون كافية لإغراق أي نقاش مطلق في ضحضاح وحلها وغائطها (والضحضاح لغةً القريب القعر من الماء، واستعاره الحديث للنار)، بالمقارنة مع شرف ونقاء الممانعة الأبدية والعداء الأبدي لشياطين الحداثة والغرب والمرأة والحرية. لكن ماذا عن رفعة العدالة والسيادة اللتين بهما يتشدقون؟


العدالة تجاوزاً وجسداً

يحكم القاضي، آخر الأمر، وفق قناعته الخاصة، ويفسر تبعاً لها أحكام القانون، مراعياً في تطبيقها أحوال المتقاضين والمتهمين التي لا يشبه واحدها الآخر. بين الكلمة والحال هوّة مبعثها أساساً انفصال الكلمات عن الأشياء، فكيف للقانون أن يملأها سوى بجسد القاضي البشري المعلق بين اللغة والوجود.

لذا يبدو من المستحيل تحقيق العدالة من خلال تحكيم الكمبيوتر في رقاب الناس. كما يبدو ذلك مستحيلاً أيضاً لاستحالة برمجة الكمبيوتر ليحتسب الأحوال التي لا تحصى للناس. بل فوق ذلك، يبدو مستحيلاً احتساب الأحوال نفسها، لذا يلجأ القاضي إلى قناعته، لا إلى آلة حاسبة أو إلى معيار ثابت مهما بلغت دقته. لذا لا يسع المرء إلا موافقة دريدا، متابعاً دولوز في اهتمامه بالقضاء لا بالتشريع، في إعلانه أن العدالة ليست القانون، فالعدالة غير قابلة للاحتساب والكيل بالميزان، في حين أن القانون دقيق ومحدد وثابت. لكن العدالة ايضاً مستحيلة إلا في وجود الدولة والقانون الذي يصدر عنها، لأنها تحديداً ذلك التأويل الذي يقدمه القاضي وسيطاً بين القاعدة والحالة، أي في تعليق القاعدة في حرفيتها وتطبيقها معاً وفي آن.

العدالة إذاً تتجاوز الميزان الذي علينا ألا نُخْسِرَه، وتتجاوز دفاتر الحسنات والسيئات، وتقدير أعمال العبد مقارنة بنعمة حاسة من الحواس (بأي معيار تمكن مثل هذه المقارنة). أليس أن العدل هو الرحيم؟ وفي التلمود، أن شرح "العين بالعين والسن بالسن" يعني "العين بتعويض عن العين..."، إذ هل تستوي عين أعور وعين أعمى أو بصير بالاثنتين؟ وهل تستوي رجل كسيح برجل أعرج..الخ؟ أي أن قاعدة العدل تتطلب تجاوز فكرة التكافؤ إلى فكرة الرحمة والرأفة وتقبل العوض وإن لم يجزِ أو لم يعد الحال إلى ما كانت عليه.

لكن، حين يكون أفق مساءلة الشر المطلق مغلقاً أو غائباً، أو أسير صورة الآخر فحسب، إلى أين يمكن تجاوز الحساب والتوازن والتكافؤ والمناصفات والمثالثات ونسب التصويت من هذه الطائفة أو تلك لهذا أو ذاك؟ ليس المقصود مساءلة إسرائيل قضائياً، فذاك أمر ميسور إذا ما وافق حزب الله على انتساب لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية التي، للمناسبة، يقاطعها الأميركيون. بل المقصود مساءلة فكرة الشر كأفق إنساني أقصى، للتساؤل عن مغزى سقوط آلاف الشهداء في وحشية يتم الرد عليها باحتساب "ضعف الحكومة الإسرائيلية" و"خدش هيبة جيشها" ومصرع بعض سكانها، عرباً وغير عرب. المقصود التفكر في معنى "الوحشية"، وفي غياب عائلات وقرى وذاكرات وأجساد عن سطح الوجود إلى غياهب عدم يأبى أن يستقبلهم حتى في لغة لا تكون خطابية شمولية الجمع والتسطيح.

تفيد قصة من قصص المأثور العربي أن المدينة العادلة هي تلك التي تضم قبورها في وسطها. تلك حال مدننا اليوم. لكن الفارق هو أن تلك المدينة كانت تجعل الموت حاضراً في كل لحظاتها، أما مقابرنا فقد غابت بدورها عن المدينة، رغم وقوعها في وسطها، حين غابت مساءلتها وباتت زيارتها روتينية، صبيحة العيد كي تنسى بسرعة أكبر، مثلما ينسى بعض الأهلين تزيين الأضرحة بعرق آس! للمقارنة، لا يمكن فهم تأثير المحرقة اليهودية على الضمير الأوروبي إن لم نلتفت إلى حضور الأضرحة والشواهد في المقابر الأوروبية، والباريسية، الكبرى. حضور الضريح، الضريح هو ما يحضر دوماً، صدق ابن جني وقلبه الأكبر! لكن الشبح ليس يأتي ما لم نستحضره.

في غياب كل ذلك، لا شك، بحسب مأثورنا الخاص، أن العدل سيغيب، وأن الجور هو ما يملأ الأرض. والجور ليس سوى تحكيم الأهواء والنفس الأمارة بالسوء التي يغويها الشيطان، لكنه أيضاً قد يكون تطبيق الأحكام بحذافيرها على شتى الحالات المتفاوتة وقد لا يكون أكثر من الثأر فحسب!

في غياب التنبه لضرورة التجاوز ولضرورة حضور الأجساد شرطاً للعدالة، تتحول هذه الكلمة مضغة ومطية في حلوق من لا يتعففون عن استخدام كل عبارة وذريعة وزعم في سبيل تحقيق القدر الأكبر من "المكاسب" المرقومة أو المقننة أو المحتسبة. في ذلك الحين، تكون الشعارات براقة كالسراب، "بحر الشيطان" كما يدعوه الصعايدة، لأنها لا تهدف سوى إلى إدارة الصراع بالقدر الأكبر الممكن من الفعالية.


السيد الذئب

لا يكف أصحابنا عن التشدق بدفاعهم المتطاول عن "السيادة"، سيادة لبنان ورئيسه وسادته. لكن كلاً من المعسكرين يرى تهديد السيادة هذه نابعاً من مصدر واحد أحد، وإن كان له شركاء أو وكلاء أصغر، لذا لا بد من محاربته بكل ما أمكن من حواضر البيت. لذا لجأ البعض إلى استحضار دراسة ادمون رباط عن نصاب جلسة انتخاب الرئيس، مع أن الزمن الفقهي والسياسي قد تجاوز نزعتها "العلمية" إلى تفسير النص من خلال "المصالح الاجتماعية" المفترضة في وصول "رئيس قوي" في نظام ليس فيه شيء بعد من الرئاسية (وكأن المشترع قد لغا، حاشاه، إذ تحدث عن انتخاب بالغالبية المطلقة بعد أن منح أقلية الثلث حق الفيتو على عقد الجلسة الأولى أصلاً). من هنا أيضاً، لجوء البعض الآخر إلى خلط مسألة العدالة بالمحكمة بالثأر بالسيادة بالكرامة، وكأن السيادة ليست في الأصل مفهوماً قانونياً محدداً، قبل أن تكون ممارسة سياسية على الصعيد الدولي.

تعني السيادة في القانون الدولي عدم خضوع الدولة (بافتراض وجودها، من خلال مؤسساتها، بداهةً!) لقاعدة قانونية لم تقبلها، أو لم تقبل بصلاحية واضعها لإقرارها وفرضها عليها. لذا لا معنى، بالطبع، لحديث صاحب البشرى عن علو السيادة الوطنية والقرار الداخلي على القانون الدولي، ما دام ارتضاه! لا معنى أيضاً، بطبيعة الحال، للدفاع عن سيادة دولة غير موجودة بما أن مؤسساتها كلها "وهمية"، "غير دستورية"، "باطلة"، ..الخ.

لكنهم ربما يدافعون عن "سيادتهم" كلّ لشعبه؟ السيادة على الصعيد الداخلي، لا الدولي، مفهوم ملتبس، والأولى، في رأيي، الحديث عن السلطة لا عن سيادة الدولة على شعبها، فالسلطة تكون محكومة بقواعد عملها وحدوده، أما السيادة فتعريفاً مطلقة، كما الشرّ.
في عددها الأخير، تضمنت مجلة Cités

(Le souverain bien) "الفرنسية نصاً غير منشور لدريدا عن "السيًد الحسن"
، هي محاضرته الأخيرة في فرنسا قبل وفاته. في سياق تفكيك مفهوم السيادة، الذي باتت تفرضه متطلبات البناء الأوروبي في الوقت عينه التي تتطلب فيه بناء مفهوم جديد لأوروبا ومعنى وحدتها، يتناول دريدا فكرة "السيد"، فيتقصى وجوه صورها "الوحشية"، لا سيما في حديث هوبس عن كون الإنسان ذئباً للإنسان، فيرى دريدا تالياً في "السيد" شيئاً ذئبياً، نهماً وزاعقاً معاً، نوعاً من حنجرة متوحشة. في هذا، الاشتياق إلى "السيادة" هو أيضاً توق إلى شرّها
(En mal de souveraineté).

لكن دريدا يتابع هنا مساراً من رموزه الأساسية الألماني شميدت، الذي يرى معيار السيادة في القدرة على فرض حالة الطوارئ، أي تحديداً القدرة على تعليق القانون. مثل هذه السيادة تكون تعريفاً خطيرة. لكن هنالك تراثاً قانونياً آخر، من علاماته النمساوي كلسن، وهَرَم نُظُمه الشهير. لدى كلسن، تولد قوة القاعدة من ترابطها في هرم من النظم، يشكل الدستور أعلاها. يمكن القول حينها أن القدرة على تعليق القانون ستكون هي أيضا، مثلما كانت حال دوفيلبان إبان أزمة الضواحي الفرنسية، مستمدة من الدستور نفسه. ولكن من أين يستمد الدستور نفسه قوته؟ يغمغم كلسن في الجواب، ملمحاً إلى قاعدة ربما تتجاوز الحد الوطني. أي ربما يكون القانون الدولي، رغم كونه في أغلب الدول أدنى من الدستور، هو المتضمن القاعدة الأساسية للقانون. ذلك أنه لا شك أن ما من دولة تستطيع امتلاك هذه الصفة، في أيامنا هذه، دون اعتراف جماعة الدول الأخرى بها.

إذا ما تابعنا هذا الإرث، فإن السيادة هي ملك للشعب، الذي يعبر عنها بالدولة، لكن الدولة ليست "السيدة" في حد ذاتها، (لذا كان الأولى، في رأيي، استعمال كلمة السلطة بدل السيادة الداخلية)، كما أن لا كينونة لها دون الاعتراف الدولي. ولا مجال للقول بالدور، بالمعنى الفلسفي، لأننا نولد دائماً وسط الأمور لا في بدئها، ولأن جماعة الدول أمر واقع! في هذه الحال، ليست القدرة على تعليق القانون سوى إحدى تطبيقات الدستور الذي يحدد قواعد هذه القدرة وأطرها وزمنها وحدودها.

إذا ما كان الدستور، نظرياً، تعبيراً عن إرادة الشعب فإنه، بالنظر لاستحالة كون الشعب جسداً أوحداً، يشكل في الواقع اتفاقية الهدنة بين القوى الاجتماعية المتصارعة، ويفترض به أن يسمح لها بتقنين صراعاتها اللاحقة وتأطيرها في إطار سلمي قابل للتطوير. لكن الخروج في تأويله عن حدّ لغته هو خروج عن الاجتماع البشري، كما كان ابن عربي يقول، وتنطح إلى الربوبية مثل كل خروج عن اللغة.

خروق الدستور التي توالى عليها الأطراف اللبنانيون على مدى سنوات طوال مزقت مظلتنا الحامية من حمم العنف الاجتماعي الفالت. عاد "السيد" هو القادر على تعليق القانون وتعطيله، لا بموجب الدستور بل بقوته العارية. عاد ذئباً يواجه الذئاب الأخرى. لكن بعضاً من خفر، ربما كان مجرد "تأخير"، لا يزال يحول دون هذا العري الإباحي للقوة، ودون تحويل المواجهة صراعاً خالصاً مع "الشر" المتجسد في الآخر المفترس. لذا يكتفي حالياً الساسة اللبنانيون بالتكاذب والافتراء على الدستور والذكاء الآدمي، فضلاً عن الخروج عن الحد الأدنى من التهذيب الإنساني. يكتفون في هذه الأثناء بإدارة الصراع، على ما يهوى أهل الممانعة القول في ظل العجز المزمن عن حسمه.


تقنيات الإدارة وأسئلة الفرد

Dominum Mundi، في عمله الأخير، "ملْكية العالم"
يتساءل بيار لوجاندر عن العولمة والسيطرة على العالم في غياب القدرة على ابتكار طقوس تحتضن المتسائل عن المعنى ومغزى الحياة وسؤال الموت، وتحتمل النظر في مرآة الوجود والآخر، في الوقت الذي تتحول فيه ثقافات العالم إلى فلكلور، ويحسب الغرب أن سيطرة Management، التقنية ـ العلم ـ الاقتصاد ستسمح له بامتلاك العالم نهائياً. إنها بمعنى ما هيمنة إمبراطورية الإدارة والحكم الرشيد.
.إنها إمبراطورية رخوة، يقول لوجاندر، تتأقلم مع كل ظرف، وتقوم مجراتها المترابطة من الشبكات بافتراس كل الأشكال العاجزة عن المنافسة. إنها إمبراطورية خبراء المحاسبة والمال الذين يبيعون... الفعالية وتقنياتها.

دور القانون، في هذا الإطار، هو أن يكون الصمغ أو الغراء الذي يشد عرى الاقتصاد والتقنية والعلم بعضها إلى بعض، مؤمناً تماسك الهيكل. أما سلاح الإمبراطورية فهو استعمال الصور وتحويل كل سلعة إلى استعراض، إلى وعد بالهناء الذي يتخذ أشكالاً واضحة وضاحكة. انتهى، بحسب لوجاندر، الدور التاريخي للسلالات والأنساب وعلاقات الأبوة وروابط الدم، مفسحاً المجال أمام تحويل Management إمبراطورية الـ
كل عملية اقتصادية إلى إخراج استعراضي، إلى طقس حديث يسعى إلى محو طقوس سابقة وجراح وأسرار خاصة من وجوه الآخرين المتمايزة، بكلفة هائلة ومستحيلة.

وحده الفرد ليس قابلاً للعولمة لأن ندوب وجهه وعلامات هويته لا تمحى. لكن لوجاندر ينسى أن الفردية أيضاً اختراع غربي، وفهم غربي لآخروية الآخر المصمتة. رغم ذلك، إذا افترضنا قدرة الفرد على رفض عولمة تقنيات الإدارة الحديثة، وتمسكه بطقوسه التي تحفظه من سؤال الحياة والموت، فإن ضآلة نصيبنا من الفردية لا تترك دفاعاً لنا أمام أحلام الفعالية التقنية والإدارية.

بين وساوس الحكومة الاقتصادية وهجسها بالإدارة، وهوس حزب الله التكنولوجي بإحداثيات المواقع والارتباط برؤية "رياضية" للعالم، بحسب ما لاحظ طوني شكر، فضلاً عن نزعته الاستعراضية التي تسلّع حتى الشهداء، المعروضين في هزج الاحتفال بدمائهم، يبدو جلياً تقمصنا لرؤية للعالم ترى القوة صنو الفعالية وجمع الأوراق في يد واحدة، وترى فيهما الهدف الأوحد الذي تتم ملاحقته إلى ما لا نهاية، تماماً مثلما تسعى الشركة في منطقها إلى غزو العالم كله، وتماماً مثلما كانت النازية آلة لا تستطيع إلى المضي إلى الأمام باستمرار، على ما يُظهر هيلبرغ.

Management إمبراطورية الـ
وعد الرخاء وأحلام الهناء والازدهار تنفي من خلال السلعة والفعالية كوابيس الشرّ الكامنة في ثنايا النفوس. لكننا نعلم جيداً أن الفعالية المطلقة العقال للإدارة النازية، أو الستالينية، أو البعثية، حيث الحماسة (وهي حال غير فلسفية بحسب باديو) تدفع صغار الموظفين إلى استباق رغبات الرؤساء، هي تحديداً ما أدى إلى قرن من الفظائع، ربما ليس سوى تمهيد لما سنشهده. إنها فعالية الإدارة اليومية والتقنية التي تجعل الشرّ عادياً، وتنفي الحاجة إلى هتلر أو ستالين أو ديكتاتور شيطاني الطبيعة لتفسير الفواجع الكارثية.

وجه العملة وقفاها: أحلام الفعالية والقوة التي تدير رؤوسنا، وسبحة الفواجع التي نشيح بأعيننا عنها ولا نبصر. تماماً، مثلما نريد استيراد السلعة دون أشباح ذاكرتها، والسلاح دون كوابح عمله، والدستور وسيادة الدولة دون تواطؤ الاجتماع عليهما. هكذا نتأرجح بين بيروقراطية مستنقعة البطء وجيوش لا تني تستورد أحدث أدوات الموت، بين شعارات النصر وجثث القتلى في جحيم الهزائم.

العين التي لا ترى شراً سوى في الآخر المطلق الأخروية والمقطوع الصلة بالذات، الذاكرة التي لا تحفظ سوى طنين الشعارات وسلالات الأنساب بدل ذكرى الألم ووقائع التاريخ والهجنة، حلم القوة والفعالية الذي يسحق الحرية والاختلاف واختلاط النفس البشرية، كل ذلك وعد صادق بعودة عادية الشرّ الذي لا نراه شرّا إلى الأرض اللبنانية التي اختبرته طويلاً، ولم تحفظ له وجهاً أو صورة. إلى أن تبتلعنا جميعاً في زلزالها القادم والمعلن؟

كلود ليفي ستروس، شكراً

ملحق النهار الثقافي، كانون الأول 2007
:تحية إلى كلود ليفي ـ ستروس في عيده التاسع والتسعين
المحافظة على العقل البشري



قبل أيام معدودات، أتم كلود ليفي ـ ستروس عامه التاسع والتسعين، في صمت إعلامي تام. أليس أن الإعلام يهوى الأصفار؟ فالرجل من مواليد 28 ت2 1908. أي أنه يدنو من اتمام قرن كامل على هذه البسيطة، كان له فيه فضل التأثير على بعض أفضل عقول زمنه. ليست هذه المقالة، التي لن يقرأها، أكثر من تحية للشخص نفسه، لا تلخيصاً لنظرياته. كلود ليفي ـ ستروس على عتبة القرن الجديد. إنها أيضاً فسحة لنقيس أين أصبحنا من طموحات الحداثة.

بعد وفاة سارتر، الذي خاض خلافاً حاداً مع ليفي ـ ستروس حول موقع التاريخ والفلسفة والإناسة، اعتبر أحد استطلاعات الرأي أن المثقف الأوسع تأثيراً في فرنسا هو الإناسي الذي طلق السياسة مبكراً، بعد حملة انتخابية اشتراكية انتهت يوم بدأت اثر سقوط قائدها الأغر وسيارته في المياه. كان ذاك في عصر تزهو فيه الساحة الفكرية الفرنسية بألمع أسمائها، وجلهم مثقف على الطريقة الفرنسية منغمس بشكل أو بآخر في هم الناس والسياسة. إلا أن تقديم ليفي ـ ستروس عليهم، دون أن يستاؤوا، كان تقديماً منهجياً لأن عالم الإناسة والباحث في أساطير أميركا ما قبل كولومبوس كان أحد معلمي المنهج والتطلب في العلوم غير الطبيعية. غير أن ليفي ـ ستروس لا يرى في ما يدعى "البنيوية" سوى أقدم طرائق التفكير: المقارنة بين مختلفين، لكشف الثوابت وراء الفروقات التي ينبغي تمحيصها بأقصى الدقة، بدل استنفاد حياة كاملة في وصف ظاهرة واحدة بالكاد. لكن أليس الحديث دائماً هو عودة ما قبل التاريخ على ما يقول والتر بنجامين؟

ليفي ـ ستروس، مثله مثل جورج دوميزيل، صاحب نظرية الوظائف الثلاث في الحضارة الهندو ـ أوروبية، يعدان بدورهما استكمالاً لبرنامج بدأ في أواسط القرن التاسع عشر، ويرده البعض إلى كتاب فوستيل دوكولانج عن "المدينة الغابرة". أي للرغبة في تحويل العلوم الإنسانية إلى علوم متطلبة ودقيقة بقدر العلوم الطبيعية، لكن مع فصل موضوعها (أي المجتمع وليس الإنسان) فصلاً تاماً وناجزاً عن الطبيعة كشرط أساسي لإنجاح هذا البرنامج. تطلب ذلك أيضاً المرور بالألسنية والقواعد المقارنة وعلم الاجتماع والإناسة والفيلولوجيا والتأريخ والصينيات. وكان كل مجال يمد الآخر بأدوات تجاوز نفسه وتجاوز وفرة معلوماته المربكة. كان هذا الطموح، الذي انتهى خصومه إلى اتهامه بنفي الإنسان من اعتباراته، ايماناً في العمق بقدرة العقل الإنساني على فهم ما يبدو له متنافراً. كان هذا الدرس الأبرز الذي استخلصه ليفي ـ ستروس، وكان لما يزل طالباً بعد، من قراءة ترجمات كتب فرويد أول صدورها في فرنسا. أو، بعبارته هو، لم يكن من المعقول أن يكون البشر قضوا ألوف السنين في مجافاة المنطق. لذا لا بد من أن ثمة قواعد قابلة للفهم وراء تنافر مؤسساتهم ومعتقداتهم وتدافع أساطيرهم.

القاعدة الأولى التي استنبطها كانت عالمية منع زواج المحارم، وما يستتبعه ذلك مما يترتب على هذه القاعدة لجهة التبادل الاجتماعي للنساء والثروات. إلا ان ليفي ـ ستروس يصوغ هذه القاعدة بشكل ينطبق عليه وصفه لقاعدة الوظائف الثلاث لدى دوميزيل. فهذه "الايديولوجيا" تطّرد شكلياً فحسب، أما ما يصبّ داخلها فمتغير ومتفاوت. أي أن القاعدة شائعة في عموم المجتمعات البشرية، إلا أن تحديد المحارم، وبالتالي تحديد الخيار الأمثل للزواج، أمر مختلف كلياً في ما بينها.

أما في تحليله للأساطير الأميركية، فإن ليفي ـ ستروس يقوم بتقريب مدهش بين بنية تركيبها وبين ... التأليف الموسيقي الأوروبي، مقترحاً أن تكون الموسيقى الوريثة لبنى التفكير الأسطوري المنسحبة من التفكير الغربي في ظل صعود العقلانية. في هذا المعنى، يشكل ليفي ـ ستروس أحد أشد المدافعين عن قراءة عقلانية للأمور، تصر على ادراج كامل مظاهر الحياة، مهما بدت غرابتها في إطار منطقي العمق، وتصر على منهج علمي يستبدل تكرار التجارب عينها معملياً بامتداد التجارب المجتمعية والبشرية على قرون وقارات عدة، مع معرفة أنها لن تبلغ نفس درجة الدقة كما العلوم الطبيعية. مشروع الأنوار وما بعدها، كما نعلم، يتعرض لصدمات متتالية، إلى حد أن أحداً كريجيس دوبريه يعلن بكل جرأة أن حصة اللاعقلانية في المجتمعات جميعها محفوظة لا يمكن تخفيضها وإن تنوعت أشكالها. يمكن قياس هذا التراجع في الطموح "الإنساني" (نسبة إلى المذهب الأوروبي النشأة) حتى في خطاب ليفي ـ ستروس ما بين الستينات حين كان يردد رغبته في فهم عمل العقل البشري، وبين الثمانينات حين بات يردد إنه لا يفعل سوى القول كيف يفكر هو شخصياً.

بل إن ليفي ـ ستروس يدرج الإناسة كلها في إطار طموح المذهب "الإنساني" إلى فهم هذا الإنسان، انطلاقاً من الحضارة الغربية، ثم بمعرفة الشرق العربي والهند والصين، وأخيراً بالأميركيتين وافريقيا واوستراليا. وهو في هذا يضع أطروحات "الاستشراف" المتداولة أمام اختبار عسير، بمجرد الممارسة التي يقوم بها الإناسيون. إذ ما الذي يرجوه الغرب من دراسة الشعوب "البدائية"، التي انقرضت أو أوشكت، والتي أخضعت أو أبيدت من قبل أن تدرس، سوى فهم آلاف الحضارات البشرية قدر الإمكان ومنع أن يطوي الزمن هذه التجارب الإنسانية دون أثر عليها؟ وضع الدراسات الشرقية في هذا الإطار الأوسع يحرمها الوظيفة التبريرية الإخضاعية التي ألصقت بها، دون أن ينفي ذلك عن هذا الالصاق قليلاً من الصواب في بعض الحالات القليلة. لذا يعتبر ليفي ـ ستروس دراسة الإناسة آخر المغامرات الكبرى، ذلك أن ما تبقى لنا لنكتشفه (القمر؟ الكواكب؟) أصمّ حجري بارد لا تجربة إنسانية فيه.

بحكم موضوع دراسته إذن، يميل ليفي ـ ستروس إلى المحافظة على الحضارات البشرية ومنجزاتها، بما تتمثل به أساساً، أي الطقوس والمؤسسات واللغة. وهو في هذا يستعمل لغة فرنسية شديدة الدقة والتهذيب، لمّاحة المرح المحترس. منذ زمن بعيد، طلق الرجل الحماسة السياسية، معتبراً أن من أخطأ مثله بالدعوة إلى السلام، قبل الحرب العالمية الثانية، لا يجوز له أن يستمر في التدخل في مثل هذا المجال (آه لو أن من أخطوؤا في السياسة والحرب يستلهمون هذا الدرس!). لكن ذلك لا يجعله من "المحافظين" القدامى ولا الجدد. ذلك أن للحفاظ على أسس الحضارة، بالنسبة إلى ليفي ـ ستروس، قواعد لا تنطبق تماماً مع "العمى" اليميني الطاغي، وإن توافقت معه في ضرورة احترام المؤسسات والحفاظ عليها (ليفي ـ ستروس برر، إناسياً، لتلاميذه قبوله بمنصبه كأستاذ في الكوليج دو فرانس بضرورة الحفاظ على المؤسسات). بالمقابل، يدعو ليفي ـ ستروس إلى احترام طقوس الدخول في الحياة الراشدة، وعدم الانسياق وراء هيمنة الطفولة على مخيال البشر (لا بد أولاً من السيطرة على "مادة" ما، كاللون أو اللغة أو الآلة، قبل أن يعبر المرء عن قدرته الابداعية). وعلى الرغم من الفصل النظري بين الحضارة والطبيعة، والذي يشكل "الطبخ" أحد معالمه الرئيسة، فإن ليفي ـ ستروس يحذر من تعريف الإنسان ككائن مفكّر بدل كونه "كائناً حياً"، لأن هذا الفصل بين الإنسان والبيئة يرفعه إلى مصاف السيد والمسيطر على الطبيعة ويؤدي إلى تدمير بيئته وجغرافيته. رغم أن ليفي ـ ستروس يعلم ما يعلن، بنبرة تشاؤمية ودون أوهام في ما خص وعي البشر، إلا أنه أيضاً يمتنع عموماً عن اطلاق نبؤات حول المستقبل، ويحتفظ بعشق رائع للحياة ولتوازن أنواع الحياة المختلفة على هذه الكرة الأرضية.

يتوجس الإناسي أيضاً من ثقل الكتلة البشرية المتنامية على العالم وموارده، وعلى تجربة الحرية والعقل البشريين، معتبراً أن الانفجار السكاني يجعلنا أيضاً في مرحلة تسميم ذاتي، مستعمرين من ذواتنا. كما يتوقف ليفي ـ ستروس أيضاً في مقابلات وكتابات عديدة عند أثر سرعة التنقل والتبادل بين المجموعات البشرية المختلفة، على اعتباره أثراً ضاراً يقضي على مجتمعاتها وأنماط حياتها. لا شك أن مواضيع دراسته، في الأميركيتين، تؤكد مثل هذا التوجه. إلا أن ليفي ـ ستروس يمضي أبعد من ذلك، معتبراً أن من شروط السلام بين المجتمعات توازن المسافة. ألا يكون البعد بالغاً، ولا القرب لصيقاً. أي أنه، في العمق، لا يدعو إلى "تجميد" المجتمعات في ثلاجات الهوية، بل إلى تركها تنضِج باختيارها وبإيقاعها آثار مبادلاتها مع الخارج عنها. والحق أن درساً رئيسياً ينبغي الخروج به من كتابات ليفي ـ ستروس هو ضرورة اختيار وضبط المسافة، بين المجتمعات بعضها بعضا، كما بين الدارس وموضوع درسه، وإلى حسن اختيار أداة النظر إذ لا ينفع المجهر في رصد النجوم ولا المرقاب (التلسكوب) لفحص الجراثيم. وليس مثل هذا الدرس غريباً عمن حملت كتبه، خاصة الحميمة منها، عناوين مثل "من قريب ومن بعيد" (De près et de loin)

(Regard éloigné) و "النظر على مبعدة

"عالم الإناسة،

الذي أسفت أكاديمية غونكور لأنه حجب عنها منحه الجائزة حين لم يكتب على غلاف "مدارات حزينة

(Tristes tropiques)
أنه رواية، المشترك مع ياكوبسون في "قراءة" قصيدة القطط لريمبو،

تلميذ الألسنية، والمحمول في مركب واحد مع بارت ولاكان وفوكو (رغم اعتراضه واعتراض كل منهم) في مركب البنيوية، هو أيضاً نموذج على ما كانت الحياة الفرنسية تتيحه من لقاءات غريبة وفريدة، على ظهر باخرة أو في رواق إحدى معاهدها غير النمطية وغير الجامعية. هل أبلغ من استقبال عالم الصينيات غرانيه لعالم الرومانيات والاغريقيات دوميزيل: "ادخل، فانني انتظرك منذ عشر سنوات"! حتى في أزمة الحرب العالمية الثانية، التي غادر فيها ليفي ـ ستروس، بسبب اسمه اليهودي، فرنسا إلى الولايات المتحدة حيث اضطر إلى كتابة اسمه على النحو التالي: "كلود ل. ـ ستروس" كيلا يتعرض لتعليقات الطلبة حول الجينز، صادق الإناسي الإنساني عميد السورياليين أندريه بروتون وعلّما، مع سائر العصبة، الأميركيين كيفية النظر إلى نتاجات الجضارات الأميركية بوصفها نتاجات فنية بديعة وجمالية.


إلا أن اللقاء الأغرب والأكثر دلالة، على ما أحسب، كان لقاء ليفي ـ ستروس بالعالم، حيث إن
بطريرك العقلانية هذا، وصاحب مئات الآلاف من القسائم التي تختصر وتبوب وترتب آلاف الكتب، جعل من العالم خريطة على جدران مكتبته، وجلس طويلاً ينظم كتبه حتى أتى كل كتاب في الموضع الذي يحتله موضوعه من قارات العالم المصورة. بالطبع، لم يطل الحال قبل أن غزت الفوضى والوفرة هذا الاجراء البديع. عمل العقل لا ينتهي. كلود ليفي ـ ستروس، شكراً.